Абу ХайянТа Ха · 20:60–82

Абу Хайян · Тафсир · на арабском

Та Ха 20:60–82, продолжение

وتَقَدَّمَ الخِلافُ في قِراءَةِ ﴿آمَنتُمْ﴾ وفي ﴿لَأُقَطِّعَنَّ﴾ [الأعراف: ١٢٤] و﴿ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٢٤] في الأعْرافِ. وتَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ فِيها، وجاءَ هُناكَ ﴿آمَنتُمْ لَهُ﴾ وهُنا (لَهُ)، وآمَنَ يُوصَلُ بِالباءِ إذا كانَ بِاللَّهِ، وبِاللّامِ لِغَيْرِهِ في الأكْثَرِ، نَحْوَ ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى﴾ [يونس: ٨٣]، ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ [البقرة: ٥٥]، ﴿وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا﴾ [يوسف: ١٧]، ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦] واحْتَمَلَ الضَّمِيرُ في بِهِ أنْ يَعُودَ عَلى مُوسى، وأنْ يَعُودَ عَلى الرَّبِّ، وأرادَ بِالتَّقْطِيعِ والتَّصْلِيبِ في الجُذُوعِ التَّمْثِيلَ بِهِمْ، ولَمّا كانَ الجِذْعُ مَقَرًّا لِلْمَصْلُوبِ واشْتَمَلَ عَلَيْهِ اشْتِمالَ الظَّرْفِ عَلى المَظْرُوفِ عُدِّيَ الفِعْلُ بِـ (في) الَّتِي لِلْوِعاءِ. وقِيلَ: (في) بِمَعْنى (عَلى) . وقِيلَ: نَقَرَ فِرْعَوْنُ الخَشَبَ وصَلَبَهم في داخِلِهِ فَصارَ ظَرْفًا لَهم حَقِيقَةً حَتّى يَمُوتُوا فِيهِ جُوعًا وعَطَشًا، ومِن تَعْدِيَةِ (صَلَبَ) بِـ (في) قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎وهم صَلَبُوا العَبْدِيَّ في جِذْعِ نَخْلَةٍ ∗∗∗ فَلا عَطَسَتْ شَيْبانُ إلّا بِأجْدَعا

وفِرْعَوْنُ أوَّلُ مَن صَلَبَ، وأقْسَمَ فِرْعَوْنُ عَلى ذَلِكَ وهو فِعْلُ نَفْسِهِ وعَلى فِعْلِ غَيْرِهِ، وهو ﴿ولَتَعْلَمُنَّ أيُّنا﴾ أيْ أيِّي وأيَّ مَن آمَنتُمْ بِهِ. وقِيلَ: أيِّـي وأيَّ مُوسى، وقالَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، لِأنَّ مُوسى لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ التَّعْذِيبِ، وإلى هَذا القَوْلِ ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿آمَنتُمْ لَهُ﴾ واللّامُ مَعَ الإيمانِ في كِتابِ اللَّهِ لِغَيْرِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦١] وفِيهِ نَفاحَةٌ بِاقْتِدارِهِ وقَهْرِهِ وما ألِفَهُ وضَرِيَ بِهِ مِن تَعْذِيبِ النّاسِ بِأنْواعِ العَذابِ، وتَوْضِيعٍ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ واسْتِضْعافٍ مَعَ الهُزْءِ بِهِ. انْتَهى. وهو قَوْلُ الطَّبَرِيِّ، قالَ: يُرِيدُ نَفْسَهُ ومُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والقَوْلُ الأوَّلُ أذْهَبُ مَعَ مَخْرَقَةِ فِرْعَوْنَ، ﴿ولَتَعْلَمُنَّ﴾ هُنا مُعَلَّقٌ ﴿أيُّنا أشَدُّ﴾ جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لِقَوْلِهِ ﴿ولَتَعْلَمُنَّ﴾ سَدَّتْ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ أوْ في مَوْضِعِ مَفْعُولٍ واحِدٍ إنْ كانَ ﴿ولَتَعْلَمُنَّ﴾ مُعَدًّى تَعْدِيَةَ عَرَفَ، ويَجُوزُ عَلى الوَجْهِ أنْ يَكُونَ ﴿أيُّنا﴾ مَفْعُولًا ﴿ولَتَعْلَمُنَّ﴾ وهو مَبْنِيٌّ عَلى رَأْيِ سِيبَوَيْهِ و(أشَدُّ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، و﴿أيُّنا﴾ مَوْصُولَةٌ والجُمْلَةُ بَعْدَها صِلَةٌ، والتَّقْدِيرُ: و﴿ولَتَعْلَمُنَّ﴾ مَن هو ﴿أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾ .

20:72–79Страница 316

قَالُواْ لَن نُّؤۡثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلَّذِي فَطَرَنَاۖ فَٱقۡضِ مَآ أَنتَ قَاضٍۖ إِنَّمَا تَقۡضِي هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَآ ٧٢

Они сказали: «Мы не отдадим тебе предпочтения перед ясными знамениями, которые явились нам, и перед нашим Творцом. Выноси же свой приговор! Воистину, ты выносишь приговор только в мирской жизни.

إِنَّآ ءَامَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغۡفِرَ لَنَا خَطَٰيَٰنَا وَمَآ أَكۡرَهۡتَنَا عَلَيۡهِ مِنَ ٱلسِّحۡرِۗ وَٱللَّهُ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰٓ ٧٣

Воистину, мы уверовали в нашего Господа для того, чтобы Он простил нам наши грехи и колдовство, к которому ты нас принудил. Аллах лучше и долговечнее».

إِنَّهُۥ مَن يَأۡتِ رَبَّهُۥ مُجۡرِمٗا فَإِنَّ لَهُۥ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحۡيَىٰ ٧٤

Тому, кто явится к своему Господу, будучи грешником, уготована Геенна, в которой он не умрет и не будет жить.

وَمَن يَأۡتِهِۦ مُؤۡمِنٗا قَدۡ عَمِلَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَٰتُ ٱلۡعُلَىٰ ٧٥

А тем, кто явится к Нему, будучи верующим, совершив праведные деяния, уготованы высшие ступени -

جَنَّٰتُ عَدۡنٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّىٰ ٧٦

сады Эдема, в которых текут реки. Они пребудут там вечно. Таково воздаяние тем, кто очистился.

وَلَقَدۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَسۡرِ بِعِبَادِي فَٱضۡرِبۡ لَهُمۡ طَرِيقٗا فِي ٱلۡبَحۡرِ يَبَسٗا لَّا تَخَٰفُ دَرَكٗا وَلَا تَخۡشَىٰ ٧٧

Мы внушили Мусе (Моисею) откровение: «Ночью отправляйся в путь с Моими рабами и проложи для них по морю сухую дорогу. Не бойся, что тебя настигнут, и не опасайся!».

فَأَتۡبَعَهُمۡ فِرۡعَوۡنُ بِجُنُودِهِۦ فَغَشِيَهُم مِّنَ ٱلۡيَمِّ مَا غَشِيَهُمۡ ٧٨

Фараон со своим войском бросился преследовать их, но море накрыло их полностью.

وَأَضَلَّ فِرۡعَوۡنُ قَوۡمَهُۥ وَمَا هَدَىٰ ٧٩

Фараон ввел в заблуждение свой народ и не повел его прямым путем.

﴿قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾ أيْ لَنْ نَخْتارَ اتِّباعَكَ وكَوْنَنا مِن حِزْبِكَ وسَلامَتَنا مِن عَذابِكَ ﴿عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ﴾ وهي المُعْجِزَةُ الَّتِي أتَتْنا وعَلِمْنا صِحَّتَها. وفي قَوْلِهِمْ هَذا تَوْهِينٌ لَهُ واسْتِصْغارٌ لَمّا هَدَّدَهم بِهِ وعَدَمُ اكْتِراثٍ بِقَوْلِهِ. وفي نِسْبَةِ المَجِيءِ (p-٢٦٢)إلَيْهِمْ وإنْ كانَتِ البَيِّناتُ جاءَتْ لَهم ولِغَيْرِهِمْ، لِأنَّهم كانُوا أعْرَفَ بِالسِّحْرِ مِن غَيْرِهِمْ، وقَدْ عَلِمُوا أنَّ ما جاءَ بِهِ مُوسى لَيْسَ بِسِحْرٍ فَكانُوا عَلى جَلِيَّةٍ مِنَ العِلْمِ بِالمُعْجِزِ، وغَيْرُهم يُقَلِّدُهم في ذَلِكَ وأيْضًا فَكانُوا هُمُ الَّذِينَ حَصَلَ لَهُمُ النَّفْعُ بِها فَكانَتْ بَيِّناتٍ واضِحَةً في حَقِّهِمْ.

والواوُ في ﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾ واوُ عَطْفٍ عَلى ﴿ما جاءَنا﴾ أيْ: وعَلى ﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾ لَمّا لاحَتْ لَهم حُجَّةُ اللَّهِ في المُعْجِزَةِ بَدَءُوا بِها ثُمَّ تَرَقَّوْا إلى القادِرِ عَلى خَرْقِ العادَةِ، وهو اللَّهُ تَعالى، وذَكَرُوا وصْفَ الِاخْتِراعِ وهو قَوْلُهم ﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾ تَبْيِينًا لِعَجْزِ فِرْعَوْنَ وتَكْذِيبِهِ في ادِّعاءِ رُبُوبِيَّتِهِ وإلاهِيَّتِهِ، وهو عاجِزٌ عَنْ صَرْفِ ذُبابَةٍ فَضْلًا عَنِ اخْتِراعِها.

وقِيلَ: الواوُ لِلْقَسَمِ وجَوابُهُ مَحْذُوفٌ، ولا يَكُونُ ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾ جَوابًا لِأنَّهُ لا يُجابُ في النَّفْيِ بِـ (لْنَ) إلّا في شاذٍّ مِنَ الشِّعْرِ و(ما) مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي، وصِلَتُهُ ﴿أنْتَ قاضٍ﴾ والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ما أنْتَ قاضِيهِ. قِيلَ: ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ (ما) مَصْدَرِيَّةً لِأنَّ المَصْدَرِيَّةَ تُوصَلُ بِالأفْعالِ، وهَذِهِ مَوْصُولَةٌ بِابْتِداءٍ وخَبَرٍ. انْتَهى.

وهَذا لَيْسَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ بَلْ قَدْ ذَهَبَ ذاهِبُونَ مِنَ النُّحاةِ إلى أنَّ (ما) المَصْدَرِيَّةَ تُوصَلُ بِالجُمْلَةِ الاسْمِيَّةِ. وانْتَصَبَ ﴿هَذِهِ الحَياةَ﴾ عَلى الظَّرْفِ وما مُهَيِّئَةٌ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، أيْ: إنَّ قَضاءَكَ كائِنٌ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا لا في الآخِرَةِ، بَلْ في الآخِرَةِ لَنا النَّعِيمُ ولَكَ العَذابُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (تَقْضِي) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ خِطابًا لِفِرْعَوْنَ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ (تُقْضى) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، هَذِهِ الحَياةُ بِالرَّفْعِ اتَّسَعَ في الظَّرْفِ فَأجْرى مَجْرى المَفْعُولِ بِهِ، ثُمَّ بُنِيَ الفِعْلُ لِذَلِكَ ورُفِعَ بِهِ، كَما تَقُولُ: صِيمَ يَوْمُ الجُمُعَةِ، ووُلِدَ لَهُ سِتُّونَ عامًا. ولَمْ يُصَرَّحْ في القُرْآنِ بِأنَّهُ أنْفَذَ فِيهِمْ وعِيدَهُ ولا أنَّهُ قَطَعَ أيْدِيَهم وأرْجُلَهم وصَلَبَهم، بَلِ الظّاهِرُ أنَّهُ تَعالى سَلَّمَهم مِنهُ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ﴾ [القصص: ٣٥] وقِيلَ: أنْفَذَ فِيهِمْ وعِيدَهُ، وصَلَبَهم عَلى الجُذُوعِ وإكْراهُهُ إيّاهم عَلى السِّحْرِ. قِيلَ: حَمَلَهم عَلى مُعارَضَةِ مُوسى. وقِيلَ: كانَ يَأْخُذُ وِلْدانَ النّاسِ ويُجَرِّبُهم عَلى ذَلِكَ فَأشارَتِ السَّحَرَةُ إلى ذَلِكَ، قالَهُ الحَسَنُ ﴿واللَّهُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ رَدٌّ عَلى قَوْلِهِ ﴿أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾ [طه: ٧١] أيْ: وثَوابُ اللَّهِ وما أعَّدَهُ لِمَن آمَنَ بِهِ، رُوِيَ أنَّهم قالُوا لِفِرْعَوْنَ: أرِنا مُوسى نائِمًا، فَفَعَلَ فَوَجَدُوهُ يَحْرُسُهُ عَصاهُ، فَقالُوا: ما هَذا بِسِحْرٍ السّاحِرُ إذا نامَ بَطَلَ سِحْرُهُ فَأبى إلّا أنْ يُعارِضُوهُ، ويَظْهَرُ مِن قَوْلِهِمْ: (أئِنَّ لَنا لَأجْرًا) عَدَمُ الإكْراهِ.

﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ﴾ - إلى - ﴿مَن تَزَكّى﴾ قِيلَ هو حِكايَةٌ لَهم عِظَةٌ لِفِرْعَوْنَ. وقِيلَ: خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ لا عَلى وجْهِ الحِكايَةِ تَنْبِيهًا عَلى قُبْحِ ما فَعَلَ فِرْعَوْنُ وحُسْنِ ما فَعَلَ السَّحَرَةُ مَوْعِظَةً وتَحْذِيرًا، والمُجْرِمُ هُنا الكافِرُ، لِذِكْرِ مُقابِلِهِ ﴿ومَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا﴾ ولِقَوْلِهِ ﴿لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ أيْ: يُعَذَّبُ عَذابًا يَنْتَهِي بِهِ إلى المَوْتِ، ثُمَّ لا يُجْهَزُ عَلَيْهِ فَيَسْتَرِيحُ، بَلْ يُعادُ جِلْدُهُ ويُجَدَّدُ عَذابُهُ فَهو لا يَحْيا حَياةً طَيِّبَةً بِخِلافِ المُؤْمِنِ الَّذِي يَدْخُلُ النّارَ فَهم يُقارِبُونَ المَوْتَ ولا يُجْهَزُ عَلَيْهِمْ فَهَذا فَرْقٌ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ. وفي الحَدِيثِ (إنَّهم يَمُاتُونَ إماتَةً)، وهَذا هو مَعْناهُ لِأنَّهُ لا يَمُوتُ في الآخِرَةِ و﴿تَزَكّى﴾ تَطَهَّرَ مِن دَنَسِ الكُفْرِ. وقِيلَ: قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.

(p-٢٦٣)﴿ولَقَدْ أوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا لا تَخافُ دَرَكًا ولا تَخْشى﴾ ﴿فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى﴾ ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ قَدْ أنْجَيْناكم مِن عَدُوِّكم وواعَدْناكم جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ ونَزَّلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ [طه: ٨٠] ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم ولا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبِي ومَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى﴾ [طه: ٨١] ﴿وإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهْتَدى﴾ [طه: ٨٢] .

هَذا اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَنْ شَيْءٍ مِن أمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْنَهُ وبَيْنَ مَقالِ السَّحَرَةِ المُتَقَدِّمِ مُدَّةٌ مِنَ الزَّمانِ، حَدَثَ فِيها لِمُوسى وفِرْعَوْنَ حَوادِثُ، وذَلِكَ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا انْقَضى أمْرُ السَّحَرَةِ وغَلَبَ مُوسى وقَوِيَ أمْرُهُ وعَدَهُ فِرْعَوْنُ أنْ يُرْسِلَ مَعَهُ بَنِي إسْرائِيلَ، فَأقامَ مُوسى عَلى وعْدِهِ حَتّى غَدَرَهُ فِرْعَوْنُ ونَكَثَ وأعْلَمَهُ أنَّهُ لا يُرْسِلُهم مَعَهُ، فَبَعَثَ اللَّهُ حِينَئِذٍ الآياتِ المَذْكُورَةَ في غَيْرِ هَذِهِ الآياتِ، الجَرادَ والقُمَّلَ إلى آخِرِها كُلَّما جاءَتْ آيَةٌ وعَدَ فِرْعَوْنُ أنْ يُرْسِلَ بَنِي إسْرائِيلَ عِنْدَ انْكِشافِ العَذابِ، فَإذا انْكَشَفَ نَكَثَ حَتّى تَأْتِيَ أُخْرى، فَلَمّا كَمُلَتِ الآياتُ أوْحى اللَّهُ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُخْرِجَ بَنِي إسْرائِيلَ في اللَّيْلِ سارِيًا، والسُّرى مَسِيرُ اللَّيْلِ.

ويُحْتَمَلُ أنَّ (أنْ) تَكُونُ مُفَسِّرَةً وأنْ تَكُونَ النّاصِبَةَ لِلْمُضارِعِ و﴿بِعِبادِي﴾ إضافَةُ تَشْرِيفٍ لِقَوْلِهِ ﴿ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] والظّاهِرُ أنَّ الإيحاءَ إلَيْهِ بِذَلِكَ وبِأنْ يَضْرِبَ البَحْرَ كانَ مُتَقَدِّمًا بِمِصْرَ عَلى وقْتِ اتِّباعِ فِرْعَوْنَ مُوسى وقَوْمَهُ بِجُنُودِهِ. وقِيلَ: كانَ الوَحْيُ بِالضَّرْبِ حِينَ قارَبَ فِرْعَوْنُ لَحاقَهُ وقَوِيَ فَزَعُ بَنِي إسْرائِيلَ، ويُرْوى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ نَهَضَ بِبَنِي إسْرائِيلَ وهم سِتُّمِائَةِ ألْفِ إنْسانٍ، فَسارَ بِهِمْ مِن مِصْرَ يُرِيدُ بَحْرَ القُلْزُمِ، واتَّصَلَ الخَبَرُ فِرْعَوْنَ فَجَمَعَ جُنُودَهُ وحَشَرَهم، ونَهَضَ وراءَهُ فَأوْحى اللَّهُ إلى مُوسى أنْ يَقْصِدَ البَحْرَ فَجَزَعَ بَنُو إسْرائِيلَ، ورَأوْا أنَّ العَدُوَّ مِن ورائِهِمْ والبَحْرَ مِن أمامِهِمْ، ومُوسى يَثِقُ بِصُنْعِ اللَّهِ، فَلَمّا رَآهم فِرْعَوْنُ قَدْ نَهَضُوا نَحْوَ البَحْرِ طَمِعَ فِيهِمْ، وكانَ مَقْصِدُهم إلى مَوْضِعٍ يَنْقَطِعُ فِيهِ الفُحُوصُ والطُّرُقُ الواسِعَةُ. قِيلَ: وكانَ في خَيْلِ فِرْعَوْنَ سَبْعُونَ ألْفَ أدْهَمَ، ونِسْبَةُ ذَلِكَ مِن سائِرِ الألْوانِ. وقِيلَ: أكْثَرُ مِن هَذا فَضَرَبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ البَحْرَ فانْفَرَقَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ فِرْقَةً طُرُقًا واسِعَةً بَيْنَها حِيطانُ الماءِ واقِفَةٌ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣] . وقِيلَ: بَلْ هو طَرِيقٌ واحِدٌ لِقَوْلِهِ ﴿فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا﴾ . انْتَهى.

وقَدْ يُرادُ بِقَوْلِهِ (طَرِيقًا) الجِنْسُ، فَدَخَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ أنْ بَعَثَ اللَّهُ رِيحَ الصَّبا، فَجَفَّفَتْ تِلْكَ الطُّرُقَ حَتّى يَبِسَتْ ودَخَلَ بَنُو إسْرائِيلَ، ووَصَلَ فِرْعَوْنُ إلى المَدْخَلِ وبَنُو إسْرائِيلَ كُلُّهم في البَحْرِ، فَرَأى الماءَ عَلى تِلْكَ الحالِ فَجَزَعَ قَوْمُهُ واسْتَعْظَمُوا الأمْرَ، فَقالَ لَهم: إنَّما انْفَلَقَ مِن هَيْبَتِي، وتَقَدَّمَ غَرَقُ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ في سُورَةِ يُونُسَ. والظّاهِرُ (p-٢٦٤)أنَّ لَفْظَةَ اضْرِبْ هُنا عَلى حَقِيقَتِها مِن مَسِّ العَصا بِقُوَّةٍ وتَحامُلٍ عَلى العَصا، ويُوَضِّحُهُ في آيَةٍ أُخْرى ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣] فالمَعْنى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ لِيَنْفَلِقَ لَهم فَيَصِيرَ طَرِيقًا، فَتَعَدّى إلى الطَّرِيقِ بِدُخُولِ هَذا المَعْنى، لَمّا كانَ الطَّرِيقُ مُتَسَبِّبًا عَنِ الضَّرْبِ جُعِلَ كَأنَّهُ المَضْرُوبُ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا﴾ فاجْعَلْ لَهم مِن قَوْلِهِمْ: ضَرَبَ لَهُ في مالِهِ سَهْمًا، وضَرَبَ اللَّبَنَ عَمِلَهُ. انْتَهى.

وفِي الحَدِيثِ: (اضْرِبُوا لِي مَعَكم بِسَهْمٍ) . ولَمّا لَمْ يَذْكُرِ المَضْرُوبَ حَقِيقَةً وهو البَحْرُ، ولَوْ كانَ صَرَّحَ بِالمَضْرُوبِ حَقِيقَةً لَكانَ التَّرْكِيبُ طَرِيقًا فِيهِ، فَكانَ يَعُودُ عَلى البَحْرِ المَضْرُوبِ و﴿يَبَسًا﴾ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ الطَّرِيقُ، وصَفَهُ بِما آلَ إلَيْهِ إذْ كانَ حالَةَ الضَّرْبِ لَمْ يَتَّصِفْ بِاليُبْسِ، بَلْ مَرَّتْ عَلَيْهِ الصَّبا فَجَفَّفَتْهُ، كَما رُوِيَ، ويُقالُ: يَبَسَ يُبْسًا ويَبَسًا كالعُدْمِ والعَدَمِ، ومِن كَوْنِهِ مَصْدَرًا وُصِفَ بِهِ المُؤَنَّثُ، قالُوا: شاةٌ يَبَسٌ وناقَةٌ يَبَسٌ إذا جَفَّ لَبَنُها. وقَرَأ الحَسَنُ (يَبْسًا) بِسُكُونِ الباءِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: قَدْ يَكُونُ مَصْدَرًا كالعامَّةِ، وقَدْ يَكُونُ بِالإسْكانِ المَصْدَرَ، وبِالفَتْحِ الِاسْمَ كالنَّفْضِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا يَخْلُو اليَبَسُ مِن أنْ يَكُونَ مُخَفَّفًا عَنِ اليَبْسِ أوْ صِفَةً عَلى فُعْلٍ أوْ جَمْعَ يابِسٍ كَصاحِبٍ وصَحْبٍ، وُصِفَ بِهِ الواحِدُ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ: ومَعًا جِياعًا جَعَلَهُ لِفَرْطِ جُوعِهِ كَجَماعَةِ جِياعٍ. انْتَهى.

وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: يابِسًا اسْمَ فاعِلٍ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: لا تَخافُ وهي جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ ﴿فاضْرِبْ﴾ وقِيلَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِلطَّرِيقِ، وحُذِفَ العائِدُ أيْ لا تَخافُ فِيهِ. وقَرَأ الأعْمَشُ: وحَمْزَةُ وابْنُ أبِي لَيْلى (لا تَخَفْ) بِالجَزْمِ عَلى جَوابِ الأمْرِ أوْ عَلى نَهْيٍ مُسْتَأْنَفٍ قالَهُ الزَّجّاجُ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ ﴿دَرْكًا﴾ بِسُكُونِ الرّاءِ، والجُمْهُورُ بِفَتْحِها، والدَّرْكُ والدَّرَكُ اسْمانِ مِنَ الإدْراكِ أيْ لا يُدْرِكُكَ فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ ولا يَلْحَقُونَكَ ﴿ولا تَخْشى﴾ أنْتَ ولا قَوْمُكَ غَرَقًا، وعَطْفُهُ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ﴿لا تَخافُ﴾ ظاهِرٌ، وأمّا عَلى قِراءَةِ الجَزْمِ فَخُرِّجَ عَلى أنَّ الألِفَ جِيءَ بِها لِأجْلِ أواخِرِ الآيِ فاصِلَةً نَحْوَ قَوْلِهِ ﴿فَأضَلُّونا السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٦٧] وعَلى أنَّهُ إخْبارٌ مُسْتَأْنَفٌ أيْ: وأنْتَ لا تَخْشى، وعَلى أنَّهُ مَجْزُومٌ بِحَذْفِ الحَرَكَةِ المُقَدَّرَةِ عَلى لُغَةِ مَن قالَ: ألَمْ يَأْتِيكَ وهي لُغَةٌ قَلِيلَةٌ. وقالَ الشّاعِرُ:

؎إذا العَجُوزُ غَضِبَتْ فَطَلِّقِ ولا تَرضّاها ولا تَمَلَّقِ

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَأتْبَعَهُمْ﴾ بِسُكُونِ التّاءِ، وأتْبَعَ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى تَبِعَ فَيَتَعَدّى إلى واحِدٍ، كَقَوْلِهِ ﴿فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ﴾ [الأعراف: ١٧٥] وقَدْ يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، كَقَوْلِهِ: وأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتِهِمْ فَتَكُونُ التّاءُ زائِدَةً، أيْ: جُنُودُهُ، أوْ تَكُونُ لِلْحالِ، والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ، أيْ: رُؤَساؤُهُ وحَشَمُهُ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ، والحَسَنُ (فاتَّبَعَهم) بِتَشْدِيدِ التّاءِ، وكَذا عَنِ الحَسَنِ في جَمِيعِ ما في القُرْآنِ إلّا ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠] والباءُ في بِجُنُودِهِ في مَوْضِعِ الحالِ كَما تَقُولُ: أُخْرِجَ زَيْدٌ بِسِلاحِهِ، أوِ الباءِ لِلتَّعَدِّي لِمَفْعُولٍ ثانٍ بِحَرْفِ جَرٍّ، إذْ لا يَتَعَدّى اتَّبَعَ بِنَفْسِهِ إلّا إلى حَرْفٍ واحِدٍ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ عَلى وزْنِ فِعْلٍ مُجَرَّدٍ مِنَ الزِّيادَةِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ، مِنهُمُ الأعْمَشُ، فَغَشّاهم مِنَ اليَمِّ ما غَشّاهم بِتَضْعِيفِ العَيْنِ فالفاعِلُ في القِراءَةِ الأُولى (ما) وفي الثّانِيَةِ الفاعِلُ اللَّهُ أيْ فَغَشّاهُمُ اللَّهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ فِرْعَوْنُ لِأنَّهُ الَّذِي ورَّطَ جُنُودَهُ وتَسَبَّبَ لِهَلاكِهِمْ. وقالَ ﴿ما غَشِيَهُمْ﴾ مِن بابِ الِاخْتِصارِ ومِن جَوامِعِ الكَلِمِ الَّتِي تَسْتَقِلُّ مَعَ قِلَّتِها بِالمَعانِي الكَثِيرَةِ، أيْ (غَشِيَهم) ما لا يَعْلَمُ كُنْهَهُ إلّا اللَّهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿ما غَشِيَهُمْ﴾ إبْهامٌ أهَوَلُ مِنَ النَّصِّ عَلى قَدْرِ ما، وهو كَقَوْلِهِ ﴿إذْ يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ [النجم: ١٦] والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿غَشِيَهُمْ﴾ في المَوْضِعَيْنِ عائِدٌ عَلى فِرْعَوْنِ وقَوْمِهِ، وقِيلَ: الأوَّلُ عَلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، والثّانِي عَلى مُوسى وقَوْمِهِ: وفي الكَلامِ حَذْفٌ عَلى هَذا القَوْلِ تَقْدِيرُهُ فَنَجا مُوسى وقَوْمُهُ، وغَرِقَ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: وقُرِئَ وجُنُودُهُ عَطْفًا عَلى فِرْعَوْنَ.

(p-٢٦٥)﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ﴾ أيْ مِن أوَّلِ مَرَّةٍ إلى هَذِهِ النِّهايَةِ ويَعْنِي الضَّلالَ في الدِّينِ. وقِيلَ: أضَلَّهم في البَحْرِ لِأنَّهم غَرِقُوا فِيهِ، واحْتَجَّ بِهِ القاضِي عَلى مَذْهَبِهِ فَقالَ: لَوْ كانَ الضَّلالُ مِن خَلْقِ اللَّهِ لَما جازَ أنْ يُقالَ: ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ﴾ بَلْ وجَبَ أنْ يُقالَ: اللَّهُ أضَلَّهم لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ذَمَّهُ بِذَلِكَ فَكَيْفَ يَكُونُ خالِقًا لِلْكُفْرِ لِأنَّ مَن ذَمَّ غَيْرَهُ بِفِعْلِ شَيْءٍ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ المَذْمُومُ فاعِلًا لِذَلِكَ الفِعْلِ وإلّا اسْتَحَقَّ الذّامُّ الذَّمَّ. انْتَهى.

وهُوَ عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ ﴿وما هَدى﴾ أيْ ما هَداهم إلى الدِّينِ، أوْ ما نَجا مِنَ الغَرَقِ، أوْ ما اهْتَدى في نَفْسِهِ لِأنَّ (هَدى) قَدْ يَأْتِي بِمَعْنى اهْتَدى.

20:80–82Страница 317

يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ قَدۡ أَنجَيۡنَٰكُم مِّنۡ عَدُوِّكُمۡ وَوَٰعَدۡنَٰكُمۡ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلۡأَيۡمَنَ وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَنَّ وَٱلسَّلۡوَىٰ ٨٠

О сыны Исраила (Израиля)! Мы спасли вас от вашего врага и дали вам обещание на правом склоне горы. Мы также ниспослали вам манну и перепелов.

كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ وَلَا تَطۡغَوۡاْ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيۡكُمۡ غَضَبِيۖ وَمَن يَحۡلِلۡ عَلَيۡهِ غَضَبِي فَقَدۡ هَوَىٰ ٨١

Вкушайте блага, которыми Мы наделили вас, но не преступайте посредством их границы дозволенного, а не то на вас падет Мой гнев. А всякий, на кого падет Мой гнев, погибнет.

وَإِنِّي لَغَفَّارٞ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا ثُمَّ ٱهۡتَدَىٰ ٨٢

Воистину, Я прощаю тех, кто раскаялся, уверовал, стал поступать праведно, а потом последовал прямым путем.

﴿يابَنِي إسْرائِيلَ قَدْ أنْجَيْناكم مِن عَدُوِّكُمْ﴾ ذَكَّرَهم تَعالى بِأنْواعِ نِعَمِهِ وبَدَأ بِإزالَةِ ما كانُوا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ مِنَ الإذْلالِ والخَراجِ والذَّبْحِ وهي آكَدُ أنْ تَكُونَ مُقَدَّمَةً عَلى المَنفَعَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ لِأنَّ إزالَةَ الضَّرَرِ أعْظَمُ في النِّعْمَةِ مِن إيصالِ تِلْكَ المَنفَعَةِ، ثُمَّ أعْقَبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ المَنفَعَةِ الدِّينِيَّةِ وهو قَوْلُهُ ﴿وواعَدْناكم جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ﴾ إذْ أنْزَلَ عَلى نَبِيِّهِمْ مُوسى كِتابًا فِيهِ بَيانُ دِينِهِمْ وشَرْحُ شَرِيعَتِهِمْ، ثُمَّ يَذْكُرُ المَنفَعَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ وهو قَوْلُهُ ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ لِمَن نَجا مَعَ مُوسى بَعْدَ إغْراقِ فِرْعَوْنَ. وقِيلَ: لِمُعاصِرِي الرَّسُولِ ﷺ اعْتِراضًا في أثْناءِ قِصَّةِ مُوسى تَوْبِيخًا لَهم إذْ لَمْ يَصْبِرْ سَلَفُهم عَلى أداءِ شُكْرِ نِعَمِ اللَّهِ فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ أنْجَيْنا آباءَكم مِن تَعْذِيبِ آلِ فِرْعَوْنَ.

وخاطَبَ الجَمِيعَ بِواعَدْناكم وإنْ كانَ المَوْعُودُونَ هُمُ السَبْعِينَ الَّذِينَ اخْتارَهم مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِسَماعِ كَلامِ اللَّهِ، لِأنَّ سَماعَ أُولَئِكَ السَبْعِينَ تَعُودُ مَنفَعَتُهُ عَلى جَمِيعِهِمْ إذْ تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم وتَسْكُنُ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ﴿جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ﴾ في سُورَةِ مَرْيَمَ، وعَلى ﴿وأنْزَلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ [البقرة: ٥٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وطَلْحَةُ: قَدْ أنْجَيْتُكم وواعَدْتُكم ما رَزَقَتْكم بِتاءِ الضَّمِيرِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِنُونِ العَظَمَةِ وحُمَيدٌ نَجَّيْناكم بِتَشْدِيدِ الجِيمِ مِن غَيْرِ ألِفٍ قَبْلَها وبِنُونَ العَظَمَةِ وتَقَدَّمَ خِلافُ أبِي عَمْرٍو وفي واعَدَ في البَقَرَةِ.

والطَّيِّباتُ هُنا: الحَلالُ اللَّذِيذُ لِأنَّهُ جَمَعَ الوَصْفَيْنِ. وقُرِئَ ﴿الأيْمَنَ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِالجَرِّ عَلى الجِوارِ نَحْوَ جُحْرِ ضَبٍّ خَرِبٍ. انْتَهى. وهَذا مِنَ الشُّذُوذِ والقِلَّةِ بِحَيْثُ يَنْبَغِي أنْ لا تُخَرَّجَ القِراءَةُ عَلَيْهِ، والصَّحِيحُ أنَّهُ نَعْتٌ لِلطُّورِ لِما فِيهِ مِنَ اليُمْنِ وأمّا لِكَوْنِهِ عَلى يَمِينِ مَن يَسْتَقْبِلُ الجَبَلَ، ونَهاهم عَنِ الطُّغْيانِ فِيما رَزَقَهم وهو أنْ يَتَعَدَّوْا حُدُودَ اللَّهِ فِيها بِأنْ يَكْفُرُوها ويَشْغَلَهُمُ اللَّهْوُ والنِّعَمُ عَنِ القِيامِ بِشُكْرِها، وأنْ يُنْفِقُوها في المَعاصِي ويَمْنَعُوا الحُقُوقَ الواجِبَةَ عَلَيْهِمْ فِيها.

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ولا تَطْغُوا فِيهِ بِضَمِّ الغَيْنِ. . وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ولا تَطْغَوْا فِيهِ﴾ لا يَظْلِمْ بَعْضُكم بَعْضًا فَيَأْخُذَهُ مِن صاحِبِهِ يَعْنِي بِغَيْرِ حَقٍّ. وعَنِ الضَّحّاكِ ومُقاتِلٍ: لا تُجاوِزُوا حَدَّ الإباحَةِ. وعَنِ الكَلْبِيِّ: لا تَكْفُرُوا النِّعْمَةَ أيْ لا تَسْتَعِينُوا بِنِعْمَتِي عَلى مُخالَفَتِي. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فَيَحِلَّ﴾ بِكَسْرِ الحاءِ ﴿ومَن يَحْلِلْ﴾ بِكَسْرِ اللّامِ أيْ فَيَجِبُ ويَلْحَقُ. وقَرَأ الكِسائِيُّ بِضَمِّ الحاءِ ولامِ يَحْلُلْ أيْ يَنْزِلُ وهي قِراءَةُ قَتادَةَ، وأبِي حَيْوَةَ، والأعْمَشِ، وطَلْحَةَ، ووافَقَ ابْنُ عُتَيْبَةَ في يَحْلُلُ فَضَمَّ، وفي الإقْناعِ لِأبِي عَلِيٍّ الأهْوازِيِّ ما نَصَّهُ: ابْنُ غَزْوانَ، عَنْ طَلْحَةَ: لا يَحِلَّنَّ عَلَيْكم ﴿غَضَبِي﴾ بِلامٍ ونُونٍ مُشَدَّدَةٍ وفَتْحِ اللّامِ وكَسْرِ الحاءِ، أيْ: لا تَتَعَرَّضُوا لِلطُّغْيانِ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبِي مِن بابِ لا أرَيَنَّكَ هُنا، وفي كِتابِ اللَّوامِحِ قَتادَةُ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ، وابْنُ وثّابِ، والأعْمَشُ، فَيُحِلُّ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الحاءِ مِنَ الإحْلالِ فَهو مُتَعَدٍّ مِن حَلَّ بِنَفْسِهِ، والفاعِلُ فِيهِ مُقَدَّرٌ تُرِكَ لِشُهْرَتِهِ وتَقْدِيرِهِ فَيَحِلُّ بِهِ طُغْيانُكم ﴿غَضَبِي﴾ عَلَيْكم ودَلَّ عَلى ذَلِكَ ﴿ولا تَطْغَوْا﴾ فَيَصِيرُ ﴿غَضَبِي﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ مَفْعُولٍ بِهِ. وقَدْ يَجُوزُ أنْ يُسْنَدَ الفِعْلُ إلى ﴿غَضَبِي﴾ فَيَصِيرُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِفِعْلِهِ، وقَدْ حُذِفَ مِنهُ المَفْعُولُ لِلدَّلِيلِ عَلَيْهِ وهو العَذابُ أوْ نَحْوُهُ. انْتَهى.

﴿فَقَدْ هَوى﴾ كَنّى بِهِ عَنِ الهَلاكِ، وأصْلُهُ أنْ يَسْقُطَ مِن جَبَلٍ فَيَهْلِكَ يُقالُ هَوى الرَّجُلُ أيْ سَقَطَ، ويُشْبِهُ الَّذِي (p-٢٦٦)يَقَعُ في ورْطَةٍ بَعْدَ أنْ كانَ بِنَجْوَةٍ مِنها بِالسّاقِطِ، أوْ ﴿هَوى﴾ في جَهَنَّمَ، وفي سُخْطِ اللَّهِ وغَضَبُ اللَّهِ عُقُوباتُهُ، ولِذَلِكَ وُصِفَ بِالنُّزُولِ.

ولَمّا حَذَّرَ تَعالى مِنَ الطُّغْيانِ فِيما رَزَقَ، وحَذَّرَ مِن حُلُولِ غَضَبِهِ، فَتَحَ بابَ الرَّجاءِ لِلتّائِبِينَ وأتى بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿وإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِنَ الشِّرْكِ ﴿وآمَنَ﴾ أيْ وحَّدَ اللَّهَ ﴿وعَمِلَ صالِحًا﴾ أدّى الفَرائِضَ ﴿ثُمَّ اهْتَدى﴾ لَزِمَ الهِدايَةَ وأدامَها إلى المُوافاةِ عَلى الإسْلامِ. وقِيلَ: مَعْناهُ لَمْ يَشُكَّ في إيمانِهِ. وقِيلَ: ثُمَّ اسْتَقامَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والَّذِي تَقْوى في مَعْنى ﴿ثُمَّ اهْتَدى﴾ أنْ يَكُونَ ثُمَّ حَفِظَ مُعْتَقَداتِهِ مِن أنْ يُخالِفَ الحَقَّ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، فَإنَّ الِاهْتِداءَ عَلى هَذا الوَجْهِ غَيْرُ الإيمانِ وغَيْرُ العَمَلِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الِاهْتِداءُ هو الِاسْتِقامَةُ والثَّباتُ عَلى الهُدى المَذْكُورِ وهو التَّوْبَةُ والإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ، ونَحْوُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] وكَلِمَةُ التَّراخِي دَلَّتْ عَلى تَبايُنِ المَنزِلَتَيْنِ دَلالَتَها عَلى تَبايُنِ الوَقْتَيْنِ في جاءَنِي زَيْدٌ ثُمَّ عُمَرُ، وأعْنِي أنَّ مَنزِلَةَ الِاسْتِقامَةِ عَلى الخَبَرِ مُبايِنَةٌ لِمَنزِلَةِ الخَبَرِ نَفْسِهِ لِأنَّها أعْلى مِنهُ وأفْضَلُ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English