Абу ХайянАль Имран · 3:110–112

Абу Хайян · Тафсир · на арабском

Аль Имран 3:110–112

3:110Страница 64

كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِۗ وَلَوۡ ءَامَنَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۚ مِّنۡهُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَأَكۡثَرُهُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ١١٠

Вы являетесь лучшей из общин, появившейся на благо человечества, повелевая совершать одобряемое, удерживая от предосудительного и веруя в Аллаха. Если бы люди Писания уверовали, то это было бы лучше для них. Среди них есть верующие, но большинство из них - нечестивцы.

﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ قالَ عِكْرِمَةُ ومُقاتِلٌ: (p-٢٨)نَزَلَتْ في ابْنِ مَسْعُودٍ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وسالِمٍ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ، ومُعاذِ بْنِ جَبَلٍ، وقَدْ قالَ لَهم بَعْضُ اليَهُودِ: دِينُنا خَيْرٌ مِمّا تَدْعُونَنا إلَيْهِ، ونَحْنُ خَيْرٌ وأفْضَلُ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في المُهاجِرِينَ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّها مِن تَمامِ الخِطابِ الأوَّلِ في قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] وتَوالَتْ بَعْدَ هَذا مُخاطَباتُ المُؤْمِنِينَ مِن أوامِرَ ونَواهٍ، وكانَ قَدِ اسْتَطْرَدَ مِن ذَلِكَ لِذِكْرِ مَن يَبْيَضُّ وجْهُهُ ويَسْوَدُّ، وشَيْءٍ مِن أحْوالِهِمْ في الآخِرَةِ، ثُمَّ عادَ إلى الخِطابِ الأوَّلِ، فَقالَ تَعالى: ”﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾“ تَحْرِيضًا بِهَذا الإخْبارِ عَلى الِانْقِيادِ والطَّواعِيَةِ. والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ هو لِمَن وقَعَ الخِطابُ لَهُ أوَّلًا وهم: أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَكُونُ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ”أُمَّةٍ“ إلى أُمَّةٍ مُعَيَّنَةٍ وهي أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، فالصَّحابَةُ هم خَيْرُها.

وقالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وجَماعَةٌ: الخِطابُ لِجَمِيعِ الأُمَّةِ بِأنَّهم خَيْرُ الأُمَمِ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ كَوْنُهم ﴿شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] وقَوْلُهُ: «نَحْنُ الآخِرُونَ السّابِقُونَ» . الحَدِيثُ. وقَوْلُهُ: «نَحْنُ نُكَمِّلُ يَوْمَ القِيامَةِ سَبْعِينَ أُمَّةٍ نَحْنُ آخِرُها وخَيْرُها» .

وظاهِرُ كانَ هُنا أنَّها النّاقِصَةُ، و”﴿خَيْرَ أُمَّةٍ﴾“ هو الخَبَرُ. ولا يُرادُ بِها هُنا الدَّلالَةُ عَلى مُضِيِّ الزَّمانِ وانْقِطاعِ النِّسْبَةِ نَحْوِ قَوْلِكَ: كانَ زَيْدٌ قائِمًا، بَلِ المُرادُ دَوامُ النِّسْبَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦] ﴿ولا تَقْرَبُوا الزِّنا إنَّهُ كانَ فاحِشَةً وساءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢] وكَوْنُ كانَ تَدُلُّ عَلى الدَّوامِ ومُرادِفُهُ، لَمْ يَزَلْ قَوْلًا مَرْجُوحًا، بَلِ الأصَحُّ أنَّها كَسائِرِ الأفْعالِ تَدُلُّ عَلى الِانْقِطاعِ، ثُمَّ قَدْ تُسْتَعْمَلُ حَيْثُ لا يُرادُ الِانْقِطاعُ. وقِيلَ: كانَ هُنا بِمَعْنى صارَ، أيْ صِرْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ. وقِيلَ: كانَ هُنا تامَّةٌ، (وخَيْرُ أُمَّةٍ) حالٌ. وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّها زائِدَةٌ؛ لِأنَّ الزّائِدَةَ لا تَكُونُ أوَّلَ كَلامٍ، ولا عَمَلَ لَها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَ عِبارَةً عَنْ وُجُودِ الشَّيْءِ في زَمَنٍ ماضٍ عَلى سَبِيلِ الإبْهامِ، ولَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى عَدَمٍ سابِقٍ، ولا عَلى انْقِطاعٍ طارِئٍ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٦] .

ومِنهُ قَوْلُهُ: ”﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾“ كَأنَّهُ قِيلَ: وُجِدْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ. انْتَهى كَلامُهُ. فَقَوْلُهُ: إنَّها لا تَدُلُّ عَلى عَدَمٍ سابِقٍ، هَذا إذا لَمْ تَكُنْ بِمَعْنى صارَ، فَإذا كانَتْ بِمَعْنى صارَ دَلَّتْ عَلى عَدَمٍ سابِقٍ. فَإذا قُلْتَ: كانَ زَيْدٌ عالِمًا، بِمَعْنى صارَ، دَلَّتْ عَلى أنَّهُ انْتَقَلَ مِن حالَةِ الجَهْلِ إلى حالَةِ العِلْمِ. وقَوْلُهُ: ولا عَلى انْقِطاعٍ طارِئٍ، قَدْ ذَكَرْنا قَبْلُ أنَّ الصَّحِيحَ أنَّها كَسائِرِ الأفْعالِ، يَدُلُّ لَفْظُ المُضِيِّ مِنها عَلى الِانْقِطاعِ، ثُمَّ قَدْ تُسْتَعْمَلُ حَيْثُ لا يَكُونُ انْقِطاعٌ. وفَرْقٌ بَيْنَ الدَّلالَةِ والِاسْتِعْمالِ، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: هَذا اللَّفْظُ يَدُلُّ عَلى العُمُومِ ؟ ثُمَّ تُسْتَعْمَلُ حَيْثُ لا يُرادُ العُمُومُ، بَلِ المُرادُ الخُصُوصُ. وقَوْلُهُ: كَأنَّهُ قالَ: وُجِدْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ، هَذا يُعارِضُ أنَّها مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦]؛ لِأنَّ تَقْدِيرَهُ وُجِدْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ يَدُلُّ عَلى أنَّها تامَّةٌ، وأنَّ ”﴿خَيْرَ أُمَّةٍ﴾“ حالٌ. وقَوْلُهُ: ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٦] لاشَكَّ أنَّها هُنا النّاقِصَةُ، فَتَعارَضا. وقِيلَ: المَعْنى: كُنْتُمْ في عِلْمِ اللَّهِ. وقِيلَ: في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. وقِيلَ: فِيما أُخْبِرَ بِهِ الأُمَمُ قَدِيمًا عَنْكم. وقِيلَ: هو عَلى الحِكايَةِ، وهو مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٧] أيْ فَيُقالُ لَهم في القِيامَةِ: كُنْتُمْ في الدُّنْيا خَيْرَ أُمَّةٍ، وهَذا قَوْلٌ بَعِيدٌ مِن سِياقِ الكَلامِ. وخَيْرٌ مُضافٌ لِلنَّكِرَةِ، وهي أفْعَلُ تَفْضِيلٍ، فَيَجِبُ إفْرادُها وتَذْكِيرُها، وإنْ كانَتْ جارِيَةً عَلى (p-٢٩)جَمْعٍ. والمَعْنى: أنَّ الأُمَمَ إذا فُضِّلُوا أُمَّةً أُمَّةً كانَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ خَيْرَها. وحُكِمَ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم خَيْرُ أُمَّةٍ، ولَمْ يُبَيِّنْ جِهَةَ الخَيْرِيَّةِ في اللَّفْظِ، وهي سَبْقُهم إلى الإيمانِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبِدارِهِمْ إلى نُصْرَتِهِ، ونَقْلِهِمْ عَنْهُ عِلْمَ الشَّرِيعَةِ، وافْتِتاحِهِمُ البِلادَ. وهَذِهِ فَضائِلُ اخْتُصُّوا بِها مَعَ ما لَهم مِنَ الفَضائِلِ. وكُلُّ مَن عَمِلَ بَعْدَهم حَسَنَةً فَلَهم مِثْلُ أجْرِها؛ لِأنَّهم سَبَبٌ في إيجادِها، إذْ هُمُ الَّذِينَ سَنُّوها، وأوْضَحُوا طَرِيقَها «مَن سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أجْرُها وأجْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ، لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِن أجْرِهِمْ شَيْئًا» .

ومَعْنى أُخْرِجَتْ: أُظْهِرَتْ وأُبْرِزَتْ، ومُخْرِجُها هو اللَّهُ تَعالى، وحُذِفَ لِلْعِلْمِ بِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أُخْرِجَتْ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ، وهي جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِأُمَّةٍ، أيْ خَيْرُ أُمَّةٍ مُخْرَجَةٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِخَيْرِ أُمَّةٍ، فَتَكُونُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ: مُخْرَجَةٌ. وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ قَدْ رُوعِيَ هُنا لَفْظُ الغَيْبَةِ، ولَمْ يُراعَ لَفْظُ الخِطابِ. وهُما طَرِيقانِ لِلْعَرَبِ، إذا تَقَدَّمَ ضَمِيرٌ حاضِرٌ لِمُتَكَلِّمٍ أوْ مُخاطَبٌ، ثُمَّ جاءَ بَعْدَهُ خَبَرُهُ اسْمًا، ثُمَّ جاءَ بَعْدَ ذَلِكَ ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ وصْفًا، فَتارَةً يُراعى حالُ ذَلِكَ الضَّمِيرِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ الصّالِحُ لِلْوَصْفِ عَلى حَسَبِ الضَّمِيرِ، فَتَقُولُ: أنا رَجُلٌ آمِرٌ بِالمَعْرُوفِ، وأنْتَ رَجُلٌ تَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ. ومِنهُ: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ [النمل: ٤٧] و”«إنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جاهِلِيَّةٌ» .

؎وأنْتَ امْرُؤٌ قَدْ كَثَأتْ لَكَ لِحْيَةٌ كَأنَّكَ مِنها قاعِدٌ في جَوالِقِ

وتارَةً يُراعى حالُ ذَلِكَ الِاسْمِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ الصّالِحُ لِلْوَصْفِ عَلى حَسَبِهِ مِنَ الغَيْبَةِ. فَتَقُولُ: أنا رَجُلٌ يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ، وأنْتَ امْرُؤٌ تَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ. ومِنهُ:“ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ﴾ ”. ولَوْ جاءَ أُخْرِجْتُمْ، فَيُراعى ضَمِيرُ الخِطابِ في كُنْتُمْ لَكانَ عَرَبِيًّا فَصِيحًا. والأوْلى جَعْلُهُ“ ﴿أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ ”صِفَةً لِأُمَّةٍ لا لِخَيْرٍ؛ لِتُناسِبَ الخِطابَ في كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ مَعَ الخِطابِ في تَأْمُرُونَ وما بَعْدَهُ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: لِلنّاسِ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِأُخْرِجَتْ. وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِخَيْرِ. ولا يَلْزَمُ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ أنَّها أفْضَلُ الأُمَمِ مِن نَفْسِ هَذا اللَّفْظِ، بَلْ مِن مَوْضِعٍ آخَرَ. وقِيلَ: بِتَأْمُرُونَ، والتَّقْدِيرُ: تَأْمُرُونَ النّاسَ بِالمَعْرُوفِ. فَلَمّا قُدِّمَ المَفْعُولُ جُرَّ بِاللّامِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣] أيْ تَعْبُرُونَ الرُّؤْيا، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ. تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ كَلامٌ خَرَجَ مَخْرَجَ الثَّناءِ مِنَ اللَّهِ، قالَهُ الرَّبِيعُ. أوْ مَخْرَجَ الشَّرْطِ في الخَيْرِيَّةِ، رُوِيَ هَذا المَعْنى عَنْ عَمْرٍو، ومُجاهِدٍ، والزَّجّاجِ. فَقِيلَ: هو مُسْتَأْنَفٌ بَيَّنَ بِهِ كَوْنَهم خَيْرَ أُمَّةٍ، كَما تَقُولُ: زَيْدٌ كَرِيمٌ يُطَعِّمُ النّاسَ ويَكْسُوهم ويَقُومُ بِمَصالِحِهِمْ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَأْمُرُونَ وما بَعْدَهُ أحْوالٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ. انْتَهى، وقالَهُ الرّاغِبُ. والِاسْتِئْنافُ أمْكَنُ وأمْدَحُ. وأجازَ الحَوْفِيُّ في أنْ يَكُونَ“ تَأْمُرُونَ ”خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، وأنْ يَكُونَ نَعْتًا لِخَيْرِ أُمَّةٍ. قِيلَ: وقَدَّمَ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ عَلى الإيمانِ؛ لِأنَّ الإيمانَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ جَمِيعِ الأُمَمِ، فَلَيْسَ المُؤَثِّرُ لِحُصُولِ هَذِهِ الزِّيادَةِ، بَلِ المُؤَثِّرُ كَوْنُهم أقْوى حالًا في الأمْرِ والنَّهْيِ. وإنَّما الإيمانُ شَرْطٌ لِلتَّأْثِيرِ؛ لِأنَّهُ ما لَمْ يُوجَدْ لَمْ يَضُرَّ شَيْءٌ مِنَ الطّاعاتِ مُؤَثِّرًا في صِفَةِ الخَيْرِيَّةِ، والمُؤَثِّرُ ألْصَقُ بِالأثَرِ مِن شَرْطِ التَّأْثِيرِ. وإنَّما اكْتَفى بِذِكْرِ الإيمانِ بِاللَّهِ عَنِ الإيمانِ بِالنُّبُوَّةِ لِأنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لَهُ. انْتَهى، وهو مِن كَلامِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ الرّازِيِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جُعِلَ الإيمانُ بِكُلِّ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ إيمانًا بِاللَّهِ؛ لِأنَّ مَن آمَنَ بِبَعْضِ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ مِن رَسُولٍ أوْ كِتابٍ أوْ بَعْثٍ أوْ حِسابٍ أوْ عِقابٍ أوْ ثَوابٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يُعْتَدَّ بِإيمانِهِ، فَكَأنَّهُ غَيْرُ مُؤْمِنٍ بِاللَّهِ. ويَقُولُونَ: نُؤْمِنُ بِبَعْضِ الآيَةِ. انْتَهى. وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ وتُؤْمِنُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ. والظّاهِرُ في المَعْرُوفِ والمُنْكَرِ العُمُومُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْرُوفُ الرَّسُولُ، والمُنْكَرُ عِبادَةُ الأصْنامِ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: المَعْرُوفُ التَّوْحِيدُ، والمُنْكَرُ الشِّرْكُ.

﴿ولَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ أيْ ولَوْ آمَنَ عامَّتُهم وسائِرُهم. ويَعْنِي الإيمانَ التّامَّ النّافِعَ. واسْمُ كانَ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن آمَنَ، كَما يَقُولُ: (p-٣٠)مَن صَدَّقَ كانَ خَيْرًا لَهُ، أيْ لَكانَ هو، أيِ الإيمانُ. وعَلَّقَ كَيْنُونَةَ الإيمانِ خَيْرًا لَهم عَلى تَقْدِيرِ حُصُولِهِ؛ تَوْبِيخًا لَهم مَقْرُونًا بِنُصْحِهِ تَعالى لَهم أنْ لَوْ آمَنُوا لَنَجَّوا أنْفُسَهم مِن عَذابِ اللَّهِ. و“ خَيْرٌ " هُنا أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، والمَعْنى: لَكانَ خَيْرًا لَهم مِمّا هم عَلَيْهِ؛ لِأنَّهم إمّا آثَرُوا دِينَهم عَلى دِينِ الإسْلامِ حُبًّا في الرِّئاسَةِ واسْتِتْباعِ العَوامِ، فَلَهم في هَذا حَظٌّ دُنْيَوِيٌّ. وإيمانُهم يَحْصُلُ بِهِ الحَظُّ الدُّنْيَوِيُّ مِن كَوْنِهِمْ يَصِيرُونَ رُؤَساءَ في الإسْلامِ، والحَظُّ الأُخْرَوِيُّ الجَزِيلُ بِما وعَدُوهُ عَلى الإيمانِ مِن إيتائِهِمْ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَفْظَةُ خَيْرٍ صِيغَةُ تَفْضِيلٍ، ولا مُشارَكَةَ بَيْنَ كُفْرِهِمْ وإيمانِهِمْ في الخَيْرِ، وإنَّما جازَ ذَلِكَ لِما في لَفْظَةِ خَيْرٍ مِنَ الشِّياعِ وتَشَعُّبِ الوُجُوهِ، وكَذَلِكَ هي لَفْظَةُ أفْضَلَ وأحَبَّ وما جَرى مَجْراها. انْتَهى كَلامُهُ. وإبْقاؤُها عَلى مَوْضُوعِها الأصْلِيِّ أوْلى إذا أمْكَنَ ذَلِكَ، وقَدْ أمْكَنَ، إذِ الخَيْرِيَّةُ مُطْلَقَةٌ، فَتَحْصُلُ بِأدْنى مُشارَكَةٍ.

﴿مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾ ظاهِرُ اسْمِ الفاعِلِ التَّلَبُّسُ بِالفِعْلِ، فَأخْبَرَ تَعالى أنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ مَن هو مُلْتَبِسٌ بِالإيمانِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وأخِيهِ، وثَعْلَبَةَ بْنِ سَعِيدٍ، ومَن أسْلَمَ مِنَ اليَهُودِ. وكالنَّجاشِيِّ، وبَحِيرا، ومَن أسْلَمَ مِنَ النَّصارى، إذْ كانُوا مُصَدِّقِينَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أنْ يُبْعَثَ وبَعْدَهُ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ﴾ الخُصُوصُ، أيْ باقِي أهْلِ الكِتابِ؛ إذْ كانَتْ طائِفَةٌ مِنهم قَدْ حَصَلَ لَها الإيمانُ. وقِيلَ: المُرادُ بِاسْمِ الفاعِلِ هُنا الِاسْتِقْبالُ، أيْ: مِنهم مَن يُؤْمِنُ، فَعَلى هَذا يَكُونُ المُرادُ بِأهْلِ الكِتابِ العُمُومُ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ إخْبارًا بِمَغِيبٍ، وأنَّهُ سَيَقَعُ مِن بَعْضِهِمُ الإيمانُ، ولا يَسْتَمِرُّونَ كُلُّهم عَلى الكُفْرِ. وأخْبَرَ تَعالى أنَّ أكْثَرَهُمُ الفاسِقُونَ، فَدَلَّ عَلى أنَّ المُؤْمِنِينَ مِنهم قَلِيلٌ. والألِفُ واللّامُ في (المُؤْمِنُونَ) وفي (الفاسِقُونَ) يَدُلُّ عَلى المُبالَغَةِ والكَمالِ في الوَصْفَيْنِ، وذَلِكَ ظاهِرٌ؛ لِأنَّ مَن آمَنَ بِكِتابِهِ وبِالقُرْآنِ فَهو كامِلٌ في إيمانِهِ، ومَن كَذَّبَ بِكِتابِهِ إذْ لَمْ يَتْبَعُ ما تَضَمَّنَهُ مِنَ الإيمانِ بِرَسُولِ اللَّهِ، وكَذَّبَ بِالقُرْآنِ - فَهو أيْضًا كامِلٌ في فِسْقِهِ مُتَمَرِّدٌ في كُفْرِهِ.

3:111–112Страница 64

لَن يَضُرُّوكُمۡ إِلَّآ أَذٗىۖ وَإِن يُقَٰتِلُوكُمۡ يُوَلُّوكُمُ ٱلۡأَدۡبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ ١١١

Они не причинят вам никакого вреда, кроме досаждения. Если же они станут сражаться с вами, то повернутся к вам спиной, после чего им не будет оказана помощь.

ضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيۡنَ مَا ثُقِفُوٓاْ إِلَّا بِحَبۡلٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبۡلٖ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَبَآءُو بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَسۡكَنَةُۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ ١١٢

Где бы их ни застали, их постигает унижение, если только они не окажутся под покровительством Аллаха и покровительством людей. Они попали под гнев Аллаха, и их постигла бедность. Это - за то, что они не веровали в знамения Аллаха и несправедливо убивали пророков. Это - за то, что они ослушались и преступали границы дозволенного.

﴿لَنْ يَضُرُّوكم إلّا أذًى وإنْ يُقاتِلُوكم يُوَلُّوكُمُ الأدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ هاتانِ الجُمْلَتانِ تَضَمَّنَتا الإخْبارَ بِمَعْنَيَيْنَ مُسْتَقْبَلَيْنَ، وهو: إنَّ ضَرَرَهم إيّاكم لا يَكُونُ إلّا أذًى، أيْ شَيْئًا تَتَأذَّوْنَ بِهِ، لا ضَرَرًا يَكُونُ فِيهِ غَلَبَةٌ واسْتِئْصالٌ؛ ولِذَلِكَ إنْ قاتَلُوكم خُذِلُوا ونُصِرْتُمْ، وكِلا هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ وقَعَ لِأصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ما ضَرَّهم أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ ضَرَرًا يُبالُونَ بِهِ، ولا قَصَدُوا جِهَةَ كافِرٍ إلّا كانَ لَهُمُ النَّصْرُ عَلَيْهِمْ والغَلَبَةُ لَهم.

والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: إلّا أذًى اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، وهو اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِنَ المَصْدَرِ المَحْذُوفِ، التَّقْدِيرُ: لَنْ يَضُرُّوكم ضَرَرًا إلّا ضَرَرًا يَسِيرًا لا نِكايَةَ فِيهِ، ولا إجْحافَ لَكم. وقالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ والطَّبَرِيُّ وغَيْرُهم: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، والتَّقْدِيرُ: لَنْ يَضُرُّوكم لَكِنْ أذًى بِاللِّسانِ، فَقِيلَ: هو سَماعُ كَلِمَةِ الكُفْرِ. وقِيلَ: هو بُهْتُهم وتَحْرِيفُهم. وقِيلَ: مَوْعِدٌ وطَعْنٌ. وقِيلَ: كَذِبٌ يَتَقَوَّلُونَهُ عَلى اللَّهِ. قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.

ودَلَّتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى تَرْغِيبِ المُؤْمِنِينَ في تَصَلُّبِهِمْ في دِينِهِمْ وتَثْبِيتِهِمْ عَلَيْهِ، وعَلى تَحْقِيرِ شَأْنِ (p-٣١)الكُفّارِ؛ إذْ صارُوا لَيْسَ لَهم مِن ضَرَرِ المُسْلِمِينَ شَيْءٌ إلّا ما يَصِلُونَ إلَيْهِ مِن إسْماعِ كَلِمَةٍ بِسُوءٍ.

﴿وإنْ يُقاتِلُوكم يُوَلُّوكُمُ الأدْبارَ﴾ هَذِهِ مُبالَغَةٌ في عَدَمِ مُكافَحَةِ الكُفّارِ لِلْمُؤْمِنِينَ إذا أرادُوا قِتالَهم، بَلْ بِنَفْسِ ما تَقَعُ المُقابَلَةُ ولَّوُا الأدْبارَ، فَلَيْسُوا مِمَّنْ يُغْلَبُ ويُقْتَلُ وهو مُقْبِلٌ عَلى قَرْنِهِ غَيْرُ مُدْبِرٍ عَنْهُ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ جاءَتْ كالمُؤَكِّدَةِ لِلْجُمْلَةِ قَبْلَها، إذْ تَضَمَّنَتِ الأخْبارُ أنَّهم لا تَكُونُ لَهم غَلَبَةٌ ولا قَهْرٌ ولا دَوْلَةٌ عَلى المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ حُصُولَ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ سَبَبُهُ صِدْقُ القِتالِ والثَّباتِ فِيهِ، أوِ النَّصْرُ المُسْتَمَدُّ مِنَ اللَّهِ، وكِلاهُما لَيْسَ لَهم. وأتى بِلَفْظِ الأدْبارِ لا بِلَفْظِ الظُّهُورِ؛ لِما في ذِكْرِ الأدْبارِ مِنَ الإهانَةِ دُونَ ما في الظُّهُورِ، ولِأنَّ ذَلِكَ أبْلَغُ في الِانْهِزامِ والهَرَبِ؛ ولِذَلِكَ ورَدَ في القُرْآنِ مُسْتَعْمَلًا دُونَ لَفْظِ الظُّهُورِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥] ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: ١٦] .

﴿ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ هَذا اسْتِئْنافُ إخْبارٍ أنَّهم لا يُنْصَرُونَ أبَدًا. ولَمْ يُشْرَكْ في الجَزاءِ فَيُجْزَمُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مُرَتَّبًا عَلى الشَّرْطِ، بَلِ التَّوْلِيَةُ مُتَرَتِّبَةٌ عَلى المُقاتَلَةِ. والنَّصْرُ مَنفِيٌّ عَنْهم أبَدًا، سَواءٌ قاتَلُوا أمْ لَمْ يُقاتِلُوا؛ إذْ مَنعُ النَّصْرِ سَبَبُهُ الكُفْرُ. فَهي جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ الشَّرْطِ والجَزاءِ، كَما أنَّ جُمْلَةَ الشَّرْطِ والجَزاءِ مَعْطُوفَةٌ عَلى ”﴿لَنْ يَضُرُّوكم إلّا أذًى﴾“ . ولَيْسَ امْتِناعُ الجَزْمِ لِأجْلِهِمْ كَما زَعَمَ بَعْضُهم، زَعَمَ أنَّ جَوابَ الشَّرْطِ يَقَعُ عَقِيبَ المَشْرُوطِ. قالَ: وثُمَّ لِلتَّراخِي؛ فَلِذَلِكَ لَمْ تَصْلُحُ في جَوابِ الشَّرْطِ. والمَعْطُوفُ عَلى الجَوابِ كالجَوابِ، وما ذَهَبَ إلَيْهِ هَذا الذّاهِبُ خَطَأٌ؛ لِأنَّ ما زَعَمَ أنَّهُ لا يَجُوزُ قَدْ جاءَ في أفْصَحِ كَلامٍ. قالَ تَعالى: ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] فَجَزَمَ المَعْطُوفَ بِثُمَّ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ. وثُمَّ هُنا لَيْسَتْ لِلْمُهْلَةِ في الزَّمانِ، وإنَّما هي لِلتَّراخِي في الإخْبارِ. فالإخْبارُ بِتَوَلِّيهِمْ في القِتالِ وخِذْلانِهِمْ والظَّفْرِ بِهِمْ أبْهَجُ وأسَرُّ لِلنَّفْسِ. ثُمَّ أخْبَرَ بَعْدَ ذَلِكَ بِانْتِفاءِ النَّصْرِ عَنْهم مُطْلَقًا.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: التَّراخِي في المَرْتَبَةِ؛ لِأنَّ الإخْبارَ بِتَسْلِيطِ الخِذْلانِ عَلَيْهِمْ أعْظَمُ مِنَ الإخْبارِ بِتَوَلِّيهِمُ الأدْبارَ. (فَإنْ قُلْتَ) ما مَوْقِعُ الجُمْلَتَيْنِ، أعْنِي مِنهم: المُؤْمِنُونَ، ولَنْ يَضُرُّوكم ؟ (قُلْتُ) هُما كَلامانِ وارِدانِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِطْرادِ عِنْدَ إجْراءِ ذِكْرِ أهْلِ الكِتابِ، كَما يَقُولُ القائِلُ: وعَلى ذِكْرِ فُلانٍ، فَإنَّ مِن شَأْنِهِ كَيْتَ وكَيْتَ؛ ولِذَلِكَ جاءَ مِن غَيْرِ عاطِفٍ.

﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذِهِ الجُمْلَةِ، وهي وصْفُ حالٍ تَقَرَّرَتْ عَلى اليَهُودِ في أقْطارِ الأرْضِ قَبْلَ مَجِيءِ الإسْلامِ. قالَ الحَسَنُ: جاءَ الإسْلامُ والمَجُوسُ تَجْبِي اليَهُودَ الجِزْيَةَ، وما كانَتْ لَهم غَيْرَةٌ ومِنعَةٌ إلّا بِيَثْرِبَ وخَيْبَرَ وتِلْكَ الأرْضِ، فَأزالَها بِالإسْلامِ ولَمْ تَبْقَ لَهم رايَةٌ في الأرْضِ.

﴿أيْنَ ما ثُقِفُوا﴾ عامٌّ في الأمْكِنَةِ. وهي شَرْطٌ، وما مَزِيدَةٌ بَعْدَها، وثُقِفُوا في مَوْضِعِ جَزْمٍ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، ومَن أجازَ تَقْدِيمَ جَوابِ الشَّرْطِ قالَ: ضُرِبَتْ هو الجَوابُ، ويَلْزَمُ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ ضَرْبُ الذِّلَّةِ مُسْتَقْبَلًا. وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ هو ماضٍ يَدُلُّ عَلى المُسْتَقْبَلِ، أيْ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ، وحَيْثُما ظُفِرَ بِهِمْ ووُجِدُوا تُضْرَبُ عَلَيْهِمُ، ودَلَّ ذِكْرُ الماضِي عَلى المُسْتَقْبَلِ، كَما دَلَّ في قَوْلِ الشّاعِرِ:

؎ونَدْمانٌ يَزِيدُ الكَأْسَ طِيبًا سَقَيْتُ إذا تَغَوَّرَتِ النُّجُومُ

التَّقْدِيرُ: سَقَيْتُ وأسْقِيهِ إذا تَغَوَّرَتِ النُّجُومُ.

﴿إلّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وحَبْلٍ مِنَ النّاسِ﴾ هَذا اسْتِثْناءٌ ظاهِرُهُ الِانْقِطاعُ، وهو قَوْلُ الفَرّاءِ والزَّجّاجِ، واخْتِيارُ ابْنِ عَطِيَّةَ؛ لِأنَّ الذِّلَّةَ لا تُفارِقُهم. وقَدَّرَهُ الفَرّاءُ: إلّا أنْ يَعْتَصِمُوا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ، فَحَذَفَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ الجارُّ كَما قالَ حُمَيْدُ بْنُ نُورٍ الهِلالِيُّ:(p-٣٢)

؎رَأتْنِـي بِحَبْلَيْها فَصَدَّتْ مَخَـافَـةً

ونَظَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلّا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢] قالَ: لِأنَّ بادِئَ الرَّأْيِ يُعْطِي أنَّ لَهُ أنْ يَقْتُلَ خَطَأً، وأنَّ الحَبْلَ مِنَ اللَّهِ ومِنَ النّاسِ يُزِيلُ ضَرْبَ الذِّلَّةِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، وإنَّما في الكَلامِ مَحْذُوفٌ يُدْرِكُهُ فَهْمُ السّامِعِ النّاظِرِ في الأمْرِ، وتَقْدِيرُهُ: في أُمَّتِنا، فَلا نَجاةَ مِنَ المَوْتِ إلّا بِحَبْلٍ. انْتَهى كَلامُهُ. وعَلى ما قَدَّرَهُ لا يَكُونُ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا؛ لِأنَّهُ مُسْتَثْنًى مِن جُمْلَةٍ مُقَدَّرَةٍ وهي قَوْلُهُ: فَلا نَجاةَ مِنَ المَوْتِ، وهو مُتَّصِلٌ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، فَلا يَكُونُ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا مِنَ الأوَّلِ، ضَرُورَةَ أنَّ الِاسْتِثْناءَ الواحِدَ لا يَكُونُ مُنْقَطِعًا مُتَّصِلًا، والِاسْتِثْناءُ المُنْقَطِعُ كَما قُرِّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ عَلى قِسْمَيْنِ: مِنهُ ما يُمْكِنُ أنْ يَتَسَلَّطَ عَلَيْهِ العامِلُ، ومِنهُ ما لا يُمْكِنُ فِيهِ ذَلِكَ، ومِنهُ هَذِهِ الآيَةُ عَلى تَقْدِيرِ الِانْقِطاعِ، إذِ التَّقْدِيرُ: لَكِنَّ اعْتِصامَهم بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وحَبْلٍ مِنَ النّاسِ يُنْجِيهِمْ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ وسَبْيِ الذَّرارِي واسْتِئْصالِ أمْوالِهِمْ. ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ مُنْقَطَعُ الأخْبارِ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والمَسْكَنَةُ وباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٦١] فَلَمْ يَسْتَثْنِ هُناكَ. وذَهَبُ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ إلى أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، قالَ: وهو اسْتِثْناءٌ مِن أعَمِّ عامِّ الأحْوالِ، والمَعْنى: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ في عامَّةِ الأحْوالِ إلّا في حالِ اعْتِصامِهِمْ بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وحَبْلٍ مِنَ النّاسِ، يَعْنِي ذِمَّةَ اللَّهِ وذِمَّةَ المُسْلِمِينَ. أيْ لا عِزَّ لَهم قَطُّ إلّا هَذِهِ الواحِدَةُ، وهي التِجاؤُهم إلى الذِّمَّةِ لِما قَبِلُوهُ مِنَ الجِزْيَةِ. انْتَهى كَلامُهُ. وهو مُتَّجِهٌ، وشَبَّهَ العَهْدَ بِالحَبْلِ؛ لِأنَّهُ يَصِلُ قَوْمًا بِقَوْمٍ كَما يَفْعَلُ الحَبْلُ في الأجْرامِ. والظّاهِرُ في تَكْرارِ الحَبْلِ أنَّهُ أُرِيدَ حَبْلانِ، وفُسِّرَ حَبْلُ اللَّهِ بِالإسْلامِ، وحَبْلُ النّاسِ بِالعَهْدِ والذِّمَّةِ. وقِيلَ: حَبْلُ اللَّهِ هو الَّذِي نَصَّ اللَّهُ عَلَيْهِ مِن أخْذِ الجِزْيَةِ. والثّانِي: هو الَّذِي فُوِّضَ إلى رَأْيِ الإمامِ، فَيَزِيدُ فِيهِ ويُنْقِصُ بِحَسَبِ الِاجْتِهادِ. وقِيلَ: المُرادُ حَبْلٌ واحِدٌ، إذْ حَبْلُ المُؤْمِنِينَ هو حَبْلُ اللَّهِ وهو العَهْدُ.

﴿وباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظائِرِ هَذِهِ الجُمَلِ، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English