Абу ХайянАш‑Шуара · 26:76–98

Абу Хайян · Тафсир · на арабском

Аш-Шуара 26:76–98

26:76–89Страница 370

أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُمُ ٱلۡأَقۡدَمُونَ ٧٦

вы со своими древними отцами?

فَإِنَّهُمۡ عَدُوّٞ لِّيٓ إِلَّا رَبَّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٧٧

Все они - враги мои, кроме Господа миров,

ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهۡدِينِ ٧٨

Который сотворил меня и ведет прямым путем,

وَٱلَّذِي هُوَ يُطۡعِمُنِي وَيَسۡقِينِ ٧٩

Который кормит меня и поит,

وَإِذَا مَرِضۡتُ فَهُوَ يَشۡفِينِ ٨٠

Который исцеляет меня, когда я заболеваю,

وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحۡيِينِ ٨١

Который умертвит меня, а потом воскресит,

وَٱلَّذِيٓ أَطۡمَعُ أَن يَغۡفِرَ لِي خَطِيٓـَٔتِي يَوۡمَ ٱلدِّينِ ٨٢

Который, я надеюсь, простит мой грех в День воздаяния.

رَبِّ هَبۡ لِي حُكۡمٗا وَأَلۡحِقۡنِي بِٱلصَّٰلِحِينَ ٨٣

Господи! Даруй мне власть (пророчество или знание) и воссоедини меня с праведниками!

وَٱجۡعَل لِّي لِسَانَ صِدۡقٖ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ ٨٤

Оставь обо мне правдивую молву в последующих поколениях!

وَٱجۡعَلۡنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ ٱلنَّعِيمِ ٨٥

Сделай меня одним из наследников Сада блаженства!

وَٱغۡفِرۡ لِأَبِيٓ إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ ٨٦

Прости моего отца, ибо он был одним из заблудших!

وَلَا تُخۡزِنِي يَوۡمَ يُبۡعَثُونَ ٨٧

И не позорь меня в День воскресения -

يَوۡمَ لَا يَنفَعُ مَالٞ وَلَا بَنُونَ ٨٨

в тот день, когда ни богатство, ни сыновья не принесут пользы никому,

إِلَّا مَنۡ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلۡبٖ سَلِيمٖ ٨٩

кроме тех, которые предстанут перед Аллахом с непорочным сердцем».

(أوْ يَنْفَعُونَكم بِتَقَرُّبِكم إلَيْهِمْ ودُعائِكم إيّاهم أوْ يَضُرُّونَ) بِتَرْكِ عِبادَتِكم إيّاهم، فَإذا لَمْ يَنْفَعُوا ولَمْ يَضُرُّوا، فَما مَعْنى عِبادَتِكم لَها ؟ ﴿قالُوا بَلْ وجَدْنا﴾ [الشعراء: ٧٤] هَذِهِ حَيْدَةٌ عَنْ جَوابِ الِاسْتِفْهامِ، لِأنَّهم لَوْ قالُوا: يَسْمَعُونَنا ويَنْفَعُونَنا ويَضُرُّونَنا، فَضَحُوا أنْفُسَهم بِالكَذِبِ الَّذِي لا يُمْتَرى فِيهِ، ولَوْ قالُوا: يَسْمَعُونَنا ولا يَضُرُّونَنا، أسْجَلُوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِالخَطَأِ المَحْضِ، فَعَدَلُوا إلى التَّقْلِيدِ البَحْتِ لِآبائِهِمْ في عِبادَتِها مِن غَيْرِ بُرْهانٍ ولا حُجَّةٍ. والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ ”يَفْعَلُونَ“، أيْ يَفْعَلُونَ في عِبادَتِهِمْ تِلْكَ الأصْنامَ مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ الَّذِي يَفْعَلُهُ، وهو عِبادَتُهم؛ والحَيْدَةُ عَنِ الجَوابِ مِن عَلاماتِ انْقِطاعِ الحُجَّةِ. وبَلْ هُنا إضْرابٌ عَنْ جَوابِهِ لَمّا سَألَ وأخَذَ في شَيْءٍ آخَرَ لَمْ يَسْألْهم عَنْهُ انْقِطاعًا وإقْرارًا بِالعَجْزِ.

﴿وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ وصَفَهم بِالأقْدَمِينَ دَلالَةً عَلى تَقادُمِ عِبادَةِ الأصْنامِ فِيهِمْ، وإذْ كانُوا قَدْ عَبَدُوها في زَمانِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَزَمانِ مَن بَعْدَهُ ؟ وعَدُوٌّ: يَكُونُ لِلْمُفْرَدِ والجَمْعِ، كَما قالَ: ﴿هُمُ العَدُوُّ فاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون: ٤] قِيلَ: شُبِّهَ بِالمَصْدَرِ، كالقَبُولِ والوَلُوعِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما قالَ: (p-٢٤)عَدُوٌّ لِي، تَصَوُّرًا لِلْمَسْألَةِ في نَفْسِهِ عَلى مَعْنى: أيْ فَكَّرْتُ في أمْرِي، فَرَأيْتُ عِبادَتِي لَها عِبادَةً لِلْعَدُوِّ، فاجْتَنَبْتُها وآثَرْتُ عِبادَةً مَنِ الخَيْرُ كُلُّهُ مِنهُ، وأراهم بِذَلِكَ أنَّها نَصِيحَةٌ نَصَحَ بِها نَفْسَهُ أوَّلًا، وبَنى عَلَيْها تَدْبِيرَ أمْرِهِ، لِيَنْظُرُوا ويَقُولُوا: ما نَصَحَنا إبْراهِيمُ إلّا بِما نَصَحَ بِهِ نَفْسَهُ، وما أرادَ لَنا إلّا ما أرادَ لِرُوحِهِ، لِيَكُونَ أدْنى لَهم إلى القَبُولِ، وأبْعَثَ عَلى الِاسْتِماعِ مِنهُ. ولَوْ قالَ: فَإنَّهُ عَدُوٌّ لَكم، لَمْ يَكُنْ بِتِلْكَ المَثابَةِ، ولِأنَّهُ دَخَلَ في بابٍ مِنَ التَّعْرِيضِ، وقَدْ يُبْلِغُ التَّعْرِيضُ لِلْمَنصُوحِ ما لا يُبْلِغُ التَّصْرِيحُ، لِأنَّهُ رُبَّما يَتَأمَّلُ فِيهِ، فَرُبَّما قادَهُ التَّأْمِيلُ إلى التَّقَبُّلِ. ومِنهُ ما يُحْكى عَنِ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ رَجُلًا واجَهَهُ بِشَيْءٍ فَقالَ: لَوْ كُنْتُ بِحَيْثُ أنْتَ لاحْتَجْتُ إلى أدَبٍ؛ وسَمِعَ رَجُلٌ ناسًا يَتَحَدَّثُونَ عَنِ الحِجْرِ فَقالَ: ما هو بَيْتِي ولا بَيْتُكم. انْتَهى. وهو كَلامٌ فِيهِ تَكْثِيرٌ عَلى عادَتِهِ، وذَهابُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ قَوْلَهُ: (فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي) مِنَ المَقْلُوبِ والأصْلُ: فَإنِّي عَدُوٌّ لَهم، لِأنَّ الأصْنامَ لا تُعادِي لِكَوْنِها جَمادًا، وإنَّما هو عاداها لَيْسَ بِشَيْءٍ، ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى ذَلِكَ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿كَلّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢] فَهَذا مَعْنى العَداوَةِ، ولِأنَّ المُغْرِيَ عَلى عَداوَتِها عَدُوُّ الإنْسانِ، وهو الشَّيْطانُ. وقِيلَ: لِأنَّهُ - تَعالى - يُحْيِـي ما عَبَدُوهُ مِنَ الأصْنامِ حَتّى يَبْتَرِءُوا مِن عَبَدَتِهِمْ، ويُوَبِّخُوهم. وقِيلَ: هو عَلى حَذْفٍ، أيْ: فَإنَّ عُبّادَهم عَدُوٌّ لِي. والظّاهِرُ إقْرارُ الِاسْتِثْناءِ في مَوْضِعِهِ مِن غَيْرِ تَقْدِيمٍ ولا تَأْخِيرٍ. وقالَ الجُرْجانِيُّ: تَقْدِيرُهُ: أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ إلّا رَبَّ العالَمِينَ، فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي، وإلّا: بِمَعْنى دُونَ وسِوى. انْتَهى. فَجَعَلَهُ مُسْتَثْنًى مِمّا بَعْدَ ”كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ“، ولا حاجَةَ إلى هَذا التَّقْدِيرِ لِصِحَّةِ أنْ يَكُونَ مُسْتَثْنًى مِن قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ . وجَعَلَهُ جَماعَةٌ - مِنهُمِ الفَرّاءُ واتَّبَعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ - اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، أيْ لَكِنَّ رَبَّ العالَمِينَ، لِأنَّهم فَهِمُوا مِن قَوْلِهِ: ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أنَّهُمُ الأصْنامُ. وأجازَ الزَّجّاجُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا عَلى أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ ويَعْبُدُونَ مَعَهُ الأصْنامَ، فَأعْلَمَهم أنَّهُ تَبَرَّأ مِمّا يَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ، وأجازُوا في (الَّذِي خَلَقَنِي) النَّصْبَ عَلى الصِّفَةِ لِرَبِّ العالَمِينَ، أوْ بِإضْمارِ، أعْنِي، والرَّفْعُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هو الَّذِي. وقالَ الحَوْفِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (الَّذِي خَلَقَنِي) رَفْعًا بِالِابْتِداءِ ﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ في مَوْضِعِ الخَبَرِ عَنِ الَّذِي، ودَخَلَتِ الفاءُ لِما في الكَلامِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ. انْتَهى. ولَيْسَ ”الَّذِي“ هُنا فِيهِ مَعْنى اسْمِ الشَّرْطِ لِأنَّهُ خاصٌّ، ولا يُتَخَيَّلُ فِيهِ العُمُومُ، فَلَيْسَ نَظِيرَ: الَّذِي يَأْتِينِي فَلَهُ دِرْهَمٌ، وأيْضًا لَيْسَ الفِعْلُ الَّذِي هو خَلَقَ لا يُمْكِنُ فِيهِ تَحَدُّدٌ بِالنِّسْبَةِ إلى إبْراهِيمَ.

وتابَعَ أبُو البَقاءِ الحَوْفِيُّ في إعْرابِهِ هَذا، لَكِنَّهُ لَمْ يَقُلْ: ودَخَلَتِ الفاءُ لِما في الكَلامِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ. فَإنْ كانَ أرادَ ذَلِكَ، فَلَيْسَ بِجَيِّدٍ لِما ذَكَرْناهُ، وإنْ لَمْ يُرِدْهُ، فَلا يَجُوزُ ذَلِكَ إلّا عَلى زِيادَةِ الفاءِ، عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ في نَحْوِ: زَيْدٌ فاضْرِبْهُ؛ الَّذِي خَلَقَنِي بِقُدْرَتِهِ فَهو يَهْدِينِ إلى طاعَتِهِ. وقِيلَ: إلى جَنَّتِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَهو يَهْدِينِ، يُرِيدُ أنَّهُ حِينَ أتَمَّ خَلْقَهُ، ونَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ عَقَّبَ هِدايَتَهُ المُتَّصِلَةَ الَّتِي لا تَنْقَطِعُ إلى ما يُصْلِحُهُ ويُعِينُهُ، وإلّا فَمَن هَداهُ إلى أنْ يَغْتَذِيَ بِالدَّمِ في البَطْنِ امْتِصاصًا ؟ ومَن هَداهُ إلى مَعْرِفَةِ الثَّدْيِ عِنْدَ الوِلادَةِ ؟ وإلى مَعْرِفَةِ مَكانِهِ ؟ ومَن هَداهُ لِكَيْفِيَّةِ الِارْتِضاعِ ؟ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن هِداياتِ المَعاشِ والمَعادِ. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ الطَّعامُ المَعْرُوفُ المَعْهُودُ، والسَّقْيُ المَعْهُودُ، وفِيهِ تَعْدِيدُ نِعْمَةِ الرِّزْقِ. وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: يُطْعِمُنِي بِلا طَعامٍ، ويَسْقِينِي بِلا شَرابٍ، كَما جاءَ إنِّي أبَيْتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي ويَسْقِينِي ولَمّا كانَ الخَلْقُ لا يُمْكِنُ أنْ يَدَّعِيَهُ أحَدٌ لَمْ يُؤَكِّدْ فِيهِ بِهو، فَلَمْ يَكُنِ التَّرْكِيبُ الَّذِي هو خَلَقَنِي، ولَمّا كانَتِ الهِدايَةُ قَدْ يُمْكِنُ ادِّعاؤُها. والإطْعامُ والسَّقْيُ كَذَلِكَ أكَّدَ بِهو في قَوْلِهِ: ﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ ﴿والَّذِي هو يُطْعِمُنِي﴾ وذَكَرَ بَعْدَ نِعْمَةِ الخَلْقِ والهِدايَةِ ما تَدُومُ بِهِ الحَياةُ ويَسْتَمِرُّ بِهِ نِظامُ الخَلْقِ، وهو الغِذاءُ والشُّرْبِ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِغَلَبَةِ إحْدى الكَيْفِيّاتِ عَلى الأُخْرى بِزِيادَةِ الغِذاءِ أوْ (p-٢٥)نُقْصانِهِ، فَيَحْدُثُ بِذَلِكَ مَرَضٌ ذَكَرَ نِعْمَتَهُ، بِإزالَةِ ما حَدَثَ مِنَ السَّقَمِ، وأضافَ المَرَضَ إلى نَفْسِهِ، ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ: وإذا أمْرَضَنِي، وإنْ كانَ - تَعالى - هو الفاعِلُ لِذَلِكَ، وإبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَدَّدَ نِعَمَ اللَّهِ - تَعالى - عَلَيْهِ، والشِّفاءُ مَحْبُوبٌ والمَرَضُ مَكْرُوهٌ. ولَمّا لَمْ يَكُنِ المَرَضُ مِنها، لَمْ يُضِفْهُ إلى اللَّهِ. وعَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ؛ ولَعَلَّهُ لا يَصِحُّ: وإذا مَرِضْتُ بِالذُّنُوبِ شَفانِي بِالتَّوْبَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما قالَ: مَرِضْتُ دُونَ أمْرَضَنِي، لِأنَّ كَثِيرًا مِن أسْبابِ المَرَضِ يَحْدُثُ بِتَفْرِيطٍ مِنَ الإنْسانِ في مَطاعِمِهِ ومَشارِبِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ. ومِن ثَمَّ قالَ الحُكَماءُ: لَوْ قِيلَ لَأكْثَرِ المَوْتى: ما سَبَبُ آجالِكم ؟ لَقالُوا: التُخَمُ، ولَمّا كانَ الشِّفاءُ قَدْ يُعْزى إلى الطَّبِيبِ، وإلى الدَّواءِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ؛ كَما قالَ: ﴿فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ﴾ [النحل: ٦٩] أكَّدَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ أيِ الَّذِي هو يَهْدِينِ ويُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ هو اللَّهُ لا غَيْرُهُ.

ولَمّا كانَتِ الإماتَةُ بَعْدَ البَعْثِ، لا يُمْكِنُ إسْنادُها إلّا إلى اللَّهِ، لَمْ يَحْتَجْ إلى تَوْكِيدٍ، ودَعْوى نُمْرُوذَ الإماتَةَ والإحْياءَ هي مِنهُ عَلى سَبِيلِ المَخْرَفَةِ والقِحَةِ، وكَذَلِكَ لَمْ يَحْتَجْ إلى تَأْكِيدٍ في: ﴿والَّذِي أطْمَعُ﴾ . وأثْبَتَ ابْنُ أبِي إسْحاقَ ياءَ المُتَكَلِّمِ في يَهْدِينِي وما بَعْدَهُ، وهي رِوايَةٌ عَنْ نافِعٍ. والطَّمَعُ عِبارَةٌ عَنِ الرَّجاءِ، وإبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ جازِمًا بِالمَغْفِرَةِ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمْ يَجْزِمِ القَوْلَ بِالمَغْفِرَةِ، وفِيهِ تَعْلِيمٌ لِأُمَمِهِمْ، ولِيَكُونَ لُطْفًا بِهِمْ في اجْتِنابِ المَعاصِي والحَذَرِ مِنها، وطَلَبِ المَغْفِرَةِ مِمّا يَفْرُطُ مِنهم. انْتَهى. ورَدَّهُ الرّازِيُّ قالَ: ”لِأنَّ حاصِلَهُ يَرْجِعُ إلى أنَّهُ. . . .“، ونَطَقَ بِكَلِمَةٍ لا أذْكُرُها، وبَعْدَها ”عَلى نَفْسِهِ لِأجْلِ تَعْلِيمِ الأُمَّةِ“، وهو باطِلٌ قَطْعًا. وقالَ الجُبّائِيُّ: أرادَ بِهِ سائِرَ المُؤْمِنِينَ، لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَطْمَعُونَ ولا يَقْطَعُونَ. ورَدَّهُ الرّازِيُّ بِأنْ جَعَلَ كَلامَ الواحِدِ مِن كَلامِ غَيْرِهِ، مِمّا يُبْطِلُ نَظْمَ الكَلامِ. وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ بِالطَّمَعِ اليَقِينُ. وقالَ الرّازِيُّ: لا يَسْتَقِيمُ هَذا إلّا عَلى مَذْهَبِنا، حَيْثُ قُلْنا: إنَّهُ لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ شَيْءٌ، وإنَّهُ يَحْسُنُ مِنهُ كُلُّ شَيْءٍ، ولا اعْتِراضَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ في فِعْلِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أوْقَفَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - نَفْسَهُ عَلى الطَّمَعِ في المَغْفِرَةِ، وهَذا دَلِيلٌ عَلى شِدَّةِ خَوْفِهِ مَعَ مَنزِلَتِهِ وخَلَّتِهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: خَطِيئَتِي عَلى الإفْرادِ، والحَسَنُ: خَطايايَ عَلى الجَمْعِ، وذَهَبَ الأكْثَرُونَ إلى أنَّها قَوْلُهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] و﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٣] و”هي أُخْتِي“ في سارَّةَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ بِالخَطِيئَةِ اسْمَ الجِنْسِ، قَدَّرَها في كُلِّ أمْرِهِ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا أظْهَرُ عِنْدِي، لِأنَّ تِلْكَ الثَّلاثَ قَدْ خَرَّجَها كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ عَلى المَعارِيضِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُرادُ ما يَنْدُرُ مِنهُ في بَعْضِ الصَّغائِرِ، لِأنَّ الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مَعْصُومُونَ مُخْتارُونَ عَلى العالَمِينَ، وهي قَوْلُهُ. . . . وذَكَرَ الثَّلاثَةَ، ثُمَّ قالَ وما هي إلّا مَعارِيضُ، كَلامٌ وتَخَيُّلاتٌ لِلْكَفَرَةِ، ولَيْسَتْ بِخَطايا يُطْلَبُ لَها الِاسْتِغْفارُ. (فَإنْ قُلْتَ): إذا لَمْ يَنْدُرْ مِنهم إلّا الصَّغائِرُ، وهي تَقَعُ مُكَفَّرَةً، فَما لَهُ أثْبَتَ لِنَفْسِهِ خَطِيئَةً أوْ خَطايا، وطَمِعَ أنْ يَغْفِرَ لَهُ ؟ (قُلْتُ: الجَوابُ) ما سَبَقَ، أنَّ اسْتِغْفارَ الأنْبِياءِ تَواضُعٌ مِنهم لِرَبِّهِمْ وهَضْمٌ لِأنْفُسِهِمْ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: أطْمَعُ، ولَمْ يَجْزِمِ القَوْلَ. انْتَهى. و(يَوْمَ الدِّينِ) ظَرْفٌ، والعامِلُ فِيهِ يَغْفِرُ، والغُفْرانُ، وإنْ كانَ في الدُّنْيا، فَأثَرُهُ لا يَتَبَيَّنُ إلّا يَوْمَ الجَزاءِ، وهو في الدُّنْيا لا يُعْلَمُ إلّا بِإعْلامِ اللَّهِ - تَعالى. وضَعَّفَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ حَمْلَ الخَطِيئَةِ عَلى تِلْكَ الثَّلاثِ، لِأنَّ نِسْبَةَ ما لا يُطابِقُ إلى إبْراهِيمَ غَيْرُ جائِزٍ، وحَمَلَهُ عَلى سَبِيلِ التَّواضُعِ قالَ: لِأنَّهُ إنْ طابَقَ في هَذا المَوْضِعِ زالَ الإشْكالُ، وإنْ لَمْ يُطابِقْ رَجَعَ حاصِلُ الجَوابِ إلى إلْحاقِ المَعْصِيَةِ بِهِ، لِأجْلِ تَنْزِيهِهِ عَنِ المَعْصِيَةِ. قالَ: والجَوابُ الصَّحِيحُ أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى تَرْكِ الأوْلى، وقَدْ يُسَمّى خَطَأً. فَإنَّ مَن باعَ جَوْهَرَةً تُساوِي ألْفًا بِدِينارٍ، قِيلَ: أخْطَأ، وتَرْكُ الأوْلى عَلى الأنْبِياءِ جائِزٌ. انْتَهى، وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ وتَبْدِيلِ ألْفاظٍ لِلْأدَبِ بِما يُناسِبُ مَقامَ النُّبُوَّةِ.

وقَدَّمَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الثَّناءَ عَلى اللَّهِ - تَعالى، وذَكَرَهُ بِالأوْصافِ الحَسَنَةِ بَيْنَ يَدَيْ طَلِبَتِهِ ومَسْألَتِهِ، ثُمَّ سَألَهُ - تَعالى - فَقالَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾ فَدَلَّ عَلى أنَّ تَقْدِيمَ الثَّناءِ عَلى المَسْألَةِ مِنَ المُهِمّاتِ. (p-٢٦)والظّاهِرُ أنَّ الحُكْمَ هو الفَصْلُ بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ. وقِيلَ: الحُكْمُ: الحِكْمَةُ والنُّبُوَّةُ، لِأنَّها حاصِلَةٌ تَتْلُو طَلَبَ النُّبُوَّةِ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ذُو حِكْمَةٍ وذُو حُكْمٍ بَيْنَ النّاسِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: لا يَجُوزُ تَفْسِيرُ الحُكْمِ بِالنُّبُوَّةِ؛ لِأنَّها حاصِلَةٌ، فَلَوْ طَلَبَ النُّبُوَّةَ لَكانَتْ مَطْلُوبَةً، إمّا عَيْنُ الحاصِلَةِ أوْ غَيْرُها. والأوَّلُ مُحالٌ؛ لِأنَّ تَحْصِيلَ الحاصِلِ مُحالٌ، والثّانِي مُحالٌ؛ لِأنَّهُ يُمْنَعُ أنْ يَكُونَ الشَّخْصُ الواحِدُ نَبِيًّا مَرَّتَيْنِ، بَلِ المُرادُ مِنَ الحُكْمِ ما هو كَمالُ النُّبُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ عالِمًا بِالخَيْرِ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَدْ فَسَّرَ الحُكْمَ بِالحِكْمَةِ والنُّبُوَّةِ، قالَ: ودُعاؤُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في مِثْلِ هَذا هو في التَّثَبُّتِ والدَّوامِ. وإلْحاقُهُ بِالصّالِحِينَ: تَوْفِيقُهُ لِعَمَلٍ يَنْتَظِمُهُ في جُمْلَتِهِمْ، أوْ يَجْمَعُ بَيْنَهُ وبَيْنَهم في الجَنَّةِ. وقَدْ أجابَهُ - تَعالى ٠ حَيْثُ قالَ: ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠] .

قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: وإنَّما قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿هَبْ لِي حُكْمًا﴾ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ لِأنَّ القُوَّةَ النَّظَرِيَّةَ مُقَدَّمَةٌ عَلى القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، لِأنَّهُ يُمْكِنُهُ أنْ يَعْلَمَ الحَقَّ، وإنْ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ، وعَكْسُهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ، لِأنَّ العِلْمَ صِفَةُ الرُّوحِ، والعَمَلَ صِفَةُ البَدَنِ، وكَما أنَّ الرُّوحَ أشْرَفُ مِنَ البَدَنِ، كَذَلِكَ العِلْمُ أفْضَلُ مِنَ الإصْلاحِ. انْتَهى. ولِسانُ الصِّدْقِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو الثَّناءُ وتَخْلِيدُ المَكانَةِ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وكَذَلِكَ أجابَ اللَّهُ دَعْوَتَهُ، فَكُلُّ مِلَّةٍ تَتَمَسَّكُ بِهِ وتُعَظِّمُهُ، وهو عَلى الحَنِيفِيَّةِ الَّتِي جاءَ بِها مُحَمَّدٌ ﷺ . قالَ مَكِّيٌّ: وقِيلَ: مَعْنى سُؤالِهِ أنْ يَكُونَ مِن ذُرِّيَّتِهِ في آخِرِ الزَّمانِ مَن يَقُومُ بِالحَقِّ، فَأُجِيبَتِ الدَّعْوَةُ في مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهَذا مَعْنًى حَسَنٌ، إلّا أنَّ لَفْظَ الآيَةِ لا يُعْطِيهِ إلّا بِتَحَكُّمٍ عَلى اللَّفْظِ. انْتَهى. ولَمّا طَلَبَ سَعادَةَ الدُّنْيا، طَلَبَ سَعادَةَ الآخِرَةِ، وهي جَنَّةُ النَّعِيمِ، وشَبَّهَها بِما يُوَرَّثُ، لِأنَّهُ الَّذِي يُقَسَّمُ في الدُّنْيا شَبَّهَ غَنِيمَةَ الدُّنْيا بِغَنِيمَةِ الآخِرَةِ، وقالَ تَعالى: ﴿تِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِن عِبادِنا مَن كانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ٦٣] .

ولَمّا فَرَغَ مِن مَطالِبِ الدُّنْيا والآخِرَةِ لِنَفْسِهِ، طَلَبَ لِأشَدِّ النّاسِ التِصاقًا بِهِ، وهو أصْلُهُ الَّذِي كانَ ناشِئًا عَنْهُ، وهو أبُوهُ، فَقالَ: ﴿واغْفِرْ لِأبِي﴾ وطَلَبُهُ المَغْفِرَةَ مَشْرُوطٌ بِالإسْلامِ، وطَلَبُ المَشْرُوطِ يَتَضَمَّنُ طَلَبَ الشَّرْطِ، فَحاصِلُهُ: أنَّهُ دَعا بِالإسْلامِ. وكانَ وعْدُهُ ذَلِكَ يُوَضِّحُهُ قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ﴾ [التوبة: ١١٤] أيِ المُوافاةُ عَلى الكُفْرِ تَبَرَّأ مِنهُ. وقِيلَ: كانَ قالَ لَهُ إنَّهُ عَلى دِينِهِ باطِنًا وعَلى دِينِ نُمْرُوذَ ظاهِرًا، تَقِيَّةً وخَوْفًا، فَدَعا لَهُ لِاعْتِقادِهِ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ خِلافُ ذَلِكَ تَبَرَّأ مِنهُ، ولِذَلِكَ قالَ في دُعائِهِ: ﴿واغْفِرْ لِأبِي إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ . فَلَوْلا اعْتِقادُهُ أنَّهُ في الحالِ لَيْسَ بِضالٍّ ما قالَ ذَلِكَ.

﴿ولا تُخْزِنِي﴾ إمّا مِنَ الخِزْيِ، وهو الهَوانُ، وإمّا مِنَ الخِزايَةِ، وهي الحَياءُ. والضَّمِيرُ في (يُبْعَثُونَ) ضَمِيرُ العِبادِ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ، أوْ ضَمِيرُ (الضّالِّينَ) ويَكُونُ مِن جُمْلَةِ الِاسْتِغْفارِ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ المَعْنى: يَوْمَ يُبْعَثُ الضّالُّونَ. وأتى فِيهِمْ: (يَوْمَ لا يَنْفَعُ) بَدَلًا مِن: ﴿يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ .

﴿مالٌ ولا بَنُونَ﴾ أيْ كَما يَنْفَعُ في الدُّنْيا يَفْدِيهِ مالُهُ ويَذُبُّ عَنْهُ بَنُوهُ. وقِيلَ: المُرادُ بِالبَنِينَ جَمِيعُ الأعْوانِ. وقِيلَ: المَعْنى يَوْمَ لا يَنْفَعُ إعْلاقٌ بِالدُّنْيا ومَحاسِنِها، فَقَصَدَ مِن ذَلِكَ الذِّكْرَ العَظِيمَ والأكْثَرَ؛ لِأنَّ المالَ والبَنِينَ هي زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا. والظّاهِرُ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ، أيْ لَكِنْ مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ يَنْفَعُهُ سَلامَةُ قَلْبِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَكَ أنْ تَجْعَلَ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعًا، ولا بُدَّ لَكَ مَعَ ذَلِكَ مِن تَقْدِيرِ المُضافِ، وهو الحالُ المُرادُ بِها السَّلامَةُ، ولَيْسَتْ مِن جِنْسِ المالِ والبَنِينَ حَتّى يَئُولَ المَعْنى إلى أنَّ المالَ والبَنِينَ لا يَنْفَعانِ، وإنَّما يَنْفَعُ سَلامَةُ القَلْبِ، ولَوْ لَمْ يُقَدَّرِ المُضافُ لَمْ يَتَحَصَّلْ لِلِاسْتِثْناءِ مَعْنًى. انْتَهى. ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى حَذْفِ مُضافٍ، كَما ذُكِرَ، إذْ قَدَّرْناهُ، لَكِنْ ﴿مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ، وقَدْ جَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في أوَّلِ تَوْجِيهٍ مُتَّصِلًا بِتَأْوِيلٍ، قالَ: إلّا مَن أتى اللَّهَ: إلّا حالَ مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، وهو مِن قَوْلِهِ:

؎تَحِيَّــةُ بَيْنِهِــمْ ضَــرْبٌ وجِيــعٌ

وما ثَوابُهُ إلّا السَّيْفُ.

ومِثالُهُ أنْ يُقالَ: هَلْ لِزَيْدٍ (p-٢٧)مالٌ وبَنُونَ ؟ فَيَقُولُ: مالُهُ وبَنُوهُ سَلامَةُ قَلْبِهِ، تُرِيدُ نَفْيَ المالِ والبَنِينَ عَنْهُ، وإثْباتَ سَلامَةِ القَلْبِ لَهُ بَدَلًا عَنْ ذَلِكَ. وإنْ شِئْتَ حَمَلْتَ الكَلامَ عَلى المَعْنى، وجَعَلْتَ المالَ والبَنِينَ في مَعْنى الغِنى، كَأنَّهُ قِيلَ: يَوْمَ لا يَنْفَعُ غِنًى إلّا غِنى مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، لِأنَّ غِنى الرَّجُلِ في دِينِهِ بِسَلامَةِ قَلْبِهِ، كَما أنَّ غِناهُ في دُنْياهُ بِمالِهِ وبَنِيهِ. انْتَهى. وجَعَلَهُ بَعْضُهُمُ اسْتِثْناءً مُفَرَّغًا، فَمَن مَفْعُولٌ، والتَّقْدِيرُ: لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ أحَدًا إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، فَإنَّهُ يَنْفَعُهُ مالُهُ المَصْرُوفُ في وُجُوهِ البِرِّ، وبَنُوهُ الصُّلَحاءُ، إذْ كانَ أنْفَقَهُ في طاعَةِ اللَّهِ، وأرْشَدَ بَنِيهِ إلى الدِّينِ، وعَلَّمَهُمُ الشَّرائِعَ وسَلامَةَ القَلْبِ - خُلُوصَهُ مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي، وعِلَقِ الدُّنْيا المَتْرُوكَةِ وإنْ كانَتْ مُباحَةً كالمالِ والبَنِينَ. وقالَ سُفْيانُ: هو الَّذِي يَلْقى رَبَّهُ ولَيْسَ في قَلْبِهِ شَيْءٌ غَيْرَهُ، وهَذا يَقْتَضِي عُمُومَهُ اللَّفْظُ، ولَكِنَّ السَّلِيمَ مِنَ الشِّرْكِ هو الأعَمُّ. وقالَ الجُنَيْدُ: بِقَلْبٍ لَدِيغٍ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ، والسَّلِيمُ: اللَّدِيغُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو مِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ وصَدَقَ.

26:90–98Страница 371

وَأُزۡلِفَتِ ٱلۡجَنَّةُ لِلۡمُتَّقِينَ ٩٠

Рай будет приближен к богобоязненным,

وَبُرِّزَتِ ٱلۡجَحِيمُ لِلۡغَاوِينَ ٩١

а Ад будет ясно показан заблудшим.

وَقِيلَ لَهُمۡ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡ تَعۡبُدُونَ ٩٢

Им скажут: «Где же те, кому вы поклонялись

مِن دُونِ ٱللَّهِ هَلۡ يَنصُرُونَكُمۡ أَوۡ يَنتَصِرُونَ ٩٣

наряду с Аллахом? Помогут ли они вам и помогут ли они себе?».

فَكُبۡكِبُواْ فِيهَا هُمۡ وَٱلۡغَاوُۥنَ ٩٤

Они будут брошены туда вместе с заблудшими,

وَجُنُودُ إِبۡلِيسَ أَجۡمَعُونَ ٩٥

а также со всеми воинами Иблиса.

قَالُواْ وَهُمۡ فِيهَا يَخۡتَصِمُونَ ٩٦

Препираясь там, они скажут:

تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ ٩٧

«Клянемся Аллахом, мы пребывали в очевидном заблуждении,

إِذۡ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٩٨

когда равняли вас с Господом миров.

﴿وأزْلَفَتِ الجَنَّةُ﴾ قُرِّبَتْ لِيَنْظُرُوا إلَيْها ويَغْتَبِطُوا بِحَشْرِهِمْ إلَيْها.

﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ﴾ أُظْهِرَتْ وكُشِفَتْ بِحَيْثُ كانَتْ بِمَرْأًى مِنهم كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا رَأوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وقِيلَ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ﴾ [الملك: ٢٧] وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ. هَلْ يَنْفَعُونَكم بِنَصْرِهِمْ إيّاكم، أوْ يَنْتَصِرُونَ هم فَيَنْفَعُونَ أنْفُسَهم بِحِمايَتِها، إذْ هم وأنْتُمْ وقُودُ النّارِ ؟ وقَرَأ الأعْمَشُ: فَبُرِّزَتْ بِالفاءِ، جَعَلَ تَبْرِيزَ الجَحِيمِ بَعْدَ تَقْرِيبِ الجَنَّةِ يَعْقُبُهُ، وذَلِكَ لِأنَّ الواوَ لِلْجَمْعِ، فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما ظُهُورُهُ قَبْلَ الآخَرِ، وهو مِن تَقْدِيمِ الرَّحْمَةِ عَلى العَذابِ، وهو حَسَنٌ، لَوْ أنَّ رَسْمَ المُصْحَفِ بِالواوِ. وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: (وبَرَزَتْ) بِالفَتْحِ والتَّخْفِيفِ؛ (الجَحِيمُ) بِالرَّفْعِ، بِإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْها اتِّساعًا. ولَمّا وبَّخَهم وقَرَّعَهم، أخْبَرَ عَنْ حالِ يَوْمِ القِيامَةِ، وجِيءَ في ذَلِكَ كُلِّهِ بِلَفْظِ الماضِي في أتى وأُزْلِفَتْ وبُرِّزَتْ. وقِيلَ: (فَكُبْكِبُوا) لِتَحَقُّقِ وُقُوعِ ذَلِكَ، وإنْ كانَ لَمْ يَقَعْ. والضَّمِيرُ في: ”فَكُبْكِبُوا“ عائِدٌ عَلى الأصْنامِ، أُجْرِيَتْ مَجْرى مَن يَعْقِلُ. قالَ الكِرْمانِيُّ: فَكُبْكِبُوا: قُذِفُوا فِيها. وقِيلَ: جُمِعُوا. وقِيلَ: هُدِرُوا. وقِيلَ: نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ يَمُوجُ بَعْضُهم في بَعْضٍ. وقِيلَ: أُلْقُوا في جَهَنَّمَ يَنْكَبُّونَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ حَتّى يَسْتَقِرُّوا في قَعْرِها. (والغاوُونَ) هُمُ الكَفَرَةُ الَّذِينَ شَمِلَتْهُمُ الغَوايَةُ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى الكُفّارِ، والغاوُونَ: الشَّياطِينُ. (وجُنُودُ إبْلِيسَ) قَبِيلَةٌ، وكُلُّ مَن تَبِعَهُ فَهو جُنْدٌ لَهُ وعَوْنٌ. وقالَ السُّدِّيُّ: هم مُشْرِكُو العَرَبِ، والغاوُونَ: سائِرُ المُشْرِكِينَ. وقِيلَ: هُمُ القادَةُ والسَّفِلَةُ، قالُوا: أيْ عُبّادُ الأصْنامِ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ حالٌ، والمَقُولُ جُمْلَةُ القَسَمِ ومُتَعَلَّقُهُ، والخِطابُ في (نُسَوِّيكم) لِلْأصْنامِ عَلى جِهَةِ الإقْرارِ والِاعْتِرافِ بِالحَقِّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أقْسَمُوا بِاللَّهِ إنْ كُنّا إلّا ضالِّينَ في أنْ نَعْبُدَكم ونَجْعَلَكم سَواءً مَعَ اللَّهِ - تَعالى - الَّذِي هو رَبُّ العالَمِينَ وخالِقُهم ومالِكُهم. انْتَهى. وقَوْلُهُ: إنْ كُنّا إلّا ضالِّينَ، إنْ أرادَ تَفْسِيرَ المَعْنى فَهو صَحِيحٌ، وإنْ أرادَ أنَّ ”إنْ“ هُنا نافِيَةٌ، واللّامَ في ”لَفي“ بِمَعْنى إلّا، فَلَيْسَ مَذْهَبَ البَصْرِيِّينَ، وإنَّما هو مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ. ومَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ في مِثْلِ هَذا أنَّ ”إنْ“ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وأنَّ اللّامَ هي الدّاخِلَةُ لِلْفَرْقِ بَيْنَ إنِ النّافِيَةِ وإنِ الَّتِي هي لِتَأْكِيدِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English