Абу ХайянАль Имран · 3:103–105

Абу Хайян · Тафсир · на арабском

Аль Имран 3:103–105

3:103Страница 63

وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْۚ وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ كُنتُمۡ أَعۡدَآءٗ فَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِكُمۡ فَأَصۡبَحۡتُم بِنِعۡمَتِهِۦٓ إِخۡوَٰنٗا وَكُنتُمۡ عَلَىٰ شَفَا حُفۡرَةٖ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنۡهَاۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ ١٠٣

Крепко держитесь за вервь Аллаха все вместе и не разделяйтесь. Помните о милости, которую Аллах оказал вам, когда вы были врагами, а Он сплотил ваши сердца, и по Его милости вы стали братьями. Вы были на краю Огненной пропасти, и Он спас вас от нее. Так Аллах разъясняет вам Свои знамения, - быть может, вы последуете прямым путем.

﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ أيِ اسْتَمْسِكُوا وتَحَصَّنُوا. وحَبْلُ اللَّهِ: العَهْدُ، أوِ القُرْآنُ، أوِ الدِّينُ، أوِ الطّاعَةُ، أوْ إخْلاصُ التَّوْبَةِ، أوِ الجَماعَةُ، أوْ إخْلاصُ التَّوْحِيدِ، أوِ الإسْلامُ. أقْوالٌ لِلسَّلَفِ يَقْرُبُ بَعْضُها مِن بَعْضٍ. ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ”كِتابُ اللَّهِ هو حَبْلُ اللَّهِ المَمْدُودُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ“» . ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «القُرْآنُ حَبْلُ اللَّهِ المَتِينُ، لا تَنْقَضِي عَجائِبُهُ، ولا تَخْلُقُ عَلى كَثْرَةِ الرَّدِّ، مَن قالَ بِهِ صَدَقَ، ومَن عَمِلَ بِهِ رَشَدَ، ومَنِ اعْتَصَمَ بِهِ هُدِيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» وقَوْلُهم: اعْتَصَمْتُ بِحَبْلِ فُلانٍ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ التَّمْثِيلِ، مِثْلَ اسْتِظْهارِهِ بِهِ ووُثُوقِهِ بِإمْساكِ المُتَدَلِّي مِن مَكانٍ مُرْتَفِعٍ بِحَبْلٍ وثِيقٍ يَأْمَنُ انْقِطاعَهُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ، اسْتَعارَ الحَبْلَ لِلْعَهْدِ (p-١٨)والِاعْتِصامَ لِلْوُثُوقِ بِالعَهْدِ، وانْتِصابُ ”جَمِيعًا“ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في (واعْتَصِمُوا) .

﴿ولا تَفَرَّقُوا﴾ نُهُوا عَنِ التَّفَرُّقِ في الدِّينِ والِاخْتِلافِ فِيهِ كَما اخْتَلَفَ اليَهُودُ والنَّصارى. وقِيلَ: عَنِ المُخاصَمَةِ والمُعاداةِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها في الجاهِلِيَّةِ. وقِيلَ: عَنْ إحْداثِ ما يُوجِبُ التَّفَرُّقَ ويَزُولُ مَعَهُ الِاجْتِماعُ. وقَدْ تَعَلَّقَ بِهَذِهِ الآيَةِ فَرِيقانِ: نُفاةُ القِياسِ والِاجْتِهادِ كالنَّظّامِ وأمْثالِهِ مِنَ الشِّيعَةِ، ومُثْبِتُو القِياسِ والِاجْتِهادِ. قالَ الأوَّلُونَ: غَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونَ التَّفَرُّقُ والِاخْتِلافُ دِينًا لِلَّهِ تَعالى مَعَ نَهْيِ اللَّهِ تَعالى عَنْهُ. وقالَ الآخَرُونَ: التَّفَرُّقُ المَنهِيُّ عَنْهُ هو في أُصُولِ الدِّينِ والإسْلامِ.

﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ كُنْتُمْ أعْداءً فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكم فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا وكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأنْقَذَكم مِنها﴾ الخِطابُ لِمُشْرِكِي العَرَبِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ يَعْنِي مَن آمَنَ مِنهم، إذْ كانَ القَوِيُّ يَسْتَبِيحُ الضَّعِيفَ. وقِيلَ: لِلْأوْسِ والخَزْرَجِ. ورَجَّحَ هَذا بِأنَّ العَرَبَ وقْتَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ لَمْ تَكُنْ مُجْتَمِعَةً عَلى الإسْلامِ، ولا مُؤْتَلِفَةَ القُلُوبِ عَلَيْهِ، وكانَتِ الأوْسُ والخَزْرَجُ قَدِ اجْتَمَعَتْ عَلى الإسْلامِ وتَألَّفَتْ عَلَيْهِ بَعْدَ العَداوَةِ المُفْرِطَةِ والحُرُوبِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم، ولِما تَقَدَّمَ أنَّهُ أمَرَهم بِالِاعْتِصامِ بِحَبْلِ اللَّهِ وهو الدِّينُ، ونَهاهم عَنِ التَّفَرُّقِ، وهو أمْرٌ ونَهْيٌ، بِدَيْمُومَةِ ما هم عَلَيْهِ، إذْ كانُوا مُعْتَصِمِينَ ومُؤْتَلِفِينَ، ذَكَّرَهم بِأنَّ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الِاعْتِصامِ بِدِينِ الإسْلامِ وائْتِلافِ القُلُوبِ إنَّما كانَ سَبَبُهُ إنْعامُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، إذْ حَصَلَ مِنهُ تَعالى خَلْقُ تِلْكَ الدّاعِيَةِ في قُلُوبِهِمُ المُسْتَلْزَمَةِ بِحُصُولِ الفِعْلِ، فَذَكَّرَ بِالنِّعْمَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ. أمّا الدُّنْيَوِيَّةُ فَتَألُّفُ قُلُوبِهِمْ وصَيْرُورَتُهم إخْوَةً في اللَّهِ مُتَراحِمِينَ بَعْدَما أقامُوا مُتَحارِبِينَ مُتَقاتِلِينَ نَحْوًا مِن مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةٍ إلى أنْ ألَّفَ اللَّهُ بَيْنَهم بِالإسْلامِ. وكانَ - أعْنِي الأوْسَ والخَزْرَجَ - جَدّاهم أخَوانِ لِأبٍ وأُمٍّ. وأمّا الأُخْرَوِيَّةُ فَإنْقاذُهم مِنَ النّارِ بَعْدَ أنْ كانُوا أشَفَوْا عَلى دُخُولِها. وبَدَأ أوَّلًا بِذِكْرِ النِّعْمَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ؛ لِأنَّها أسْبَقُ بِالفِعْلِ، ولِاتِّصالِها بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَفَرَّقُوا﴾ وصارَ نَظِيرَ: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ﴾ [آل عمران: ١٠٦] ومَعْنى فَأصْبَحْتُمْ، أيْ صِرْتُمْ. وأصْبَحَ كَما ذَكَرْنا في المُفْرَداتِ تُسْتَعْمَلُ لِاتِّصافِ المَوْصُوفِ بِصِفَتِهِ وقْتَ الصَّباحِ، وتُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى صارَ، فَلا يُلْحَظُ فِيها وقْتُ الصَّباحِ، بَلْ مُطْلَقُ الِانْتِقالِ والصَّيْرُورَةِ مِن حالٍ إلى حالٍ، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ:

؎أصْبَحْتُ لا أحْمِلُ السِّلاحَ ولا أمْلِكُ رَأْسَ البَعِيرِ إنْ نَفَرا

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَأصْبَحْتُمْ عِبارَةً عَنْ الِاسْتِمْرارِ، وإنْ كانَتِ اللَّفْظَةُ مَخْصُوصَةً بِوَقْتٍ ما، وإنَّما خُصَّتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ بِهَذا المَعْنى مِن حَيْثُ هي مُبْتَدَأُ النَّهارِ، وفِيها مَبْدَأُ الأعْمالِ. فالحالُ الَّتِي يَحْسَبُها المَرْءُ مِن نَفْسِهِ فِيها هي الحالُ الَّتِي يَسْتَمِرُّ عَلَيْها يَوْمُهُ في الأغْلَبِ، ومِنهُ قَوْلُ الرَّبِيعِ بْنِ ضَبُعٍ:

؎أصْبَحْتُ لا أحْمِلُ السِّلاحَ ولا ∗∗∗ أمْلِكُ رَأْسَ البَعِيرِ إنْ نَفَرا

(p-١٩)وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ مِن أنَّ أصْبَحَ لِلِاسْتِمْرارِ، وعَلَّلَهُ بِما ذَكَرَهُ - لا أعْلَمُ أحَدًا مِنَ النَّحْوِيِّينَ ذَهَبَ إلَيْهِ، إنَّما ذَكَرُوا أنَّها تُسْتَعْمَلُ عَلى الوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْتُهُما. وجَوَّزَ الحَوْفِيُّ في ”إذْ“ أنْ يَنْتَصِبَ بِـ ”اذْكُرُوا“، وجَوَّزَ غَيْرُهُ أنْ يَنْتَصِبَ بِـ ”نِعْمَةَ“، أيْ إنْعامِ اللَّهِ، وبِالعامِلِ في ”عَلَيْكم“ . إذْ جَوَّزُوا أنْ يَكُونَ حالًا مِن ”نِعْمَةَ“، وجَوَّزُوا أيْضًا تَعَلُّقَ عَلَيْكم بِـ ”نِعْمَةَ“، وجَوَّزُوا في أصْبَحْتُمْ أنْ تَكُونَ ناقِصَةً والخَبَرُ ”بِنِعْمَتِهِ“، والباءُ ظَرْفِيَّةٌ، و”إخْوانًا“ حالٌ يَعْمَلُ فِيها أصْبَحَ، أوْ ما تَعَلَّقَ بِهِ الجارُّ والمَجْرُورُ. وأنْ يَكُونَ ”إخْوانًا“ خَبَرُ أصْبَحَ، والجارُّ حالٌ يَعْمَلُ فِيهِ أصْبَحَ، أوْ حالٌ مِن ”إخْوانًا“؛ لِأنَّهُ صِفَةٌ لَهُ تَقَدَّمَتْ عَلَيْهِ، أوِ العامِلُ فِيهِ ما فِيهِ مِن مَعْنى تَآخَيْتُمْ بِنِعْمَتِهِ. وأنْ يَكُونَ ”أصْبَحْتُمْ“ تامَّةً، و”بِنِعْمَتِهِ“ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، أوْ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ ”أصْبَحْتُمْ“ أوْ مِن ”إخْوانًا“، و”إخْوانًا“ حالٌ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ أصْبَحَ ناقِصَةٌ و”إخْوانًا“ خَبَرٌ، و”بِنِعْمَتِهِ“ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”أصْبَحْتُمْ“، والباءُ لِلسَّبَبِ لا ظَرْفِيَّةٍ.

وقالَ بَعْضُ النّاسِ: الأخُ في الدِّينِ يُجْمَعُ إخْوانًا، ومِنَ النَّسَبِ إخْوَةٌ، هَكَذا كَثُرَ اسْتِعْمالُهم. وفي كِتابِ اللَّهِ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] والصَّحِيحُ أنَّهُما يُقالانِ مِنَ النَّسَبِ وفي الدِّينِ. وجَمْعُ أخٍ عَلى إخْوَةٍ لا يَراهُ سِيبَوَيْهِ، بَلْ إخْوَةٌ عِنْدَهُ اسْمُ جَمْعٍ؛ لِأنَّ ”فِعْلالًا“ يُجْمَعُ عَلى ”فِعْلَةٍ“ . وابْنُ السَّرّاجِ يَرى ”فِعْلَةً“ إذا فُهِمَ مِنهُ الجَمْعُ اسْمُ جَمْعٍ؛ لِأنَّ ”فِعْلَةً“ لَمْ يَطَّرِدْ جَمْعًا لِشَيْءٍ. والضَّمِيرُ في مِنها عائِدٌ عَلى النّارِ، وهو أقْرَبُ مَذْكُورٍ، أوْ عَلى الحُفْرَةِ. وحَكى الطَّبَرِيُّ أنَّ بَعْضَ النّاسِ قالَ: يَعُودُ عَلى الشَّفا، وأُنِّثَ ”مِن“ حَيْثُ كانَ الشَّفا مُضافًا إلى مُؤَنَّثٍ. كَما قالَ جَرِيرٌ:

؎أرى مَرَّ السِّنِينَ أخَذْنَ مِنِّي ∗∗∗ كَما أخَذَ السِّرارُ مِنَ الهِلالِ

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَيْسَ الأمْرُ كَما ذَكَرُوا؛ لِأنَّهُ لا يَحْتاجُ في الآيَةِ إلى هَذِهِ الصِّناعَةِ، إلّا لَوْ لَمْ يَجِدْ مَعادًا لِلضَّمِيرِ إلّا الشَّفا. وهُنا مَعَنا لَفْظُ مُؤَنَّثٍ يَعُودُ الضَّمِيرُ عَلَيْهِ، ويُعَضِّدُهُ المَعْنى المُتَكَلَّمُ فِيهِ، فَلا يَحْتاجُ إلى تِلْكَ الصِّناعَةِ. انْتَهى. وأقُولُ: لا يَحْسُنُ عَوْدُهُ إلّا عَلى الشَّفا؛ لِأنَّ كَيْنُونَتَهم عَلى الشَّفا هو أحَدُ جُزْأيِ الإسْنادِ، فالضَّمِيرُ لا يَعُودُ إلّا عَلَيْهِ. وأمّا ذِكْرُ الحُفْرَةِ فَإنَّما جاءَتْ عَلى سَبِيلِ الإضافَةِ إلَيْها، ألا تَرى أنَّكَ إذا قُلْتَ: كانَ زَيْدٌ غُلامَ جَعْفَرٍ، لَمْ يَكُنْ جَعْفَرٌ مُحَدِّثًا عَنْهُ، ولَيْسَ أحَدُ جُزْأيِ الإسْنادِ. وكَذَلِكَ لَوْ قُلْتَ: ضَرَبَ زَيْدٌ غُلامَ هِنْدٍ، لَمْ تَحَدَّثْ عَنْ هِنْدٍ بِشَيْءٍ، وإنَّما ذَكَرْتَ جَعْفَرًا وهِنْدًا مُخَصِّصًا لِلْمُحَدَّثِ عَنْهُ. أمّا ذِكْرُ النّارِ فَإنَّما جِيءَ بِها لِتَخْصِيصِ الحُفْرَةِ، ولَيْسَتْ أيْضًا أحَدَ جُزْأيِ الإسْنادِ، لا مُحَدَّثًا عَنْها. وأيْضًا فالإنْقاذُ مِنَ الشَّفا أبْلَغُ مِنَ الإنْقاذِ مِنَ الحُفْرَةِ ومِنَ النّارِ؛ لِأنَّ الإنْقاذَ مِنهُ يَسْتَلْزِمُ الإنْقاذَ مِنَ الحُفْرَةِ ومِنَ النّارِ، والإنْقاذُ مِنهُما لا يَسْتَلْزِمُ الإنْقاذَ مِنَ الشَّفا. فَعَوْدُهُ عَلى الشَّفا هو الظّاهِرُ مِن حَيْثُ اللَّفْظِ ومِن حَيْثُ المَعْنى. ومُثِّلَتْ حَياتُهُمُ الَّتِي يُتَوَقَّعُ بَعْدَها الوُقُوعُ في النّارِ بِالقُعُودِ عَلى جُرْفِها مُشْفِينَ عَلى الوُقُوعِ فِيها. وقِيلَ: شَبَّهَ تَعالى كُفْرَهُمُ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ وحَرْبَهُمُ المَدِينَةَ مِنَ المَوْتِ بِالشَّفا؛ لِأنَّهم كانُوا يَسْقُطُونَ في جَهَنَّمَ دَأبًا، فَأنْقَذَهُمُ اللَّهُ بِالإسْلامِ. وقالَ السُّدِّيُّ: بِمُحَمَّدٍ ﷺ . وقالَ أعْرابِيٌّ لِابْنِ عَبّاسٍ وهو يُفَسِّرُ هَذِهِ الآيَةَ: واللَّهِ ما أنْقَذَهم مِنها، وهو يُرِيدُ أنْ يُوقِعَهم فِيها. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خُذُوها مِن غَيْرِ فَقِيهٍ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ هُنا قِصَّةَ ابْتِداءِ إسْلامِ الأنْصارِ، وما شَجَرَ بَيْنَهم بَعْدَ الإسْلامِ، وزَوالِ ذَلِكَ بِبَرَكاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .

﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، إلّا أنَّ آخِرَ هَذِهِ مُخْتَتَمٌ بِالهِدايَةِ لِمُناسَبَةِ ما قَبْلَها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ”﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾“ إرادَةُ أنْ تَزْدادُوا هُدًى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهُ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ في حَقِّ البَشَرِ، أيْ مَن تَأمَّلَ مِنكُمُ الحالَ رَجاءَ الِاهْتِداءِ. فالزَّمَخْشَرِيُّ جَعَلَ التَّرَجِّيَ مَجازًا عَنْ إرادَةِ اللَّهِ زِيادَةَ الهُدى، وابْنُ عَطِيَّةَ أبْقى التَّرَجِّيَ عَلى حَقِيقَتِهِ، لَكِنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى البَشَرِ (p-٢٠)لا إلى اللَّهِ تَعالى؛ إذْ يَسْتَحِيلُ التَّرَجِّي مِنَ اللَّهِ تَعالى، وفي كِلا القَوْلَيْنِ المَجازُ. أمّا في قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ فَحَيْثُ جَعَلَ التَّرَجِّيَ بِمَعْنى إرادَةِ اللَّهِ، وأمّا في قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ فَحَيْثُ أسْنَدَ ما ظاهِرُهُ الإسْنادُ إلَيْهِ تَعالى إلى البَشَرِ.

3:104–105Страница 63

وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّةٞ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلۡخَيۡرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ١٠٤

Пусть среди вас будет группа людей, которые будут призывать к добру, повелевать одобряемое и запрещать предосудительное. Именно они окажутся преуспевшими.

وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخۡتَلَفُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ١٠٥

Не походите на тех, которые разделились и впали в разногласия после того, как к ним явились ясные знамения. Именно им уготованы великие мучения

﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ الأمْرُ مُتَوَجِّهٌ لِمَن يَتَوَجَّهُ الخِطابُ عَلَيْهِمْ. قِيلَ: وهُمُ الأوْسُ والخَزْرَجُ عَلى ما ذَكَرَهُ الجُمْهُورُ. وأمْرُهُ لَهم بِذَلِكَ أمْرٌ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، ومَن تابَعَهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَهو مِنَ الخِطابِ الخاصِّ الَّذِي يُرادُ بِهِ العُمُومُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ عامًّا فَيَدْخُلُ فِيهِ الأوْسُ والخَزْرَجُ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (مِنكم) يَدُلُّ عَلى التَّبْعِيضِ، وقالَهُ الضَّحّاكُ والطَّبَرِيُّ؛ لِأنَّ الدُّعاءَ إلى الخَيْرِ والأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ، لا يَصْلُحُ إلّا لِمَن عَلِمَ المَعْرُوفَ والمُنْكَرَ، وكَيْفَ يُرَتِّبُ الأمْرَ في إقامَتِهِ، وكَيْفَ يُباشِرُ ؟ فَإنَّ الجاهِلَ رُبَّما أمَرَ بِمُنْكَرٍ ونَهى عَنْ مَعْرُوفٍ، ورُبَّما عَرَفَ حُكْمًا في مَذْهَبِهِ مُخالِفًا لِمَذْهَبِ غَيْرِهِ، فَيَنْهى عَنْ غَيْرِ مُنْكَرٍ ويَأْمُرُ بِغَيْرِ مَعْرُوفٍ، وقَدْ يُغْلِظُ في مَواضِعِ اللِّينِ، وبِالعَكْسِ. فَعَلى هَذا تَكُونُ ”مِن“ لِلتَّبْعِيضِ، ويَكُونُ مُتَعَلِّقُ الأمْرِ بِبَعْضِ الأُمَّةِ، وهُمُ الَّذِينَ يَصْلُحُونَ لِذَلِكَ. وذَهَبَ الزُّجاجُ إلى أنَّ ”مِن“ لِبَيانِ الجِنْسِ، وأتى عَلى زَعْمِهِ بِنَظائِرَ مِنَ القُرْآنِ وكَلامِ العَرَبِ، ويَكُونُ مُتَعَلِّقُ الأمْرِ جَمِيعَ الأُمَّةِ، يَكُونُونَ يَدْعُونَ جَمِيعَ العالَمِ إلى الخَيْرِ، الكُفّارَ إلى الإسْلامِ، والعُصاةَ إلى الطّاعَةِ. وظاهِرُ هَذا الأمْرِ الفَرْضِيَّةُ، فالجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ فَرْضُ كِفايَةٍ، فَإذا قامَ بِهِ بَعْضٌ سَقَطَ عَنِ الباقِينَ. وذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ إلى أنَّهُ فَرْضُ عَيْنٍ، فَيَتَعَيَّنُ عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ مَتى قَدَرَ عَلى ذَلِكَ وتَمَكَّنَ مِنهُ. واخْتَلَفُوا في الَّذِي يُسْقِطُ الوُجُوبَ. فَقالَ قَوْمٌ: الخَشْيَةُ عَلى النَّفْسِ، وما عَدا ذَلِكَ لا يُسْقِطُهُ. وقالَ قَوْمٌ: إذا تَحَقَّقَ ضَرْبًا أوْ حَبْسًا أوْ إهانَةً سَقَطَ عَنْهُ الفَرْضُ، وانْتَقَلَ إلى النَّدْبِ والأمْرِ والنَّهْيِ، وإنْ كانا مُطْلَقَيْنِ في القُرْآنِ فَقَدْ تَقَيَّدَ ذَلِكَ بِالسُّنَّةِ بِقَوْلِهِ ﷺ: «مَن رَأى مِنكم مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسانِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وذَلِكَ أضْعَفُ الإيمانِ» ولَمْ يَدْفَعْ أحَدٌ مِن عُلَماءِ الأُمَّةِ سَلَفِها وخَلَفِها وُجُوبَ ذَلِكَ الأقْوَمَ مِنَ الحَشَوِيَّةِ وجُهّالِ أهْلِ الحَدِيثِ، فَإنَّهم أنْكَرُوا فِعالَ الفِئَةِ الباغِيَةِ، والأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ بِالسِّلاحِ، مَعَ ما سَمِعُوا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إلى أمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] وزَعَمُوا أنَّ السُّلْطانَ لا يُنْكَرُ عَلَيْهِ الظُّلْمُ والجَوْرُ وقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، وإنَّما يُنْكَرُ عَلى غَيْرِ السُّلْطانِ بِالقَوْلِ أوْ بِاليَدِ بِغَيْرِ سِلاحٍ. وقَدْ ذَكَرَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ في أحْكامِهِ فَصْلًا مُشْبَعًا في الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، ذَكَرَ فِيهِ أنَّ دِماءَ أصْحابِ الضَّرائِبِ والمُكُوسِ مُباحَةٌ، وأنَّهُ يَجِبُ عَلى المُسْلِمِينَ قَتْلُهم، ولِكُلِّ واحِدٍ مِنَ النّاسِ أنْ يَقْتُلَ مَن قَدَرَ عَلَيْهِ مِنهم مَن غَيْرِ إنْذارٍ لَهُ ولا تَقَدُّمٍ بِالقَوْلِ.

يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ: هو الإسْلامُ. قالَهُ مُقاتِلٌ، أوِ العَمَلُ بِطاعَةِ اللَّهِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ، أوِ الجِهادُ والإسْلامُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”ولْتَكُنْ“ بِسُكُونِ اللّامِ. وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، والحَسَنُ، والزُّهْرِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وأبُو حَيْوَةَ بِكَسْرِها، وعِلَّةُ بِنائِها عَلى الكَسْرِ مَذْكُورَةٌ في النَّحْوِ. وجَوَّزُوا في ”ولْتَكُنْ“ أنْ تَكُونَ تامَّةً، فَيَكُونُ ”مِنكم“ مُتَعَلِّقًا بِها، أوْ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ؛ إذْ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً لِأُمَّةٍ. وأنْ تَكُونَ ناقِصَةً، و”يَدْعُونَ“ الخَبَرَ، وتُعَلَّقَ مِن عَلى الوَجْهَيْنِ السّابِقَيْنِ. وجَوَّزُوا أيْضًا أنْ يَكُونَ ”مِنكم“ الخَبَرَ، و”يَدْعُونَ“ صِفَةً. ومَحَطُّ الفائِدَةِ إنَّما هو في يَدْعُونَ فَهو الخَبَرُ.

و﴿يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٧١] ذُكِرَ أوَّلًا الدُّعاءُ إلى الخَيْرِ، وهو عامٌّ في التَّكالِيفِ مِنَ الأفْعالِ والتُّرُوكِ، ثُمَّ جِيءَ بِالخاصِّ إعْلامًا بِفَضْلِهِ وشَرَفِهِ لِقَوْلِهِ: ﴿وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البقرة: ٩٨] ﴿والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ [البقرة: ٢٣٨] وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ المَعْرُوفَ بِالتَّوْحِيدِ، والمُنْكَرَ بِالكُفْرِ. ولا شَكَّ أنَّ التَّوْحِيدَ رَأْسُ المَعْرُوفِ، والكَفْرَ رَأْسُ (p-٢١)المُنْكَرِ. ولَكِنَّ الظّاهِرَ العُمُومُ في كُلِّ مَعْرُوفٍ مَأْمُورٍ بِهِ في الشَّرْعِ، وفي كُلِّ مَنهِيٍّ نُهِيَ عَنْهُ في الشَّرْعِ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أحادِيثَ مَرْوِيَّةً في فَضْلِ مَن يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهى عَنِ المُنْكَرِ، وفي إثْمِ مَن تَرَكَ ذَلِكَ، وآثارًا عَنِ الصَّحابَةِ وغَيْرِهِمْ في ذَلِكَ، وما طَرِيقُ الوُجُوبِ، هَلِ السَّمْعُ وحْدَهُ كَما ذَهَبَ إلَيْهِأبُو هاشِمٍ ؟ أمِ السَّمْعُ والعَقْلُ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُوهُ أبُو عَلِيٍّ ؟ وهَذا عَلى آراءِ المُعْتَزِلَةِ. وأمّا شَرائِطُ النَّهْيِ والوُجُوبِ، ومَن يُباشِرُ، وكَيْفِيَّةِ المُباشَرَةِ، وهَلْ يَنْهى عَمّا يَرْتَكِبُهُ - لَمْ تَتَعَرَّضِ الآيَةُ لِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ، ومَوْضُوعُ هَذا كُلِّهِ عِلْمُ الفِقْهِ.

وقَرَأ عُثْمانُ، وعَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ الزُّبَيْرِ: ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ، ويَسْتَعِينُونَ اللَّهَ عَلى ما أصابَهم. ولَمْ تَثْبُتْ هَذِهِ الزِّيادَةُ في سَوادِ المُصْحَفِ، فَلا يَكُونُ قُرْآنًا. وفِيها إشارَةٌ إلى ما يُصِيبُ الآمِرَ بِالمَعْرُوفِ والنّاهِيَ عَنِ المُنْكَرِ مِنَ الأذى، كَما قالَ تَعالى: ﴿وأْمُرْ بِالمَعْرُوفِ وانْهَ عَنِ المُنْكَرِ واصْبِرْ عَلى ما أصابَكَ﴾ [لقمان: ١٧] .

﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥] تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ في أوَّلِ البَقَرَةِ. وهو تَبْشِيرٌ عَظِيمٌ، ووَعْدٌ كَرِيمٌ لِمَنِ اتَّصَفَ بِما قَبْلَ هَذِهِ الجُمْلَةِ.

﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ البَيِّناتُ﴾ هَذِهِ والآيَةُ قَبْلَها كالشَّرْحِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] فَشَرَحَ الِاعْتِصامَ بِحَبْلِ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ﴾ ولا سِيَّما عَلى قَوْلِ الزَّجّاجِ. وشَرَحَ ﴿ولا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ الأُمَمُ السّالِفَةُ الَّتِي افْتَرَقَتْ في الدِّينِ. وقالَ الحَسَنُ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى اخْتَلَفُوا وصارُوا فِرَقًا. وقالَ: قَتادَةُ هم أصْحابُ البِدَعِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ. زادَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهُمُ المُشَبِّهَةُ، والمُجَبِّرَةُ، والحَشَوِيَّةُ، وأشْباهُهم. وقالَ أبُو أُمامَةَ: هُمُ الحَرُورِيَّةُ، ورُوِيَ في ذَلِكَ حَدِيثٌ، قالَ بَعْضُ مُعاصِرِينا: في قَوْلِ قَتادَةَ وأبِي أُمامَةَ نَظَرٌ، فَإنَّ مُبْتَدِعَةَ هَذِهِ الأُمَّةِ والحَرُورِيَّةَ لَمْ يَكُونُوا إلّا بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ بِزَمانٍ، وكَيْفَ نَهى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أنْ يَكُونُوا كَمَثَلِ قَوْمٍ ما ظَهَرَ تَفَرُّقُهم ولا بِدَعُهم إلّا بَعْدَ انْقِطاعِ الوَحْيِ ومَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ فَإنَّكَ لا تَنْهى زَيْدًا أنْ يَكُونَ مِثْلَ عَمْرٍو إلّا بَعْدَ تَقَدُّمِ أمْرٍ مَكْرُوهٍ جَرى مِن عَمْرٍو، ولَيْسَ لِقَوْلَيْهِما وجْهٌ إلّا أنْ يَكُونَ تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا مِنَ الماضِي الَّذِي أرادَ بِهِ المُسْتَقْبَلَ، فَيَكُونُ المَعْنى: ولا تَكُونُوا كالَّذِينِ يَتَفَرَّقُونَ ويَخْتَلِفُونَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن إعْجازِ القُرْآنِ وإخْبارِهِ بِما لَمْ يَقَعْ ثُمَّ وقَعَ. انْتَهى كَلامُهُ.

والبَيِّناتُ عَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ: آياتُ اللَّهِ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلى أهْلِ كُلِّ مِلَّةٍ. وعَلى قَوْلِ الحَسَنِ: التَّوْراةُ. وعَلى قَوْلِ قَتادَةَ وأبِي أُمامَةَ: القُرْآنُ.

﴿وأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ يَتَّصِفُ عَذابُ اللَّهِ بِالعَظِيمِ، إذْ هو أمْرٌ نِسْبِيٌّ يَتَفاوَتُ فِيهِ رُتَبُ المُعَذَّبِينَ، كَعَذابِ أبِي طالِبٍ، وعَذابِ العُصاةِ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .

﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] الجُمْهُورُ عَلى أنَّ ابْيِضاضَ الوُجُوهِ واسْوِدادَها عَلى حَقِيقَةِ اللَّوْنِ. والبَياضُ مِنَ النُّورِ، والسَّوادُ مِنَ الظُّلْمَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَمَن كانَ مِن أهْلِ نُورِ الدِّينِ وُسِمَ بِبَياضِ اللَّوْنِ وإسْفارِهِ وإشْراقِهِ، وابْيَضَّتْ صَحِيفَتُهُ وأشْرَقَتْ، وسَعى النُّورُ بَيْنَ يَدَيْهِ وبِيَمِينِهِ. ومَن كانَ مِن أهْلِ ظَلَمَةِ الباطِلِ وُسِمَ بِسَوادِ اللَّوْنِ وكُسُوفِهِ وكَمَدِهِ، واسْوَدَّتْ صَحِيفَتُهُ وأظْلَمَتْ، وأحاطَتْ بِهِ الظُّلْمَةُ مِن كُلِّ جانِبٍ. انْتَهى كَلامُهُ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وبَياضُ الوُجُوهِ عِبارَةٌ عَنْ إشْراقِها واسْتِنارَتِها وبِشْرِها بِرَحْمَةِ اللَّهِ. قالَهُ الزُّجاجُ وغَيْرُهُ. ويُحْتَمَلُ عِنْدِي أنْ تَكُونَ مِن آثارِ الوُضُوءِ كَما قالَ: «أنْتُمُ الغَرُّ المُحَجَّلُونَ مِن آثارِ الوُضُوءِ» . وأمّا سَوادُ الوُجُوهِ فَقالَ المُفَسِّرُونَ: هو عِبارَةٌ عَنِ ارْتِدادِها وإظْلامِها بِغَمَمِ العَذابِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَسْوِيدًا يُنَزِّلُهُ اللَّهُ بِهِمْ عَلى جِهَةِ التَّشْوِيهِ والتَّمْثِيلِ بِهِمْ، عَلى نَحْوِ حَشْرِهِمْ زُرْقًا، وهَذِهِ أقْبَحُ طَلْعَةٍ. ومِن ذَلِكَ قَوْلُ بِشارٍ:(p-٢٢)

؎ولِلْبَخِيلِ عَلى أمْوالِهِ عِلَلٌ زُرْقُ العُيُونِ عَلَيْها أوْجُهٌ سُودُ

انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ قَوْمٌ: البَياضُ والسَّوادُ مَثَلانِ عُبِّرَ بِهِما عَنِ السُّرُورِ والحُزْنِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ [النحل: ٥٨] وكَقَوْلِ العَرَبِ لِمَن نالَ أُمْنِيَّتَهُ: ابْيَضَّ وجْهُهُ. ولِمَن جاءَ خائِبًا: جاءَ مُسْوَدَّ الوَجْهِ. وقالَ أبُو طالِبٍ:

؎وأبْيَضُ يُسْتَسْقى الغَمامُ بِوَجْهِهِ

وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ:

؎وأوْجُهُهم عِنْدَ المَشاهِدِ غُرّانُ

وقالَ زُهَيْرٌ:

؎وأبْيَضُ فَيّاضٌ يَـداهُ غَمامَـةٌ

وبَدَأ بِالبَياضِ؛ لِشَرَفِهِ وأنَّهُ الحالَةُ المُثْلى. وأسْنَدَ الِابْيِضاضَ والِاسْوِدادَ إلى الوُجُوهِ، وإنْ كانَ جَمِيعُ الجَسَدِ أبْيَضَ أوْ أسْوَدَ؛ لِأنَّ الوَجْهَ أوَّلُ ما يَلْقاكَ مِنَ الشَّخْصِ وتَراهُ، وهو أشْرَفُ أعْضائِهِ. والمُرادُ: وُجُوهُ المُؤْمِنِينَ ووُجُوهُ الكافِرِينَ. قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ. وقِيلَ: وُجُوهُ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، ووُجُوهُ بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ. وقِيلَ: وُجُوهُ أهْلِ السُّنَّةِ، ووُجُوهُ أهْلِ البِدْعَةِ. وقالَ عَطاءٌ: وُجُوهُ المُخْلِصِينَ، ووُجُوهُ المُنافِقِينَ. وقِيلَ: وُجُوهُ المُؤْمِنِينَ، ووُجُوهُ أهْلِ الكِتابِ والمُنافِقِينَ. وقِيلَ: وُجُوهُ المُجاهِدِينَ، ووُجُوهُ الفُرّارِ مِنَ الزَّحْفِ. وقِيلَ: تَبْيَضُّ بِالقَناعَةِ، وتَسْوَدُّ بِالطَّمَعِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: تَسْفُرُ وُجُوهُ مَن قَدَرَ عَلى السُّجُودِ إذا دُعُوا إلَيْهِ، وتَسْوَدُّ وُجُوهُ مَن لَمْ يَقْدِرْ.

واخْتَلَفُوا في وقْتِ ابْيِضاضِ الوُجُوهِ واسْوِدادِها، فَقِيلَ: وقْتُ البَعْثِ مِنَ القُبُورِ. وقِيلَ: وقْتُ قِراءَةِ الصُّحُفِ. وقِيلَ: وقْتُ رُجْحانِ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ في المِيزانِ. وقِيلَ: عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وامْتازُوا اليَوْمَ أيُّها المُجْرِمُونَ﴾ [يس: ٥٩] وقِيلَ: وقْتُ أنْ يُؤْمَرَ كُلُّ فَرِيقٍ بِأنْ يَتْبَعَ مَعْبُودَهُ.

والعامِلُ في: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ﴾ [آل عمران: ١٠٦] ما يَتَعَلَّقُ بِهِ. ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ أيْ وعَذابٌ عَظِيمٌ كائِنٌ لَهم يَوْمَ تَبْيَضُّ وجُوهٌ. وقالَ الحَوْفِيُّ: العامِلُ فِيهِ مَحْذُوفٌ تَدُلُّ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ السّابِقَةُ، أيْ: يُعَذَّبُونَ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِإضْمارِ اذْكُرُوا، أوْ بِالظَّرْفِ وهو لَهم. وقالَ قَوْمٌ: العامِلُ عَظِيمٌ، وضَعُفَ مِن جِهَةِ المَعْنى؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ عِظَمَ العَذابِ في ذَلِكَ اليَوْمِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ ”عَذابٌ“؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ قَدْ وُصِفَ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، وأبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، وأبُو نَهِيكٍ: تَبْيَضُّ وتَسْوَدُّ بِكَسْرِ التّاءِ فِيهِما، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ: وقَرَأ الحَسَنُ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وأبُو الجَوْزاءِ: تَبْياضُّ وتَسْوادُّ، بِألِفٍ فِيهِما. ويَجُوزُ كَسْرُ التّاءِ في تَبْياضُّ وتَسْوادُّ، ولَمْ يُنْقَلْ أنَّهُ قُرِئَ بِذَلِكَ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English