Абу Хайян · Тафсир · на арабском
Аль-Бакара 2:73–74, продолжение
﴿وإنَّ مِنها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنهُ الماءُ﴾، التَّشَقُّقُ: التَّصَدُّعُ بِطُولٍ أوْ بِعَرْضٍ، فَيَنْبُعُ مِنهُ الماءُ بِقِلَّةٍ حَتّى لا يَكُونَ نَهْرًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَشَّقَّقُ، بِتَشْدِيدِ الشِّينِ، وأصْلُهُ يَتَشَقَّقُ، فَأُدْغِمَ التّاءُ في الشِّينِ. وقَرَأ الأعْمَشُ: تَشَقَّقُ، بِالتّاءِ والشِّينِ المُخَفَّفَةِ عَلى الأصْلِ، ورَأيْتُها مَعْزُوَّةً لِابْنِ مُصَرِّفٍ. وفي النُّسْخَةِ الَّتِي وقَفْتُ عَلَيْها مِن تَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ. ما نَصُّهُ: وقَرَأ ابْنُ مُصَرِّفٍ: يَنْشَقَّقُ، بِالنُّونِ وقافَيْنِ، والَّذِي يَقْتَضِيهِ اللِّسانُ أنْ يَكُونَ بِقافٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ، وقَدْ يَجِيءُ الفَكُّ في شِعْرٍ، فَإنْ كانَ المُضارِعُ مَجْزُومًا، جازَ الفَكُّ فَصِيحًا، وهو هُنا مَرْفُوعٌ، فَلا يَجُوزُ الفَكُّ، إلّا أنَّها قِراءَةٌ شاذَّةٌ، فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِيها، وأمّا أنْ يَكُونَ المُضارِعُ بِالنُّونِ مَعَ القافَيْنِ وتَشْدِيدِ الأُولى مِنهُما، فَلا يَجُوزُ. قالَ أبُو حاتِمٍ: لَما تَتَفَجَّرُ بِالتّاءِ، ولا يَجُوزُ تَتَشَقَّقُ بِالتّاءِ؛ لِأنَّهُ إذا قالَ: تَتَفَجَّرُ فَأنَّثَهُ لِتَأْنِيثِ الأنْهارِ، ولا يَكُونُ في تَشَقَّقُ. وقالَ أبُو جَعْفَرٍ النَّحّاسُ: يَجُوزُ ما أنْكَرَهُ أبُو حاتِمٍ حَمْلًا عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ المَعْنى: وإنَّ مِنها لَلْحِجارَةَ الَّتِي تَشَّقَّقُ، وأمّا يَشَّقَّقُ بِالياءِ، فَمَحْمُولٌ عَلى اللَّفْظِ. انْتَهى، وهو كَلامٌ صَحِيحٌ. ولَمْ يُنْقَلْ هُنا أنَّ أحَدًا قَرَأ: ”مِنها الماءُ“، فَيُعِيدُ عَلى المَعْنى، إنَّما نُقِلَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ﴾، فَناسَبَ الجَمْعُ الجَمْعَ، ولِأنَّ الأنْهارَ مِن حَيْثُ هي جَمْعٌ يَبْعُدُ في العادَةِ أنْ تَخْرُجَ مِن حَجَرٍ واحِدٍ، وإنَّما تَخْرُجُ الأنْهارُ مِن أحْجارٍ، فَلِذَلِكَ ناسَبَ مُراعاةَ المَعْنى هُنا. وأمّا فَيَخْرُجُ مِنهُ الماءُ، فالماءُ (p-٢٦٦)لَيْسَ جَمْعًا، فَلا يُناسِبُ في حَمْلِ مِنهُ عَلى المَعْنى، بَلْ أجْرى ”يَشَّقَّقُ“، و”مِنهُ“ عَلى اللَّفْظِ.
﴿وإنَّ مِنها لَما يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾، الهُبُوطُ هُنا: التَّرَدِّي مِن عُلُوٍّ إلى أسْفَلَ. وقَرَأ الأعْمَشُ: يَهْبُطُ، بِضَمِّ الباءِ، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّها لُغَةٌ. وخَشْيَةُ اللَّهِ: خَوْفُهُ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ هَذا، فَذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ الخَشْيَةَ هُنا حَقِيقَةٌ. واخْتَلَفَ هَؤُلاءِ، فَقالَ قَوْمٌ مَعْناهُ: مِن خَشْيَةِ الحِجارَةِ لِلَّهِ تَعالى، فَهي مَصْدَرٌ مُضافٌ لِلْمَفْعُولِ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ لِهَذِهِ الأحْجارِ الَّتِي تَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى تَمْيِيزًا قامَ لَها مَقامَ الفِعْلِ المُودَعِ فِيمَن يَعْقِلُ، واسْتُدِلَّ عَلى ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ بَعْضَ الحِجارَةِ بِالخَشْيَةِ، وبَعْضَها بِالإرادَةِ، ووَصَفَ جَمِيعَها بِالنُّطْقِ والتَّحْمِيدِ والتَّقْدِيسِ والتَّأْوِيبِ والتَّصَدُّعِ، وكُلُّ هَذِهِ صِفاتٌ لا تَصْدُرُ إلّا عَنْ أهْلِ التَّمْيِيزِ والمَعْرِفَةِ. قالَ تَعالى: ﴿لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ﴾ [الحشر: ٢١] الآيَةَ، ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]، ﴿ياجِبالُ أوِّبِي مَعَهُ والطَّيْرَ﴾ [سبإ: ١٠]، وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إنِّي لَأعْرِفُ حَجَرًا كانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أنْ أُبْعَثَ، وأنَّهُ بَعْدَ مَبْعَثِهِ ما مَرَّ بِحَجْرٍ ولا مُدَرٍ إلّا سَلَّمَ عَلَيْهِ»، وفي الحَجَرِ الأسْوَدِ إنَّهُ يَشْهَدُ لِمَن يَسْتَلِمُهُ ”. وفي حَدِيثِ الحَجَرِ الَّذِي فَرَّ بِثَوْبِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وصارَ يَعْدُو خَلْفَهُ ويَقُولُ:“ «ثَوْبِي حَجَرُ ثَوْبِي حَجَرُ» . وفي الحَدِيثِ عَنْ أُحُدٍ: «إنَّ هَذا جَبَلٌ يُحِبُّنا ونُحِبُّهُ» . وفي حَدِيثِ حِراءٍ لَمّا اهْتَزَّ: «اسْكُنْ حِراءُ» وفي حَدِيثِ تَسْبِيحِ صِغارِ الحَصى بِكَفِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " وقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ وأحادِيثُ أُخَرُ عَلى نُطْقِ الحَيَواناتِ والجَماداتِ، وانْقِيادِ الشَّجَرِ وغَيْرِ ذَلِكَ. فَلَوْلا أنَّهُ تَعالى أوْدَعَ فِيها قُوَّةً مُمَيِّزَةً، وصِفَةً ناطِقَةً، وحَرَكَةً اخْتِيارِيَّةً، لَما صَدَرَ عَنْها شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، ولا حَسُنَ وصْفُها بِهِ. وإلى هَذا ذَهَبَ مُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ وجَماعَةٌ. وقالَ قَوْمٌ: الخَشْيَةُ هُنا حَقِيقَةٌ، وهو مُصْدَرٌ أُضِيفَ إلى فاعِلٍ. والمُرادُ بِالحَجَرِ الَّذِي يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ هو البَرَدُ، والمُرادُ بِخَشْيَةِ اللَّهِ: إخافَتُهُ عِبادَهُ، فَأطْلَقَ الخَشْيَةَ وهو يُرِيدُ الإخْشاءَ، أيْ نُزُولُ البَرَدِ بِهِ يُخَوِّفُ اللَّهُ عِبادَهُ، ويَزْجُرُهم عَنِ الكُفْرِ والمَعاصِي. وهَذا قَوْلٌ مُتَكَلَّفٌ، وهو مُخالِفٌ لِلظّاهِرِ. والبَرَدُ لَيْسَ بِحِجارَةٍ، وإنْ كانَ قَدِ اشْتَدَّ عِنْدَ النُّزُولِ، فَهو ماءٌ في الحَقِيقَةِ. وقالَ قَوْمٌ: الخَشْيَةُ هُنا حَقِيقَةٌ، وهو مَصْدَرٌ مُضافٌ لِلْمَفْعُولِ، وفاعِلُهُ مَحْذُوفٌ، وهو العِبادُ. والمَعْنى: أنَّ مِنَ الحِجارَةِ ما يَنْزِلُ بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ عِنْدِ الزَّلْزَلَةِ مِن خَشْيَةِ عِبادِ اللَّهِ إيّاهُ.
وتَحْقِيقُهُ: إنَّهُ لَمّا كانَ المَقْصُودُ مِنها خَشْيَةَ اللَّهِ تَعالى، صارَتْ تِلْكَ الخَشْيَةُ كالعِلَّةِ المُؤَثِّرَةِ في ذَلِكَ الهُبُوطِ، فَكانَ المَعْنى: لَما يَهْبِطُ مِن أجْلِ أنْ يَحْصُلَ لِعِبادِ اللَّهِ تَعالى. وذَهَبَ أبُو مُسْلِمٍ إلى أنَّ الخَشْيَةَ حَقِيقَةٌ، وأنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ مِنها لَما يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ عائِدٌ عَلى القُلُوبِ، والمَعْنى: إنَّ مِنَ القُلُوبِ قُلُوبًا تَطْمَئِنُّ وتَسْكُنُ، وتَرْجِعُ إلى اللَّهِ تَعالى، فَكَنّى بِالهُبُوطِ عَنْ هَذا المَعْنى، ويُرِيدُ بِذَلِكَ قُلُوبَ المُخْلِصِينَ. وهَذا تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ جِدًّا؛ لِأنَّهُ بَدَأ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ مِنَ الحِجارَةِ﴾، ثُمَّ قالَ: ﴿وإنَّ مِنها﴾، فَظاهِرُ الكَلامِ التَّقْسِيمُ لِلْحِجارَةِ، ولا يُعْدَلُ عَنِ الظّاهِرِ إلّا بِدَلِيلٍ واضِحٍ، والهُبُوطُ لا يَلِيقُ بِالقُلُوبِ، إنَّما يَلِيقُ بِالحِجارَةِ. ولَيْسَ تَأْوِيلُ الهُبُوطِ بِأوْلى مِن تَأْوِيلِ الخَشْيَةِ إنْ تَأوَّلْناها. وقَدْ أمْكَنَ في الوُجُوهِ الَّتِي تَضَمَّنَتْ حَمْلَها عَلى الحَقِيقَةِ، وإنْ كانَ بَعْضُ تِلْكَ الأقْوالِ أقْوى مِن بَعْضٍ. وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ الَّذِي يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ هو الجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ جَعَلَهُ دَكًّا. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ الخَشْيَةَ هُنا مَجازٌ مِن مَجازِ الِاسْتِعارَةِ، كَما اسْتُعِيرَتِ الإرادَةُ لِلْجِدارِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧]، وكَما قالَ زَيْدُ الخَيْلِ:
؎بِجَمْعٍ تَضِلُّ البُلْقُ في حُجُراتِهِ ∗∗∗ تَرى الأُكْمَ مِنهُ سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ
وكَما قالَ الآخَرُ:
؎لَمّا أتى خَبَرُ الزُّبَيْرِ تَضَعْضَعَتْ ∗∗∗ سُورُ المَدِينَةِ والجِبالُ الخُشَّعُ
أيْ مَن رَأى الحَجَرَ مُتَرَدِّيًا مِن عُلُوٍّ إلى أسْفَلَ، تَخَيَّلَ فِيهِ الخَشْيَةَ، فاسْتَعارَ الخَشْيَةَ، كِنايَةً عَنِ الِانْقِيادِ (p-٢٦٧)لِأمْرِ اللَّهِ، وأنَّها لا تَمْتَنِعُ عَلى ما يُرِيدُ اللَّهُ تَعالى فِيها. فَمَن يَراها يَظُنُّ أنَّ ذَلِكَ الِانْفِعالَ السَّرِيعَ هو مَخافَةُ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى. وهَذا قَوْلُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الحَياةَ والنُّطْقَ لا يَحِلّانِ في الجَماداتِ، وذَلِكَ مُمْتَنِعٌ عِنْدَهم. وتَأوَّلُوا ما ورَدَ في القُرْآنِ والحَدِيثِ، مِمّا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى قَرَنَ بِها مَلائِكَةً، هي الَّتِي تُسَلِّمُ وتَتَكَلَّمُ، كَما ورَدَ أنَّ الرَّحِمَ مُعَلَّقَةٌ بِالعَرْشِ، تُنادِي: اللَّهُمَّ صِلْ مَن وصَلَنِي، واقْطَعْ مَن قَطَعَنِي. والأرْحامُ لَيْسَتْ بِجِسْمٍ، ولا لَها إدْراكٌ، ويَسْتَحِيلُ أنْ تَسْجُدَ المَعانِي، أوْ تَتَكَلَّمَ، وإنَّما قَرَنَ اللَّهُ تَعالى بِها مَلَكًا يَقُولُ ذَلِكَ القَوْلَ. وتَأوَّلُوا: «هَذا جَبَلٌ يُحِبُّنا ونُحِبُّهُ»، أيْ يُحِبُّنا أهْلُهُ ونُحِبُّ أهْلَهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: واسْألِ القَرْيَةَ. واخْتِيارُ ابْنِ عَطِيَّةَ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، أنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ لِلْحِجارَةِ قَدْرًا ما مِنَ الإدْراكِ، تَقَعُ بِهِ الخَشْيَةُ والحَرَكَةُ. واخْتِيارُ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّ الخَشْيَةَ مَجازٌ عَنِ الِانْقِيادِ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى وعَدَمِ امْتِناعِها، وتَرْتِيبُ تَقْسِيمِ هَذِهِ الحِجارَةِ تَرْتِيبٌ حَسَنٌ جِدًّا، وهو عَلى حَسَبِ التَّرَقِّي. فَبَدَأ أوَّلًا بِالَّذِي تَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ، أيْ خُلِقَ ذا خُرُوقٍ مُتَّسِعَةٍ، فَلَمْ يُنْسَبْ إلَيْهِ في نَفْسِهِ تَفَعُّلٌ ولا فِعْلٌ، أيْ أنَّها خُلِقَتْ ذاتَ خُرُوقٍ بِحَيْثُ لا يُحْتاجُ أنْ يُضافَ إلَيْها صُدُورُ فِعْلٍ مِنها. ثُمَّ تَرَقّى مِن هَذا الحَجَرِ إلى الحَجَرِ الَّذِي يَنْفَعِلُ انْفِعالًا يَسِيرًا، وهو أنْ يَصْدُرَ مِنهُ تَشَقُّقٌ بِحَيْثُ يَنْبُعُ مِنهُ الماءُ. ثُمَّ تَرَقّى مِن هَذا الحَجَرِ إلى الحَجَرِ الَّذِي يَنْفَعِلُ انْفِعالًا عَظِيمًا، بِحَيْثُ يَتَحَرَّكُ ويَتَدَهْدَهُ مِن عُلُوٍّ إلى أسْفَلَ، ثُمَّ رَسَّخَ هَذا الِانْفِعالَ التّامَّ بِأنَّ ذَلِكَ هو مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى، مِن طَواعِيَتِهِ وانْقِيادِهِ لِما أرادَ اللَّهُ تَعالى مِنهُ، فَكَنّى بِالخَشْيَةِ عَنِ الطَّواعِيَةِ والِانْقِيادِ؛ لِأنَّ مَن خَشِيَ أطاعَ وانْقادَ.
﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾: هَذا فِيهِ وعِيدٌ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾، أفْهَمَ أنَّهُ يَنْشَأُ عَنْ قَسْوَةِ القُلُوبِ أفْعالٌ فاسِدَةٌ وأعْمالٌ قَبِيحَةٌ، مِن مُخالَفَةِ اللَّهِ تَعالى، ومُعانَدَةِ رُسُلِهِ، فَأعْقَبَ ذَلِكَ بِتَهْدِيدِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَيْسَ بِغافِلٍ عَنْ أعْمالِهِمْ، بَلْ هو تَعالى يُحْصِيها عَلَيْهِمْ، وإذا لَمْ يَغْفُلْ عَنْها كانَ مُجازِيًا عَلَيْها. والغَفْلَةُ إنْ أُرِيدَ بِها السَّهْوُ، فالسَّهْوُ لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ تَعالى، وإنْ أُرِيدَ بِها التَّرْكُ عَنْ عَمْدٍ، فَذَكَرُوا أنَّهُ مِمّا يَجُوزُ أنْ يُوصَفَ اللَّهُ تَعالى بِهِ. وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ، فَنَفى اللَّهُ تَعالى الغَفْلَةَ عَنْهُ. وانْتِفاءُ الشَّيْءِ عَنِ الشَّيْءِ قَدْ يَكُونُ لِكَوْنِهِ لا يُمْكِنُ مِنهُ عَقْلًا، ولِكَوْنِهِ لا يَقَعُ مِنهُ مَعَ إمْكانِهِ. وقَدْ ذَهَبَ القاضِي إلى أنَّهُ لا يَصِحُّ أنْ يُوصَفَ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ لَيْسَ بِغافِلٍ، قالَ: لِأنَّهُ يُوهِمُ جَوازَ الغَفْلَةِ عَلَيْهِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ؛ لِأنَّ نَفْيَ الشَّيْءِ عَنِ الشَّيْءِ لا يَسْتَلْزِمُ إمْكانَهُ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ؟ وقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤]، فَقَدْ نَفى عَنْهُ تَعالى ما لا يَسْتَلْزِمُ إمْكانَهُ لَهُ. وبِغافِلٍ: في مَوْضِعِ نَصْبٍ، عَلى أنْ تَكُونَ ما حِجازِيَّةً. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، عَلى أنْ تَكُونَ ما تَمِيمِيَّةً، فَدَخَلَتِ الباءُ في خَبَرِ المُبْتَدَأِ، وسَوَّغَ ذَلِكَ النَّفْيُ. ألا تَرى أنَّها لا تَدْخُلُ في المُوجَبِ ؟ لا تَقُولُ: زَيْدٌ بِقائِمٍ، ولا: ما زَيْدٌ إلّا بِقائِمٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وبِغافِلٍ في مَوْضِعِ نَصْبِ خَبَرِ ما، لِأنَّها الحِجازِيَّةُ، يُقَوِّي ذَلِكَ دُخُولُ الباءِ في الخَبَرِ، وإنْ كانَتِ الباءُ قَدْ تَجِيءُ شاذَّةً مَعَ التَّمِيمِيَّةِ. انْتَهى كَلامُهُ. وهَذا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَطِيَّةَ، مِن أنَّ الباءَ مَعَ التَّمِيمِيَّةِ قَدْ تَجِيءُ شاذَّةً، لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ نَحْوِيٌّ فِيما عَلِمْناهُ، بَلِ القائِلُونَ قائِلانِ، قائِلٌ: بِأنَّ التَّمِيمِيَّةَ لا تَدْخُلُ الباءُ في خَبَرِ المُبْتَدَأِ بَعْدَها، وهو مَذْهَبُ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ، وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقائِلٌ: بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُجَرَّ بِالباءِ، وهو الصَّحِيحُ. وقالَ الفَرَزْدَقُ:
؎لَعَمْــرُكَ مَــا مَعْـنٌ بِتَــارِكِ حَقِّــهِ
وأشْعارُ بَنِي تَمِيمٍ تَتَضَمَّنُ جَرَّ الخَبَرِ بِالباءِ كَثِيرًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: تَعْمَلُونَ بِالتّاءِ، وهو الجارِي عَلى نَسَقِ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ . وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالياءِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ، ويَكُونُ ذَلِكَ التِفاتًا، إذْ خَرَجَ مِنَ الخِطابِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ إلى الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ: (يَعْمَلُونَ) . وحِكْمَةُ هَذا الِالتِفاتِ أنَّهُ أعْرَضَ عَنْ مُخاطَبَتِهِمْ، وأبْرَزَهم في صُورَةِ مَن لا يُقْبَلُ عَلَيْهِمْ (p-٢٦٨)بِالخِطابِ، وجَعَلَهم كالغائِبِينَ عَنْهُ؛ لِأنَّ مُخاطَبَةَ الشَّخْصِ ومُواجَهَتَهُ بِالكَلامِ إقْبالٌ مِنَ المُخاطِبِ عَلَيْهِ، وتَأْنِيسٌ لَهُ، فَقَطَعَ عَنْهم مُواجَهَتَهُ لَهم بِالخِطابِ، لِكَثْرَةِ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ المُخالَفاتِ. وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ الكَرِيمَةُ فُصُولًا عَظِيمَةً، ومُحاوَراتٍ كَثِيرَةً، وذَلِكَ أنَّ مُوسى - عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - شافَهَهم بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَأْمُرُهم بِذَبْحِ البَقَرَةِ، وذَلِكَ امْتِحانٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لَهم، فَلَمْ يُبادِرُوا لِامْتِثالِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى، وأخْرَجُوا ذَلِكَ مُخْرَجَ الهُزُؤِ، إذْ لَمْ يَفْهَمُوا سِرَّ الأمْرِ. وكانَ يَنْبَغِي أنْ يُبادِرُوا بِالِامْتِثالِ، فَأجابَهم مُوسى بِاسْتِعاذَتِهِ بِاللَّهِ الَّذِي أمَرَهُ أنْ يَكُونَ مِمَّنْ جَهِلَ، فَيُخْبِرَ عَنِ اللَّهِ بِما لَمْ يَأْمُرْهُ بِهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّ اسْتِعْمالَ الهُزُؤِ في التَّبْلِيغِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وفي غَيْرِهِ، هو يَسْتَعِيذُ مِنهُ، فَرَجَعُوا إلى قَوْلِهِ، وتَعَنَّتُوا في البَقَرَةِ، وفي أوْصافِها، وكانَ يُجْزِئُهم أنْ يَذْبَحُوا بَقَرَةً، إذِ المَأْمُورُ بِهِ بَقَرَةٌ مُطْلَقَةٌ، فَسَألُوا ما هي ؟ وسَألُوا مُوسى أنْ يَدْعُوَ اللَّهَ تَعالى أنْ يُبَيِّنَها لَهم، إذْ كانَ دُعاؤُهُ أقْرَبَ لِلْإجابَةِ مِن دُعائِهِمْ، فَأخْبَرَ عَنِ اللَّهِ تَعالى بِسِنِّها. ثُمَّ خافَ مِن كَثْرَةِ سُؤالِهِمْ، ومِن تَعَنُّتِهِمْ، كَما جاءَ: «إنَّما أهْلَكَ بَنِي إسْرائِيلَ كَثْرَةُ سُؤالِهِمْ، واخْتِلافِهِمْ عَلى أنْبِيائِهِمْ» فَبادَرَ إلى أمْرِهِمْ بِأنْ يَفْعَلُوا ما يُؤْمَرُونَ، حَتّى قَطَعَ سُؤالَهم، فَلَمْ يَلْتَفِتُوا إلى أمْرِهِ، وسَألُوا أنْ يَسْألَ اللَّهَ تَعالى ثانِيًا عَنْ لَوْنِها، إذْ قَدْ أُخْبِرُوا بِسِنِّها، فَأخْبَرَهم عَنِ اللَّهِ تَعالى بِلَوْنِها، ولَمْ يَأْمُرْهم ثانِيًا أنْ يَفْعَلُوا ما يُؤْمَرُونَ بِهِ، إذْ عَلِمَ مِنهم تَعَنُّتَهم، لِأنَّهم خالَفُوا أمْرَ اللَّهِ أوَّلًا في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]، وخالَفُوا أمْرَ مُوسى ثانِيًا في قَوْلِهِ: ﴿فافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ﴾ [البقرة: ٦٨] . فَلَمْ يَكُنْ إلّا أنْ أبْقاهم عَلى طَبِيعَتِهِمْ مِن كَثْرَةِ السُّؤالِ. فَسَألُوا ثالِثًا أنْ يَسْألَ اللَّهَ عَنْها، فَأخْبَرَهم عَنِ اللَّهِ تَعالى بِحالِها بِالنِّسْبَةِ إلى العَمَلِ وباقِي الأوْصافِ الَّتِي ذَكَرَها، فَحِينَئِذٍ صَرَّحُوا بِأنَّ مُوسى جاءَ بِالحَقِّ الواضِحِ الَّذِي بَيَّنَ أمْرَ هَذِهِ البَقَرَةِ، فالتَمَسُوها حَتّى حَصَّلُوها وذَبَحُوها امْتِثالًا لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ بَعْدَ تَرْدِيدٍ كَثِيرٍ وبُطْءٍ عَظِيمٍ، وقَبْلَ ذَلِكَ ما قارَبُوا ذَبْحَها، بَلْ بَقُوا مُتَطَلِّبِينَ أشْياءَ لِيَتَأخَّرَ عَنْهم تَحْصِيلُها وذَبْحُها.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنْهم بِقَتْلِ النَّفْسِ، وتَدافُعِهِمْ فِيمَن قَتَلَها، واخْتِلافِهِمْ في ذَلِكَ، فَأُمِرُوا بِأنْ يَضْرِبُوا ذَلِكَ القَتِيلَ بِبَعْضِ هَذِهِ البَقَرَةِ المَذْبُوحَةِ، فَضَرَبُوهُ فَحَيِـيَ بِإذْنِ اللَّهِ، وانْكَشَفَ لَهم سِرُّ أمْرِ اللَّهِ بِذَبْحِ البَقَرَةِ، وأنَّهُ تَرَتَّبَ عَلى ذَلِكَ مِنَ الأمْرِ المُعْجِزِ الخارِقِ ما يَحْصُلُ بِهِ العِلْمُ الضَّرُورِيُّ الدّالُّ عَلى صِدْقِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ، وعَلى نَبِيِّنا أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مِثْلَ هَذا الإحْياءِ يُحْيِـي المَوْتى، إذْ لا فَرْقَ بَيْنَ الإحْياءَيْنِ في مُطْلَقِ الإحْياءِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِأنَّهُ يُرِيهِمْ آياتِهِ، لِيَنْتِجَ عَنْ تِلْكَ الإراءَةِ كَوْنُهم يَصِيرُونَ مِن أُولِي العَقْلِ، النّاظِرِينَ في عَواقِبِ الأُمُورِ، المُفَكِّرِينَ في المَعادِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ أنَّهم عَلى مُشاهَدَتِهِمْ هَذا الخارِقَ العَظِيمَ، ورُؤْيَتِهِمُ الآياتِ قَبْلَ ذَلِكَ، لَمْ يَتَأثَّرُوا لِذَلِكَ، بَلْ تَرَتَّبَ عَلى ذَلِكَ عَكْسُ مُقْتَضاهُ مِنَ القَسْوَةِ الشَّدِيدَةِ، حَتّى شَبَّهَ قُلُوبَهم بِالحِجارَةِ، أوْ هي أشَدُّ مِنَ الحِجارَةِ. ثُمَّ اسْتَطْرَدَ لِذِكْرِ الحِجارَةِ بِالتَّقْسِيمِ الَّذِي ذَكَرَهُ، عَلى أنَّ الحِجارَةَ تَفْضُلُ قُلُوبَهم في كَوْنِ بَعْضِها يَتَأثَّرُ تَأْثِيرًا عَظِيمًا، بِحَيْثُ يَتَحَرَّكُ ويَتَدَهْدَهُ، وكَوْنِ بَعْضِها يَتَشَقَّقُ فَيَتَأثَّرُ تَأْثِيرًا قَلِيلًا، فَيَنْبُعُ مِنهُ الماءُ، وكَوْنِ بَعْضِها خُلِقَ مُنْفَرِجًا تَجْرِي مِنهُ الأنْهارُ، وقُلُوبُهم عَلى سَجِيَّةٍ واحِدَةٍ، لا تَقْبَلُ مَوْعِظَةً، ولا تَتَأثَّرُ لِذِكْرى، ولا تَنْبَعِثُ لِطاعَةٍ. ثُمَّ خَتَمَ ذَلِكَ بِأنَّهُ تَعالى لا يَغْفُلُ عَمّا اجْتَرَحُوهُ في دارِ الدُّنْيا، بَلْ يُجازِيهِمْ بِذَلِكَ في الدّارِ الأُخْرى. وكانَ افْتِتاحُ هَذِهِ الآياتِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَأْمُرُ، واخْتِتامُها بِأنَّ اللَّهَ لا يَغْفُلُ. فَهو العالِمُ بِمَنِ امْتَثَلَ، وبِمَن أهْمَلَ، فَيُجازِي مُمْتَثِلَ أمْرِهِ بِجَزِيلِ ثَوابِهِ، ومُهْمِلَ أمْرِهِ بِشَدِيدِ عِقابِهِ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии