Абу Хайян · Тафсир · на арабском
Аль Имран 3:19–20
3:19Страница 52
إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُۗ وَمَا ٱخۡتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡعِلۡمُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۗ وَمَن يَكۡفُرۡ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ١٩
Воистину, религией у Аллаха является ислам. Те, кому было даровано Писание, впали в разногласия только после того, как к ним явилось знание, по причине зависти и несправедливого отношения друг к другу. Если кто не уверовал в знамения Аллаха, то ведь Аллах скор на расчет.
﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ أيِ: المِلَّةُ والشَّرْعُ، والمَعْنى: إنَّ الدِّينَ المَقْبُولَ أوِ النّافِعَ أوِ المُقَرَّرَ. قَرَأ الجُمْهُورُ: إنَّ، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والكِسائِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ عِيسى الأصْبَهانِيُّ: أنَّ، بِالفَتْحِ، وتَقَدَّمَتْ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ: شَهِدَ اللَّهُ إنَّهُ، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، فَأمّا قِراءَةُ الجُمْهُورِ فَعَلى الِاسْتِئْنافِ، وهي مُؤَكِّدَةٌ لِلْجُمْلَةِ الأُولى. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما فائِدَةٌ هَذا التَّوْكِيدِ ؟ قُلْتُ: فائِدَتُهُ أنَّ قَوْلَهُ: لا إلَهَ إلّا هو: تَوْحِيدٌ، وقَوْلَهُ: قائِمًا بِالقِسْطِ، تَعْدِيلٌ، فَإذا أرْدَفَهُ قَوْلُهُ: إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ، فَقَدْ أذِنَ أنَّ الإسْلامَ هو العَدْلُ والتَّوْحِيدُ، وهو الدِّينُ عِنْدَ اللَّهِ، وما عَداهُ فَلَيْسَ عِنْدَهُ بِشَيْءٍ مِنَ الدِّينِ، وفِيهِ أنَّ مَن ذَهَبَ إلى تَشْبِيهٍ، أوْ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ، كَإجازَةِ الرُّؤْيَةِ، أوْ ذَهَبَ إلى الجَبْرِ الَّذِي هو مَحْضُ الجَوْرِ، لَمْ يَكُنْ عَلى دِينٍ لِلَّهِ الَّذِي هو الإسْلامُ، وهَذا بَيِّنٌ جَلِيٌّ كَما تَرى، انْتَهى كَلامُهُ. وهو عَلى طَرِيقَةِ المُعْتَزِلَةِ مِن إنْكارِ الرُّؤْيَةِ، وقَوْلُهم: إنَّ أفْعالَ العَبْدِ مَخْلُوقَةٌ لَهُ لا لِلَّهِ تَعالى. وأمّا قِراءَةُ الكِسائِيِّ ومَن وافَقَهُ في نَصْبِ: أنَّهُ، وأنَّ، فَقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: إنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ مِن بَدَلِ الشَّيْءِ مِنَ (p-٤٠٨)الشَّيْءِ وهو هو، ألا تَرى أنَّ الدِّينَ الَّذِي هو الإسْلامُ يَتَضَمَّنُ التَّوْحِيدَ والعَدْلَ، وهو هو في المَعْنى ؟ وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ مِن بَدَلِ الِاشْتِمالِ، لِأنَّ الإسْلامَ يَشْتَمِلُ عَلى التَّوْحِيدِ والعَدْلِ.
وقالَ: وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ بَدَلًا مِنَ القِسْطِ، لِأنَّ الدِّينَ الَّذِي هو الإسْلامُ قِسْطٌ وعَدْلٌ، فَيَكُونُ أيْضًا مِن بَدَلِ الشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ، وهُما لِعَيْنٍ واحِدَةٍ. انْتَهَتْ تَخْرِيجاتُ أبِي عَلِيٍّ، وهو مُعْتَزِلِيٌّ، فَلِذَلِكَ يَشْتَمِلُ كَلامُهُ عَلى لَفْظِ المُعْتَزِلَةِ مِنَ التَّوْحِيدِ والعَدْلِ، وعَلى البَدَلِ مِن أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو، خَرَّجَهُ غَيْرُهُ أيْضًا ولَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى تَرْكِيبٍ بَعِيدٍ أنْ يَأْتِيَ مِثْلُهُ في كَلامِ العَرَبِ، وهو: عَرَفَ زَيْدٌ أنَّهُ لا شُجاعَ إلّا هو، وبَنُو تَمِيمٍ، وبَنُو دارِمٍ مُلاقِيًا لِلْحُرُوبِ لا شُجاعَ إلّا هو البَطَلُ المُحامِي، إنَّ الخَصْلَةَ الحَمِيدَةَ هي البَسالَةُ. وتَقْرِيبُ هَذا المِثالِ: ضَرَبَ زَيْدٌ عائِشَةَ، والعُمَرانِ حَنَقا أُخْتَكَ. فَحَنَقا: حالٌ مِن زَيْدٍ، وأُخْتَكَ: بَدَلٌ مِن عائِشَةَ، فَفَصَلَ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ بِالعَطْفِ، وهو لا يَجُوزُ. وبِالحالِ لِغَيْرِ المُبْدَلِ مِنهُ، وهو لا يَجُوزُ، لِأنَّهُ فَصْلٌ بِأجْنَبِيٍّ بَيْنَ المُبْدَلِ مِنهُ والبَدَلِ. وخَرَّجَها الطَّبَرِيُّ عَلى حَذْفِ حَرْفِ العَطْفِ، التَّقْدِيرُ: وأنَّ الدِّينَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ، ولَمْ يُبَيِّنْ وجْهَ ضَعْفِهِ، ووَجْهُ ضَعْفِهِ أنَّهُ مُتَنافِرُ التَّرْكِيبِ مَعَ إضْمارِ حَرْفِ العَطْفِ، فَيَفْصِلُ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ (p-٤٠٩)المَرْفُوعَيْنِ بِالمَنصُوبِ المَفْعُولِ، وبَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ المَنصُوبَيْنِ بِالمَرْفُوعِ المُشارِكِ الفاعِلَ في الفاعِلِيَّةِ، وبِجُمْلَتَيِ الِاعْتِراضِ، وصارَ في التَّرْكِيبِ دُونَ مُراعاةِ الفَصْلِ، نَحْوَ: أكَلَ زَيْدٌ خُبْزًا وعَمْرٌو وسَمَكًا. وأصْلُ التَّرْكِيبِ: أكَلَ زَيْدٌ وعَمْرٌو خُبْزًا وسَمَكًا. فَإنْ فَصَلْنا بَيْنَ قَوْلِكَ: وعَمْرٌوَ، وبَيْنَ قَوْلِكَ: وسَمَكًا، يَحْصُلُ شَنَعِ التَّرْكِيبِ، وإضْمارُ حَرْفِ العَطْفِ لا يَجُوزُ عَلى الأصَحِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَتا مَفْتُوحَتَيْنِ عَلى أنَّ الثّانِيَ بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: شَهِدَ اللَّهُ أنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ، والبَدَلُ هو المُبْدَلُ مِنهُ في المَعْنى، فَكانَ بَيانًا صَرِيحًا، لِأنَّ دِينَ الإسْلامِ هو التَّوْحِيدُ والعَدْلُ انْتَهى. وهَذا نَقْلُ كَلامِ أبِي عَلِيٍّ دُونَ اسْتِيفاءٍ. وأمّا قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ فَخُرِّجَ عَلى أنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ؛ هو مَعْمُولُ شَهِدَ، ويَكُونُ في الكَلامِ اعْتِراضانِ: أحَدُهُما بَيْنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ والمَعْطُوفِ وهو ﴿أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] والثّانِي: بَيْنَ المَعْطُوفِ والحالِ، وبَيْنَ المَفْعُولِ لِـ ”شَهِدَ“ وهو ﴿لا إلَهَ إلّا هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨] وإذا أعْرَبْنا: العَزِيزُ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، كانَ ذَلِكَ ثَلاثَ اعْتِراضاتٍ، فانْظُرْ إلى هَذِهِ التَّوْجِيهاتِ البَعِيدَةِ الَّتِي لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى أنْ يَأْتِيَ لَها بِنَظِيرٍ مِن كَلامِ العَرَبِ، وإنَّما حُمِّلَ عَلى ذَلِكَ العُجْمَةُ، وعَدَمُ الإمْعانِ في تَراكِيبِ كَلامِ العَرَبِ، وحِفْظِ أشْعارِها.
وكَما أشَرْنا إلَيْهِ في خُطْبَةِ هَذا الكِتابِ: أنَّهُ لا يَكْفِي النَّحْوُ وحْدَهُ في عِلْمِ الفَصِيحِ مِن كَلامِ العَرَبِ، بَلْ لا بُدَّ مِنَ الِاطِّلاعِ عَلى كَلامِ العَرَبِ، والتَّطَبُّعِ بِطِباعِها، والِاسْتِكْثارِ مِن ذَلِكَ، والَّذِي خَرَجَتْ عَلَيْهِ قِراءَةُ: أنَّ الدِّينَ، بِالفَتْحِ هو أنْ يَكُونَ الكَلامُ في مَوْضِعِ المَعْمُولِ: لِلْحَكِيمِ، عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ: بِأنَّ، لِأنَّ الحَكِيمَ فَعِيلٌ لِلْمُبالَغَةِ: كالعَلِيمِ والسَّمِيعِ والخَبِيرِ، كَما قالَ تَعالى ﴿مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١] وقالَ ﴿مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: ٦] والتَّقْدِيرُ: لا إلَهَ إلّا هو العَزِيزُ الحاكِمُ أنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ. ولَمّا شَهِدَ تَعالى لِنَفْسِهِ بِالوَحْدانِيَّةِ، وشَهِدَ لَهُ بِذَلِكَ المَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ، حُكِمَ أنَّ الدِّينَ المَقْبُولَ عِنْدَ اللَّهِ هو الإسْلامُ، فَلا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَعْدِلَ عَنْهُ، ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ وهو في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] وعَدَلَ عَنْ صِيغَةِ الحاكِمِ إلى الحَكِيمِ لِأجْلِ المُبالَغَةِ، ولِمُناسَبَةِ العَزِيزِ، ومَعْنى المُبالَغَةِ تَكْرارُ حُكْمِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى الشَّرائِعِ إنَّ الدِّينَ عِنْدَهُ هو الإسْلامُ، إذْ حَكَمَ في كُلِّ شَرِيعَةٍ بِذَلِكَ. فَإنْ قُلْتَ: لِمَ حَمَلْتَ الحَكِيمَ عَلى أنَّهُ مُحَوَّلٌ مِن فاعِلٍ إلى فَعِيلٍ لِلْمُبالَغَةِ، وهَلّا جَعَلْتَهُ فَعَيْلًا بِمَعْنى مُفْعِلٍ، فَيَكُونَ مَعْناهُ المُحْكِمَ، كَما قالُوا في ألِيمٍ: إنَّهُ بِمَعْنى مُؤْلِمٍ، وفي سَمِيعٍ مِن قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎أمِن رَيْحانَةِ الدّاعِي السَّمِيعِ
أيِ المُسْمِعِ ؟
فالجَوابُ: إنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ فَعِيلًا يَأْتِي بِمَعْنى مُفْعِلٍ، وقَدْ يُؤَوَّلُ ألِيمٌ وسَمِيعٌ، عَلى غَيْرِ مُفْعِلٍ، ولَئِنْ سَلَّمْنا ذَلِكَ فَهو مِنَ النُّدُورِ (p-٤١٠)والشُّذُوذِ والقِلَّةِ بِحَيْثُ لا يَنْقاسُ، وأمّا فَعِيلٌ المُحَوَّلُ مِن فاعِلٍ لِلْمُبالَغَةِ فَهو مُنْقاسٌ كَثِيرٌ جِدًّا، خارِجٌ عَنِ الحَصْرِ: كَعَلِيمٍ، وسَمِيعٍ، وقَدِيرٍ، وخَبِيرٍ، وحَفِيظٍ، في ألْفاظٍ لا تُحْصى، وأيْضًا فَإنَّ العَرَبِيَّ القُحَّ الباقِيَ عَلى سَلِيقَتِهِ لَمْ يَفْهَمْ مِن حَكِيمٍ إلّا أنَّهُ مُحَوَّلٌ لِلْمُبالَغَةِ مِن حاكِمٍ، ألا تَرى أنَّهُ لَمّا سَمِعَ قارِئًا يَقْرَأُ ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٣٨] واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ أنْكَرَ أنْ تَكُونَ فاصِلَةُ هَذا التَّرْكِيبِ السّابِقِ: واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ فَقِيلَ لَهُ التِّلاوَةُ: ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨] فَقالَ: هَكَذا يَكُونُ عَزَّ فَحَكَمَ، فَفَهِمَ مِن حَكِيمٍ أنَّهُ مُحَوَّلٌ لِلْمُبالَغَةِ مِن حاكِمٍ، وفَهِمَ هَذا العَرَبِيُّ حُجَّةً قاطِعَةً بِما قُلْناهُ، وهَذا تَخْرِيجٌ سَهْلٌ سائِغٌ جِدًّا، يُزِيلُ تِلْكَ التَّكَلُّفاتِ والتَّرْكِيباتِ العُقْدَةِ الَّتِي يُنَزَّهُ كِتابُ اللَّهِ عَنْها. وأمّا عَلى قِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ فَكَذَلِكَ نَقُولُ: ولا نَجْعَلُ أنَّ الدِّينَ مَعْمُولًا: لَـ ”شَهِدَ“، كَما فَهِمُوا، وأنَّ: أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو، اعْتِراضٌ، وأنَّهُ بَيْنَ المَعْطُوفِ والحالِ وبَيْنَ: أنَّ الدِّينَ، اعْتِراضٌ آخَرُ، أوِ اعْتِراضانِ، بَلْ نَقُولُ: مَعْمُولُ شَهِدَ، إنَّهُ بِالكَسْرِ عَلى تَخْرِيجِ مَن خَرَّجَ أنَّ ”شَهِدَ“، لَمّا كانَ بِمَعْنى القَوْلِ كُسِرَ ما بَعْدَها إجْراءً لَها مَجْرى القَوْلِ، أوْ نَقُولُ: إنَّهُ مَعْمُولُها، وعُلِّقَتْ: ولَمْ تَدْخُلِ اللّامُ في الخَبَرِ لِأنَّهُ مَنفِيٌّ بِخِلافٍ أنْ لَوْ كانَ مُثْبَتًا، فَإنَّكَ تَقُولُ: شَهِدْتُ إنَّ زَيْدًا لَمُنْطَلِقٌ، فَيُعَلَّقُ بِإنَّ مَعَ وُجُودِ اللّامِ؛ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ تَكُنِ اللّامُ لَفُتِحَتْ إنَّ فَقُلْتَ: شَهِدْتُ أنَّ زَيْدًا مُنْطَلِقٌ، فَمَن قَرَأ بِفَتْحِ: أنَّهُ، فَإنَّهُ لَمْ يَنْوِ التَّعْلِيقَ، ومَن كَسَرَ فَإنَّهُ نَوى التَّعْلِيقَ. ولَمْ تَدْخُلِ اللّامُ في الخَبَرِ لِأنَّهُ مَنفِيٌّ كَما ذَكَرْنا.
والإسْلامُ هُنا الإيمانُ والطّاعاتُ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، وعَلَيْهِ جُمْهُورُ المُتَكَلِّمِينَ، وعَبَّرَ عَنْهُ قَتادَةُ، ومُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ بِالإيمانِ ومُرادُهُما أنَّهُ مَعَ الأعْمالِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الحَنِيفِيَّةُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ولا يَخْفى عَلى ذِي تَمْيِيزٍ، أنَّ هَذا كَلامٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ عَلى جِهَةِ التَّفْسِيرِ، أدْخَلَهُ بَعْضُ مَن يَنْقُلُ الحَدِيثَ في القِراءاتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في الإسْلامِ والإيمانِ: أهُما شَيْءٌ واحِدٌ أمْ هُما مُخْتَلِفانِ ؟ والفَرْقُ ظاهِرٌ في حَدِيثِ سُؤالِ جِبْرِيلَ.
﴿وما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ أيِ: اليَهُودُ والنَّصارى، أوْ هُما والمَجُوسُ، أقْوالٌ ثَلاثَةٌ: فَعَلى أنَّهُمُ اليَهُودُ، وهو قَوْلُ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ، الَّذِينَ اخْتَلَفُوا في التَّوْراةِ. قالَ: لَمّا حَضَرَتْ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - الوَفاةُ، اسْتَوْدَعَ سَبْعِينَ مِن أحْبارِ بَنِي إسْرائِيلَ التَّوْراةَ عِنْدَ كُلِّ حَبْرٍ جُزْءٌ، واسْتَخْلَفَ يُوشَعُ، فَلَمّا مَضى ثَلاثَةُ قُرُونٍ وقَعَتِ الفُرْقَةُ بَيْنَهم. وقِيلَ: الَّذِينَ اخْتَلَفُوا في نُبُوَّةِ نَبِيِّنا ﷺ فَقالَ بَعْضُهم: بُعِثَ إلى العَرَبِ خاصَّةً، وقالَ بَعْضُهم: لَيْسَ بِالنَّبِيِّ المَبْعُوثِ لِأنَّ ذَلِكَ حُقِّقَ في بَنِي إسْحاقَ. وعَلى أنَّهُمُ النَّصارى، وهو قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، فالَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ: (p-٤١١)دِينُهم، أوْ أمْرُ عِيسى، أوْ دِينُ الإسْلامِ. ثَلاثَةُ أقْوالٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هم أهْلُ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، واخْتَلَفُوا أنَّهم تَرَكُوا الإسْلامَ وهو التَّوْحِيدُ، والعَدْلُ مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ أنَّهُ الحَقُّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ، فَثَلَّثَتِ النَّصارى ﴿وقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] وقالُوا: كُنّا أحَقَّ بِأنْ تَكُونَ النُّبُوَّةُ فِينا مِن قُرَيْشٍ لِأنَّهم أُمِّيُّونَ، ونَحْنُ أهْلُ كِتابٍ، وهَذا تَجْوِيرٌ لِلَّهِ تَعالى انْتَهى. ثُمَّ قالَ: وقِيلَ: اخْتِلافُهم في نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَيْثُ آمَنَ بِهِ بَعْضٌ وكَفَرَ بَعْضٌ، وقِيلَ: اخْتِلافُهم في الإيمانِ بِالأنْبِياءِ فَمِنهم مَن آمَنَ بِمُوسى، ومِنهم مَن آمَنَ بِعِيسى انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ اللَّفْظَ عامٌّ في ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ وأنَّ المُخْتَلَفَ فِيهِ هو الإسْلامُ، لِأنَّهُ تَعالى قَرَّرَ أنَّ الدِّينَ هو الإسْلامُ، ثُمَّ قالَ: ﴿وما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ أيْ: في الإسْلامِ حَتّى تُنَكِّبُوهُ إلى غَيْرِهِ مِنَ الأدْيانِ.
﴿إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ الَّذِي هو سَبَبٌ لِاتِّباعِ الإسْلامِ، والِاتِّفاقِ عَلى اعْتِقادِهِ، والعَمَلِ بِهِ، لَكِنْ عَمُوا عَنْ طَرِيقِ العِلْمِ وسُلُوكِهِ بِالبَغْيِ الواقِعِ بَيْنَهم مِنَ الحَسَدِ، والِاسْتِئْثارِ بِالرِّياسَةِ، وذَهابِ كُلٍّ مِنهم مَذْهَبًا يُخالِفُ الإسْلامَ حَتّى يَصِيرَ رَأْسًا يُتْبَعُ فِيهِ؛ فَكانُوا مِمَّنْ ضَلَّ عَلى عِلْمٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ ما يُشْبِهُ هَذا مِن قَوْلِهِ ﴿وما اخْتَلَفَ فِيهِ إلّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ﴾ [البقرة: ٢١٣] .
﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ وإعْرابُ: بَغْيًا، فَإنَّهُ أتى بَعْدَ إلّا شَيْئانِ ظاهِرَهُما أنَّهُما مُسْتَثْنَيانِ، وتَخْرِيجُ ذَلِكَ: فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا.
﴿ومَن يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ هَذا عامٌّ في كُلِّ كافِرٍ بِآياتِ اللَّهِ، فَلا يُخَصُّ بِالمُخْتَلِفِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ، وإنْ جاءَتِ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ بَعْدَ ذِكْرِهِمْ. وآياتُهُ هُنا قِيلَ: حُجَجُهُ، وقِيلَ: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ وما فِيهِما مِن وصْفِ نَبِيِّنا ﷺ . وقِيلَ: القُرْآنُ، وقالَ الماتُرِيدِيُّ: أيْ: مِنَ المُخْتَلِفِينَ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ: سَرِيعُ الحِسابِ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ جَوابُ الشَّرْطِ والعائِدِ مِنها عَلى اسْمِ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: سَرِيعُ الحِسابِ لَهُ.
3:20Страница 52
فَإِنۡ حَآجُّوكَ فَقُلۡ أَسۡلَمۡتُ وَجۡهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِۗ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡأُمِّيِّـۧنَ ءَأَسۡلَمۡتُمۡۚ فَإِنۡ أَسۡلَمُواْ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْۖ وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ ٢٠
Если они станут препираться с тобой, то скажи: «Я подчинил свой лик Аллаху вместе с теми, кто последовал за мной». Скажи тем, кому даровано Писание, а также необразованным людям: «Обратились ли вы в ислам?». Если они обратятся в ислам, то последуют прямым путем. Если же они отвернутся, то ведь на тебя возложена только передача откровения. Аллах видит рабов.
﴿فَإنْ حاجُّوكَ فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ الضَّمِيرُ في: حاجُّوكَ، الظّاهِرُ أنَّهُ يَعُودُ عَلى ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [آل عمران: ١٩] وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: يَعُودُ عَلى جَمِيعِ النّاسِ، لِقَوْلِهِ بَعْدَ ﴿وقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والأُمِّيِّينَ﴾ وقِيلَ: يَعُودُ عَلى نَصارى نَجْرانَ، قَدِمُوا المَدِينَةَ لِلْمُحاجَّةِ. وظاهِرُ المِحاجِّ فِيهِ أنَّهُ دِينُ الإسْلامِ؛ لِأنَّهُ السّابِقُ. وجَوابُ الشَّرْطِ هو: ﴿فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ والمَعْنى: انْقَدْتُ وأطَعْتُ وخَضَعْتُ لِلَّهِ وحْدَهُ، وعَبَّرَ بِالوَجْهِ عَنْ جَمِيعِ ذاتِهِ، لِأنَّ الوَجْهَ أشْرَفُ الأعْضاءِ، وإذا خَضَعَ الوَجْهُ فَما سِواهُ أخْضَعُ وقالَ المَرْوَزِيُّ، وسَبَقَهُ الفَرّاءُ إلى مَعْناهُ: مَعْنى أسْلَمْتُ وجْهِيَ، أيْ: دِينِيَ؛ لِأنَّ الإيمانَ كالوَجْهِ بَيْنَ الأعْمالِ إذْ هو الأصْلُ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أقْوالٌ: أقُولُ لَكم، كَما قالَ ابْنُ نُعَيْمٍ: وقَدْ أجْمَعْتُمْ عَلى أنَّهُ مُحِقٌّ ﴿قالَ يا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٧٨] ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٩] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأسْلَمْتُ وجْهِيَ، أيْ: أخْلَصْتُ نَفْسِيَ وعَمَلِيَ لِلَّهِ وحْدَهُ، لَمْ أجْعَلْ لَهُ شَرِيكًا بِأنْ أعْبُدَهُ وأدْعُوَ إلَهًا مَعَهُ، يَعْنِي أنَّ دِينِي التَّوْحِيدُ، وهو الدِّينُ القَدِيمُ الَّذِي ثَبَتَ عِنْدَكم صِحَّتُهُ، كَما ثَبَتَ عِنْدِي. وما جِئْتُ بِشَيْءٍ بَدِيعٍ حَتّى تُجادِلُونِي فِيهِ، ونَحْوِهِ ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ﴾ [آل عمران: ٦٤] الآيَةَ، فَهو دَفْعٌ لِلْمُجادَلَةِ انْتَهى.
وفِي تَفْسِيرِهِ أطْلَقَ الوَجْهَ عَلى النَّفْسِ والعَمَلِ مَعًا، إلّا إنْ كانَ أرادَ تَفْسِيرَ المَعْنى لا تَفْسِيرَ اللَّفْظِ، فَيَسُوغُ لَهُ ذَلِكَ. وقالَ الرّازِيُّ: في كَيْفِيَّةِ إيرادِ هَذا الكَلامِ طَرِيقانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ إعْراضٌ عَنِ المُحاجَّةِ، إذْ قَدْ أظْهَرَ لَهُمُ الحُجَّةَ عَلى صِدْقِهِ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَدَنِيَّةٌ، وذَلِكَ بِإظْهارِ بِالمُعْجِزاتِ بِالقُرْآنِ وغَيْرِهِ، وقَدْ ذَكَرَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ الحُجَّةَ بِقَوْلِهِ: ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢] عَلى فَسادِ قَوْلِ النَّصارى في إلَهِيَّةِ عِيسى، وبِقَوْلِهِ: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ [آل عمران: ٣] عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، وذَكَرَ شُبَهَ القَوْمِ وأجابَ عَنْها، وذَكَرَ مُعْجِزاتٍ أُخْرى، وهي ما شاهَدُوهُ يَوْمَ بَدْرٍ، وبَيْنَ القَوْلِ بِالتَّوْحِيدِ بِقَوْلِهِ: شَهِدَ اللَّهُ. والطَّرِيقُ الثّانِي: أنَّهُ إظْهارٌ لِلدَّلِيلِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا مُقِرِّينَ بِالصّانِعِ واسْتِحْقاقِهِ لِلْعِبادَةِ (p-٤١٢)فَكَأنَّهُ قالَ: أنا مُتَمَسِّكٌ بِهَذا القَدْرِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ، والخُلْفُ فِيما وراءَهُ، وعَلى المُدَّعِي الإثْباتُ. وأيْضًا كانُوا مُعَظِّمِينَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنَّهُ كانَ مُحِقًّا، وقَدْ أُمِرَ أنْ يَتْبَعَ مِلَّتَهُ، وهُنا أُمِرَ أنْ يَقُولَ كَقَوْلِهِ، فَيَكُونُ هَذا مِن بابِ الإلْزامِ، أيْ: أنا مُتَمَسِّكٌ بِطَرِيقِ مَن هو عِنْدَكم مُحِقٌّ، وهَذا قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ، وأيْضًا لِما تَقَدَّمَ أنَّ الدِّينَ هو الإسْلامُ، قِيلَ لَهُ: إنْ نازَعُوكَ فَقُلِ: الدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنِّي أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ، فَهَذا تَمامُ الوَفاءِ بِلُزُومِ الرُّبُوبِيَّةِ والعُبُودِيَّةِ، فَصَحَّ أنَّ الدِّينَ الكامِلَ الإسْلامُ، وأيْضًا فالآيَةُ مُناسِبَةٌ لِقَوْلِإبْراهِيمَ ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ﴾ [مريم: ٤٢] أيْ: لا تَجُوزُ العِبادَةُ إلّا لِمَن يَكُونُ نافِعًا وضارًّا وقادِرًا عَلى جَمِيعِ الأشْياءِ، وعِيسى لَيْسَ كَذَلِكَ، وأيْضًا فَهَذِهِ إشارَةٌ إلى طَرِيقَةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ انْتَهى ما لُخِّصَ مِن كَلامِ الرّازِيِّ. ولَيْسَ أواخِرُ كَلامِهِ بِظاهِرَةٍ مِن مُرادِ الآيَةِ ومَدْلُولِها. وفَتَحَ الياءَ مِن ”وجْهِيَ“ هُنا، وفي الأنْعامِ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ، وسَكَّنَها الباقُونَ.
﴿ومَنِ اتَّبَعَنِ﴾ قِيلَ: مَن، في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وقِيلَ: في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ، وقِيلَ: في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى اسْمِ اللَّهِ. ومَعْناهُ: جَعَلْتُ مَقْصِدِي بِالإيمانِ بِهِ، والطّاعَةِ لَهُ، ولِمَنِ اتَّبَعَنِي بِالحِفْظِ لَهُ، والتَّحَفِّي بِتَعَلُّمِهِ وصِحَّتِهِ. فَأمّا الرَّفْعُ فَعَطْفًا عَلى الفاعِلِ في أسْلَمْتُ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وبَدَأ بِهِ قالَ: وحَسَنٌ لِلْفاصِلِ، يَعْنِي أنَّهُ عَطْفٌ عَلى الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ، ولا يَجُوزُ العَطْفُ عَلى الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ المَرْفُوعِ إلّا في الشِّعْرِ عَلى رَأْيِ البَصْرِيِّينَ. إلّا أنَّهُ فَصَلَ بَيْنَ الضَّمِيرِ والمَعْطُوفِ، فَيَحْسُنُ. وقالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْضًا، وبَدَأ بِهِ. ولا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى ظاهِرِهِ؛ لِأنَّهُ إذا عُطِفَ عَلى الضَّمِيرِ في نَحْوِ: أكَلْتُ رَغِيفًا وزَيْدٌ، لَزِمَ مِن ذَلِكَ أنْ يَكُونا شَرِيكَيْنِ في أكْلِ الرَّغِيفِ، وهُنا لا يُسَوَّغُ ذَلِكَ، لِأنَّ المَعْنى لَيْسَ عَلى أنَّهم أسْلَمُوا هم وهو ﷺ وجْهَهُ لِلَّهِ، وإنَّما المَعْنى: أنَّهُ ﷺ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ، وهم أسْلَمُوا وُجُوهَهم لِلَّهِ، فالَّذِي يَقْوى في الإعْرابِ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ضَمِيرٍ مَحْذُوفٍ مِنهُ المَفْعُولُ، لا مُشارِكَ في مَفْعُولِ: أسْلَمْتُ، التَّقْدِيرُ: ومَنِ اتَّبَعْنِي وجْهَهُ. أوْ أنَّهُ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، ومَنِ اتَّبَعَنِي كَذَلِكَ، أيْ: أسْلَمُوا وُجُوهَهم لِلَّهِ، كَما تَقُولُ: قَضى زَيْدٌ نَحْبَهُ وعَمْرٌو، أيْ: وعَمْرٌو كَذَلِكَ. أيْ: قَضى نَحْبَهُ. ومِنَ الجِهَةِ الَّتِي امْتَنَعَ عَطْفُ ”ومَن“، عَلى الضَّمِيرِ، إذا حَمَلَ الكَلامَ عَلى ظاهِرِهِ دُونَ تَأْوِيلٍ يَمْتَنِعُ كَوْنُ مَن، مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ، لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: أكَلْتُ رَغِيفًا وعَمْرًا، أيْ: مَعَ عَمْرٍو، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ مُشارِكٌ لَكَ في أكْلِ الرَّغِيفِ، وقَدْ أجازَ هَذا الوَجْهَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهو لا يَجُوزُ لِما ذَكَرْنا عَلى كُلِّ حالٍ، لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ تَأْوِيلُ حَذْفِ المَفْعُولِ مَعَ كَوْنِ الواوِ واوَ المَعِيَّةِ. وأثْبَتَ ياءَ اتَّبَعَنِي في الوَصْلِ أبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وحَذْفَها الباقُونَ، وحَذْفُها أحْسَنُ لِمُوافَقَةِ خَطِّ المُصْحَفِ، ولِأنَّها رَأْسُ آيَةٍ كَقَوْلِهِ: أكْرَمَنِ وأهانَنِ، فَتُشْبِهُ قَوافِيَ الشَّعْرِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎وهَلْ يَمْنَعَنِّي ارْتِيادُ البِلا دِ مِن حَذَرِ المَوْتِ أنْ يَأْتِيَنِ
(p-٤١٣)﴿وقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ هُمُ: اليَهُودُ والنَّصارى بِاتِّفاقٍ ﴿والأُمِّيِّينَ﴾ هم مُشْرِكُو العَرَبِ، ودَخَلَ في ذَلِكَ كُلُّ مَن لا كِتابَ لَهُ.
﴿أأسْلَمْتُمْ﴾ تَقْدِيرٌ في ضِمْنِهِ الأمْرُ. وقالَ الزَّجّاجُ: تَهْديِدٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا أحْسَنُ، لِأنَّ المَعْنى: أأسْلَمْتُمْ لَهُ أمْ لا ؟ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنَّهُ قَدْ أتاكم مِنَ البَيِّناتِ ما يُوجِبُ الإسْلامَ، ويَقْتَضِي حُصُولَهُ لا مَحالَةَ، فَهَلْ أسْلَمْتُمْ أمْ أنْتُمْ عَلى كُفْرِكم ؟ وهَذا كَقَوْلِكم لِمَن لَخَّصْتَ لَهُ المَسْألَةَ، ولَمْ تُبْقِ مِن طُرُقِ البَيانِ والكَشْفِ طَرِيقًا إلّا سَلَكْتَهُ، هَلْ فَهِمْتَها لا أُمَّ لَكَ ؟ ومِنهُ قَوْلُهُ - عَزَّ وعَلا: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] بَعْدَما ذَكَرَ الصَّوارِفَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ، وفي هَذا الِاسْتِفْهامِ اسْتِقْصارٌ وتَغْيِيرٌ بِالمُعانَدَةِ وقِلَّةِ الإنْصافِ؛ لِأنَّ المُنْصِفَ إذا تَجَلَّتْ لَهُ الحُجَّةُ، ولَمْ يَتَوَقَّفْ إذْعانُهُ لِلْحَقِّ، ولِلْمُعانِدِ بَعْدَ تَجَلِّي الحُجَّةِ، ما يَضْرِبُ أسَدادًا بَيْنَهُ وبَيْنَ الإذْعانِ، وكَذَلِكَ في: هَلْ فَهِمْتَها ؟ تَوْبِيخٌ بِالبَلادَةِ وكَلَّةِ القَرِيحَةِ، وفي ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] بِالتَّقاعُدِ عَنِ الِانْتِهاءِ، والحِرْصِ الشَّدِيدِ عَلى تَعاطِي المَنهِيِّ عَنْهُ انْتَهى كَلامُهُ. وهو حَسَنٌ، وأكْثَرُهُ مِن بابِ الخَطابَةِ.
﴿فَإنْ أسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ أيْ: إنْ دَخَلُوا في الإسْلامِ فَقَدْ حَصَلَتْ لَهُمُ الهِدايَةُ، وعَبَّرَ بِصِيغَةِ الماضِي المَصْحُوبِ بِـ ”قَدْ“ الدّالَّةِ عَلى التَّحْقِيقِ مُبالَغَةً في الإخْبارِ بِوُقُوعِ الهُدى، ومِنَ الظُّلْمَةِ إلى النُّورِ انْتَهى.
﴿وإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ﴾ أيْ: هم لا يَضُرُّونَكَ بِتَوَلِّيهِمْ، وما عَلَيْكَ أنْتَ إلّا تَنْبِيهُهم بِما تُبَلِّغُهُ إلَيْهِمْ مِن طَلَبِ إسْلامِهِمْ، وانْتِظامِهِمْ في عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ، وقِيلَ: إنَّها آيَةُ مُوادَعَةٍ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، وتَحْتاجُ إلى مَعْرِفَةِ تارِيخِ النُّزُولِ، وإذا نَظَرْتَ إلى سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ، وهو وُفُودُ وفْدِ نَجْرانَ، فَيَكُونُ المَعْنى: فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ بِقِتالٍ وغَيْرِهِ.
﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ . فِيهِ: وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ شَدِيدٌ لِمَن تَوَلّى عَنِ الإسْلامِ، ووَعْدٌ بِالخَيْرِ لِمَن أسْلَمَ؛ إذْ مَعْناهُ: إنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ عَلى أحْوالِ عَبِيدِهِ فَيُجازِيهِمْ بِما تَقْتَضِي حِكْمَتُهُ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии