Абу ХайянАль Имран · 3:129–134

Абу Хайян · Тафсир · на арабском

Аль Имран 3:129–134

3:129Страница 66

وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ يَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٢٩

Аллаху принадлежит то, что на небесах, и то, что на земле. Он прощает, кого пожелает, и подвергает мучениям, кого пожелает. Аллах - Прощающий, Милосердный.

﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ لَمّا قَدَّمَ ”﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨]“، بَيَّنَ أنَّ الأُمُورَ إنَّما هي لِمَن لَهُ المُلْكُ، والمِلْكُ فَجاءَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ مُؤَكِّدَةً لِلْجُمْلَةِ السّابِقَةِ. وتَقَدَّمَ شَرْحُ هَذِهِ الجُمْلَةِ. وما: إشارَةٌ إلى جُمْلَةِ العالَمِ وما هَيْأتُهُ، فَلِذَلِكَ حَسُنَتْ ما هُنا.

﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ لَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أوْ يُعَذِّبَهم، أتى بِهَذِهِ الجُمْلَةِ مُوَضِّحَةً أنَّ تَصَرُّفاتِهِ تَعالى عَلى وفْقِ مَشِيئَتِهِ، وناسَبَ البَداءَةَ بِالغُفْرانِ، والإرْدافِ بِالعَذابِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ”﴿أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٨]“ ولَمْ يَشْرُطْ في الغُفْرانِ هُنا التَّوْبَةَ. إذْ يَغْفِرُ تَعالى لِمَن يَشاءُ مِن تائِبٍ وغَيْرِ تائِبٍ، ما عَدا ما اسْتَثْناهُ تَعالى مِنَ الشِّرْكِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ ما نَصُّهُ عَنِ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ بِالتَّوْبَةِ، ولا يَشاءُ أنْ يَغْفِرَ إلّا لِلتّائِبِينَ. ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ، ولا يَشاءُ أنْ يُعَذِّبَ إلّا المُسْتَوْجِبِينَ لِلْعَذابِ. وعَنْ عَطاءٍ: يَغْفِرُ لِمَن يَتُوبُ إلَيْهِ، ويُعَذِّبُ مَن لَقِيَهُ ظالِمًا. وإتْباعُهُ قَوْلُهُ: ”﴿أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أوْ يُعَذِّبَهم فَإنَّهم ظالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]“ تَفْسِيرٌ بَيِّنٌ لِمَن يَشاءُ، فَإنَّهُمُ المَتُوبُ عَلَيْهِمْ أوِ الظّالِمُونَ. ولَكِنَّ أهْلَ الأهْواءِ والبِدَعِ يَتَصامُّونَ ويَتَعامَوْنَ عَنْ آياتِ اللَّهِ تَعالى، (p-٥٤)فَيَخْبِطُونَ خَبْطَ عَشْواءٍ، ويُطَيِّبُونَ أنْفُسَهم بِما يَفْتَرُونَ. عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن قَوْلِهِمْ: يَهَبُ الذَّنْبَ الكَبِيرَ لِمَن يَشاءُ، ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ عَلى الذَّنَبِ الصَّغِيرِ. انْتَهى كَلامُهُ. وهو مَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ. وذَلِكَ أنَّ مَن ماتَ مُصِرًّا عَلى كَبِيرَةٍ لا يَغْفِرُ اللَّهُ لَهُ. وما ذَكَرَهُ عَنِ الحَسَنِ لا يَصِحُّ ألْبَتَّةَ. ومَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ وإنْ ماتَ مُصِرًّا عَلى كَبِيرَةٍ غَيْرَ تائِبٍ مِنها.

﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ في هَذِهِ الجُمْلَةِ تَرْجِيحٌ لِجِهَةِ الإحْسانِ والإنْعامِ.

3:130Страница 66

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأۡكُلُواْ ٱلرِّبَوٰٓاْ أَضۡعَٰفٗا مُّضَٰعَفَةٗۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ١٣٠

О те, которые уверовали! Не пожирайте лихву в многократно умноженном размере и бойтесь Аллаха, - быть может, вы преуспеете.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا النَّهْيُ عَنْ أكْلِ الرِّبا اعْتَرَضَ أثْناءَ قِصَّةِ أُحُدٍ، ولا أحْفَظُ شَيْئًا في ذَلِكَ مَرْوِيًّا. انْتَهى.

ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها ومَجِيئُها بَيْنَ أثْناءِ القِصَّةِ: أنَّهُ لَمّا نَهى المُؤْمِنِينَ عَنِ اتِّخاذِ بِطانَةٍ مِن غَيْرِهِمْ، واسْتَطْرَدَ لِذِكْرِ قِصَّةِ أُحُدٍ، وكانَ الكُفّارُ أكْثَرَ مُعامَلاتِهِمْ بِالرِّبا مَعَ أمْثالِهِمْ ومَعَ المُؤْمِنِينَ، وهَذِهِ المُعامَلَةُ مُؤَدِّيَةٌ إلى مُخالَطَةِ الكُفّارِ - نُهُوا عَنْ هَذِهِ المُعامَلَةِ الَّتِي هي الرِّبا قَطْعًا؛ لِمُخالَطَةِ الكُفّارِ ومَوَدَّتِهِمْ، واتِّخاذِ أخِلّاءٍ مِنهم، لا سِيَّما والمُؤْمِنُونَ في أوَّلِ حالِ الإسْلامِ ذَوُو إعْسارٍ، والكُفّارُ مِنَ اليَهُودِ وغَيْرِهِمْ ذَوُو يَسارٍ. وكانَ أيْضًا أكْلُ الحَرامِ لَهُ مَدْخَلٌ عَظِيمٌ في عَدَمِ قَبُولِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ والأدْعِيَةِ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَسْتَجِيبُ لِمَن مَطْعَمُهُ حَرامٌ ومَشْرَبُهُ حَرامٌ إذا دَعا، وإنَّ آكِلَ الحَرامِ يَقُولُ إذا حَجَّ: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ. فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: لا لَبَّيْكَ ولا سَعْدَيْكَ، وحَجُّكَ مَرْدُودٌ عَلَيْكَ» فَناسَبَ ذِكْرَ هَذِهِ الآيَةِ هُنا.

وقِيلَ: ناسَبَ اعْتِراضَ هَذِهِ الجُمْلَةِ هُنا أنَّهُ تَعالى وعَدَ المُؤْمِنِينَ بِالنَّصْرِ والإمْدادِ مَقْرُونًا بِالصَّبْرِ والتَّقْوى، فَبَدَأ بِالأهَمِّ مِنها وهو: ما كانُوا يَتَعاطَوْنَهُ مِن أكْلِ الأمْوالِ بِالباطِلِ، وأمْرٍ بِالتَّقْوى، ثُمَّ بِالطّاعَةِ. وقِيلَ: لَمّا قالَ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [آل عمران: ١٢٩] وبَيَّنَ أنَّ ما فِيهِما مِنَ المَوْجُوداتِ مِلْكٌ لَهُ، ولا يَجُوزُ أنْ يُتَصَرَّفَ في شَيْءٍ مِنها إلّا بِإذْنِهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي شَرَعَهُ، وآكِلُ الرِّبا مُتَصَرِّفٌ في مالِهِ بِغَيْرِ الوَجْهِ الَّذِي أمَرَ - نَبَّهَ تَعالى عَلى ذَلِكَ، ونَهى عَمّا كانُوا في الإسْلامِ مُسْتَمِرِّينَ عَلَيْهِ مِن حُكْمِ الجاهِلِيَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الرِّبا في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وانْتَصَبَ ”﴿أضْعافًا﴾“، نُهُوا عَنِ الحالَةِ الشَّنْعاءِ الَّتِي يُوقِعُونَ الرِّبا عَلَيْها، كانَ الطّالِبُ يَقُولُ: أتَقْضِي أمْ تَرْبِي، ورُبَّما اسْتَغْرَقَ بِالنَّزْرِ اليَسِيرِ مالَ المَدِينِ؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يَجِدْ وفاءً زادَ في الدَّيْنِ، وزادَ في الأصْلِ. وأشارَ بِقَوْلِهِ: ”﴿مُضاعَفَةً﴾“ إلى أنَّهم كانُوا يُكَرِّرُونَ التَّضْعِيفَ عامًا بَعْدَ عامٍ. والرِّبا مُحَرَّمٌ جَمِيعُ أنْواعِهِ، فَهَذِهِ الحالُ لا مَفْهُومَ لَها، ولَيْسَتْ قَيْدًا في النَّهْيِ، إذْ ما لا يَقَعُ أضْعافًا مُضاعَفَةً مُساوٍ في التَّحْرِيمِ لِما كانَ أضْعافًا مُضاعَفَةً. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في نِسْبَةِ الأكْلِ إلى الرِّبا في البَقَرَةِ.

وقِيلَ: المُضاعَفَةُ مُنْصَرِفَةٌ إلى الأمْوالِ. فَإنْ كانَ الرِّبا في السِّنِّ يَرْفَعُونَها ابْنَةَ مَخاضٍ بِابْنَةِ لَبُونٍ، ثُمَّ حِقَّةً، ثُمَّ جَذَعَةً، ثُمَّ رَباعٌ، هَكَذا إلى فَوْقُ. وإنْ كانَ في النُّقُودِ فَمِائَةٌ إلى قابِلٍ بِمِائَتَيْنِ، فَإنْ لَمْ يُوَفِّهِما فَأرْبَعُمِائَةٍ. والأضْعافُ: جَمْعُ ضِعْفٍ، وهو مِن جُمُوعِ القِلَّةِ؛ فَلِذَلِكَ أرْدَفَهُ بِالمُضاعَفَةِ.

﴿واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ لَمّا نَهاهم عَنْ أمْرٍ صَعْبٍ عَلَيْهِمْ فِراقُهُ وهو الرِّبا، أمَرَ بِتَقْوى اللَّهِ إذْ هي الحامِلَةُ عَلى مُخالَفَةِ ما تَعَوَّدَهُ المَرْءُ مِمّا نَهى الشَّرْعُ عَنْهُ. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ التَّقْوى سَبَبٌ لِرَجاءِ الفَلّاحِ وهو الفَوْزُ، وأمَرَ بِها مُطْلَقًا لا مُقَيَّدًا بِفِعْلِ الرِّبا؛ لِأنَّهُ لَمّا نَهى عَنِ الرِّبا كانَ المُؤْمِنُونَ أسْرَعَ شَيْءٍ لِطَواعِيَةِ اللَّهِ تَعالى، فَلَمْ يَأْتِ واتَّقُوا اللَّهَ في أكْلِ الرِّبا بَلْ أُمِرُوا بِالتَّقْوى، لا بِالنِّسْبَةِ إلى شَيْءٍ خاصٍّ مَنَعُوهُ مِن جِهَةِ الشَّرِيعَةِ.

3:131–132Страница 66

وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيٓ أُعِدَّتۡ لِلۡكَٰفِرِينَ ١٣١

Бойтесь Огня, который уготован неверующим.

وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ١٣٢

Повинуйтесь Аллаху и Посланнику, - быть может, вы будете помилованы.

﴿واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ لِما تَقَدَّمَ ”واتَّقُوا اللَّهَ“، والذَّواتُ لا تُتَّقى، فَإنَّما المُتَّقى مَحْذُوفٌ أوْضَحَهُ في هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: واتَّقَوُا النّارَ. والألِفُ واللّامُ في النّارِ لِلْجِنْسِ، فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ النّارُ الَّتِي وعَدَ بِها آكِلَ الرِّبا أخَفَّ مِن نارِ الكافِرِ، أيْ أعَدَّ جِنْسَها لِلْكافِرِينَ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْعَهْدِ، فَيَكُونُ آكِلُ الرِّبا قَدْ تُوُعِّدَ بِالنّارِ الَّتِي يُعَذَّبُ بِها الكافِرُ. وقِيلَ: تُوُعِّدُ أكَلَةُ الرِّبا بِنارِ الكَفَرَةِ، إذِ النّارُ سَبْعُ طَبَقاتٍ: العُلْيا مِنها وهي جَهَنَّمُ لِلْعُصاةِ، والخَمْسُ لِلْكُفّارِ، والدَّرْكُ (p-٥٥)الأسْفَلُ لِلْمُنافِقِينَ. فَأكَلَةُ الرِّبا يُعَذَّبُونَ بِنارِ الكُفّارِ، لا بِنارِ العُصاةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا تَهْدِيدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ لِئَلّا يَسْتَحِلُّوا الرِّبا.

وقالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى واتَّقُوا أنْ تُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ فَتَكْفُرُوا. وقِيلَ: اتَّقُوا العَمَلَ الَّذِي يَنْزِعُ مِنكُمُ الإيمانَ وتَسْتَوْجِبُونَ بِهِ النّارَ. وكانَ أبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: هي أخْوَفُ آيَةٍ في القُرْآنِ، حَيْثُ أوْعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ بِالنّارِ المُعَدَّةِ لِلْكافِرِينَ إنْ لَمْ يَتَّقُوهُ بِاجْتِنابِ مَحارِمِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَدْ أمَدَّ ذَلِكَ بِما أتْبَعَهُ مِن تَعْلِيقِ رَجاءِ المُؤْمِنِ لِرَحْمَتِهِ بِتَوَفُّرِهِمْ عَلى طاعَتِهِ وطاعَةِ رَسُولِهِ، ومَن تَأمَّلَ هَذِهِ الآياتِ وأمْثالَها لَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالأطْماعِ الفارِغَةِ والتَّمَنِّي عَلى اللَّهِ تَعالى. وفي ذِكْرِهِ تَعالى ”لَعَلَّ“ و”عَسى“ في نَحْوِ هَذِهِ المَواضِعِ وإنْ قالَ النّاسُ ما قالُوا ما لا يَخْفى عَلى العارِفِ الفَطِنِ مِن دِقَّةِ مَسْلَكِ التَّقْوى، وصُعُوبَةِ إصابَةِ رِضا اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وعَزَّةِ التَّوَصُّلِ إلى رَحْمَتِهِ وثَوابِهِ. انْتَهى كَلامُهُ. وهو جارٍ عَلى مَذْهَبِهِ مِن تَقْنِيطِ العاصِي غَيْرِ التّائِبِ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ، ووُلُوعِهِ بِمَذْهَبِهِ يَجْعَلُهُ يُحَمِّلُ ألْفاظَ القُرْآنِ ما لا يَحْتَمِلُهُ، أوْ ما هو بَعِيدٌ عَنْها. وتَقَدَّمَ شَرْحُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ في أوائِلِ البَقَرَةِ.

﴿وأطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ قِيلَ: أطِيعُوا اللَّهَ في الفَرائِضِ، والرَّسُولَ في السُّنَنِ. وقِيلَ: في تَحْرِيمِ الرِّبا، والرَّسُولَ فِيما بَلَّغَكم مِنَ التَّحْرِيمِ. وقِيلَ: وأطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ فِيما يَأْمُرُكم بِهِ ويَنْهاكم عَنْهُ. فَإنَّ طاعَةَ الرَّسُولِ طاعَةُ اللَّهِ، قالَ تَعالى: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] وقالَ الَمَهَدَوِيُّ: ذِكْرُ الرَّسُولِ زِيادَةٌ في التَّبْيِينِ والتَّأْكِيدِ والتَّعْرِيفِ بِأنَّ طاعَتَهُ طاعَةُ اللَّهِ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: هَذِهِ الآيَةُ هي ابْتِداءُ المُعاتَبَةِ في أمْرِ أُحُدٍ، وانْهِزامِ مَن فَرَّ، وزَوالِ الرُّماةِ مِن مَرْكَزِهِمْ. وقِيلَ: صِيغَتُها الأمْرُ، ومَعْناها العَتْبُ عَلى المُؤْمِنِينَ فِيما جَرى مِنهم مِن أكْلِ الرِّبا، والمُخالَفَةِ يَوْمَ أُحُدٍ. والرَّحْمَةُ مِنَ اللَّهِ إرادَةُ الخَيْرِ لِعَبِيدِهِ، أوْ ثَوابُهم عَلى أعْمالِهِمْ.

وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ ضُرُوبًا مِنَ الفَصاحَةِ والبَدِيعِ، مِن ذَلِكَ: العامُّ المُرادُ بِهِ الخاصُّ في ”﴿مِن أهْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٢١]“، قالَ الجُمْهُورُ: أرادَ بِهِ بَيْتَ عائِشَةَ. فالِاخْتِصاصُ في: ”﴿واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٢١]“، وفي: ”﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٢]“، وفي: ”﴿ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [آل عمران: ١٢٩]“، وفي: ”﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ [آل عمران: ١٢٩]“ خَصَّ نَفْسَهُ بِذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ”﴿ومَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥]“، ”﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩]“، وفي ”﴿العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ١٢٦]“؛ لِأنَّ العِزَّ مِن ثَمَراتِ النَّصْرِ، والتَّدْبِيرَ الحَسَنَ مِن ثَمَراتِ الحِكْمَةِ.

والتَّشْبِيهُ: في ”﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾ [آل عمران: ١٢٧]“، شَبَّهَ مَن قُتِلَ مِنهم وتَفَرَّقَ بِالشَّيْءِ المُقْتَطَعِ الَّذِي تَفَرَّقَتْ أجْزاؤُهُ وانْخَرَمَ نِظامُهُ، وفي: ”﴿ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٦]“ شَبَّهَ زَوالَ الخَوْفِ عَنِ القَلْبِ وسُكُونَهُ عَنْ غَلَيانِهِ بِاطْمِئْنانِ الرَّجُلِ السّاكِنِ الحَرَكَةِ. وفي: ”﴿فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٧]“ شَبَّهَ رُجُوعَهم بِلا ظَفَرٍ ولا غَنِيمَةٍ بِمَن أمَلَ خَيْرًا مِن رَجُلٍ فَأمَّهُ، فَأخْفَقَ أمَلَهُ وقَصْدَهُ. والطِّباقُ في ”نَصَرَكم“ و”أنْتُمْ أذِلَّةٌ“، النَّصْرُ إعْزازٌ وهو ضِدُّ الذُّلِّ. وفي: يَغْفِرُ ويُعَذِّبُ، الغُفْرانُ تَرْكُ المُؤاخَذَةِ، والتَّعْذِيبُ المُؤاخَذَةُ بِالذَّنْبِ. والتَّجَوُّزُ بِإطْلاقِ التَّثْنِيَةِ عَلى الجَمْعِ في: أنْ يَفْشَلا. وبِإقامَةِ اللّامِ مَقامَ ”إلى“ في ”﴿لَيْسَ لَكَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]“ أيْ إلَيْكَ، أوْ مَقامَ ”عَلى“ أيْ لَيْسَ عَلَيْكَ. والحَذْفُ والِاعْتِراضُ في مَواضِعَ اقْتَضَتْ ذَلِكَ، والتَّجْنِيسُ المُماثِلُ في: ”﴿أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠]“ . وتَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِما يَئُولُ إلَيْهِ في: ”لا تَأْكُلُوا“ سَمّى الأخْذَ أكْلًا؛ لِأنَّهُ يَئُولُ إلَيْهِ.

3:133Страница 67

۞ وَسَارِعُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ أُعِدَّتۡ لِلۡمُتَّقِينَ ١٣٣

Стремитесь к прощению вашего Господа и Раю, ширина которого равна небесам и земле, уготованному для богобоязненных,

﴿وسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ والكاظِمِينَ الغَيْظَ والعافِينَ عَنِ النّاسِ واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] ﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم ذَكَرُوا اللَّهَ فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ومَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا اللَّهُ ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وهم يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥] ﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم مَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ وجَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ونِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٦] ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٧] ﴿هَذا بَيانٌ لِلنّاسِ وهُدًى ومَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٨] ﴿ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] ﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٠] ﴿ولِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَمْحَقَ الكافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤١] (p-٥٦)الكَظْمُ: الإمْساكُ عَلى غَيْظٍ وغَمٍّ. والكَظِيمُ: المُمْتَلِئُ أسَفًا، وهو المَكْظُومُ. وقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ:

؎فَحَضَضْتُ قَوْمِيَ واحْتَسَبْتُ قِتالَهم والقَوْمُ مِن خَوْفِ المَنايا كُظَّمُ

وكَظْمُ الغَيْظِ رَدَّهُ في الجَوْفِ إذا كانَ يَخْرُجُ مِن كَثْرَتِهِ، فَضَبْطُهُ ومَنعُهُ كَظْمٌ لَهُ. ويُقالُ: كَظَمَ القِرْبَةَ إذا شَدَّها وهي مَلْأى. والكِظامُ: السَّيْرُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ فَمُها. وكَظَمَ البَعِيرَ جَرَّتَهُ: رَدَّها في جَوْفِهِ، أوْ حَبَسَها قَبْلَ أنْ يُرْسِلَها إلى فِيهِ. ويُقالُ: كَظَمَ البَعِيرَ والنّاقَةَ، إذا لَمْ يَجْتَرّا، ومِنهُ قَوْلُ الرّاعِي:

؎فَأفَضْنَ بَعْدَ كُظُومِهِنَّ بِجِرَّةٍ ∗∗∗ مِن ذِي الأباطِحِ إذْ رَعَيْنَ حَقِيلا

الحَقِيلُ: مَوْضِعٌ، والحَقِيلُ أيْضًا نَبْتٌ. ويُقالُ: لا تَمْنَعُ الإبِلُ جَرَّتَها إلّا عِنْدَ الجَهْدِ والفَزَعِ، فَلا تَجْتَرُّ. ومِنهُ قَوْلُ أعْشى باهِلَةَ يَصِفُ نَحّارَ الإبِلِ:

؎قَدْ تَكْظِمُ البَزْلَ مِنهُ حِينَ تُبْصِرُهُ ∗∗∗ حَتّى تَقَطَّعَ في أجْوافِها الجُرُرُ

الإصْرارُ: اعْتِزامُ الدَّوامِ عَلى الأمْرِ. وتَرْكُ الإقْلاعِ عَنْهُ، مِن صَرَّ الدَّنانِيرَ رَبَطَ عَلَيْها. وقالَ أبُو السَّمّالِ:

؎عَلِــمَ اللَّهُ أنَّهَــا مِنِّــي صِــرًى

أيْ: عَزِيمَةٌ. وقالَ الحُطَيْئَةُ يَصِفُ الخَيْلَ:

؎عَوابِسَ بِالشُّعْثِ الكُماةِ إذا ابْتَغَوْا ∗∗∗ عَلالَيْها بِالمُحْضَراتِ أصَرَّتِ

أيْ ثَبَتَتْ عَلى عَدْوِها. وقالَ آخَرُ:

؎يُصِرُّ بِاللَّيْلِ ما تَخْفى شَواكِلُهُ ∗∗∗ يا ويْحَ كُلِّ مُصِرِّ القَلْبِ خَتّارِ

السُّنَّةُ: الطَّرِيقَةُ. وقالَ المُفَضَّلُ: الأُمَّةُ، وأنْشَدَ:

؎ما عايَنَ النّاسُ مِن فَضْلٍ كَفَضْلِكُمُ ∗∗∗ ولا رُأوا مِثْلَهُ في سالِفِ السُّنَنِ

وسُنَّةُ الإنْسانِ: الشَّيْءُ الَّذِي يَعْمَلُهُ ويُوالِيهِ، كَقَوْلِ خالِدٍ الهُذَلِيِّ لِأبِي ذُؤَيْبٍ:

؎فَلا تَجْزَعَنْ مِن سُنَّةٍ أنْتَ سِرْتَها ∗∗∗ فَأوَّلُ راضٍ سُنَّةً مَن يُسِيرُها

وقالَ سُلَيْمانُ بْنُ قُتَيْبَةَ:

؎وإنَّ الأُلى بِألْطَفِ مِن آلِ هاشِمٍ ∗∗∗ تَأسَّوْا فَسَنُّوا لِلْكِرامِ التَّأسِّيا

وقالَ لَبِيدٌ:

؎مِن أُمَّةٍ سَنَّتْ لَهم آباؤُهم ∗∗∗ ولِكُلِّ قَوْمٍ سُنَّةٌ وإمامُها

وقالَ الخَلِيلُ: سَنَّ الشَّيْءَ: صَوَّرَهُ. والمَسْنُونُ المُصَوَّرُ، وسَنَّ عَلَيْهِمْ شَرًّا: صَبَّهُ، والماءُ والدِّرْعُ صَبَّهُما. واشْتِقاقُ السُّنَّةِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن أحَدِ هَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ، أوْ مِن سَنَّ السِّنانَ والنَّصْلَ: حَدَّهُما عَلى المِسَنِّ، أوْ مِن سَنَّ الإبِلَ: إذا أحْسَنَ رَعْيَها. السَّيْرُ في الأرْضِ: الذِّهابُ.

وهَنَ الشَّيْءُ: ضَعُفَ، ووَهَنَهُ الشَّيْءُ: أضْعَفَهُ. يَكُونُ مُتَعَدِّيًا ولازِمًا. وفي الحَدِيثِ: «وهْنَتْهم حُمّى يَثْرِبَ» والوَهْنُ: الضَّعْفُ. وقالَ زُهَيْرٌ:

؎فَـأصْبَحَ الحَبْـلُ مِنهَـا واهِنًـا خَلِقَـا

القَرْحُ والقُرْحُ لُغَتانِ، كالضَّعْفِ والضُّعْفِ، والكَرْهِ والكُرْهِ، الفَتْحُ لُغَةُ الحِجازِ وهو الجُرْحُ. قالَ حُنْدُجٌ:

؎وبُدِّلْتُ قَرْحًا دامِيًا بَعْدَ صِحَّةٍ ∗∗∗ لَعَلَّ مَنايانا تَحَوَّلْنَ أبْؤُسًا

وقالَ الأخْفَشُ: هُما مَصْدَرانِ. ومَن قالَ: القَرْحُ بِالفَتْحِ الجُرْحُ، وبِالضَّمِّ المِدَّةُ، فَيَحْتاجُ في ذَلِكَ إلى صِحَّةِ نَقْلٍ عَنِ العَرَبِ. وأصْلُ الكَلِمَةِ الخُلُوصُ، ومِنهُ: ماءٌ قِراحٌ لا كُدُورَةَ فِيهِ، وأرْضٌ قِراحٌ خالِصَةُ الطِّينِ، (p-٥٧)وقَرِيحَةُ الرَّجُلِ خالِصَةُ طَبْعِهِ.

المُداوَلَةُ: المُعاوَدَةُ، وهي المُعاهَدَةُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. يُقالُ: داوَلْتُ بَيْنَهُمُ الشَّيْءَ فَتَداوَلُوهُ. قالَ:

؎يَرِدُ المِياهَ فَلا يَزالُ مُداوِلًا ∗∗∗ في النّاسِ بَيْنَ تَمَثُّلٍ وسَماعِ

وأدَلْتُهُ: جَعَلْتُ لَهُ دَوْلَةً وتَصْرِيفًا، والدُّولَةُ بِالضَّمِّ المَصْدَرُ، وبِالفَتْحِ الفَعْلَةُ الواحِدَةُ؛ فَلِذَلِكَ يُقالُ: في دَوْلَةِ فُلانٍ؛ لِأنَّها مَرَّةً في الدَّهْرِ. والدُّورُ والدَّوْلُ مُتَقارِبانِ، لَكِنَّ الدَّوْرَ أعَمُّ. فَإنَّ الدَّوْلَةَ لا تُقالُ إلّا في الحَظِّ الدُّنْيَوِيِّ.

المَحْصُ كالفَحْصِ، لَكِنَّ الفَحْصَ يُقالُ في إبْرازِ الشَّيْءِ عَنْ خِلالِ أشْياءَ مُنْفَصِلَةٍ عَنْهُ. والمَحْصُ عَنْ إبْرازِهِ عَنْ أشْياءَ مُتَّصِلَةٍ بِهِ. قالَ الخَلِيلُ: التَّمْحِيصُ التَّخْلِيصُ عَنِ العُيُوبِ، ويُقالُ: مَحَّصَ الحَبْلَ إذا زالَ عَنْهُ - بِكَثْرَةِ مَرِّهِ عَلى اليَدِ زَئْبَرَهُ وأمْلَسَ، هَكَذا ساقَ الزَّجّاجُ اللَّفْظَةَ الحَبْلَ. ورَواها النَّقّاشُ: مَحَّصَ الجَمَلَ إذا زالَ عَنْهُ وبَرَهُ وأمْلَسَ. وقالَ حَنِيفُ الحَناتِمِ: وقَدْ ورَدَ ماءً اسْمُهُ طُوَيْلِعٌ، إنَّكَ لَمَحْصُ الرِّشاءِ، بَعِيدُ المُسْتَقى، مُطِلٌّ عَلى الأعْداءِ. المَعْنى: أنَّهُ لِبُعْدِهِ يَمْلَسُ حَبْلُهُ بِمَرِّ الأيْدِي.

* *

﴿وسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ ونافِعٌ: ”سارِعُوا“ بِغَيْرِ واوٍ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والباقُونَ بِالواوِ عَلى العَطْفِ. لَمّا أُمِرُوا بِتَقْوى النّارِ أُمِرُوا بِالمُبادَرَةِ إلى أسْبابِ المَغْفِرَةِ والجَنَّةِ. وأمالَ الدُّورِيُّ في قِراءَةِ الكِسائِيِّ ”﴿وسارِعُوا﴾“ لِكَسْرَةِ الرّاءِ. وقَرَأ أُبَيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ: ”وسابِقُوا“ . والمُسارَعَةُ: مُفاعَلَةٌ. إذِ النّاسُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم لَيَصِلُ قَبْلَ غَيْرِهِ، فَبَيْنَهم في ذَلِكَ مُفاعَلَةٌ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ [البقرة: ١٤٨] والمُسارَعَةُ إلى سَبَبِ المَغْفِرَةِ وهو الإخْلاصُ، قالَهُ عُثْمانُ. أوْ أداءُ الفَرائِضِ، قالَهُ عَلِيٌّ. أوِ الإسْلامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. أوِ التَّكْبِيرَةُ الأُولى مِنَ الصَّلاةِ مَعَ الإمامِ، قالَهُ أنَسٌ ومَكْحُولٌ. أوِ الطّاعَةُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. أوِ التَّوْبَةُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. أوِ الهِجْرَةُ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. أوِ الجِهادُ، قالَهُ الضَّحّاكُ. أوِ الصَّلَواتُ الخَمْسُ، قالَهُ يَمانٌ. أوِ الأعْمالُ الصّالِحَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. ويَنْبَغِي أنْ تُحْمَلَ هَذِهِ الأقْوالُ عَلى التَّمْثِيلِ لا عَلى التَّعْيِينِ والحَصْرِ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْنى المُسارَعَةِ إلى المَغْفِرَةِ والجَنَّةِ الإقْبالُ عَلى ما يَسْتَحِقّانِ بِهِ. انْتَهى. وفي ذِكْرِ الِاسْتِحْقاقِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ، وتَقَدَّمِ ذِكْرُ المَغْفِرَةِ عَلى الجَنَّةِ؛ لِأنَّها السَّبَبُ المُوصِلُ إلى الجَنَّةِ، وحُذِفَ المُضافُ مِنَ السَّماواتِ، أيْ عَرْضُ السَّماواتِ، بَعْدَ حَذْفِ أداةِ التَّشْبِيهِ أيْ: كَعَرْضِ. وبَعْدَ هَذا التَّقْدِيرِ اخْتَلَفُوا، هَلْ هو تَشْبِيهٌ حَقِيقِيٌّ، أوْ ذَهَبَ بِهِ مَذْهَبَ السِّعَةِ العَظِيمَةِ ؟ لَمّا كانَتِ الجَنَّةُ مِنَ الِاتِّساعِ والِانْفِساحِ في الغايَةِ القُصْوى؛ إذِ السَّماواتُ والأرْضُ أوْسَعُ ما عَلِمَهُ النّاسُ مِن مَخْلُوقاتِهِ وأبْسَطِهِ، وخَصَّ العَرْضَ؛ لِأنَّهُ في العادَةِ أدْنى مِنَ الطُّولِ لِلْمُبالَغَةِ، فَعَلى هَذا لا يُرادُ عَرْضٌ ولا طُولٌ حَقِيقَةً، قالَهُ الزَّجّاجُ. وتَقُولُ العَرَبُ: بِلادٌ عَرِيضَةٌ، أيْ واسِعَةٌ. وقالَ الشّاعِرُ:

؎كَأنَّ بِلادَ اللَّهِ وهْيَ عَرِيضَةٌ عَلى الخائِفِ المَطْلُوبِ كِفَّةُ حابِلِ

والقَوْلُ الأوَّلُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والجُمْهُورُ: تُقْرَنُ السَّماواتُ والأرْضُ بَعْضُها إلى بَعْضٍ كَما تُبْسَطُ الثِّيابُ، فَذَلِكَ عَرْضُ الجَنَّةِ، ولا يَعْلَمُ طُولَها إلّا اللَّهُ. انْتَهى ولا يُنْكَرُ هَذا؛ فَقَدْ ورَدَ في الحَدِيثِ في وصْفِ الجَنَّةِ وسِعَتِها ما يَشْهَدُ لِذَلِكَ. وأوْرَدَ ابْنُ عَطِيَّةَ مِن ذَلِكَ أشْياءَ في كِتابِهِ. والجَنَّةُ عَلى هَذا القَوْلِ أكْبَرُ مِنَ السَّماواتِ، وهي مُمْتَدَّةٌ في الطُّولِ حَيْثُ شاءَ اللَّهُ. وخَصَّ العَرْضَ بِالذِّكْرِ لِدَلالَتِهِ عَلى الطُّولِ، والطُّولُ إذا ذُكِرَ لا يَدُلُّ عَلى سِعَةِ العَرْضِ، إذْ قَدْ يَكُونُ العَرْضُ يَسِيرًا كَعَرْضِ الخَيْطِ.

وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ كَعَرْضِ السَّماواتِ والأرْضِ طِباقًا، لا بِأنْ تُقْرَنَ كَبَسْطِ الثِّيابِ. فالجَنَّةُ في السَّماءِ وعَرْضُها كَعَرْضِها، وعَرَضُ ما وازاها مِنَ الأرَضِينَ إلى السّابِعَةِ، وهَذِهِ دَلالَةٌ عَلى العِظَمِ. وأغْنى ذِكْرُ العَرْضِ عَنْ ذِكْرِ الطُّولِ. وقالَ ابْنُ فُورَكٍ: الجَنَّةُ في السَّماءِ، ويُزادُ فِيها يَوْمُ القِيامَةِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الجَنَّةِ أخُلِقَتْ ؟ وهو ظاهِرُ القُرْآنِ، ونَصُّ الآثارِ الصَّحِيحَةِ النَّبَوِيَّةِ أمْ لَمْ تَخْلُقْ (p-٥٨)بَعْدُ ؟ وهو قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ، ووافَقَهم مِن أهْلِ بِلادِنا القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ. وأمّا قَوْلُ ابْنِ فُورَكٍ: إنَّهُ يُزادُ فِيها، فَيَحْتاجُ إلى صِحَّةِ نَقْلٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وقالَ الكَلْبِيُّ: الجِنانُ أرْبَعٌ: جَنَّةُ عَدْنٍ، وجَنَّةُ المَأْوى، وجَنَّةُ الفِرْدَوْسِ، وجَنَّةُ النَّعِيمِ. كُلُّ جَنَّةٍ مِنها كَعَرْضِ السَّماءِ والأرْضِ، لَوْ وُصِلَ بَعْضُها بِبَعْضٍ ما عَلِمَ طُولَها إلّا اللَّهُ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: هو مِن عَرْضِ المَتاعِ عَلى البَيْعِ، لا العَرْضُ المُقابِلُ لِلطُّولِ. أيْ لَوْ عُورِضَتْ بِها لَساواها نَصِيبُ كُلِّ واحِدٍ مِنكم، وجاءَ إعْدادُها لِلْمُتَّقِينَ، فَخُصُّوا بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا لَهم، وإعْلامًا بِأنَّهُمُ الأصْلُ في ذَلِكَ، وغَيْرُهم تَبَعٌ لَهم في إعْدادِها. وإنْ أُرِيدَ بِالمُتَّقِينَ مُتَّقُو الشِّرْكِ كانَ عامًّا في كُلِّ مُسْلِمٍ طائِعٍ أوْ عاصٍ.

3:134Страница 67

ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلۡكَٰظِمِينَ ٱلۡغَيۡظَ وَٱلۡعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٣٤

которые делают пожертвования в радости и в горе, сдерживают гнев и прощают людей. Воистину, Аллах любит творящих добро.

﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: السَّرّاءُ اليُسْرُ، والضَّرّاءُ العُسْرُ. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ والضَّحّاكُ: الرَّخاءُ والشِّدَّةُ. وقِيلَ: في الحَياةِ، وبَعْدَ المَوْتِ بِأنْ يُوصِيَ. وقِيلَ: في الفَرَحِ وفي التَّرَحِ. وقِيلَ: فِيما يَسُرُّ كالنَّفَقَةِ عَلى الوَلَدِ والقَرابَةِ، وفِيما يَضُرُّ كالنَّفَقَةِ عَلى الأعْداءِ. وقِيلَ: في ضِيافَةِ الغَنِيِّ والإهْداءِ إلَيْهِ، وفِيما يُنْفِقُهُ عَلى أهْلِ الضُّرِّ ويَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: في المَنشَطِ والمَكْرَهِ. ويُحْتَمَلُ التَّقْيِيدُ بِهاتَيْنِ الحالَتَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعْنِيَ بِهِما جَمِيعَ الأحْوالِ؛ لِأنَّ هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ لا يَخْلُو المُنْفِقُ أنْ يَكُونَ عَلى إحْداهُما. والمَعْنى: لا يَمْنَعُهم حالُ سُرُورٍ ولا حالُ ابْتِلاءٍ عَنْ بَذْلِ المَعْرُوفِ. ورُوِيَ عَنْ عائِشَةَ أنَّها تَصَدَّقَتْ بِحَبَّةِ عِنَبٍ. وعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ بِبَصَلَةٍ. وابْتُدِئَ بِصِفَةِ التَّقْوى الشّامِ لَةِ لِجَمِيعِ الأوْصافِ الشَّرِيفَةِ، ثُمَّ جِيءَ بَعْدَها بِصِفَةِ البَذْلِ، إذْ كانَتْ أشُقُّ عَلى النَّفْسِ، وأدَلُّ عَلى الإخْلاصِ وأعْظَمِ الأعْمالِ؛ لِلْحاجَةِ إلى ذَلِكَ في الجِهادِ ومُواساةِ الفُقَراءِ. ويَجُوزُ في ”الَّذِينَ“ الإتْباعُ والقَطْعُ لِلرَّفْعِ والنَّصْبِ.

﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ﴾ أيِ المُمْسِكِينَ ما في أنْفُسِهِمْ مِنَ الغَيْظِ بِالصَّبْرِ، ولا يَظْهَرُ لَهُ أثَرٌ، والغَيْظُ: أصْلُ الغَضَبِ، وكَثِيرًا ما يَتَلازَمانِ؛ ولِذَلِكَ فَسَّرَهُ بَعْضُهم هُنا بِالغَضَبِ.

والغَيْظُ فِعْلٌ نَفْسانِيٌّ لا يَظْهَرُ عَلى الجَوارِحِ، والغَضَبُ فِعْلٌ لَها مَعَهُ ظُهُورٌ في الجَوارِحِ، وفِعْلٌ ما ولا بُدَّ؛ ولِذَلِكَ أُسْنِدَ إلى اللَّهِ تَعالى؛ إذْ هو عِبارَةٌ عَنْ أفْعالِهِ في المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ، ولا يُسْنَدُ الغَيْظُ إلَيْهِ تَعالى. ووَرَدَتْ أحادِيثُ في كَظْمِ الغَيْظِ وهو مِن أعْظَمِ العِبادَةِ، ورُوِيَ عَنْهُ ﷺ: «مَن كَظَمَ غَيْظًا وهو يَقْدِرُ عَلى إنْفاذِهِ مَلَأهُ اللَّهُ أمْنًا وإيمانًا» وعَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «ما مِن جُرْعَةٍ يَتَجَرَّعُها العَبْدُ خَيْرٌ لَهُ وأعْظَمُ أجْرًا مِن جُرْعَةِ غَيْظٍ في اللَّهِ» وعَنْ عائِشَةَ أنَّ خادِمًا لَها غاظَها، فَقالَتْ: لِلَّهِ دَرُّ التَّقْوى، ما تَرَكَتْ لِذِي غَيْظٍ شِفاءً. وقالَ مُقاتِلٌ: «بَلَغَنا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ”إنَّ هَذِهِ في أُمَّتِي لَقَلِيلٌ، وقَدْ كانُوا أكْثَرَ في الأُمَمِ الماضِيَةِ“» . وأنْشَدَ أبُو القاسِمِ بْنُ حَبِيبٍ:

؎وإذا غَضِبْتَ فَكُنْ وقُورًا كاظِمًا لِلْغَيْظِ تُبْصِرُ ما تَقُولُ وتَسْمَعُ

؎فَكَفى بِهِ شَرَفًا تَصَبُّرُ ساعَةً ∗∗∗ يَرْضى بِها عَنْكَ الإلَهُ ويَدْفَعُ

﴿والعافِينَ عَنِ النّاسِ﴾ أيِ الجُناةِ والمُسِيئِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو العالِيَةِ والرَّبِيعُ: المَمالِيكُ. وهَذا مِثالٌ؛ إذِ الأرِقّاءُ تَكْثُرُ ذُنُوبُهم لِجَهْلِهِمْ ومُلازَمَتِهِمْ، وإنْفاذُ العُقُوبَةِ عَلَيْهِمْ سَهْلٌ؛ لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ. وقالَ الحَسَنُ: والكاظِمِينَ الغَيْظَ عَنِ الأرِقّاءِ، والعافِينَ عَنِ النّاسِ إذا جَهِلُوا عَلَيْهِمْ. ووَرَدَتْ أخْبارٌ نَبَوِيَّةٌ في العَفْوِ، مِنها: ”يُنادِي مُنادٍ يَوْمَ القِيامَةِ: أيْنَ الَّذِينَ كانَتْ أُجُورُهم عَلى اللَّهِ، فَلْيَدْخُلُوا الجَنَّةَ، فَيُقالُ: مَن ذا الَّذِي أجْرُهُ عَلى اللَّهِ ؟ فَلا يَقُومُ إلّا مَن عَفا“ . ورَواهُ أبُو سُفْيانَ لِلرَّشِيدِ وقَدْ غَضِبَ عَلى رَجُلٍ، فَخَلّاهُ. ويَجُوزُ في الكاظِمِينَ والعافِينَ القَطْعُ إلى النَّصْبِ والإتْباعُ، بِشَرْطِ إتْباعْ ”الَّذِينَ يُنْفِقُونَ“ .

﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ الألِفُ واللّامُ لِلْجِنْسِ، فَيَتَناوَلُ كُلَّ مُحْسِنٍ. أوْ لِلْعَهْدِ فَيَكُونُ ذَلِكَ إشارَةً إلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ المُتَّصِفِينَ بِتِلْكَ الأوْصافِ. والأظْهَرُ الأوَّلُ، فَيَعُمُّ هَؤُلاءِ وغَيْرَهم. وهَذِهِ الآيَةُ في (p-٥٩)المَندُوبِ إلَيْهِ. ألا تَرى إلى حَدِيثِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «ما الإيمانُ» ؟ ”فَبَيَّنَ لَهُ العَقائِدَ“ «ما الإسْلامُ» ؟ فَبَيَّنَ لَهُ الفَرائِضَ. «ما الإحْسانُ» ؟ ”قالَ:“ «أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ» والمَعْنى أنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ، وهُمُ الَّذِينَ يُوقِعُونَ الأعْمالَ الصّالِحَةَ، مُراقِبِينَ اللَّهَ كَأنَّهم مُشاهِدُوهُ. وقالَ الحَسَنُ: الإحْسانُ أنْ تَعُمَّ ولا تَخُصَّ، كالرِّيحِ والمَطَرِ والشَّمْسِ والقَمَرِ. وقالَ الثَّوْرِيُّ: الإحْسانُ أنْ تُحْسِنَ إلى المُسِيءِ، فَإنَّ الإحْسانَ إلَيْهِ مُناجَزَةٌ، كَنَقْدِ السُّوقِ، خُذْ مِنِّي وهاتِ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English