Абу Хайян · Тафсир · на арабском
Аль Имран 3:186–191
3:186–189Страница 74
۞ لَتُبۡلَوُنَّ فِيٓ أَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ وَلَتَسۡمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ أَذٗى كَثِيرٗاۚ وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ ١٨٦
Вы непременно будете испытаны своим имуществом и самими собой, и вы непременно услышите от тех, кому было даровано Писание до вас, и от многобожников много неприятных слов. Но если вы будете терпеливы и богобоязненны, то ведь в этих делах надлежит проявлять решимость.
وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكۡتُمُونَهُۥ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمۡ وَٱشۡتَرَوۡاْ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلٗاۖ فَبِئۡسَ مَا يَشۡتَرُونَ ١٨٧
Вот Аллах взял завет с тех, кому было даровано Писание: «Вы обязательно будете разъяснять его людям и не будете скрывать его». Но они бросили его за спины и продали его за ничтожную цену. Как же скверно то, что они приобретают!
لَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡرَحُونَ بِمَآ أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحۡمَدُواْ بِمَا لَمۡ يَفۡعَلُواْ فَلَا تَحۡسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٖ مِّنَ ٱلۡعَذَابِۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٨٨
Не думай же, что те, которые радуются своим поступкам и любят, чтобы их хвалили за то, чего они не совершали, спасутся от мучений. Им уготованы мучительные страдания.
وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ١٨٩
Аллаху принадлежит власть над небесами и землей, и Аллах способен на всякую вещь.
﴿لَتُبْلَوُنَّ في أمْوالِكم وأنْفُسِكم ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ واشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ﴾ ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهم بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الألْبابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١] ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ [آل عمران: ١٩٢] ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإيمانِ أنْ آمِنُوا بِرَبِّكم فَآمَنّا رَبَّنا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا وتَوَفَّنا مَعَ الأبْرارِ﴾ [آل عمران: ١٩٣] ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ [آل عمران: ١٩٤] ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهم أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكم مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى بَعْضُكم مِن بَعْضٍ فالَّذِينَ هاجَرُوا وأُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأُوذُوا في سَبِيلِي وقاتَلُوا وقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ولَأُدْخِلَنَّهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ثَوابًا مِن عِنْدِ اللَّهِ واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ﴾ [آل عمران: ١٩٥] ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ [آل عمران: ١٩٦] ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ﴾ [آل عمران: ١٩٧] ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأبْرارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨] ﴿وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْكم وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [آل عمران: ١٩٩] ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصابِرُوا ورابِطُوا واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠] .
الجُنُوبُ: جَمْعُ جَنْبٍ وهو مَعْرُوفٌ. المُرابَطَةُ: المُلازَمَةُ في الثَّغْرِ لِلْجِهادِ، وأصْلُها مِن رَبْطِ الخَيْلِ.
﴿لَتُبْلَوُنَّ في أمْوالِكم وأنْفُسِكم ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا﴾: قِيلَ: نَزَلَتْ في قِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ حِينَ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقَدْ قَرَأ عَلَيْهِمُ الرَّسُولُ القُرْآنَ: إنْ كانَ حَقًّا فَلا تُؤْذِنا بِهِ في مَجالِسِنا. ورَدَّ عَلَيْهِ ابْنُ رَواحَةَ فَقالَ: أغْشِنا بِهِ في مَجالِسِنا يا رَسُولَ اللَّهِ. وتَسابَّ المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ واليَهُودُ. وقِيلَ: فِيما جَرى بَيْنَ أبِي بَكْرٍ وفِنْحاصٍ. وقِيلَ: في كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ كانَ يُحَرِّضُ المُشْرِكِينَ عَلى الرَّسُولِ وأصْحابِهِ في شِعْرِهِ، وأعْلَمَهم تَعالى بِهَذا الِابْتِلاءِ والسَّماعِ لِيَكُونُوا أحْمَلَ لِما يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِن ذَلِكَ، إذا سَبَقَ الإخْبارُ بِهِ بِخِلافِ مَن يَأْتِيهِ الأمْرُ فَجْأةً فَإنَّهُ يَكْثُرُ تَألُّمُهُ. والآيَةُ مَسُوقَةٌ في ذَمِّ أهْلِ الكِتابِ وغَيْرِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَناسَبَتْ ما قَبْلَها مِنَ الآياتِ الَّتِي جاءَتْ في ذَمِّ أهْلِ الكِتابِ وغَيْرِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ.
والظّاهِرُ في قَوْلِهِ: ”لَتُبْلَوْنَ“ أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ. وقالَ عَطاءٌ: المُهاجِرُونَ، أخَذَ المُشْرِكُونَ رِباعَهَمْ فَباعُوها، وأمْوالَهم فَنَهَبُوها. وقِيلَ: الِابْتِلاءُ في الأمْوالِ هو ما أُصِيبُوا بِهِ مِن نَهْبِ أمْوالِهِمْ وعَدَدِهِمْ يَوْمَ أُحُدٍ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِما سَيَقَعُ مِنَ الِامْتِحانِ في الأمْوالِ بِما يَقَعُ فِيها مِنَ المَصائِبِ والذَّهابِ والإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ وفي تَكالِيفِ الشَّرْعِ، والِابْتِلاءِ في النَّفْسِ بِالشَّهَواتِ أوِ الفُرُوضِ البَدَنِيَّةِ أوِ الأمْراضِ، أوْ فَقْدِ الأقارِبِ والعَشائِرِ، أوْ بِالقَتْلِ والجِراحاتِ والأسْرِ، وأنْواعِ المَخاوِفِ، أقْوالٌ. وقَدَّمَ الأمْوالَ عَلى الأنْفُسِ عَلى سَبِيلِ التَّرَقِّي إلى الأشْرَفِ، أوْ عَلى سَبِيلِ الكَثْرَةِ؛ لِأنَّ الرَّزايا في الأمْوالِ أكْثَرُ مِنَ الرَّزايا في الأنْفُسِ. والأذى: اسْمٌ جامِعٌ (p-١٣٦)فِي مَعْنى الضَّرَرِ، ويَشْمَلُ أقْوالَهم في الرَّسُولِ وأصْحابِهِ، وفي اللَّهِ تَعالى وأنْبِيائِهِ، والمَطاعِنِ في الدِّينِ، وتَخْطِئَةِ مَن آمَنَ، وهِجاءِ كَعْبٍ وتَشْبِيبِهِ بِنِساءِ المُؤْمِنِينَ.
﴿وإنْ تَصْبِرُوا﴾: عَلى ذَلِكَ الِابْتِلاءِ وذَلِكَ السَّماعِ.
﴿وتَتَّقُوا فَإنَّ ذَلِكَ﴾: أيْ فَإنَّ الصَّبْرَ والتَّقْوى.
﴿مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾: قِيلَ: مِن أشَدِّها وأحْسَنِها. والعَزْمُ: إمْضاءُ الأمْرِ المُرَوّى المُنَقَّحِ. وقالَ النَّقّاشُ: العَزْمُ هو الحَزْمُ بِمَعْنًى واحِدٍ، الحاءُ مُبْدَلَةٌ مِنَ العَيْنِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا خَطَأٌ. الحَزْمُ جَوْدَةُ النَّظَرِ في الأمْرِ، ونَتِيجَتُهُ الحَذَرُ مِنَ الخَطَأِ فِيهِ. والعَزْمُ قَصْدُ الإمْضاءِ، واللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿وشاوِرْهم في الأمْرِ فَإذا عَزَمْتَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] فالمُشاوَرَةُ وما كانَ في مَعْناها هو الحَزْمُ. والعَرَبُ تَقُولُ: قَدْ أحْزِمُ لَوْ أعْزِمُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ”مِن عَزْمِ الأُمُورِ“ مِن مَعْزُوماتِ الأُمُورِ، أيْ: مِمّا يَجِبُ عَلَيْهِ العَزْمُ مِنَ الأُمُورِ، أوْ مِمّا عَزَمَ اللَّهُ أنْ يَكُونَ، يَعْنِي: أنَّ ذَلِكَ عَزْمَةٌ مِن عَزَماتِ اللَّهِ لا بُدَّ لَكم أنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا. وقِيلَ: ”﴿مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾“ مِن جَدِّها. وقالَ مُجاهِدٌ في قَوْلِهِ: فَإذا عَزَمَ الأمْرُ، أيْ فَإذا وُجِدَ الأمْرُ.
﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ﴾: هُمُ اليَهُودُ أُخِذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقُ في أمْرِ الرَّسُولِ ﷺ فَكَتَمُوهُ ونَبَذُوهُ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ. وقالَ قَوْمٌ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى. وقالَ الجُمْهُورُ: هي عامَّةٌ في كُلِّ مَن عَلَّمَهُ اللَّهُ عِلْمًا، وعُلَماءُ هَذا الأُمَّةِ داخِلُونَ في هَذا المِيثاقِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو بَكْرٍ: بِالياءِ فِيهِما عَلى الغَيْبَةِ، إذْ قَبْلَهُ ”الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ“ وبَعْدَهُ ”فَنَبَذُوهُ“ . وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالتّاءِ لِلْخِطابِ، وهي كَقَوْلِهِ: ﴿لا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٨٣] قُرِئَ بِالتّاءِ والياءِ، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلى الكِتابِ. وقِيلَ: هو لِلنَّبِيِّ ﷺ . وقِيلَ: لِلْمِيثاقِ. وقِيلَ: لِلْإيمانِ بِالرَّسُولِ لِقَوْلِهِ:
﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١] وارْتِفاعُ ولا تَكْتُمُونَهُ لِكَوْنِهِ وقَعَ حالًا، أيْ: غَيْرَ كاتِمِينَ لَهُ، ولَيْسَ داخِلًا في المُقْسَمِ عَلَيْهِ. قالُوا ولِلْحالِ لا العَطْفِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فاسْتَقِيما ولا تَتَّبِعانِّ﴾ [يونس: ٨٩] وقَوْلِهِ: ”ولا يَسْألُ“ في قِراءَةِ مَن خَفَّفَ النُّونَ ورَفَعَ اللّامَ. وقِيلَ: الواوُ لِلْعَطْفِ، وهو مِن جُمْلَةِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ. ولَمّا كانَ مَنفِيًّا بِلا لَمْ يُؤَكَّدْ، تَقُولُ: واللَّهِ لا يَقُومُ زَيْدٌ، فَلا تَدْخُلُهُ النُّونُ. وهَذا الوَجْهُ عِنْدِي أعْرَبُ وأفْصَحُ؛ لِأنَّ الأوَّلَ يَحْتاجُ إلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ قَبْلَ لا؛ حَتّى تَكُونَ الجُمْلَةُ اسْمِيَّةً في مَوْضِعِ الحالِ، إذِ المُضارِعُ المَنفِيُّ بِلا لا تَدْخُلُ عَلَيْهِ واوُ الحالِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: ”لَيُبَيِّنُونَهُ“ بِغَيْرِ نُونِ التَّوْكِيدِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَدْ لا تَلْزَمُ هَذِهِ النُّونَ لامُ التَّوْكِيدِ، قالَهُ سِيبَوَيْهِ. انْتَهى. وهَذا لَيْسَ مَعْرُوفًا مِن قَوْلِ البَصْرِيِّينَ، بَلْ تَعاقُبُ اللّامِ والنُّونِ عِنْدَهم ضَرُورَةٌ. والكُوفِيُّونَ يُجِيزُونَ ذَلِكَ في سِعَةِ الكَلامِ، فَيُجِيزُونَ: واللَّهِ لَأقُومُ، وواللَّهِ أقُومَنَّ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎وعَيْشُكِ يا سَلْمى لَأُوقِنُ إنَّنِي لِما شِئْتِ مُسْتَحْلٍ ولَوْ أنَّهُ القَتْلُ
وقالَ آخَرُ:
؎يَمِينًا لَأُبْغِضُ كُلَّ امْرِئٍ ∗∗∗ يُزَخْرِفُ قَوْلًا ولا يَفْعَلُ
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: ”مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لِتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ“، فَيَعُودُ الضَّمِيرُ في فَنَبَذُوهُ عَلى النّاسِ؛ إذْ يَسْتَحِيلُ عَوْدُهُ عَلى النَّبِيِّينَ، أيْ: فَنَبَذَهُ النّاسُ المُبَيَّنُ لَهُمُ المِيثاقُ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مَعْنى: ﴿فَنَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠١] .
﴿واشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ﴾: وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ والكَلامُ في إعْرابِ ما بَعْدَ بِئْسَ فَأغْنى عَنِ الإعادَةِ.
﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهم بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، كانُوا يَتَخَلَّفُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الغَزْوِ، فَإذا جاءَ اسْتَعْذَرُوا لَهُ، فَيُظْهِرُ القَبُولَ ويَسْتَغْفِرُ لَهم، فَفَضَحَهُمُ اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ. قالَهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ وابْنُ زَيْدٍ وجَماعَةٌ. وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: نَزَلَتْ في أحْبارِ اليَهُودِ. وأتى تَكُونُ بِمَعْنى فَعَلَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: (p-١٣٧)﴿إنَّهُ كانَ وعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ [مريم: ٦١] أيْ مَفْعُولًا. فَمَعْنى بِما أتَوْا: بِما فَعَلُوا، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ: بِما فَعَلُوا. وفي الَّذِي فَعَلُوهُ وفَرِحُوا بِهِ - أقْوالٌ. أحَدُها: كَتْمُ ما سَألَهم عَنْهُ الرَّسُولُ، وإخْبارُهم بِغَيْرِهِ، وأرَوْهُ أنَّهم قَدْ أخْبَرُوهُ بِهِ واسْتَحْمَدُوا بِذَلِكَ إلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. الثّانِي: ما أصابُوا مِنَ الدُّنْيا وأحَبُّوا أنْ يُقالَ: إنَّهم عُلَماءُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا. الثّالِثُ: قَوْلُهم: نَحْنُ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ، وكَتْمُهم أمْرَ الرَّسُولِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ. الرّابِعُ: كُتُبُهم إلى اليَهُودِ يَهُودِ الأرْضِ كُلِّها أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَيْسَ بِنَبِيٍّ، فاثْبُتُوا عَلى دِينِكم، فاجْتَمَعَتْ كَلِمَتُهم عَلى الكُفْرِ بِهِ. وقالُوا: نَحْنُ أهْلُ الصَّوْمِ والصَّلاةِ وأوْلِياءُ اللَّهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ. الخامِسُ: قَوْلُ يَهُودِ خَيْبَرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ: نَحْنُ عَلى دِينِكم، ونَحْنُ لَكم رِدْءٌ، وهم مُسْتَمْسِكُونَ بِضَلالِهِمْ، وأرادُوا أنْ يَحْمَدَهم بِما لَمْ يَفْعَلُوا، قالَهُ السُّدِّيُّ. السّادِسُ: تَجْهِيزُ اليَهُودِ جَيْشًا إلى النَّبِيِّ ﷺ وإنْفاقُهم عَلى ذَلِكَ الجَيْشِ، قالَهُ النَّخَعِيُّ. السّابِعُ: إخْبارُ جَماعَةٍ مِنَ اليَهُودِ لِلْمُسْلِمِينَ حِينَ خَرَجُوا مِن عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ قَدْ أخْبَرَهم بِأشْياءَ عَرَفُوها، فَحَمِدَهُمُ المُسْلِمُونَ عَلى ذَلِكَ، وأبْطَنُوا خِلافَ ما أظْهَرُوا، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ. الثّامِنُ: اتِّباعُ النّاسِ لَهم في تَبْدِيلِ تَأْوِيلِ التَّوْراةِ، وأحَبُّوا حَمْدَهم إيّاهم عَلى ذَلِكَ، ولَمْ يَفْعَلُوا شَيْئًا نافِعًا ولا صَحِيحًا، قالَهُ مُجاهِدٌ. التّاسِعُ: تَخَلُّفُ المُنافِقِينَ عَنِ الغَزْوِ وحَلِفُهم لِلْمُسْلِمِينَ أنَّهم يُسَرُّونَ بِنَصْرِهِمْ، وكانُوا يُحِبُّونَ أنْ يُقالَ إنَّهم في حُكْمِ المُجاهِدِينَ، قالَهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ.
والأقْوالُ السّابِقَةُ غَيْرُ هَذا الأخِيرِ مَبْنِيَّةٌ عَلى أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في اليَهُودِ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ شامِلًا لِكُلِّ مَن يَأْتِي بِحَسَنَةٍ فَرِحَ بِها فَرَحَ إعْجابٍ، ويُحِبُّ أنْ يَحْمَدَهُ النّاسُ ويُثْنُوا عَلَيْهِ بِالدِّيانَةِ والزُّهْدِ، وبِما لَيْسَ فِيهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: لا يَحْسَبُنَّ ولا يَحْسَبُنَّهم بِالياءِ فِيهِما، ورَفْعِ باءِ يَحْسَبَنَّهم عَلى إسْنادِ يَحْسَبَنَّ لِلَّذِينَ، وخُرِّجَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما ما قالَهُ أبُو عَلِيٍّ: وهو أنَّ لا يَحْسَبُنَّ لَمْ يَقَعْ عَلى شَيْءٍ، والَّذِينَ رُفِعَ بِهِ. وقَدْ تَجِيءُ هَذِهِ الأفْعالُ لَغْوًا لا في حُكْمِ الجُمَلِ المُفِيدَةِ نَحْوَ قَوْلِهِ:
؎وما خِلْتُ أبْقى بَيْنَنا مِن مَوَدَّةٍ ∗∗∗ عِراضُ المَذاكِي المُشْنِقاتِ القَلائِصا
وقالَ الخَلِيلُ: العَرَبُ تَقُولُ: ما رَأيْتُهُ يَقُولُ ذَلِكَ إلّا زِيدٌ، وما ظَنَنْتُهُ يَقُولُ ذَلِكَ إلّا زِيدٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَتَتَّجِهُ القِراءَةُ بِكَوْنِ فَلا يَحْسَبَنَّهم بَدَلًا مِنَ الأوَّلِ، وقَدْ تَعَدّى إلى المَفْعُولَيْنِ، وهُما: الضَّمِيرُ وبِمَفازَةٍ، واسْتَغْنى بِذَلِكَ عَنِ المَفْعُولَيْنِ، كَما اسْتَغْنى في قَوْلِهِ:
؎بِأيِّ كِتابٍ أمْ بِأيَّةِ سُنَّةٍ ∗∗∗ تَرى حُبَّهم عارًا عَلَيَّ وتَحَسَبُ
أيْ: وتَحْسَبُ حُبَّهم عارًا عَلَيَّ. والوَجْهُ الثّانِي: ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهو أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفًا عَلى لا يَحْسَبَنَّهُمُ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَفازَةٍ، بِمَعْنى: لا يَحْسَبَنَّ أنْفُسَهُمُ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ فائِزِينَ. وفَلا يَحْسَبَنَّهم تَأْكِيدٌ، وتَقَدَّمَ لَنا الرَّدُّ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ في تَقْدِيرِهِ لا يَحْسَبَنَّهُمُ الَّذِينَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما﴾ [آل عمران: ١٧٨] وإنَّ هَذا التَّقْدِيرَ لا يَصِحُّ فَيُطَّلَعُ هُناكَ. وتَعَدّى في هَذِهِ القِراءَةِ فِعْلُ الحُسْبانِ إلى ضَمِيرَيْهِ المُتَّصِلَيْنِ: المَرْفُوعِ والمَنصُوبِ، وهو مِمّا يَخْتَصُّ بِهِ ظَنَنْتُ وأخَواتُها، ومِن غَيْرِها: وجَدْتُ، وفَقَدْتُ، وعَدِمْتُ، وذَلِكَ مُقَرَّرٌ في عِلْمِ النَّحْوِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ: لا تَحْسَبَنَّ، وفَلا تَحْسَبَنَّهم بِتاءِ الخِطابِ، وفَتْحِ الباءِ فِيهِما خِطابًا لِلرَّسُولِ، وخُرِّجَتِ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وهو أنَّ المَفْعُولَ الأوَّلَ هو: الَّذِينَ يَفْرَحُونَ. والثّانِي مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ كَما قِيلَ آنِفًا في المَفْعُولَيْنِ. وحَسُنَ تَكْرارُ الفِعْلِ فَلا يَحْسَبَنَّهم لِطُولِ الكَلامِ، وهي عادَةُ العَرَبِ، وذَلِكَ تَقْرِيبٌ لِذِهْنِ المُخاطَبِ. والوَجْهُ الثّانِي ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: وأحَدُ المَفْعُولَيْنِ ﴿الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾، والثّانِي ﴿بِمَفازَةٍ﴾ . وقَوْلُهُ: فَلا يَحْسَبَنَّهم تَوْكِيدٌ تَقْدِيرُهُ لا يَحْسَبَنَّهم، فَلا يَحْسَبَنَّهم فائِزِينَ. وقُرِئَ لا تَحْسَبُنَّ فَلا تَحْسَبُنَّهم بِتاءِ الخِطابِ (p-١٣٨)وضَمِّ الباءِ فِيهِما خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ. ويَجِيءُ الخِلافُ في المَفْعُولِ الثّانِي كالخِلافِ فِيهِ في قِراءَةِ الكُوفِيِّينَ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: لا يَحْسَبَنَّ بِياءِ الغَيْبَةِ، وفَلا تَحْسَبَنَّهم بِتاءِ الخِطابِ، وفَتْحِ الباءِ فِيهِما، وخُرِّجَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى حَذْفِ مَفْعُولَيْ يَحْسَبَنَّ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُما عَلَيْهِما. ولا يَجُوزُ في هَذِهِ القِراءَةِ البَدَلُ الَّذِي جُوِّزَ في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو؛ لِاخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ؛ لِاخْتِلافِ الفاعِلِ. وإذا كانَ (فَلا يَحْسَبَنَّهم) تَوْكِيدًا أوْ بَدَلًا، فَدُخُولُ الفاءِ إنَّما يَتَوَجَّهُ عَلى أنْ تَكُونَ زائِدَةً، إذْ لا يَصِحُّ أنْ تَكُونَ لِلْعَطْفِ، ولا أنْ تَكُونَ فاءَ جَوابِ الجَزاءِ. وأنْشَدُوا عَلى زِيادَةِ الفاءِ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎حَتّى تَرَكْتُ العائِداتِ يَعُدْنَهُ ∗∗∗ يَقُلْنَ فَلا تَبْعُدْ وقُلْتُ لَهُ ابْعُدِ
وقالَ آخَرُ:
؎لَمّا اتَّقى بِيَدٍ عَظِيمٌ جِرْمُها ∗∗∗ فَتَرَكْتُ ضاحِيَ كَفِّهِ يَتَذَبْذَبُ
أيْ: لا تَبْعُدْ، وأيْ تَرَكْتُ. وقَرَأ النَّخَعِيُّ ومَرْوانُ بْنُ الحَكَمِ: بِما آتَوْا بِمَعْنى: أعْطَوْا. وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ والسُّلَمِيُّ: بِما أُوتُوا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وتَقَدَّمَتِ الأقْوالُ في (أتَوْا)، وبَعْضُها يَسْتَقِيمُ عَلى هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ.
وفِي حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ: (بِما لَمْ يَفْعَلُوا بِمَفازَةٍ)، وأُسْقِطَ (فَلا يَحْسَبَنَّهم) . و(مَفازَةٍ) مَفْعَلَةٌ مِن فازَ، وهي لِلْمَكانِ، أيْ: مَوْضِعِ فَوْزٍ، أيْ: نَجاةٍ. وقالَ الفَرّاءُ: أيْ يَبْعُدُ مِنَ العَذابِ، لِأنَّ الفَوْزَ مَعْناهُ التَّباعُدُ مِنَ المَكْرُوهِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ تَزَيُّنَ الإنْسانَ بِما لَيْسَ فِيهِ وحُبَّهُ المَدْحَ عَلَيْهِ مَنهِيٌّ عَنْهُ ومَذْمُومٌ شَرْعًا. وقالَ تَعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: (المُتَشَبِّعُ بِما لَيْسَ فِيهِ كَلابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ) وقَدْ أخْبَرَ تَعالى عَنْهم بِالعَذابِ الألِيمِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ . وناسَبَ وصْفُهُ بِألِيمٍ لِأجْلِ فَرَحِهِمْ ومَحَبَّتِهِمُ المَحْمَدَةَ عَلى ما لَمْ يَفْعَلُوا.
﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ذَكَرَ تَعالى أنَّهم مِن جُمْلَةِ ما مَلَكَ، وأنَّهُ قادِرٌ عَلَيْهِمْ، فَهم مَمْلُوكُونَ مَقْهُورُونَ مَقْدُورٌ عَلَيْهِمْ، فَلَيْسُوا بِناجِينَ مِنَ العَذابِ.
3:190–191Страница 75
إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ١٩٠
Воистину, в сотворении небес и земли, а также в смене ночи и дня заключены знамения для обладающих разумом,
ٱلَّذِينَ يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلٗا سُبۡحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ١٩١
которые поминают Аллаха стоя, сидя и на боку и размышляют о сотворении небес и земли: «Господь наш! Ты не сотворил это понапрасну. Пречист Ты! Защити же нас от мучений в Огне.
﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الألْبابِ﴾ تَقَدَّمَ شَرْحُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ. ومَعْنى ﴿لَآياتٍ﴾ لَعَلاماتٌ واضِحَةٌ عَلى الصّانِعِ وباهِرِ حِكْمَتِهِ، ولا يَظْهَرُ ذَلِكَ إلّا لِذَوِي العُقُولِ يَنْظُرُونَ في ذَلِكَ بِطَرِيقِ الفِكْرِ والِاسْتِدْلالِ، لا كَما تَنْظُرُ البَهائِمُ. ورَوى ابْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ قُرَيْشًا قالُوا لِلرَّسُولِ ﷺ: ادْعُ لَنا رَبَّكَ يَجْعَلْ لَنا الصَّفا ذَهَبًا، حِينَ ذَكَرَتِ اليَهُودُ والنَّصارى لَهم بَعْضَ ما جاءَ بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها واضِحَةٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ مالِكُ السَّماواتِ والأرْضِ، وذَكَرَ قُدْرَتَهُ، ذَكَرَ أنَّ في خَلْقِهِما دَلالاتٍ واضِحَةً لِذَوِي العُقُولِ.
﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الذِّكْرَ هو بِاللِّسانِ مَعَ حُضُورِ القَلْبِ، وأنَّهُ التَّحْمِيدُ والتَّهْلِيلُ والتَّكْبِيرُ، ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الأذْكارِ. هَذِهِ الهَيْئاتُ الثَّلاثَةُ هي غالِبُ ما يَكُونُ عَلَيْها المَرْءُ، فاسْتُعْمِلَتْ، والمُرادُ بِها جَمِيعُ الأحْوالِ. كَما «قالَتْ عائِشَةُ: (كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلى كُلِّ أحْيانِهِ») وظاهِرُ هَذا الحَدِيثِ والآيَةِ يَدُلُّ عَلى جَوازِ ذِكْرِ اللَّهِ عَلى الخَلاءِ. وقالَ بِجَوازِ ذَلِكَ: «عَبْدُ اللَّهُ بْنُ عُمَرَ»، و«ابْنُ سِيرِينَ» والنَّخَعِيُّ. وكَرِهَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ، و«عَطاءٌ»، و«الشَّعْبِيُّ» . وعَن «ابْنِ عُمَرَ» و«عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ» وجَماعَةٍ أنَّهم خَرَجُوا يَوْمَ العِيدِ إلى المُصَلّى فَجَعَلُوا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فَقالَ بَعْضُهم: أما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قِيامًا وقُعُودًا﴾ ؟ فَقامُوا يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَلى أقْدامِهِمْ.
ورُوِيَ في الحَدِيثِ: (مَن أحَبَّ أنْ يَرْتَعَ في رِياضِ الجَنَّةِ فَلْيُكْثِرْ ذِكْرَ اللَّهِ)، وإلى أنَّ المُرادَ بِالذِّكْرِ هو الظّاهِرُ الَّذِي ذَكَرْناهُ - ذَهَبَ ابْنُ جُرَيْجٍ والجُمْهُورُ، والذِّكْرُ مِن أعْظَمِ العِباداتِ، والأحادِيثُ فِيهِ كَثِيرَةٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ: المُرادُ بِالذِّكْرِ الصَّلَواتُ، فَفي حالِ (p-١٣٩)العُذْرِ يُصَلُّونَها قُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ، وسَمّاها ذِكْرًا لِاشْتِمالِها عَلى الذِّكْرِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالذِّكْرِ صَلاةُ النَّفْلِ يُصَلِّيها كَيْفَ شاءَ. وجَلَبَ المُفَسِّرُونَ في هَذِهِ الآيَةِ أشْياءَ مِن كَيْفِيَّةِ إيقاعِ الصَّلاةِ في القِيامِ والقُعُودِ والِاضْطِجاعِ، وخِلافِ الفُقَهاءِ في ذَلِكَ، ودَلائِلِهِمْ. وذَلِكَ مُقَرَّرٌ في عِلْمِ الفِقْهِ. وعَلى الظّاهِرِ مِن تَفْسِيرِ الذِّكْرِ فَتَقْدِيمُ القِيامِ لِأنَّ الذِّكْرَ فِيهِ أخَفُّ عَلى الإنْسانِ، ثُمَّ انْتَقَلَ إلى حالَةِ القُعُودِ، والذِّكْرُ فِيهِ أشَقُّ مِنهُ في حالَةِ القِيامِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ لا يَقْعُدُ غالِبًا إلّا لِشُغْلٍ يَشْتَغِلُ بِهِ مِن صِناعَةٍ أوْ غَيْرِها. ثُمَّ انْتَقَلَ إلى هَيْئَةِ الِاضْطِجاعِ، والذِّكْرُ فِيها أشَقُّ مِنهُ في هَيْئَةِ القُعُودِ؛ لِأنَّ الِاضْطِجاعَ هو هَيْئَةُ اسْتِراحَةٍ وفَراغٍ عَنِ الشَّواغِلِ. ويُمْكِنُ في هَذِهِ الهَيْئاتِ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيمُ لِما هو أقْصَرُ زَمانًا، فَبُدِئَ بِالقِيامِ؛ لِأنَّها هَيْئَةٌ زَمانُها في الغالِبِ أقْصَرُ مِن زَمانِ القُعُودِ، ثُمَّ بِالقُعُودِ إذْ زَمانُهُ أطْوَلُ، وبِالِاضْطِجاعِ إذْ زَمانُهُ أطْوَلُ مِن زَمانِ القُعُودِ، ألا تَرى أنَّ اللَّيْلَ جَمِيعَهُ هو زَمانُ الِاضْطِجاعِ، وهو مُقابِلٌ لِزَمانِ القُعُودِ والقِيامِ، وهو النَّهارُ ؟ وأمّا إذا كانَ الذِّكْرُ يُرادُ بِهِ الصَّلاةُ المَفْرُوضَةُ، فالهَيْئاتُ جاءَتْ عَلى سَبِيلِ النُّدْرَةِ. فَمَن قَدَرَ عَلى القِيامِ لا يُصَلِّي قاعِدًا، ومَن قَدَرَ عَلى القُعُودِ لا يُصَلِّي مُضْطَجِعًا، وأمّا إذا كانَ يُرادُ بِهِ صَلاةُ النَّفْلِ فالهَيْئاتُ عَلى سَبِيلِ الأفْضَلِيَّةِ، إذِ الأفْضَلُ التَّنَفُّلُ قائِمًا ثُمَّ قاعِدًا ثُمَّ مُضْطَجِعًا. وأبْعَدُ في التَّفْسِيرِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ المَعْنى: يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا بِأوامِرِهِ، وقُعُودًا عَنْ زَواجِرِهِ، وعَلى جُنُوبِهِمْ أيْ تَجانُبُهم مُخالَفَةَ أمْرِهِ ونَهْيِهِ. وهَذا شَبِيهٌ بِكَلامِ أرْبابِ القُلُوبِ، وقَرِيبٌ مِنَ الباطِنِيَّةِ.
وجَوَّزُوا في (الَّذِينَ): النَّعْتَ، والقَطْعَ لِلرَّفْعِ، والنَّصْبَ، ﴿وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ حالٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى حالٍ، وهُنا عَطَفَ المَجْرُورَ عَلى صَرِيحِ الِاسْمِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿دَعانا لِجَنْبِهِ أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا﴾ [يونس: ١٢] عَطَفَ صَرِيحَ الِاسْمِ عَلى المَجْرُورِ.
﴿ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى الصِّلَةِ، فَلا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإعْرابِ. وقِيلَ: الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، عُطِفَتْ عَلى الحالِ قَبْلَها. ولَمّا ذَكَرَ الذِّكْرَ الَّذِي مَحَلُّهُ اللِّسانُ، ذَكَرَ الفِكْرَ الَّذِي مَحَلُّهُ القَلْبُ. ويَحْتَمِلُ ﴿خَلْقِ﴾ أنْ يُرادَ بِهِ المَصْدَرُ، فَإنَّ الفِكْرَةَ في الخَلْقِ لِهَذِهِ المَصْنُوعاتِ الغَرِيبَةِ الشَّكْلِ والقُدْرَةِ عَلى إنْشاءِ هَذِهِ مِنَ العَدَمِ الصِّرْفِ، يَدُلُّ عَلى القُدْرَةِ التّامَّةِ والعِلْمِ والأحَدِيَّةِ إلى سائِرِ الصِّفاتِ العَلِيَّةِ. وفي الفِكْرِ في ذَلِكَ ما يُبْهِرُ العُقُولَ، ويَسْتَغْرِقُ الخَواطِرَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ المَخْلُوقُ، ويَكُونُ أضافَهُ مِن حَيْثُ المَعْنى إلى الظَّرْفَيْنِ، لا إلى المَفْعُولِ. والفِكْرُ فِيما أوْدَعَ اللَّهُ في السَّماواتِ مِنَ الكَواكِبِ النَّيِّرَةِ والأفْلاكِ الَّتِي جاءَ النَّصْرُ فِيها وما أوْدَعَ في الأرْضِ مِنَ الحَيَواناتِ والنَّباتِ والمَعادِنِ، واخْتِلافِ أجْناسِها وأنْواعِها وأشْخاصِها أيْضًا - يُبْهِرُ العَقْلَ ويُكْثِرُ العِبَرَ.
؎وفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ الواحِدُ
ومَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلى قَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ في اللَّهِ فَقالَ: (تَفَكَّرُوا في الخَلْقِ ولا تَفَكَّرُوا في الخالِقِ فَإنَّكم لا تُقَدِّرُونَ قَدْرَهُ) . وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المُتَفَكِّرُ في ذاتِ اللَّهِ كالنّاظِرِ في عَيْنِ الشَّمْسِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ. وإنَّما التَّفَكُّرُ وانْبِساطُ الذِّهْنِ في المَخْلُوقاتِ وفي مَخْلُوقِ الآخِرَةِ. وفي الحَدِيثِ: (لا عِبادَةَ كَتَفَكُّرٍ) . وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ مِن كَلامِ النّاسِ في التَّفَكُّرِ ومِن أعْيانِ المُتَفَكِّرِينَ كَثِيرًا، رَأيْنا أنْ لا نُطَوِّلَ كِتابَنا بِنَقْلِها ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مَحْكِيَّةٌ بِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: يَقُولُونَ. وهَذا الفِعْلُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والإشارَةُ بِهَذا إلى الخَلْقِ إنْ كانَ المُرادُ المَخْلُوقُ، أوْ إلى السَّماواتِ والأرْضِ؛ لِأنَّها في مَعْنى المَخْلُوقِ. أيْ: ما خَلَقْتَ هَذا المَخْلُوقَ العَجِيبَ باطِلًا. قِيلَ: المَعْنى: خَلْقًا باطِلًا، أيْ: لِغَيْرِ غايَةٍ، بَلْ خَلَقْتَهُ وخَلَقْتَ البَشَرَ لِيَنْظُرَ فِيهِ، فَيُوَحِّدَ ويَعْبُدَ. فَمَن فَعَلَ ذَلِكَ نَعَّمْتَهُ، ومَن ضَلَّ عَنْ ذَلِكَ عَذَّبْتَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَعْنى ما خَلَقْتَهُ خَلْقًا باطِلًا بِغَيْرِ حِكْمَةٍ (p-١٤٠)بَلْ خَلَقْتَهُ لِداعِي حِكْمَةٍ عَظِيمَةٍ وهو: أنْ تَجْعَلَها مَساكِنَ لِلْمُكَلَّفِينَ وأدِلَّةً لَهم عَلى مَعْرِفَتِكَ، ووُجُوبِ طاعَتِكَ، واجْتِنابِ مَعْصِيَتِكَ. ولِذَلِكَ وصَلَ بِهِ قَوْلَهُ: ﴿فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾، ولِأنَّهُ جَزاءُ مَن عَصى ولَمْ يُطِعْ. انْتَهى. وفِيهِ إشاراتُ المُعْتَزِلَةِ مِن قَوْلِهِ: بَلْ خَلَقْتَهُ لِداعِي حِكْمَةٍ عَظِيمَةٍ، وعَلى هَذا فَيَكُونُ انْتِصابُ (باطِلًا) عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ. وقِيلَ: انْتَصَبَ (باطِلًا) عَلى الحالِ مِنَ المَفْعُولِ. وقِيلَ: انْتَصَبَ عَلى إسْقاطِ الباءِ، أيْ بِباطِلٍ، بَلْ خَلَقْتَهُ بِقُدْرَتِكَ الَّتِي هي حَقٌّ. وقِيلَ: عَلى إسْقاطِ اللّامِ وهو مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، وفاعِلٌ بِمَعْنى المَصْدَرِ أيْ بُطُولًا. وقِيلَ: عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِخَلَقَ، وهي بِمَعْنى جَعَلَ الَّتِي تَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، وهَذا عَكْسُ المَنقُولِ في النَّحْوِ، وهو: أنَّ (جَعَلَ) يَكُونُ بِمَعْنى (خَلَقَ)، فَيَتَعَدّى لِواحِدٍ. أمّا أنَّ خَلَقَ يَكُونُ بِمَعْنى جَعَلَ فَيَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ، فَلا أعْلَمُ أحَدًا مِمَّنْ لَهُ مَعْرِفَةٌ ذَهَبَ إلى ذَلِكَ. والباطِلُ: الزّائِلُ الذّاهِبُ، ومِنهُ:
؎ألا كُلُّ شَيْءٍ ما خَلا اللَّهَ باطِلُ
والأحْسَنُ مِن أعارِيبِهِ انْتِصابُهُ عَلى الحالِ مِن هَذا، وهي حالٌ لا يُسْتَغْنى عَنْها، نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨] لا يَجُوزُ في هَذِهِ الحالِ أنْ تُحْذَفَ لِئَلّا يَكُونَ المَعْنى عَلى النَّفْيِ، وهو لا يَجُوزُ.
ولَمّا تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ الإقْرارَ بِأنَّ هَذا الخَلْقَ البَدِيعَ لَمْ يَكُنْ باطِلًا، والتَّنْبِيهَ عَلى أنَّ هَذا كَلامُ أُولِي الألْبابِ الذّاكِرِينَ اللَّهَ عَلى جَمِيعِ أحْوالِهِمْ والمُتَفَكِّرِينَ في الخَلْقِ، دَلَّ عَلى أنَّ غَيْرَهم مِن أهْلِ الغَفْلَةِ والجَهالَةِ يَذْهَبُونَ إلى خِلافِ هَذِهِ المَقالَةِ، فَنَزَّهُوهُ تَعالى عَنْ ما يَقُولُ أُولَئِكَ المُبْطِلُونَ مِن ما أشارَ إلَيْهِ تَعالى في قَوْلِهِ: لاعِبِينَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥] واعْتُرِضَ بِهَذا التَّنْزِيهِ المُتَضَمِّنِ بَراءَةَ اللَّهِ مِن جَمِيعِ النَّقائِصِ وأفْعالِ المُحْدَثِينَ بَيْنَ ذَلِكَ الإقْرارِ وبَيْنَ رَغْبَتِهِمْ إلى رَبِّهِمْ بِأنْ يَقِيَهم عَذابَ النّارِ، ولَمْ يَكُنْ لَهم هَمٌّ في شَيْءٍ مِن أحْوالِ الدُّنْيا، ولا اكْتِراثٌ بِها، إنَّما تَضَرَّعُوا في سُؤالِ وِقايَتِهِمُ العَذابَ يَوْمَ القِيامَةِ. وهَذا السُّؤالُ هو نَتِيجَةُ الذِّكْرِ والفِكْرِ والإقْرارِ والتَّنْزِيهِ. والفاءُ في: ﴿فَقِنا﴾ لِلْعَطْفِ، وتَرْتِيبِ السُّؤالِ عَلى الإقْرارِ المَذْكُورِ. وقِيلَ: لِتَرْتِيبِ السُّؤالِ عَلى ما تَضَمَّنَهُ سُبْحانَ مِنَ الفِعْلِ، أيْ: نَزَّهْناكَ عَمّا يَقُولُ الجاهِلُونَ فَقِنا. وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ لِلتَّرْتِيبِ عَلى ما تَضَمَّنَ النِّداءَ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии