Абу Хайян · Тафсир · на арабском
Аль-Бакара 2:30–31, продолжение
﴿بِحَمْدِكَ﴾: في مَوْضِعِ الحالِ، والباءُ فِيهِ لِلْحالِ، أيْ نُسَبِّحُ مُلْتَبِسِينَ بِحَمْدِكَ، كَما تَقُولُ: جاءَ زَيْدٌ بِثِيابِهِ، وهي حالٌ مُتَداخِلَةٌ؛ لِأنَّها حالٌ في حالٍ. وقِيلَ: الباءُ لِلسَّبَبِ، أيْ بِسَبَبِ حَمْدِكَ، والحَمْدُ هو الثَّناءُ، والثَّناءُ ناشِيءٌ عَنِ التَّوْفِيقِ لِلْخَيْرِ والإنْعامِ عَلى المُثَنّى، فَنَزَلَ النّاشِئُ عَنِ السَّبَبِ مَنزِلَةَ السَّبَبِ فَقالَ: ونَحْنُ نَسْبَحُ بِحَمْدِكَ، أيْ بِتَوْفِيقِكَ وإنْعامِكَ، والحَمْدُ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ نَحْوَ قَوْلِهِ: مِن دُعاءِ الخَيْرِ، أيْ بِحَمْدِنا إيّاكَ. والفاعِلُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ مَحْذُوفٌ في بابِ المَصْدَرِ، وإنْ كانَ مِن قَواعِدِهِمْ أنَّ الفاعِلَ لا يُحْذَفُ ولَيْسَ مَمْنُوعًا في المَصْدَرِ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُهم؛ لِأنَّ أسْماءَ الأجْناسِ لا يُضْمَرُ فِيها؛ لِأنَّهُ لا يُضْمَرُ إلّا فِيما جَرى مَجْرى الفِعْلِ، إذِ الإضْمارُ أصِلٌ في الفِعْلِ، ولا حاجَةَ تَدْعُو إلى أنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُهم، وأنَّ التَّقْدِيرَ: ونَحْنُ نَسْبَحُ ونُقَدِّسُ لَكَ بِحَمْدِكَ، فاعْتُرِضَ بِحَمْدِكَ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ التَّقْدِيمَ والتَّأْخِيرَ مِمّا يُخْتَصُّ بِالضَّرُورَةِ، فَلا يُحْمَلُ كَلامُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وإنَّما جاءَ بِحَمْدِكَ بَعْدَ نُسَبِّحُ؛ لِاخْتِلاطِ التَّسْبِيحِ بِالحَمْدِ. وجاءَ قَوْلُهُ بَعْدَ: ﴿ونُقَدِّسُ لَكَ﴾ كالتَّوْكِيدِ؛ لِأنَّ التَّقْدِيسَ هو: التَّطْهِيرُ، والتَّسْبِيحُ هو: التَّنْزِيهُ والتَّبْرِئَةُ مِنَ السُّوءِ، فَهُما مُتَقارِبانِ في المَعْنى. ومَعْنى التَّقْدِيسِ كَما ذَكَرْنا التَّطْهِيرُ، ومَفْعُولُهُ: أنْفُسَنا لَكَ مِنَ الأدْناسِ، قالَهُ الضَّحّاكُ وغَيْرُهُ، أوْ أفْعالَنا مِنَ المَعاصِي، قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ، أوِ المَعْنى: نُكَبِّرُكَ ونُعَظِّمُكَ. قالَهُ مُجاهِدٌ وأبُو صالِحٍ، أوْ نُصَلِّي لَكَ، أوْ نَتَطَهَّرُ مِن أعْمالِهِمْ يَعْنُونَ بَنِي آدَمَ. حُكِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوْ نُطَهِّرُ قُلُوبَنا عَنِ الِالتِفاتِ إلى غَيْرِكَ، واللّامُ في لَكَ زائِدَةٌ، أيْ نُقَدِّسُكَ. وقِيلَ: لامُ العِلَّةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِنُقَدِّسُ، قِيلَ: أوْ بَنُسَبِّحُ وقِيلَ: مُعَدِّيَةٌ لِلْفِعْلِ، كَهي في سَجَدْتُ لِلَّهِ، وقِيلَ: اللّامُ لِلْبَيانِ كاللّامِ بَعْدَ سَقْيًا لَكَ، فَتَتَعَلَّقُ إذْ ذاكَ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلُهُ، أيْ تَقْدِيسُنا لَكَ. والأحْسَنُ أنْ تَكُونَ مُعْدِيَةً لِلْفِعْلِ، كَهي في قَوْلِهِ: (يُسَبِّحُ لِلَّهِ)، (وسَبَّحَ لِلَّهِ) . وقَدْ أبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ﴾ اسْتِفْهامِيَّةٌ حُذِفَ مِنها أداةُ الِاسْتِفْهامِ وأنَّ التَّقْدِيرَ، أوْ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ، أمْ نَتَغَيَّرُ، بِحَذْفِ الهَمْزَةِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، ويَحْذِفُ مُعادِلَ الجُمْلَةِ المُقَدَّرَةِ دُخُولُ الهَمْزَةِ عَلَيْها، وهي قَوْلُهُ: أمْ نَتَغَيَّرُ، ولَيْسَ ذَلِكَ مِثْلَ قَوْلِهِ:
؎لَعَمْرِكَ ما أدْرِي وإنْ كُنْتُ دارِيًا ∗∗∗ بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الجَمْرَ أمْ بِثَمانِ
يُرِيدُ: أبِسَبْعٍ؛ لِأنَّ الفِعْلَ المُعَلَّقَ قَبْلَ بِسَبْعٍ والجُزْءَ المُعادِلَ بَعْدَهُ يَدُلّانِ عَلى حَذْفِ الهَمْزَةِ. ولَمّا كانَ ظاهِرُ قَوْلِ المَلائِكَةِ: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ﴾، مِمّا لا يُناسِبُ أنْ يُجاوِبُوا بِهِ اللَّهَ، إذْ قالَ لَهم: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ . وكانَ مِنَ القَواعِدِ الشَّرْعِيَّةِ والعَقائِدِ الإسْلامِيَّةِ عِصْمَةُ المَلائِكَةِ مِنَ المَعاصِي والِاعْتِراضِ، لَمْ يُخالِفْ في ذَلِكَ إلّا طائِفَةٌ مِنَ الحَشَوِيَّةِ. وهي مَسْألَةٌ يُتَكَلَّمُ عَلَيْها في أُصُولِ الدِّينِ، ودَلائِلُها مَبْسُوطَةٌ هُناكَ، احْتاجَ أهْلُ العِلْمِ إلى إخْراجِ الآيَةِ السّابِقَةِ عَنْ ظاهِرِها وحَمَلَها كُلُّ قائِلٍ مِمَّنْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ عَلى ما سَبَّحَ لَهُ، وقَوِيَ عِنْدَهُ مِنَ التَّأْوِيلِ الَّذِي هو سائِغٌ في عِلْمِ اللِّسانِ. وقالَ بَعْضُ أهْلِ الإشاراتِ: المَلائِكَةُ لَمّا تَوَهَّمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى أقامَهم في مَقامِ المَشُورَةِ بِأنَّ لَهم وجْهَ المُصْلِحَةِ في بَقاءِ الخِلافَةِ فِيمَن يُسَبِّحُ ويُقَدِّسُ، وأنْ لا يَنْقُلَها إلى مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ، فَعَرَضُوا ذَلِكَ عَلى اللَّهِ، وكانَ ذَلِكَ مِن جُمْلَةِ النُّصْحِ في الِاسْتِشارَةِ، والنُّصْحُ في ذَلِكَ واجِبٌ عَلى المُسْتَشارِ، واللَّهُ تَعالى الحَكَمُ فِيما يَمْضِي مِن ذَلِكَ ويَخْتارُ.
ومِن أنْدَرِ ما وقَعَ في تَأْوِيلِ الآيَةِ ما ذَهَبَ إلَيْهِ صاحِبُ (كِتابِ فَكِّ الأزْرارِ)، وهو الشَّيْخُ صِفِيُّ الدِّينَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الحُسَيْنُ بْنُ الوَزِيرِ أبِي الحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي المَنصُورِ الخَزْرَجِيُّ، قالَ: في كِتابِ ظاهِرِ كَلامِ المَلائِكَةِ يُشْعَرُ بِنَوْعٍ مِنَ الِاعْتِراضِ، وهم مُنَزَّهُونَ عَنْ ذَلِكَ، (p-١٤٤)والبَيانُ: أنَّ المَلائِكَةَ كانُوا حِينَ وُرُودِ الخِطابِ عَلَيْهِمْ مُجْمَلِينَ، وكانَ إبْلِيسُ مُنْدَرِجًا في جُمْلَتِهِمْ، فَوَرَدَ مِنهُمُ الجَوابُ مُجْمَلًا. فَلَمّا انْفَصَلَ إبْلِيسُ عَنْ جُمْلَتِهِمْ بِإبائِهِ وظُهُورِ إبْلِيسِيَّتِهِ واسْتِكْبارِهِ، انْفَصَلَ الجَوابُ إلى نَوْعَيْنِ: فَنَوْعُ الِاعْتِراضِ مِنهُ كانَ عَنْ إبْلِيسَ، وأنْواعُ الطّاعَةِ والتَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ كانَ عَنِ المَلائِكَةِ. فانْقَسَمَ الجَوابُ إلى قِسْمَيْنِ، كانْقِسامِ الجِنْسِ إلى جِنْسَيْنِ، وناسَبَ كُلُّ جَوابٍ مَن ظَهَرَ عَنْهُ واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى كَلامُهُ. وهو تَأْوِيلٌ حَسَنٌ، وصارَ شَبِيهًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٣٥]؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ كُلُّها مَقُولَةٌ، والقائِلُ نَوْعانِ، فَرُدَّ كُلُّ قَوْلٍ لِمَن ناسَبَهُ. وقِيلَ في قَوْلِهِ: ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ﴾، إشارَةٌ إلى جَوازِ التَّمَدُّحِ إلى مَن لَهُ الحُكْمُ في التَّوْلِيَةِ مِمَّنْ يَقْصِدُ الوِلايَةَ، إذا أمِنَ عَلى نَفْسِهِ الجَوْرَ والحَيْفَ، ورَأى في ذَلِكَ مَصْلَحَةً؛ ولِذَلِكَ جازَ لِيُوسُفَ، عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ السَّلامُ، طَلَبَهُ الوِلايَةَ، ومَدَحَ نَفْسَهُ بِما فِيها فَقالَ: ﴿اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥]، قالَ: (إنِّي أعْلَمُ)، مُضارِعُ عَلِمَ وما مَفْعُولَةٌ بِها مَوْصُولَةٌ، قِيلَ: أوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ: أنا لا نَخْتارُ كَوْنَها نَكِرَةً مَوْصُوفَةً. وأجازَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ والمَهْدَوِيُّ وغَيْرُهُما أنْ تَكُونَ أعْلَمُ هُنا اسْمًا بِمَعْنى فاعِلٍ، وإذا كانَ كَذَلِكَ جازَ في ما أنْ تَكُونَ مَجْرُورَةً بِالإضافَةِ، وأنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ لِأنَّ هَذا الِاسْمَ لا يَنْصَرِفُ، وأجازَ بَعْضُهم أنْ تَكُونَ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ. والتَّقْدِيرُ: أعْلَمُ مِنكم، وما مَنصُوبَةٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ أعْلَمُ، أيْ عَلِمْتُ، وأعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ.
وهَذا القَوْلُ فِيهِ خُرُوجٌ عَنِ الظّاهِرِ وادِّعاءُ حَذْفَيْنِ: أحَدُهُما: حَذْفُ المُفَضَّلِ عَلَيْهِ وهو مِنكم. والثّانِي: الفِعْلُ النّاصِبُ لِلْمَوْصُولِ، وأمّا ما أجازَهُ مَكِّيُّ فَهو مَبْنِيٌّ عَلى أمْرَيْنِ غَيْرِ صَحِيحَيْنِ. أحَدُهُما: ادِّعاءُ أنَّ أفْعَلَ تَأْتِي بِمَعْنى فاعِلٍ، وهَذا قالَ بِهِ أبُو عُبَيْدَةَ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ، وخالَفَهُ النَّحْوِيُّونَ ورَدُّوا عَلَيْهِ قَوْلَهُ، وقالُوا: لا يَخْلُوا أفْعَلُ مِنَ التَّفْضِيلِ، وإنْ كانَ يُوجَدُ في كَلامِ بَعْضِ المُتَأخِّرِينَ أنَّ أفْعَلَ قَدْ يَخْلُو مِنَ التَّفْضِيلِ، وبَنَوْا عَلى ذَلِكَ جَوازَ مَسْألَةِ يُوسُفُ أفْضَلُ إخْوَتِهِ، حَتّى أنَّ بَعْضَهم ذَكَرَ في جَوازِ اقْتِياسِهِ خِلافًا؛ تَسْلِيمًا مِنهُ أنَّ ذَلِكَ مَسْمُوعٌ مِن كَلامِ العَرَبِ فَقالَ: واسْتِعْمالُهُ عارِيًا دُونَ مِن مُجَرَّدًا عَنْ مَعْنى التَّفْضِيلِ، مُأوَّلًا باسِمِ فاعِلٍ أوْ صِفَةٍ مُشَبَّهَةٍ، مُطَّرِدٌ عِنْدَ أبِي العَبّاسِ، والأصَحُّ قَصْرُهُ عَلى السَّماعِ. انْتَهى كَلامُهُ. والأمْرُ الثّانِي: أنَّهُ إذا سُلِّمَ وُجُودُ أفْعَلِ عارِيًا مِن مَعْنى التَّفْضِيلِ، فَهو يَعْمَلُ عَمَلَ اسْمِ الفاعِلِ أمْ لا. والقائِلُونَ بِوُجُودِ ذَلِكَ لا يَقُولُونَ بِإعْمالِهِ عَمَلَ اسْمِ الفاعِلِ إلّا بَعْضُهم، فَأجازَ ذَلِكَ، والصَّحِيحُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ النَّحْوِيُّونَ المُتَقَدِّمُونَ مِن كَوْنِ أفْعَلَ لا يَخْلُو مِنَ التَّفْضِيلِ، ولا مُبالاةَ بِخِلافِ أبِي عُبَيْدَةَ؛ لِأنَّهُ كانَ يُضَعِّفُ في النَّحْوِ، ولا بِخِلافِ بَعْضِ المُتَأخِّرِينَ؛ لِأنَّهم مَسْبُوقُونَ بِما هو كالإجْماعِ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ، ولَوْ سَلَّمْنا لِسَماعِ ذَلِكَ مِنَ العَرَبِ، فَلا نُسَلِّمُ اقْتِياسَهُ؛ لِأنَّ المَواضِعَ الَّتِي أُورِدَتْ دَلِيلًا عَلى ذَلِكَ في غايَةٍ مِنَ القِلَّةِ، مَعَ أنَّها قَدْ تُئُوِّلَتْ. ولَوْ سَلَّمْنا اقْتِياسَ ذَلِكَ، فَلا نُسَلِّمُ كَوْنَهُ يَعْمَلُ عَمَلَ اسْمِ الفاعِلِ. وكَيْفَ نُثْبِتُ قانُونًا كُلِّيًّا ولَمْ نَسْمَعْ مِنَ العَرَبِ شَيْئًا مِن أفْرادِ تَرْكِيباتِهِ لا يُحْفَظُ: هَذا رَجُلٌ أضْرَبُ عُمَرًا، بِمَعْنى ضارِبٌ عُمَرًا، ولا هَذِهِ امْرَأةٌ أقْتَلُ خالِدًا، بِمَعْنى قاتِلَةٌ خالِدًا، ولا مَرَرْتُ بِرَجُلٍ أكْسى زَيْدًا جُبَّةً، بِمَعْنى: كاسٍ زَيْدًا جُبَّةً. وهَلْ هَذا إلّا إحْداثُ تَراكِيبَ لَمْ تَنْطِقِ العَرَبُ بِشَيْءٍ مِن نَظِيرِها ؟ فَلا يَجُوزُ ذَلِكَ. وكَيْفَ يَعْدِلُ في كِتابِ اللَّهِ عَنِ الشَّيْءِ الظّاهِرِ الواضِحِ مَن كَوْنِ أعْلَمُ فِعْلًا مُضارِعًا إلى هَذا الَّذِي هو ؟ كَما رَأيْتَ في عِلْمِ النَّحْوِ، وإنَّما طَوَّلْتَ في هَذِهِ المَسْألَةِ؛ لِأنَّهم يَسْلُكُونَ ذَلِكَ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ سَيَأْتِي بَيانُها، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، فَيَنْبَغِي أنْ يُتَجَنَّبَ ذَلِكَ. ولِأنَّ اسْتِعْمالَ أفْعَلَ عارِيَةً مِن مَعْنى التَّفْضِيلِ مَشْهُورٌ عِنْدَ بَعْضِ المُتَأخِّرِينَ، فَنَبَّهْتُ عَلى ما في ذَلِكَ، والمَسْألَةُ مُسْتَوْفاةُ الدَّلائِلِ. نَذْكُرُ في عِلْمِ النَّحْوِ: (ما لا تَعْلَمُونَ) الَّذِي مَدَحَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ مِنُ العِلْمِ دُونَهم عِلْمُهُ ما في نَفْسِ إبْلِيسَ مَعَ (p-١٤٥)البَغْيِ والمَعْصِيَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ أوْ عِلْمُهُ بِأنَّهُ سَيَكُونُ مِن ذَلِكَ الخَلِيفَةِ أنْبِياءٌ وصالِحُونَ، قالَهُ قَتادَةُ، أوْ عِلْمُهُ بِمَن يَمْلَأُ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ؛ أوْ عِلْمُهُ بِعَواقِبِ الأُمُورِ؛ فَيَبْتَلِي مَن تَظُنُّونَ أنَّهُ مُطِيعٌ فَيُؤَدِّيِهِ الِابْتِلاءُ إلى المَعْصِيَةِ، ومَن تَظُنُّونَ أنَّهُ عاصٍ فَيُؤَدِّيِهِ الِابْتِلاءُ إلى الطّاعَةِ فَيُطِيعُ، قالَهُ الزَّجّاجُ، أوْ عَلْمُهُ بِظَواهِرِ الأُمُورِ وباطِنُها، جَلِيُّها ودَقِيقُها، عاجِلُها وآجِلُها، صالِحُها وفاسِدُها، عَلى اخْتِلافِ الأحْوالِ والأزْمانِ عِلْمًا حَقِيقِيًّا، وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ذَلِكَ، أوْ عِلْمُهُ بِغَيْرِ اكْتِسابٍ ولا نَظَرَ ولا تَدَبُّرَ ولا فِكْرَ، وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ المَعْلُوماتِ عَلى هَذا النَّسَقِ. أوْ عِلْمُهُ بِأنَّ مَعَهم إبْلِيسَ، أوْ عِلْمُهُ بِاسْتِعْظامِكم أنْفُسَكم بِالتَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ. والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ اللَّفْظِ أنَّهُ أخْبَرَهم إذا تَكَلَّمُوا بِالجُمْلَةِ السّابِقَةِ الَّتِي هي أتُجْعَلُ فِيها بِأنَّهُ يَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَهُ. وأبْهَمَ في إخْبارِهِ الأشْياءَ الَّتِي يَعْلَمُها دُونَهم، فَإذا كانَ كَذَلِكَ، فَإخْبارُهُ بِأنَّهُ يَجْعَلُ في الأرْضِ خَلِيفَةً يَقْتَضِي التَّسْلِيمَ لَهُ والرُّجُوعَ إلَيْهِ فِيما أرادَ أنْ يَفْعَلَهُ والرِّضا بِذَلِكَ؛ لِأنَّ عِلْمَهُ مُحِيطٌ بِما لا يُحِيطُ بِهِ عِلْمُ عالِمٍ، جَلَّ اللَّهُ وعَزَّ. والأحْسَنُ أنَّ يُفَسَّرَ هَذا المُبْهَمُ بِما أخْبَرَ بِهِ تَعالى عَنْهُ مِن قَوْلِهِ، قالَ: ﴿ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [البقرة: ٣٣] الآيَةَ.
2:31Страница 6
وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمۡ عَلَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ فَقَالَ أَنۢبِـُٔونِي بِأَسۡمَآءِ هَٰٓؤُلَآءِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٣١
Он научил Адама всевозможным именам, а затем показал их (творения, нареченные именами) ангелам и сказал: «Назовите мне их имена, если вы говорите правду».
﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾: لَمّا أخْبَرَ تَعالى المَلائِكَةَ عَنْ وجْهِ الحِكْمَةِ في خَلْقِ آدَمَ وذُرِّيَّتِهِ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، أرادَ أنْ يَفْصِلَ، فَبَيَّنَ لَهم مِن فَضْلِ آدَمَ ما لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا لَهم، وذَلِكَ بِأنْ عَلَّمَهُ الأسْماءَ؛ لِيُظْهِرَ فَضْلَهُ وقُصُورَهم عَنْهُ في العِلْمِ، فَتَأكَّدَ الجَوابُ الإجْمالِيُّ بِالتَّفْضِيلِ. ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ قَبْلَ هَذا؛ لِأنَّهُ بِها يَتِمُّ المَعْنى ويَصِحُّ هَذا العَطْفُ، وهي: فَجَعَلَ في الأرْضِ خَلِيفَةً. ولَمّا كانَ لَفْظُ الخَلِيفَةِ مَحْذُوفًا مَعَ الجُمْلَةِ المُقَدَّرَةِ، أبْرَزَهُ في قَوْلِهِ: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ﴾، ناصًّا عَلَيْهِ ومُنَوِّهًا بِذِكْرِهِ بِاسْمِهِ. وأبْعَدَ مَن زَعَمَ أنَّ: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ، قالَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ﴾ [البقرة: ٣٠] . وهَلِ التَّعْلِيمُ بِتَكْلِيمِ اللَّهِ تَعالى لَهُ في السَّماءِ، كَما كَلَّمَ مُوسى في الأرْضِ، أوْ بِوَساطَةِ مَلَكٍ أوْ بِالإلْهامِ ؟ أقْوالٌ أُظْهَرُها أنَّ البارِي تَعالى هو المُعَلِّمُ، لا بِواسِطَةٍ ولا إلْهامٍ. وقَرَأ اليَمانِيُّ ويَزِيدُ اليَزِيدِيُّ: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وحُذِفَ الفاعِلُ لِلْعِلْمِ بِهِ والتَّضْعِيفِ في عُلِّمَ لِلتَّعْدِيَةِ، إذْ كانَ قَبْلَ التَّضْعِيفِ يَتَعَدّى لِواحِدٍ، فَعَدّى بِهِ إلى اثْنَيْنِ. ولَيْسَتِ التَّعْدِيَةُ بِالتَّضْعِيفِ مَقِيسَةً، إنَّما يَقْتَصِرُ فِيهِ عَلى مَوْرِدِ السَّماعِ، سَواءً كانَ الفِعْلُ قَبْلَ التَّضْعِيفِ لازِمًا أمْ كانَ مُتَعَدِّيًا، نَحْوَ: عَلِمَ المُتَعَدِّيَةُ إلى واحِدٍ. وأمّا إنْ كانَ مُتَعَدِّيًا إلى اثْنَيْنِ، فَلا يُحْفَظُ في شَيْءٍ مِنهُ التَّعْدِيَةَ بِالتَّضْعِيفِ إلى ثَلاثٍ. وقَدْ وهِمَ القاسِمُ بْنُ عَلِيٍّ الحَرِيرِيُّ في زَعْمِهِ في شَرْحِ المُلْحَةِ لَهُ أنَّ عَلِمَ تَكُونُ مَنقُولَةً مِن عَلِمَ الَّتِي تَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ فَتَصِيرُ بِالتَّضْعِيفِ مُتَعَدِّيَةً إلى ثَلاثَةٍ، ولا يَحْفَظُ ذَلِكَ مِن كَلامِهِمْ.
وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ إلى اقْتِياسِ التَّعْدِيَةِ بِالتَّضْعِيفِ. قالَ الإمامُ أبُو الحُسَيْنِ بْنُ أبِي الرَّبِيعِ في (كِتابِ التَّلْخِيصِ) مِن تَأْلِيفِهِ: الظّاهِرُ مِن مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ أنَّ النَّقْلَ بِالتَّضْعِيفِ سَماعٌ في المُتَعَدِّي واللّازِمِ، وفِيما عَلَّمَهُ أقْوالٌ: أسْماءُ جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ، أوِ اسْمُ ما كانَ وما يَكُونُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وعُزِيَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ، وهو قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ، أوْ جَمِيعُ اللُّغاتِ، ثُمَّ كَلَّمَ كُلَّ واحِدٍ مِن بَنِيهِ بِلُغَةٍ فَتَفَرَّقُوا في البِلادِ، واخْتَصَّ كُلَّ فِرْقَةٍ بِلُغَةٍ أوْ كَلِمَةٍ واحِدَةٍ تَفَرَّعَ مِنها جَمِيعُ اللُّغاتِ، أوْ أسْماءُ النُّجُومِ فَقَطْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ، أوْ أسْماءُ المَلائِكَةِ فَقَطْ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ، أوْ أسْماءُ ذُرِّيَّتِهِ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ زَيْدٍ، أوْ أسْماءُ ذُرِّيَّتِهِ والمَلائِكَةِ، قالَهُ الطَّبَرِيُّ واخْتارَهُ؛ أوْ أسْماءُ الأجْناسِ الَّتِي خَلَقَها، عَلَّمَهُ أنَّ هَذا اسْمُهُ فَرَسٌ، وهَذا اسْمُهُ بَعِيرٌ، وهَذا اسْمُهُ كَذا، وهَذا اسْمُهُ كَذا، وعَلَّمَهُ أحْوالَها وما يَتَعَلَّقُ بِها مِنَ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ، واخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، أوْ أسْماءُ ما خَلَقَ في الأرْضِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، أوِ الأسْماءُ بِلُغَةٍ ثُمَّ وقَعَ الِاصْطِلاحُ مِن ذُرِّيَّتِهِ في سِواها، أوْ عَلَّمَهُ كُلَّ شَيْءٍ حَتّى نَحْوَ سِيبَوَيْهِ، قالَهُ أبُو عَلِيُّ الفارِسِيُّ، أوْ أسْماءُ (p-١٤٦)اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، أوْ أسْماءٌ مِن أسْمائِهِ المَخْزُونَةِ، فَعَلِمَ بِها جَمِيعَ الأسْماءِ، قالَهُ الجَرِيرِيُّ، أوِ التَّسْمِيّاتُ. ومَعْنى هَذا عَلَّمَهُ أنْ يُسَمِّيَ الأشْياءَ، ولَيْسَ المَعْنى عَلَّمَهُ الأسْماءَ؛ لِأنَّ التَّسْمِيَةَ غَيْرُ الِاسْمِ، قالَهُ الجُمْهُورُ، وحالَةُ تَعْلِيمِهِ تَعالى آدَمَ، هَلْ عَرَضَ عَلَيْهِ المُسَمَّياتِ أوْ وصَفَها لَهُ ولَمْ يَعْرِضْها عَلَيْهِ قَوْلانِ: قالَ بَعْضُ مَن عاصَرْناهُ: المُخْتارُ أسْماءُ ذُرِّيَّتِهِ، وعَرَّفَهُ العاصِي والمُطِيعَ؛ لِيَعْرِفَ المَلائِكَةَ بِأسْمائِهِمْ وأفْعالِهِمْ رَدًّا عَلَيْهِمْ قَوْلَهم: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠]، الأسْماءَ كُلَّها: يَحْتَمِلُ أسْماءُ المُسَمَّياتِ، فَحُذِفَ المُضافُ إلَيْهِ لِدَلالَةِ الأسْماءِ عَلَيْهِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعِوَضٌ مِنهُ اللّامُ كَقَوْلِهِ: ﴿واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: ٤] . انْتَهى.
وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا أنَّ اللّامَ عِوَضٌ مِنَ الإضافَةِ لَيْسَ مَذْهَبَ البَصْرِيِّينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ مُسَمَّياتِ الأسْماءِ، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، ويَتَرَجَّحُ الأوَّلُ، وهو تَعْلِيقُ التَّعْلِيمِ بِالأسْماءِ تَعَلَّقَ الإنْباءِ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿أنْبِئُونِي بِأسْماءِ هَؤُلاءِ﴾، والآيَةِ الَّتِي بَعْدَها، ولَمْ يَقِلْ: أنْبَئُونِي بِهَؤُلاءِ، ولا أنْبِئْهم بِهِمْ. ويَتَرَجَّحُ الثّانِي بِقَوْلِهِ، ثُمَّ عَرَضَهم إذا حَمَلَ عَلى ظاهِرِهِ؛ لِأنَّ الأسْماءَ لا تَجْمَعُ كَذَلِكَ، فَدَلَّ عَلى عُودِهِ عَلى المُسَمَّياتِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ كَظُلُماتٍ في بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ﴾ [النور: ٤٠]، التَّقْدِيرُ: أوْ كَذِي ظُلُماتٍ، فَعادَ الضَّمِيرُ مِن يَغْشاهُ عَلى ذِي المَحْذُوفَةِ، القائِمِ مَقامَها في الإعْرابِ ظُلُماتٍ. والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ اللَّفْظِ أنَّ اللَّهَ عَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ ولَمْ يُبَيِّنْ لَنا أسْماءً مَخْصُوصَةً، بَلْ دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: (كُلَّها) عَلى الشُّمُولِ، والحِكْمَةُ حاصِلَةٌ بِتَعْلِيمِ الأسْماءِ، وإنْ لَمْ تُعْلَمْ مُسَمَّياتُها. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالأسْماءِ المُسَمَّياتِ، فَيَكُونُ مِن إطْلاقِ اللَّفْظِ ويُرادُ بِهِ مَدْلُولُهُ.
﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾: ثُمَّ: حَرْفُ تَراخٍ ومَهَلَةٍ، عَلَّمَ آدَمَ ثُمَّ أمْهَلَهُ مِن ذَلِكَ الوَقْتِ إلى أنْ قالَ: ﴿أنْبِئْهم بِأسْمائِهِمْ﴾ [البقرة: ٣٣]؛ لِيَتَقَرَّرَ ذَلِكَ في قَلْبِهِ ويَتَحَقَّقُ المَعْلُومُ ثُمَّ أخْبَرَهُ عَمّا تَحَقَّقَ بِهِ واسْتَيْقَنَهُ. وأمّا المَلائِكَةُ فَقالَ لَهم عَلى وجْهِ التَّعْقِيبِ دُونَ مُهْلَةٍ ﴿أنْبِئُونِي﴾، فَلَمّا لَمْ يَتَقَدَّمُ لَهم تَعْرِيفٌ لَمْ يُخْبِرُوا، ولَمّا تَقَدَّمَ لِآدَمَ التَّعْلِيمَ أجابَ وأخْبَرَ ونَطَقَ إظْهارًا لِعِنايَتِهِ السّابِقَةِ بِهِ سُبْحانَهُ. عَرَضَهم خَلَقَهم وعَرَضَهَمْ عَلَيْهِمْ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، أوْ صَوَّرَهم لِقُلُوبِ المَلائِكَةِ، أوْ عَرَضَهم وهم كالذَّرِّ، أوْ عَرَضَ الأسْماءَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وفِيهِ جَمْعُها بِلَفْظَةِ هم. والظّاهِرُ أنَّ ضَمِيرَ النَّصْبِ في عِرَضَهم يَعُودُ عَلى المُسَمَّياتِ، وظاهِرُهُ أنَّهُ لِلْعُقَلاءِ، فَيَكُونُ إذْ ذاكَ المَعْنِيُ بِالأسْماءِ أسْماءُ العاقِلِينَ، أوْ يَكُونَ فِيهِمْ غَيْرَ العُقَلاءِ، وغَلَّبَ العُقَلاءَ. وقَرَأ أُبَيُّ ثُمَّ عَرَضَها. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ثُمَّ عَرَضَهُنَّ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الأسْماءِ، فَتَكُونُ هي المَعْرُوضَةَ، أوْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ مُسَمَّياتِها، فَيَكُونُ المَعْرُوضُ المُسَمَّياتُ لا الأسْماءُ.
﴿عَلى المَلائِكَةِ﴾: ظاهَرُهُ العُمُومُ، فَقِيلَ: هو مُرادٌ، وقِيلَ: المَلائِكَةُ الَّذِينَ كانُوا مَعَ إبْلِيسَ في الأرْضِ. (فَقالَ): الفاءُ: لِلتَّعْقِيبِ، ولَمْ يَتَخَلَّلْ بَيْنَ العَرْضِ والأمْرِ مُهْلَةٌ بِحَيْثُ يَقَعُ فِيها تَرَوٍّ أوْ فِكْرٍ، وذَلِكَ أجْدَرُ بِعَدَمِ الإضافَةِ.
﴿أنْبِئُونِي﴾: أمْرُ تَعْجِيزٍ لا تَكْلِيفٍ. وقَرَأ الأعْمَشُ: أنْبُونِي، بِغَيْرِ هَمْزٍ، وقَدِ اسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: أنْبَئُونِي عَلى جَوازِ تَكْلِيفِ ما لا يُطاقُ، وهو اسْتِدْلالٌ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ عَلى سَبِيلِ التَّبْكِيتِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٣] .
﴿بِأسْماءِ هَؤُلاءِ﴾: ظاهِرُهُ حُضُورُ أشْخاصٍ حالَةَ العَرْضِ عَلى المَلائِكَةِ، ومَن قالَ: إنِ المَعْرُوضَ إنَّما هي أسْماءٌ فَقَطْ، جَعَلَ الإشارَةَ إلى أشْخاصِ الأسْماءِ وهي غائِبَةٌ، إذْ قَدْ حَضَرَ ما هو مِنها بِسَبَبٍ وذَلِكَ أسْماؤُها وكَأنَّهُ قالَ لَهم في كُلِّ اسْمٍ لِأيِّ شَخْصٍ هَذا الِاسْمَ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ وتَكَلُّفٌ وخُرُوجٌ عَنِ الظّاهِرِ بِغَيْرٍ داعِيَةٍ إلى ذَلِكَ.
﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٣]: شَرْطُ جَوابِهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرِهِ فَأنْبِئُونِي يَدُلُّ عَلَيْهِ أنْبَئُونِي السّابِقُ، ولا يَكُونُ أنْبِئُونِي السّابِقُ هو الجَوابُ، هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ وجُمْهُورُ البَصْرِيِّينَ، وخالَفَ الكُوفِيُّونَ وأبُو زَيْدٍ وأبُو العَبّاسِ، فَزَعَمُوا أنَّ جَوابَ الشَّرْطِ هو المُتَقَدِّمُ في نَحْوِ هَذِهِ المَسْألَةِ، هَذا هو النَّقْلُ المُحَقَّقُ، وقَدْ وهِمَ الَمَهْدَوِيُّ، وتَبِعَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، فَزَعَما أنَّ جَوابَ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ عِنْدَ المُبَرِّدِ، التَّقْدِيرُ: (فَأنْبِئُونِي)، إلّا إنْ كانا اطَّلِعا عَلى نَقْلٍ آخَرَ غَرِيبٍ عَنِ المُبَرِّدِ يُخالِفُ مَشْهُورَ ما حَكاهُ النّاسُ، فَيُحْتَمَلُ. وكَذَلِكَ وهِمَ ابْنُ عَطِيَّةَ (p-١٤٧)وغَيْرُهُ، فَزَعَما أنَّ مَذْهَبَ سِيبَوَيْهِ تَقْدِيمُ الجَوابِ عَلى الشَّرْطِ، وأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنْبِئُونِي﴾ المُتَقَدِّمِ هو الجَوابُ. والصِّدْقُ هُنا هو الصَّوابُ، أيْ إنْ كُنْتُمْ مُصِيبِينَ، كَما يُطْلَقُ الكَذِبُ عَلى الخَطَأِ، كَذَلِكَ يُطْلَقُ الصِّدْقُ عَلى الصَّوابِ. ومُتَعَلِّقُ الصِّدْقِ فِيهِ أقْوالٌ: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٣]، إنِّي لا أخْلُقُ خَلْقًا، لا كُنْتُمْ أعْلَمَ مِنهُ؛ لِأنَّهُ هَجَسٌ في أنْفُسِهِمْ أنَّهم أعْلَمُ مِن غَيْرِهِمْ، أوْ فِيما زَعَمْتُمْ أنَّ خُلَفائِيَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ، أوْ فِيما وقَعَ في نُفُوسِكم أنِّي لا أخْلُقُ خَلْقًا إلّا كُنْتُمْ أفْضَلَ مِنهُ، أوْ بِأُمُورِ مَن أسْتَخْلِفُهم بَعْدَكم، أوْ إنِّي إنِ اسْتَخْلَفْتُكم فِيها سَبَّحْتُمُونِي وقَدَّسْتُمُونِي، وإنِ اسْتَخْلَفْتُ غَيْرَكم فِيها عَصانِي، أوْ في قَوْلِكم: إنَّهُ لا شَيْءَ مِمّا يَتَعَبَّدُ بِهِ الخَلْقُ إلّا وأنْتُمْ تَصْلُحُونَ لَهُ وتَقُومُونَ بِهِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ، أوْ في ذَلِكَ إنْباءٌ، وجَوابُ السُّؤالِ بِالأسْماءِ، رُوِيَ أنَّ المَلائِكَةَ حِينَ خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ قالَتْ: يَخْلُقُ رَبُّنا ما شاءَ، فَلَنْ يَخْلُقَ خَلْقًا أعْلَمُ مَنًّا ولا أكْرَمُ عَلَيْهِ. فَأرادَ أنْ يُرِيَهم مِن عِلْمِ آدَمَ وكَرامَتِهِ خِلافَ ما ظَنُّوا، قالُوا: ولِقَوْلِهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، لَمْ يَجُزْ لَهُمُ الِاجْتِهادُ؛ إذْ لَوْ لَمْ يُقَيِّدْ بِالصِّدْقِ، وهو الإصابَةُ، لَجازَ الِاجْتِهادُ، كَما جازَ لِلَّذِي قالَ لَهُ: كَمْ لَبِثْتَ ؟ ولَمْ يَشْرُطْ عَلَيْهِ الإصابَةَ فَلَمْ يُصِبْ ولَمْ يُعَنَّفْ. وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الصِّدْقَ هُنا ضِدُّ الكَذِبِ المُتَعارَفِ؛ لِعِصْمَةِ المَلائِكَةِ، كَما أبْعَدَ مَن جَعَلَ إنْ بِمَعْنى إذْ، فَأخْرَجَها عَنِ الشَّرْطِيَّةِ إلى الظَّرْفِيَّةِ. وإذا التَقَتْ هَمْزَتانِ مَكْسُورَتانِ مِن كَلِمَتَيْنِ نَحْوَ: هَؤُلاءِ إنْ كُنْتُمْ، فَوَرْشٌ وقَنْبُلُ يُبَدِّلانِ الثّانِيَةَ ياءً مَمْدُودَةً، إلّا أنَّ ورْشًا في ﴿هَؤُلاءِ إنْ كُنْتُمْ﴾ و﴿عَلى البِغاءِ إنْ أرَدْنَ﴾ [النور: ٣٣] يَجْعَلُ الياءَ مَكْسُورَةً، وقالُونَ والبَزِّيَ يَلِينانِ الأُولى ويُحَقِّقانِ الثّانِيَةَ، وعَنْهُما في ﴿بِالسُّوءِ إلّا﴾ [يوسف: ٥٣] وُجُوهٌ: أحَدُها: هَذا الأصْلُ الَّذِي تَقَرَّرَ لَهُما. الثّانِي: إبْدالُ الهَمْزَةِ الأُولى واوًا مَكْسُورَةً وإدْغامُ الواوِ السّاكِنَةِ قَبْلَها فِيها وتَحْقِيقُ الثّانِيَةِ. الثّالِثُ: إبْدالُ الهَمْزَةِ الأُولى ياءً، نَحْوَ: (بِالسُّويِ) . الرّابِعُ: إبْدالُها واوًا مِن غَيْرِ إدْغامٍ، نَحْوَ: السُّووُ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: بِحَذْفِ الأُولى، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ وابْنُ عامِرٍ: بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии