Абу ХайянАль Имран · 3:170–174

Абу Хайян · Тафсир · на арабском

Аль Имран 3:170–174

3:170Страница 72

فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ وَيَسۡتَبۡشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمۡ يَلۡحَقُواْ بِهِم مِّنۡ خَلۡفِهِمۡ أَلَّا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ١٧٠

радуясь тому, что Аллах даровал им по Своей милости, и ликуя от того, что их последователи, которые еще не присоединились к ним, не познают страха и не будут опечалены.

﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾: أيْ مَسْرُورِينَ بِما أعْطاهُمُ اللَّهُ مِن قُرْبِهِ، ودُخُولِ جَنَّتِهِ، ورَزَقَهم فِيها، إلى سائِرِ ما أكْرَمَهم بِهِ، ولا تَعارُضَ بَيْنَ: فَرِحِينَ، وبَيْنَ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] في قِصَّةِ قارُونَ؛ لِأنَّ ذاكَ بِالمَلاذِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وهَذا بِالمَلاذُ الأُخْرَوِيَّةُ؛ ولِذَلِكَ جاءَ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ، فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا وجاءَ: ﴿وفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦] .

ومِن يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ لِلسَّبَبِ، أيْ: ما آتاهُمُ اللَّهُ مُتَسَبَّبٌ عَنْ فَضْلِهِ، فَتَتَعَلَّقُ الباءُ بِآتاهم. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ، فَتَكُونُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَحْذُوفِ العائِدِ عَلى ”ما“، أيْ: بِما آتاهُمُوهُ اللَّهُ كائِنًا مِن فَضْلِهِ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِابْتِداءِ الغايَةِ، فَتَتَعَلَّقُ بِآتاهم. وجَوَّزُوا في فَرِحِينَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في يُرْزَقُونَ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في الظَّرْفِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في أحْياءٍ، وأنْ يَكُونَ صِفَةً لِأحْياءٍ إذا نُصِبَ.

﴿ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ﴾: وهم جَمِيعُ المُؤْمِنِينَ، أيْ: يَحْصُلُ لَهُمُ البُشْرى بِانْتِفاءِ الخَوْفِ والحُزْنِ عَنْ إخْوانِهِمُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ في الشَّهادَةِ، فَهم فَرِحُونَ بِما حَصَلَ لَهم، مُسْتَبْشِرُونَ بِما يَحْصُلُ لِإخْوانِهِمُ المُؤْمِنِينَ. قالَهُ الزَّجّاجُ وابْنُ فُورَكٍ وغَيْرُهُما. وقالَ قَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ والرَّبِيعُ وغَيْرُهم: هُمُ الشُّهَداءُ الَّذِينَ يَأْتُونَهم بَعْدُ مِن إخْوانِهِمُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ تَرَكُوهم يُجاهِدُونَ فَيَسْتَشْهِدُونَ، فَرِحُوا لِأنْفُسِهِمْ ولِمَن يَلْحَقُ بِهِمْ مِنَ الشُّهَداءِ، إذْ يَصِيرُونَ إلى ما صارُوا إلَيْهِ مِن كَرامَةِ اللَّهِ تَعالى.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَيْسَتِ اسْتَفْعَلْ في هَذا المَوْضِعِ بِمَعْنى طَلَبِ البِشارَةِ، بَلْ هي بِمَعْنى اسْتَغْنى اللَّهُ واسْتَمْجَدَ المَرْخُ والعَفارُ. انْتَهى كَلامُهُ. أمّا قَوْلُهُ: لَيْسَتْ بِمَعْنى طَلَبِ البِشارَةِ فَصَحِيحٌ، وأمّا قَوْلُهُ: بَلْ هي بِمَعْنى اسْتَغْنى اللَّهُ واسْتَمْجَدَ المَرْخُ والعَفارُ، فَيَعْنِي أنَّها تَكُونُ بِمَعْنى الفِعْلِ المُجَرَّدِ كاسْتَغْنى بِمَعْنى غَنِيَ، واسْتَمْجَدَ بِمَعْنى مَجَّدَ، ونُقِلَ أنَّهُ يُقالُ: بُشِّرَ الرَّجُلُ بِكَسْرِ الشِّينِ، فَيَكُونُ اسْتَبْشَرْ بِمَعْناهُ. ولا يَتَعَيَّنُ هَذا المَعْنى، بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (p-١١٥)مُطاوِعًا لِأفْعَلَ، وهو الأظْهَرُ، أيْ: أبْشَرَهُ اللَّهُ فاسْتَبْشَرَ، كَقَوْلِهِمْ: أكانَهُ فاسْتَكانَ، وأشْلاهُ فاسْتَشْلى، وأراحَهُ فاسْتَراحَ، وأحْكَمَهُ فاسْتَحْكَمَ، وأكَنَّهُ فاسْتَكَنَّ، وأمَرَهُ فاسْتَمَرَّ، وهو كَثِيرٌ. وإنَّما كانَ هَذا الأظْهَرُ هُنا؛ لِأنَّهُ مِن حَيْثُ المُطاوَعَةِ يَكُونُ مُنْفَعِلًا عَنْ غَيْرِهِ، فَحَصَلَتْ لَهُ البُشْرى بِإبْشارِ اللَّهِ لَهُ بِذَلِكَ. ولا يَلْزَمُ هَذا المَعْنى إذا كانَ بِمَعْنى المُجَرَّدِ؛ لِأنَّهُ لا يَدُلُّ عَلى المُطاوَعَةِ. ومَعْنى: ”مِن خَلْفِهِمْ“، قَدْ بَقُوا بَعْدَهم، وهم قَدْ تَقَدَّمُوهم، إذا كانَ المَعْنى بِالَّذِينِ لَمْ يَلْحَقُوا الشُّهَداءَ، وإنْ كانَ المَعْنِيُّ بِهِمُ المُؤْمِنِينَ فَمَعْنى لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ أيْ: لَمْ يُدْرِكُوا فَضْلَهم ومَنزِلَتَهم.

﴿أنْ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾: وجَوَّزُوا في إعْرابِ ويَسْتَبْشِرُونَ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى فَرِحِينَ ومُسْتَبْشِرِينَ، كَقَوْلِهِ: ”﴿صافّاتٍ ويَقْبِضْنَ﴾ [الملك: ١٩]“ أيْ قابِضاتٍ، وأنْ يَكُونَ عَلى إضْمارِهِمْ. والواوُ لِلْحالِ، فَتَكُونُ حالِيَّةً مِنَ الضَّمِيرِ في فَرِحِينَ، أوْ مِن ضَمِيرِ المَفْعُولَيْ في آتاهم، أوْ لِلْعَطْفِ، ويَكُونُ مُسْتَأْنَفًا مِن بابِ عَطْفِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ أوِ الفِعْلِيَّةِ عَلى نَظِيرِها.

وإنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها مَحْذُوفُ ضَمِيرِ الشَّأْنِ، وخَبَرُها الجُمْلَةُ المَنفِيَّةُ بِلا. وإنَّ ما بَعْدَها في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ مَجْرُورٍ عَلى أنَّهُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الَّذِينَ، فَيَكُونُ هو المُسْتَبْشَرُ بِهِ في الحَقِيقَةِ. أوْ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، فَيَكُونُ عِلَّةً لِلِاسْتِبْشارِ، والمُسْتَبْشَرُ بِهِ غَيْرُهُ، التَّقْدِيرُ: لِأنَّهُ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ. والذَّواتُ لا يُسْتَبْشَرُ بِها، فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ مُناسِبٍ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ.

وفِي ذِكْرِ حالِ الشُّهَداءِ واسْتِبْشارِهِمْ بِمَن خَلْفَهم بَعْثٌ لِلْباقِينَ بَعْدَهم عَلى ازْدِيادِ الطّاعَةِ، والجِدِّ في الجِهادِ، والرَّغْبَةِ في نَيْلِ مَنازِلِ الشُّهَداءِ وإصابَةِ فَضْلِهِمْ، وإحْمادٍ لِحالِ مَن يَرى نَفْسَهُ في خَيْرٍ، فَيَتَمَنّى مِثْلَهُ لِإخْوانِهِ في اللَّهِ، وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ بِالفَوْزِ في المَآبِ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهو كَلامٌ حَسَنٌ.

قِيلَ: وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ مِن ضُرُوبِ البَدِيعِ: الطِّباقَ في قَوْلِهِ: ”لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ“ الآيَةَ، إذِ التَّقْدِيرُ: مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالهِدايَةِ، فَيَكُونُ في هَذا المُقَدَّرِ. وفي قَوْلِهِ: ”في ضَلالٍ مُبِينٍ“، وفي: ”يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ“، والقَوْلُ ظاهِرٌ و”يَكْتُمُونَ“ . وفي ”قالُوا لِإخْوانِهِمْ وقَعَدُوا“، إذِ التَّقْدِيرُ: حِينَ خَرَجُوا وقَعَدُوا هم. وفي: ”أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ“ وفي: فَرِحِينَ ويَحْزَنُونَ. والتَّكْرارَ في: ”ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ“، ”ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا“ الِاخْتِلافُ مُتَعَلِّقُ العِلْمِ. وفي فَرِحِينَ ويَسْتَبْشِرُونَ، والتَّجْنِيسَ المُغايِرَ في: أصابَتْكم مُصِيبَةٌ، والمُماثِلَ في: أصابَتْكم، قَدْ أصَبْتُمْ، والِاسْتِفْهامَ الَّذِي يُرادُ بِهِ الإنْكارُ في: ”أوَلَمّا أصابَتْكم“، والِاحْتِجاجَ النَّظَرِيَّ في: ”قُلْ فادْرَءُوا عَنْ أنْفُسِكم“، والتَّأْكِيدَ في: ”ولا هم يَحْزَنُونَ“، والحَذْفَ في عِدَّةِ مَواضِعَ لا يَتِمُّ المَعْنى إلّا بِتَقْدِيرِها.

3:171–173Страница 72

۞ يَسۡتَبۡشِرُونَ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٧١

Они радуются милости Аллаха и щедрости и тому, что Аллах не теряет награды верующих,

ٱلَّذِينَ ٱسۡتَجَابُواْ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِنۢ بَعۡدِ مَآ أَصَابَهُمُ ٱلۡقَرۡحُۚ لِلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ مِنۡهُمۡ وَٱتَّقَوۡاْ أَجۡرٌ عَظِيمٌ ١٧٢

которые ответили Аллаху и Посланнику после того, как им нанесли ранение. Тем из них, которые вершили добро и были богобоязненны, уготована великая награда.

ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدۡ جَمَعُواْ لَكُمۡ فَٱخۡشَوۡهُمۡ فَزَادَهُمۡ إِيمَٰنٗا وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِيلُ ١٧٣

Люди сказали им: «Народ собрался против вас. Побойтесь же их». Однако это лишь приумножило их веру, и они сказали: «Нам достаточно Аллаха, и как прекрасен этот Попечитель и Хранитель!».

﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ وأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القَرْحُ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهم واتَّقَوْا أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهم فَزادَهم إيمانًا وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ واتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٧٤] ﴿إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهم وخافُونِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥] ﴿ولا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ إنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ ألّا يَجْعَلَ لَهم حَظًّا في الآخِرَةِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٦] ﴿إنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإيمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٧] ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا ولَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨] ﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ ولَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُسُلِهِ مَن يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ وإنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا فَلَكم أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٩] ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هو خَيْرًا لَهم بَلْ هو شَرٌّ لَهم سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨٠] .

الحَظُّ: (p-١١٦)النَّصِيبُ، وإذا لَمْ يُقَيَّدْ فَإنَّما يُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ. مازَ ومَيَّزَ: فَصَلَ الشَّيْءَ مِنَ الشَّيْءِ. قالَ يَعْقُوبُ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ. انْتَهى. والتَّضْعِيفُ لَيْسَ لِلنَّقْلِ. وقِيلَ: التَّشْدِيدُ أقْرَبُ إلى الفَخامَةِ وأكْثَرُ في الِاسْتِعْمالِ، ألا تَرى أنَّهُمُ اسْتَعْمَلُوا المَصْدَرَ عَلى نِيَّةِ التَّشْدِيدِ، فَقالُوا: التَّمْيِيزُ، ولَمْ يَقُولُوا المَيْزَ. انْتَهى. ويَعْنِي: ولَمْ تَقُولُوهُ مَسْمُوعًا، وأمّا بِطَرِيقِ القِياسِ فَيُقالُ. وقِيلَ: لا يَكُونُ مازَ إلّا في كَثِيرٍ مِن كَثِيرٍ، فَأمّا واحِدٌ مِن واحِدٍ فَيَتَمَيَّزُ عَلى مَعْنى يَعْزِلُ؛ ولِهَذا قالَ أبُو مُعاذٍ: يُقالُ: مَيَّزْتُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ، ومِزْتُ بَيْنَ الأشْياءِ. اجْتَبى: اخْتارَ واصْطَفى، وهي مَن جَبَيْتُ الماءَ والمالَ وجَبَوْتُهُما فاجْتَبى، افْتَعَلَ مِنهُ، فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اللّامُ واوًا أوْ ياءً.

﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ وأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ﴾: كَرَّرَ الفِعْلَ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، إنْ كانَتِ النِّعْمَةُ والفَضْلُ بَيانًا لِمُتَعَلِّقِ الِاسْتِبْشارِ الأوَّلِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. قالَ: وكَرَّرَ يَسْتَبْشِرُونَ لِيُعَلِّقَ بِهِ ما هو بَيانٌ لِقَوْلِهِ: ﴿أنْ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [آل عمران: ١٧٠] مِن ذِكْرِ النِّعْمَةِ والفَضْلِ، وأنَّ ذَلِكَ أجْرٌ لَهم عَلى إيمانِهِمْ، يَجِبُ في عَدْلِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ أنْ يَحْصُلَ لَهم ولا يَضِيعَ. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ في ذِكْرِهِ وُجُوبَ الأجْرِ وتَحْصِيلَهُ عَلى إيمانِهِمْ. وسَلَكَ ابْنُ عَطِيَّةَ طَرِيقَةَ أهْلِ السُّنَّةِ فَقالَ: أكَّدَ اسْتِبْشارَهم بِقَوْلِهِ: ”يَسْتَبْشِرُونَ“، ثُمَّ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ وفَضْلُ إدْخالِهِمُ الجَنَّةَ الَّذِي هو فَضْلٌ مِنهُ لا بِعَمَلِ أحَدٍ، وأمّا النِّعْمَةُ في الجَنَّةِ والدَّرَجاتُ فَقَدْ أخْبَرَ أنَّها عَلى قَدْرِ الأعْمالِ. انْتَهى.

وقالَ غَيْرُهُما: هو بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُدْخِلْ عَلَيْهِ واوَ العَطْفِ. ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ الجُمْلَةَ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في يَحْزَنُونَ، ويَحْزَنُونَ هو العامِلُ فِيها - فَبَعِيدٌ عَنِ الصَّوابِ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ اخْتِلافُ المَنفِيِّ عَنْهُ الحُزْنُ والمُسْتَبْشِرِ، ولِأنَّ الحالَ قُيِّدَ، والحُزْنُ لَيْسَ بِمُقَيَّدٍ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ”يَسْتَبْشِرُونَ“ لَيْسَ بِتَأْكِيدٍ لِلْأوَّلِ، بَلْ هو اسْتِئْنافٌ مُتَعَلِّقٌ بِهِمْ أنْفُسِهِمْ، لا بِالَّذِينِ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ. فَقَدِ اخْتَلَفَ مُتَعَلِّقُ الفِعْلَيْنِ، فَلا تَأْكِيدَ؛ لِأنَّ هَذا المُسْتَبْشِرَ بِهِ هو لَهم، وهو: نِعْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وفَضْلُهُ. وفي التَّنْكِيرِ دَلالَةٌ عَلى بَعْضٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وإشارَةٌ إلى إبْهامِ المُرادِ تَعْظِيمًا لِأمْرِهِ وتَنْبِيهًا عَلى صُعُوبَةِ إدْراكِهِ، كَما جاءَ: فِيها ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ. والظّاهِرُ تَبايُنُ النِّعْمَةِ والفَضْلِ لِلْعَطْفِ، ويُناسِبُ شَرْحُهُما أنْ يَنْزِلَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] فالحُسْنى هي النِّعْمَةُ، والزِّيادَةُ هي الفَضْلُ؛ لِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: أحْسَنُوا، وقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهم واتَّقَوْا أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ .

وقالَ الزَّجّاجُ: النِّعْمَةُ هي الجَزاءُ، والفَضْلُ زائِدٌ عَلَيْهِ قَدْرَ الجَزاءِ. وقِيلَ: النِّعْمَةُ قَدْرُ الكِفايَةِ، والفَضْلُ المُضاعَفُ عَلَيْها مَعَ مُضاعَفَةِ السُّرُورِ بِها واللَّذَّةِ. وقِيلَ: الفَضْلُ داخِلٌ في النِّعْمَةِ دَلالَةٌ عَلى اتِّساعِها، وأنَّها لَيْسَتْ كَنِعَمِ الدُّنْيا. وقَرَأ الكِسائِيُّ وجَماعَةٌ: و”إنَّ اللَّهَ“ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ ومُصْحَفُهُ: ”واللَّهُ لا يُضِيعُ أجْرَ“ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعَلى أنَّ الجُمْلَةَ اعْتِراضٌ، وهي قِراءَةُ الكِسائِيِّ. انْتَهى. ولَيْسَتِ الجُمْلَةُ هُنا اعْتِراضًا؛ لِأنَّها لَمْ تَدْخُلْ بَيْنَ شَيْئَيْنِ أحَدُهُما يَتَعَلَّقُ بِالآخَرِ، وإنَّما جاءَتْ لِاسْتِئْنافِ أخْبارٍ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ والجُمْهُورُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَطْفًا عَلى مُتَعَلِّقِ الِاسْتِبْشارِ، فَهو داخِلٌ فِيهِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: يَسْتَبْشِرُونَ بِتَوْفِيرِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، ووُصُولِهِ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يُضِعْهُ وصَلَ إلَيْهِمْ ولَمْ يَبْخَسُوهُ. ولا يَصِحُّ الِاسْتِبْشارُ بِأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ الِاسْتِبْشارَ إنَّما يَكُونُ بِما لَمْ يَتَقَدَّمْ بِهِ عِلْمٌ، وقَدْ عَلِمُوا قَبْلَ مَوْتِهِمْ أنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ، فَهم يَسْتَبْشِرُونَ بِأنَّ اللَّهَ ما أضاعَ أُجُورَهم حَتّى اخْتَصَّهم بِالشَّهادَةِ ومَنَحَهم أتَمَّ النِّعْمَةِ، وخَتَمَ لَهم بِالنَّجاةِ والفَوْزِ، وقَدْ كانُوا يَخْشَوْنَ عَلى إيمانِهِمْ، ويَخافُونَ سُوءَ الخاتِمَةِ المُحْبِطَةِ لِلْأعْمالِ، فَلَمّا رَأوْا ما لِلْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ السَّعادَةِ وما اخْتَصَّهم بِهِ مِن حُسْنِ الخاتِمَةِ الَّتِي تَصِحُّ مَعَها الأُجُورُ وتُضاعَفُ الأعْمالُ، اسْتَبْشَرُوا؛ لِأنَّهم كانُوا عَلى وجَلٍ مِن ذَلِكَ. انْتَهى كَلامُهُ. وفِيهِ (p-١١٧)تَطْوِيلٌ شَبِيهٌ بِالخَطابَةِ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِبْشارُ لِمَن خَلَّفُوهُ بَعْدَهم مِنَ المُؤْمِنِينَ لَمّا عايَنُوا مَنزِلَتَهُ عِنْدَ اللَّهِ.

﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القَرْحُ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهم واتَّقَوْا أجْرٌ عَظِيمٌ﴾: قِيلَ: الِاسْتِجابَةُ كانَتْ أثَرَ الِانْصِرافِ مِن أُحُدٍ. اسْتَنْفَرَ الرَّسُولُ لِطَلَبِ الكُفّارِ، فاسْتَجابَ لَهُ تِسْعُونَ. وذَلِكَ لَمّا ذُكِرَ لِلرَّسُولِ أنَّ أبا سُفْيانَ في جَمْعٍ كَثِيرٍ، فَأبى الرَّسُولُ إلّا أنْ يَطْلُبَهم، فَسَبَقَهُ أبُو سُفْيانَ ودَخَلَ مَكَّةَ، فَنَزَلَتْ. قالَهُ عَمْرُو بْنُ دِينارٍ. وفي ذِكْرِ هَذا السَّبَبِ اخْتِلافٌ في مَواضِعَ. وقِيلَ: الِاسْتِجابَةُ كانَتْ مِنَ العامِ القابِلِ بَعْدَ قِصَّةِ أُحُدٍ، حَيْثُ تَواعَدَ أبُو سُفْيانَ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَوْسِمَ بَدْرٍ، فَلَمّا كانَ العامُ المُقْبِلُ خَرَجَ أبُو سُفْيانَ فَأُرْعِبَ، وبَدا لَهُ الرُّجُوعُ، وقالَ لِنُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ: واعَدْتُ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ أنْ نَلْتَقِيَ بِمَوْسِمِ بَدْرٍ الصُّغْرى، وهو عامُ جَدْبٍ لا يَصْلُحُ لَنا، فَثَبِّطْهم عَنّا، وأعْلِمْهم أنّا في جَمْعٍ كَثِيرٍ، فَفَعَلَ وخَوَّفَهم، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأصْحابِهِ، وأقامُوا بِبَدْرٍ يَنْتَظِرُونَ أبا سُفْيانَ، فَنَزَلَتْ. قالَ مَعْناهُ: مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ. وقِيلَ: لَمّا كانَ الثّانِي مِن أُحُدٍ وهو يَوْمُ الأحَدِ، نادى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في النّاسِ بِاتِّباعِ المُشْرِكِينَ، وقالَ: لا يَخْرُجَنَّ مَعَنا إلّا مَن شاهَدَنا بِالأمْسِ. وكانَتْ بِالنّاسِ جِراحَةٌ وقَرْحٌ عَظِيمٌ، ولَكِنْ تَجَلَّدُوا، ونَهَضَ مَعَهُ مِائَتا رَجُلٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ حَتّى بَلَغَ حَمْراءَ الأسَدِ، وهي عَلى ثَمانِيَةِ أمْيالٍ مِنَ المَدِينَةِ، وأقامَ بِها ثَلاثَةَ أيّامٍ، وجَرَتْ قِصَّةُ مَعْبَدِ بْنِ أبِي مَعْبَدٍ، وقَدْ ذُكِرَتْ، ومَرَّتْ قُرَيْشٌ، فانْصَرَفَ الرَّسُولُ إلى المَدِينَةِ، فَنَزَلَتْ. ورُوِيَ أنَّهُ خَرَجَ أخَوانِ وبِهِما جِراحَةٌ شَدِيدَةٌ، وضَعُفَ أحَدُهُما، فَكانَ أخُوهُ يَحْمِلُهُ عُقْبَةً ويَمْشِي هو عُقْبَةً، ولَمّا لَمْ تَتِمَّ اسْتِجابَةُ العَبْدِ لِلَّهِ إلّا بِاسْتِجابَتِهِ لِلرَّسُولِ، جَمَعَ بَيْنِهِما؛ لِأنَّ ما لا يَتِمُّ الواجِبُ إلّا بِهِ فَهو واجِبٌ. قِيلَ: والِاسْتِجابَتانِ مُخْتَلِفَتانِ، فَإنَّهُما بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ بِالتَّوْحِيدِ والعِبادَةِ، ولِلرَّسُولِ بِتَلَقِّي الرِّسالَةِ مِنهُ والنَّصِيحَةِ لَهُ. والظّاهِرُ أنَّها اسْتِجابَةٌ واحِدَةٌ، وهو إجابَتُهم لَهُ حِينَ انْتَدَبَهم لِاتِّباعِ الكُفّارِ عَلى ما نُقِلَ في سَبَبِ النُّزُولِ. والإحْسانُ هُنا ما هو زائِدٌ عَلى الإيمانِ مِنَ الِاتِّصافِ بِما يُسْتَحَبُّ مَعَ الِاتِّصافِ بِما يَجِبُ.

والظّاهِرُ إعْرابُ ”الَّذِينَ“ مُبْتَدَأً، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ الخَبَرُ. وجَوَّزُوا الإتْباعَ نَعْتًا، أوْ بَدَلًا، والقَطْعَ إلى الرَّفْعِ والنَّصْبِ. ومَن في: ”مِنهم“ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِلتَّبْيِينِ، مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩]؛ لِأنَّ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ قَدْ أحْسَنُوا كُلَّهم واتَّقَوْا، إلّا بَعْضَهم. وعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ: قالَتْ لِي عائِشَةُ: إنَّ أبَوَيْكَ لَمِمَّنِ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ. تَعْنِي: أبا بَكْرٍ والزُّبَيْرَ. انْتَهى. وقالَ أبُو البَقاءِ: ”مِنهم“ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في أحْسَنُوا، فَعَلى هَذا تَكُونُ ”مِن“ لِلتَّبْعِيضِ، وهو قَوْلُ مَن لا يَرى أنَّ ”مِن“ تَكُونُ لِبَيانِ الجِنْسِ.

﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهم فَزادَهم إيمانًا وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾: قِيلَ: أُرِيدَ بِالنّاسِ الأُوَلِ أبُو نُعَيْمِ بْنُ مَسْعُودٍ الأشْجَعِيُّ، وهو قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ، وضَعَّفَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وبِالثّانِي: أبُو سُفْيانَ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ قِصَّةِ نُعَيْمٍ، وذَكَرَها المُفَسِّرُونَ مُطَوَّلَةً، وفِيها: «أنَّ أبا سُفْيانَ جَعَلَ لَهُ جُعْلًا عَلى تَثْبِيطِ الصَّحابَةِ عَنْ بَدْرٍ الصُّغْرى، وذَلِكَ عَشْرَةٌ مِنَ الإبِلِ، ضَمِنَها لَهُ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، فَقَدِمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأفْزَعَ النّاسَ وخَوَّفَهُمُ اللِّقاءَ، فَقالَ الرَّسُولُ ﷺ: ”والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأخْرُجَنَّ ولَوْ وحْدِي“ فَأمّا الجَبانُ فَرَجَعَ، وأمّا الشُّجاعُ فَتَجَهَّزَ لِلْقِتالِ وقالَ: حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ، فَوافى بَدْرًا الصُّغْرى، فَجَعَلُوا يَلْقَوْنَ المُشْرِكِينَ ويَسْألُونَهم عَنْ قُرَيْشٍ، فَيَقُولُونَ: قَدْ جَمَعُوا لَكم، وكانَتْ مَوْضِعَ سُوقٍ لَهم في الجاهِلِيَّةِ يَجْتَمِعُونَ إلَيْها في كُلِّ عامٍ ثَمانِيَةَ أيّامٍ، فَأقامَ بِبَدْرٍ يَنْتَظِرُ أبا سُفْيانَ، وقَدِ انْصَرَفَ أبُو سُفْيانَ مِن مَجَنَّةَ إلى مَكَّةَ، فَسَمّى أهْلُ مَكَّةَ حَبْسَةَ جَيْشِ السَّوِيقِ قالُوا: إنَّما خَرَجْتُمْ لِتَشْرَبُوا (p-١١٨)السَّوِيقَ. وكانَتْ مَعَ الصَّحابَةِ تِجاراتٌ ونَفَقاتٌ، فَباعُوا وأصابُوا لِلدِّرْهَمِ دِرْهَمَيْنِ، وانْصَرَفُوا إلى المَدِينَةِ غانِمِينَ، وحَسَبَها الرَّسُولُ لَهم غَزْوَةً، وظَفِرَ في وُجْهَةِ ذَلِكَ بِمُعاوِيَةَ بْنِ المُغِيرَةِ بْنِ العاصِ وأبِي عِزَّةَ الجُمَحِيِّ فَقَتَلَهُما» . فَعَلى هَذا القَوْلِ أنَّ المُثَبِّطَ أبُو نُعَيْمٍ وحْدَهُ، وأطْلَقَ عَلَيْهِ النّاسُ عَلى سَبِيلِ المَجازِ؛ لِأنَّهُ مِن جِنْسِ النّاسِ كَما يُقالُ: فُلانٌ يَرْكَبُ الخَيْلَ، ويَلْبَسُ البُرُودَ، وما لَهُ إلّا فَرَسٌ واحِدٌ وبُرْدٌ واحِدٌ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ أيْضًا: ولِأنَّهُ حِينَ قالَ ذَلِكَ لَمْ يَخْلُ مِن ناسٍ مِن أهْلِ المَدِينَةِ يُضامُّونَهُ ويَصِلُونَ جَناحَ كَلامِهِ، ويُثَبَّطُونَ مِثْلَ تَثْبِيطِهِ. انْتَهى. ولا يَجِيءُ هَذا عَلى تَقْدِيرِ السُّؤالِ وهو: أنْ نُعَيْمًا وحْدَهُ هو المُثَبِّطُ؛ لِأنَّهُ قَدِ انْضافَ إلَيْهِ ناسٌ، فَلا يَكُونُ إذْ ذاكَ مُنْفَرِدًا بِالتَّثْبِيطِ.

وقِيلَ: النّاسُ الأُوَلُ رَكْبٌ مِن عَبْدِ القَيْسِ مَرُّوا عَلى أبِي سُفْيانَ يُرِيدُونَ المَدِينَةَ لِلْمِيرَةِ، فَجَعَلَ لَهم جُعْلًا وهو حِمْلُ إبِلِهِمْ زَبِيبًا عَلى أنْ يُخْبِرُوا أنَّهُ جَمَعَ لِيَسْتَأْصِلَ بَقِيَّةَ المُؤْمِنِينَ، فَأخْبَرُوا بِذَلِكَ، فَقالَ الرَّسُولُ وأصْحابُهُ - وهم إذْ ذاكَ بِحَمْراءِ الأسَدِ -: ﴿حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ والنّاسُ الثّانِي قُرَيْشٌ، وهَذا القَوْلُ أقْرَبُ إلى مَدْلُولِ اللَّفْظِ.

وجَوَّزُوا في إعْرابِ ”الَّذِينَ قالَ“ أوْجُهُ ”الَّذِينَ“ قَبْلَهُ، والفاعِلُ بِـ ”زادَ“ ضَمِيرٌ مُسْتَكِنٌّ يَعُودُ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن ”قالَ“، أيْ: فَزادَهم ذَلِكَ القَوْلُ إيمانًا. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَعُودَ إلى القَوْلِ، وأنْ يَعُودَ إلى النّاسِ إذا أُرِيدَ بِهِ نُعَيْمٌ وحْدَهُ. وهُما ضَعِيفانِ، مِن حَيْثُ إنَّ الأوَّلَ لا يَزِيدُ إيمانًا إلّا بِالنُّطْقِ بِهِ، لا هو في نَفْسِهِ. ومِن حَيْثُ إنَّ الثّانِي إذا أطْلَقَ عَلى المُفْرَدِ لَفْظَ الجَمْعِ مَجازًا فَإنَّ الضَّمائِرَ تَجْرِي عَلى ذَلِكَ الجَمْعِ، لا عَلى المُفْرَدِ. فَيَقُولُ: مَفارِقُهُ شابَتْ، بِاعْتِبارِ الإخْبارِ عَنِ الجَمْعِ، ولا يَجُوزُ مَفارِقُهُ شابَ، بِاعْتِبارِ مَفْرِقِهِ شابَ.

وظاهِرُ اللَّفْظِ أنَّ الإيمانَ يَزِيدُ، ومَعْناهُ هُنا: أنَّ ذَلِكَ القَوْلَ زادَهم تَثْبِيتًا واسْتِعْدادًا، فَزِيادَةُ الإيمانِ عَلى هَذا هي في الأعْمالِ. وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في ذَلِكَ، فَقالَ قَوْمٌ: سَيَزِيدُ ويَنْقُصُ بِاعْتِبارِ الطّاعاتِ؛ لِأنَّها مِن ثَمَراتِ الإيمانِ، ويَنْقُصُ بِالمَعْصِيَةِ وهو مَذْهَبُ مالِكٍ ونُسِبَ لِلشّافِعِيِّ. وقالَ قَوْمٌ: مِن جِهَةِ أعْمالِ القُلُوبِ كالنِّيَّةِ والإخْلاصِ والخَوْفِ والنَّصِيحَةِ. وقالَ قَوْمٌ: مِن طَرِيقِ الأدِلَّةِ وكَثْرَتِها وتَظافُرِها عَلى مُعْتَقَدٍ واحِدٍ. وقالَ قَوْمٌ: مِن طَرِيقِ نُزُولِ الفَرائِضِ والأخْبارِ في مُدَّةِ الرَّسُولِ. وقالَ قَوْمٌ: لا يَقْبَلُ الزِّيادَةَ والنَّقْصَ، وهو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ، وحَكاهُ الباقِلّانِيُّ عَنِ الشّافِعِيِّ. وقالَ أبُو المَعالِي في ”الإرْشادِ“: زِيادَتُهُ مِن حَيْثُ ثُبُوتِهِ وتَعاوُرِهِ دائِمًا؛ لِأنَّهُ عَرْضٌ لا يُثْبِتُ زَمانَيْنِ، فَهو لِلصّالِحِ مُتَعاقِبٌ مُتَوالٍ، ولِلْفاسِقِ والغافِلِ غَيْرُ مُتَوالٍ، فَهَذا مَعْنى الزِّيادَةِ والنَّقْصِ. وذَهَبَ قَوْمٌ: إلى ما نَطَقَ بِهِ النَّصُّ، وهو أنَّهُ يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ، وهو مَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ. ورُوِيَ شِبْهَهُ عَنِ ابْنِ المُبارَكِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ الإيمانَ إذا أُرِيدَ بِهِ التَّصْدِيقُ فَيُعَلَّقُ بِشَيْءٍ واحِدٍ: أنَّهُ تَسْتَحِيلُ فِيهِ الزِّيادَةُ والنَّقْصُ، فَإنَّما ذَلِكَ بِحَسَبِ مُتَعَلِّقاتِهِ دُونَ ذاتِهِ، وحُجَجُ هَذِهِ الأقْوالِ مَذْكُورَةٌ في المُصَنَّفاتِ الَّتِي تَضَمَّنَتْ هَذِهِ المَسْألَةَ، وقَدْ أفْرَدَها بَعْضُ العُلَماءِ بِالتَّصْنِيفِ في كِتابٍ. ولَمّا تَقَدَّمَ مِنَ المُثَبِّطِينَ إخْبارٌ بِأنَّ قُرَيْشًا قَدْ جَمَعُوا لَكم، وأمْرٌ مِنهم لَهم بِخَشْيَتِهِمْ لِهَذا الجَمْعِ الَّذِي جَمَعُوهُ - تَرَتَّبَ عَلى هَذا القَوْلِ شَيْئانِ: أحَدُهُما قَلْبِيٌّ وهو زِيادَةُ الإيمانِ، وهو مُقابِلٌ لِلْأمْرِ بِالخَشْيَةِ. فَأخْبَرَ بِحُصُولِ طُمَأْنِينَةٍ في القَلْبِ تُقابِلَ الخَشْيَةَ، وأخْبَرَ بَعْدُ بِما يُقابِلُ جَمْعَ النّاسِ وهو إنَّ كافِيَهم شَرَّ النّاسِ هو اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ أثْنَوْا عَلَيْهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ”ونِعْمَ الوَكِيلُ“، فَدَلَّ عَلى أنَّ قَوْلَهم: حَسْبُنا اللَّهُ هو مِنَ المُبالَغَةِ في التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، ورَبْطِ أُمُورِهِمْ بِهِ تَعالى. فانْظُرْ إلى بَراعَةِ هَذا الكَلامِ وبَلاغَتِهِ، حَيْثُ قُوبِلَ قَوْلٌ بِقَوْلٍ، ومُتَعَلِّقُ قَلْبٍ بِمُتَعَلِّقِ قَلْبٍ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في (حَسْبُ) في قَوْلِهِ: ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ﴾ [البقرة: ٢٠٦] ومِن قَوْلِهِمْ: أحْسَبَهُ الشَّيْءُ: كَفاهُ. وحَسْبُ بِمَعْنى المُحْسِبِ، أيِ الكافِي، أُطْلِقَ ويُرادُ بِهِ مَعْنى اسْمِ الفاعِلِ. ألا تَرى أنَّهُ يُوصَفُ بِهِ فَتَقُولُ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ حَسْبُكَ مِن رَجُلٍ، أيْ: كافِيكَ. فَتَصِفُ بِهِ النَّكِرَةَ، إذْ إضافَتُهُ (p-١١٩)غَيْرُ مَحْضَةٍ؛ لِكَوْنِهِ في مَعْنى اسْمِ الفاعِلِ غَيْرِ الماضِي المُجَرَّدِ مِن ألْ. وقالَ:

؎وحَسْبُكَ مِن غِنًى شِبَعٍ ورِيِّ

أيْ كافِيكَ. والوَكِيلُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيِ المَوْكُولُ إلَيْهِ الأُمُورُ. قِيلَ: وهَذِهِ الحَسْبَلَةُ هي قَوْلُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ. والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى، التَّقْدِيرُ: ونِعْمَ الوَكِيلُ اللَّهُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الوَكِيلُ الرَّبُّ. قالَهُ قَوْمٌ. انْتَهى. والمَعْنى: أنَّهُ مِن أسْماءِ صِفاتِهِ تَعالى كَما تَقُولُ: القَهّارُ هو اللَّهُ. وقِيلَ: هو بِمَعْنى الوَلِيِّ والحَفِيظِ، وهو راجِعٌ إلى مَعْنى المَوْكُولِ إلَيْهِ الأُمُورُ. قالَ الفَرّاءُ: والوَكِيلُ الكَفِيلُ.

3:174Страница 73

فَٱنقَلَبُواْ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ لَّمۡ يَمۡسَسۡهُمۡ سُوٓءٞ وَٱتَّبَعُواْ رِضۡوَٰنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضۡلٍ عَظِيمٍ ١٧٤

Они вернулись с милостью от Аллаха и щедротами. Зло не коснулось их, и они последовали за довольством Аллаха. Воистину, Аллах обладает великой милостью.

﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ واتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾: أيْ فَرَجَعُوا مِن بَدْرٍ مَصْحُوبِينَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وهي: السَّلامَةُ وحَذَرُ العَدُوِّ إيّاهم، وفَضْلٌ: وهو الرِّبْحُ في التِّجارَةِ. كَقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] هَذا الَّذِي اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَفْسِيرِ هَذا الِانْقِلابِ، ولَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والجُمْهُورُ عَلى أنَّ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ، يُرِيدُ: في السَّلامَةِ والظُّهُورِ، وفي اتِّباعِ العَدُوِّ، وحِمايَةِ الحَوْزَةِ، وبِفَضْلٍ في الأجْرِ الَّذِي حازُوهُ، والفَخْرِ الَّذِي تَخَلَّلُوهُ، وأنَّها في غَزْوَةِ أُحُدٍ في الخَرْجَةِ إلى حَمْراءِ الأسَدِ. وشَذَّ مُجاهِدٌ وقالَ: في خُرُوجِ النَّبِيِّ ﷺ إلى بَدْرٍ الصُّغْرى، وذَكَرَ قِصَّةَ نُعَيْمٍ وأبِي سُفْيانَ. قالَ: والصَّوابُ ما قالَهُ الجُمْهُورُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في غَزْوَةِ حَمْراءِ الأسَدِ. انْتَهى كَلامُهُ.

والكَلامُ في هَذِهِ الآيَةِ مَبْنِيٌّ عَلى الخِلافِ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ [آل عمران: ١٧٢] وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عِنْدَ ذِكْرِ تَفْسِيرِها. وفَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَ الِانْقِلابِ والرُّجُوعِ، بِأنَّ الِانْقِلابَ صَيْرُورَةُ الشَّيْءِ إلى خِلافِ ما كانَ عَلَيْهِ. قالَ: ويُوَضِّحُ هَذا أنَّكَ تَقُولُ: انْقَلَبَتِ الخَمْرُ خَلًّا، ولا تَقُولُ: رَجَعَتِ الخَمْرُ خَلًّا. انْتَهى كَلامُهُ، وفي ذَلِكَ نَظَرٌ. وقِيلَ: النِّعْمَةُ الأجْرُ. قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: العافِيَةُ والنَّصْرُ. قالَهُ الزَّجّاجُ. قِيلَ: والفَضْلُ رِبْحُ التِّجارَةِ. قالَهُ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ، والزُّهْرِيُّ. وتَقَدَّمَ حِكايَةُ هَذا القَوْلِ عَنْ مُجاهِدٍ. وقِيلَ: أصابُوا سَرِيَّةً بِالصَّفْراءِ فَرُزِقُوا مِنها. قالَهُ مُقاتِلٌ. وقِيلَ: الثَّوابُ. ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ”﴿لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ﴾“ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ سالِمِينَ. و”بِنِعْمَةٍ“ حالٌ أيْضًا؛ لِأنَّ الباءَ فِيهِ باءُ المُصاحَبَةِ، أيِ انْقَلَبُوا مُتَنَعِّمِينَ سالِمِينَ. والجُمْلَةُ الحالِيَّةُ المَنفِيَّةُ بِلَمِ المُشْتَمِلَةِ عَلى ضَمِيرِ ذِي الحالِ، يَجُوزُ دُخُولُ الواوِ عَلَيْها، وعَدَمُ دُخُولِها. فَمِنَ الأوَّلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ﴾ [الأنعام: ٩٣]، وقَوْلُ الشّاعِرِ:

؎لا تَأْخُذَنِّي بِأقْوالِ الوُشاةِ ولَمْ أُذْنِبْ وإنْ كَثُرَتْ فِيَّ الأقاوِيلُ

ومِنَ الثّانِي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا﴾ [الأحزاب: ٢٥] وقَوْلُ قَيْسِ بْنِ الأسْلَتِ:

؎وأضْرِبُ القَوْنَسَ يَوْمَ الوَغى ∗∗∗ بِالسَّيْفِ لَمْ يَقْصُرْ بِهِ باعِي

ووَهِمَ الأُسْتاذُ أبُو الحَسَنِ بْنُ خَرُوفٍ في ذَلِكَ فَزَعَمَ أنَّها إذا كانَتِ الجُمْلَةُ ماضِيَةً مَعْنًى لا لَفْظًا احْتاجَتْ إلى الواوِ كانَ فِيها ضَمِيرًا، ولَمْ يَكُنْ فِيها. والمُسْتَعْمَلُ في لِسانِ العَرَبِ ما ذَكَرْناهُ.

واتِّباعُهم رِضْوانَ اللَّهِ هو بِخُرُوجِهِمْ إلى العَدُوِّ، وجَراءَتِهِمْ، وطَواعِيَّتِهِمْ لِلرَّسُولِ ﷺ . وخَتَمَها بِقَوْلِهِ: ”﴿واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾“، مُناسِبٌ لِقَوْلِهِ: ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ﴾ تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِالتَّيْسِيرِ والتَّوْفِيقِ في ما فَعَلُوهُ، وفي ذَلِكَ تَحْسِيرٌ لِمَن تَخَلَّفَ عَنِ الخُرُوجِ حَيْثُ حَرَمُوا أنْفُسَهم ما فازَ بِهِ هَؤُلاءِ مِنَ الثَّوابِ في الآخِرَةِ والثَّناءِ الجَمِيلِ في الدُّنْيا. ورُوِيَ أنَّهم قالُوا: هَلْ يَكُونُ هَذا غَزْوًا ؟ فَأعْطاهُمُ اللَّهُ تَعالى ثَوابَ الغَزْوِ، ورَضِيَ عَنْهم. وهَذِهِ عاقِبَةُ تَفْوِيضِ أمْرِهِمْ إلَيْهِ تَعالى، جازاهم بِنِعْمَتِهِ، وفَضْلِهِ، وسَلامَتِهِمْ واتِّباعِهِمْ رِضاهُ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English