Абу ХайянАль Имран · 3:192–195

Абу Хайян · Тафсир · на арабском

Аль Имран 3:192–195

3:192–194Страница 75

رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدۡخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدۡ أَخۡزَيۡتَهُۥۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ ١٩٢

Господь наш! Тот, кого Ты ввергнешь в Огонь, будет опозорен, и не будет у беззаконников помощников.

رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعۡنَا مُنَادِيٗا يُنَادِي لِلۡإِيمَٰنِ أَنۡ ءَامِنُواْ بِرَبِّكُمۡ فَـَٔامَنَّاۚ رَبَّنَا فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرۡ عَنَّا سَيِّـَٔاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلۡأَبۡرَارِ ١٩٣

Господь наш! Мы услышали глашатая (Мухаммада), который призывал к вере: «Уверуйте в вашего Господа», - и мы уверовали. Господь наш! Прости нам наши грехи, отпусти нам наши прегрешения и умертви нас вместе с благочестивыми.

رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخۡزِنَا يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ إِنَّكَ لَا تُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ ١٩٤

Господь наш! Даруй нам то, что Ты обещал нам через Своих посланников, и не позорь нас в День воскресения, ведь Ты не нарушаешь обещаний».

﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ هَذِهِ اسْتِجارَةٌ واسْتِعاذَةٌ. أيْ: فَلا تَفْعَلْ بِنا ذَلِكَ، ولا تَجْعَلْنا مِمَّنْ يَعْمَلُ بِعَمَلِها. ومَعْنى أخْزَيْتَهُ: فَضَحْتَهُ. مِن خَزِيَ الرَّجُلُ يَخْزى خِزْيًا: إذا افْتَضَحَ، وخِزايَةً: إذا اسْتَحْيا، الفِعْلُ واحِدٌ واخْتَلَفَ في المَصْدَرِ، فَمِنَ الِافْتِضاحِ خِزْيٌ، ومِنَ الِاسْتِحْياءِ خَزايَةٌ. ومِن ذَلِكَ ﴿ولا تُخْزُونِ في ضَيْفِي﴾ [هود: ٧٨] أيْ: لا تَفْضَحُونِ. وقِيلَ: المَعْنى أهَنْتَهُ. وقالَ المُفَضَّلُ: أهْلَكْتَهُ. ويُقالُ: خَزَيْتُهُ وأخْزَيْتُهُ ثُلاثِيًّا ورُباعِيًّا، والرُّباعِيُّ أكْثَرُ وأفْصَحُ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَخْزِيُّ في اللُّغَةِ هو المُذَلُّ المَحْقُورُ بِأمْرٍ قَدْ لَزِمَهُ، يُقالُ: أخْزَيْتُهُ ألْزَمْتُهُ حُجَّةً أذْلَلْتُهُ مَعَها. وقالَ أنَسٌ وسَعِيدٌ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وغَيْرُهم: هي إشارَةٌ إلى مَن يَخْلُدُ في النّارِ، أمّا مَن يَخْرُجُ مِنها بِالشَّفاعَةِ والإيمانِ فَلَيْسَ بِمَخْزِيٍّ. وقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وغَيْرُهُ: كُلُّ مَن دَخَلَ النّارَ فَهو مَخْزِيٌّ وإنْ خَرَجَ مِنها، وإنَّ في دُونِ ذَلِكَ لَخِزْيًا، واخْتارَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ وأبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ هو مِن قَوْلِ الدّاعِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الظّالِمُونَ هُنا هُمُ الكافِرُونَ، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ. وقَدْ صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] ويُناسِبُ هَذا التَّفْسِيرَ أنْ يَكُونَ ما قَبْلَهُ فِيمَن يَخْلُدُ في النّارِ؛ لِأنَّ نَفْيَ النّاصِرِ إمّا بِمَنعٍ أوْ شَفاعَةِ مُخْتَصٌّ بِالكُفّارِ، وأمّا المُؤْمِنُ فاللَّهُ ناصِرُهُ والرَّسُولُ ﷺ شافِعُهُ، وبَعْضُ المُؤْمِنِينَ يَشْفَعُ لِبَعْضٍ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وما لِلظّالِمِينَ﴾ اللّامُ إشارَةٌ إلى مَن يَدْخُلُ النّارَ، وإعْلامٌ بِأنَّ مَن يَدْخُلُ النّارَ، فَلا ناصِرَ لَهُ بِشَفاعَةٍ ولا غَيْرِها. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ أنَّ مَن يَدْخُلُ النّارَ لا يَخْرُجُ مِنها أبَدًا، سَواءٌ كانَ (p-١٤١)كافِرًا أمْ فاسِقًا، و(مَن) مَفْعُولَةٌ لِفِعْلِ الشَّرْطِ. وحَكى بَعْضُ المُعْرِبِينَ ما نَصُّهُ: وأجازَ قَوْمٌ أنْ يَكُونَ (مَن) مَنصُوبًا بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ جَوابُ الشَّرْطِ وهو: ﴿فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ . وأجازَ آخَرُونَ أنْ يَكُونَ (مَن) مُبْتَدَأً، والشَّرْطُ وجَوابُهُ الخَبَرَ. انْتَهى. أمّا القَوْلُ الأوَّلُ فَصادِرٌ عَنْ جاهِلٍ بِعِلْمِ النَّحْوِ، وأمّا الثّانِي فَإعْرابُ (مَن) مُبْتَدَأً في غايَةِ الضَّعْفِ. وأمّا إدْخالُهُ جَوابَ الشَّرْطِ في الخَبَرِ مَعَ فِعْلِ الشَّرْطِ فَجَهالَةٌ. ومَن أعْظَمُ وِزْرًا مِمَّنْ تَكَلَّمَ في كِتابِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ.

﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإيمانِ أنْ آمِنُوا بِرَبِّكم فَآمَنّا﴾ (سَمِعَ) إنْ دَخَلَ عَلى مَسْمُوعٍ تَعَدّى لِواحِدٍ، نَحْوُ: سَمِعْتُ كَلامَ زِيدٍ، كَغَيْرِهِ مِن أفْعالِ الحَواسِّ. وإنْ دَخَلَ عَلى ذاتٍ وجاءَ بَعْدَهُ فِعْلٌ أوِ اسْمٌ في مَعْناهُ، نَحْوُ: سَمِعْتُ زَيْدًا يَتَكَلَّمُ، وسَمِعْتُ زَيْدًا يَقُولُ كَذا، فَفي هَذِهِ المَسْألَةِ خِلافٌ. مِنهم مَن ذَهَبَ إلى أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ أوِ الِاسْمَ إنْ كانَ قَبْلَهُ نَكِرَةٌ كانَ صِفَةً لَها، أوْ مَعْرِفَةٌ كانَ حالًا مِنها. ومِنهم مَن ذَهَبَ إلى أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ أوِ الِاسْمَ هو في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِسَمِعَ، وجَعَلَ (سَمِعَ) مِمّا يُعَدّى إلى واحِدٍ إنْ دَخَلَ عَلى مَسْمُوعٍ، وإلى اثْنَيْنِ إنْ دَخَلَ عَلى ذاتٍ، وهَذا مَذْهَبُ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ. والصَّحِيحُ القَوْلُ الأوَّلُ، وهَذا مُقَرَّرٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. فَعَلى هَذا يَكُونُ (يُنادِي) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ؛ لِأنَّ قَبْلَهُ نَكِرَةً، وعَلى مَذْهَبِ أبِي عَلِيٍّ يَكُونُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي. وذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى القَوْلِ الأوَّلِ قالَ: تَقُولُ: سَمِعْتُ رَجُلًا يَقُولُ كَذا، وسَمِعْتُ زَيْدًا يَتَكَلَّمُ؛ لِتُوقِعَ الفِعْلَ عَلى الرَّجُلِ، وتَحْذِفَ المَسْمُوعَ لِأنَّكَ وصَفْتَهُ بِما يَسْمَعُ، أوْ جَعَلْتَهُ حالًا عَنْهُ، فَأغْناكَ عَنْ ذِكْرِهِ. ولَوْلا الوَصْفُ أوِ الحالُ لَمْ يَكُنْ مِنهُ بُدٌّ. وأنْ يُقالَ: سَمِعْتُ كَلامَ فُلانٍ، أوْ قَوْلَهُ. انْتَهى كَلامُهُ. وقَوْلُهُ: ولَوْلا الوَصْفُ أوِ الحالُ إلى آخِرِهِ - لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ لا يَكُونُ وصْفٌ ولا حالٌ، ويَدْخُلُ (سَمِعَ) عَلى ذاتٍ، لا عَلى مَسْمُوعٍ. وذَلِكَ إذا كانَ في الكَلامِ ما يُشْعِرُ بِالمَسْمُوعِ وإنْ لَمْ يَكُنْ وصْفًا ولا حالًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ [الشعراء: ٧٢] أغْنى ذِكْرُ ظَرْفِ الدُّعاءِ عَنْ ذِكْرِ المَسْمُوعِ.

والمُنادى هُنا هو الرَّسُولُ ﷺ . قالَ تَعالى: ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ بِإذْنِهِ﴾ [الأحزاب: ٤٦] ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ [النحل: ١٢٥] قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُما - أوِ القُرْآنُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، قالَ: لِأنَّ كُلَّ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَلْقَوُا الرَّسُولَ، فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ وصْفُهُ بِالنِّداءِ حَقِيقَةً، وعَلى الثّانِي مَجازًا، وجُمِعَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿مُنادِيًا يُنادِي﴾؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ الأوَّلَ مُطْلَقًا وقَيَّدَ الثّانِيَ تَفْخِيمًا لِشَأْنِ المُنادِي؛ لِأنَّهُ لا مُنادِيَ أعْظَمُ مِن مُنادٍ يُنادِي لِلْإيمانِ. وذَلِكَ أنَّ المُنادِيَ إذا أُطْلِقَ ذَهَبَ الوَهْمُ إلى مُنادٍ لِلْحَرْبِ، أوْ لِإطْفاءِ الثّائِرَةِ، أوْ لِإغاثَةِ المَكْرُوبِ، أوْ لِكِفايَةِ بَعْضِ النَّوازِلِ، أوْ لِبَعْضِ المَنافِعِ. فَإذا قُلْتَ: ﴿يُنادِي لِلْإيمانِ﴾ فَقَدْ رَفَعْتَ مِن شَأْنِ المُنادِي وفَخَّمْتَهُ. واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (يُنادِي)، ويُعَدّى نادى، ودَعا، ونَدَبَ بِاللّامِ وبِإلى، كَما يُعَدّى بِهِما هَدى لِوُقُوعِ مَعْنى الِاخْتِصاصِ، وانْتِهاءِ الغايَةِ جَمِيعًا. ولِهَذا قالَ بَعْضُهم: إنَّ اللّامَ بِمَعْنى إلى. لَمّا كانَ يُنادِي في مَعْنى يَدْعُو؛ حَسُنَ وُصُولُها بِاللّامِ بِمَعْنى (إلى) . وقِيلَ: اللّامُ لامُ العِلَّةِ، أيْ لِأجْلِ الإيمانِ. وقِيلَ: اللّامُ بِمَعْنى الباءِ، أيْ بِالإيمانِ. والسَّماعُ مَحْمُولٌ عَلى حَقِيقَتِهِ، أيْ سَمِعْنا صَوْتَ مُنادٍ. قِيلَ: ومَن جَعَلَ المُنادِيَ هو القُرْآنَ، فالسَّماعُ عِنْدَهُ مَجازٌ عَنِ القَبُولِ، و(أنْ) مُفَسِّرَةٌ، التَّقْدِيرُ: أنْ آمِنُوا. وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً وُصِلَتْ بِفِعْلِ الأمْرِ، أيْ: بِأنْ آمِنُوا. فَعَلى الأوَّلِ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وعَلى الثّانِي لَها مَوْضِعٌ وهو الجَرُّ، أوِ النَّصْبُ عَلى الخِلافِ. وعَطْفُ (فَآمَنّا) بِالفاءِ مُؤْذِنٌ بِتَعْجِيلِ القَبُولِ، وتَسْبِيبِ الإيمانِ عَنِ السَّماعِ مِن غَيْرِ تَراخٍ، والمَعْنى: فَآمَنّا بِكَ أوْ بِرَبِّنا.

﴿رَبَّنا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا﴾ (p-١٤٢)قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الذُّنُوبُ هي الكَبائِرُ، والسَّيِّئاتُ هي الصَّغائِرُ. ويُؤَيِّدُهُ: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] وقِيلَ: الذُّنُوبُ تَرْكُ الطّاعاتِ، والسَّيِّئاتُ فِعْلُ المَعاصِي. وقِيلَ: غُفْرانُ الذُّنُوبِ وتَكْفِيرُ السَّيِّئاتِ أمْرٌ قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، لَكِنَّهُ كُرِّرَ لِلتَّأْكِيدِ، ولِأنَّها مَناحٍ مِنَ السَّتْرِ وإزالَةِ حُكْمِ الذُّنُوبِ بَعْدَ حُصُولِهِ، والغُفْرانُ والتَّكْفِيرُ بِمَعْنًى، والذُّنُوبُ والسَّيِّئاتُ بِمَعْنًى، وجَمَعَ بَيْنَهُما تَأْكِيدًا ومُبالَغَةً؛ ولِيَكُونَ في ذَلِكَ إلْحاحٌ في الدُّعاءِ. فَقَدْ رُوِيَ: (إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُلِحِّينَ في الدُّعاءِ) . وقِيلَ: في التَّكْفِيرِ مَعْنًى، وهو التَّغْطِيَةُ، لِيَأْمَنُوا الفُضُوحَ. والكَفّارَةُ هي الطّاعَةُ المُغَطِّيَةُ لِلسَّيِّئَةِ، كالعِتْقِ والصِّيامِ والإطْعامِ. ورَجُلٌ مُكَفَّرٌ بِالسِّلاحِ، أيْ مُغَطًّى.

﴿وتَوَفَّنا مَعَ الأبْرارِ﴾ جَمْعُ بَرٍّ، عَلى وزْنِ فَعَلٍ، كَصَلَفٍ. أوْ جَمْعُ بارٍّ عَلى وزْنٍ فاعِلٍ كَضارِبٍ، وأُدْغِمَتِ الرّاءُ في الرّاءِ. وهُمُ الطّائِعُونَ لِلَّهِ، وتَقَدَّمَ مَعْنى البِرِّ. وقِيلَ: هم هُنا الَّذِينَ بَرُّوا الآباءَ والأبْناءَ. و(مَعَ) هُنا مَجازٌ عَنِ الصُّحْبَةِ الزَّمانِيَّةِ إلى الصُّحْبَةِ في الوَصْفِ، أيْ: تَوَفَّنا أبْرارًا مَعْدُودِينَ في جُمْلَةِ الأبْرارِ. والمَعْنى: اجْعَلْنا مِمَّنْ تَوَفَّيْتَهم طائِعِينَ لَكَ. وقِيلَ: المَعْنى احْشُرْنا مَعَهم في الجَنَّةِ.

﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتِنا عَلى رُسُلِكَ﴾ الظّاهِرُ أنَّهم سَألُوا رَبَّهم أنْ يُعْطِيَهم ما وعَدَهم عَلى رُسُلِهِ، فَفَسَّرَ هَذا المَوْعُودَ بِهِ بِالجَنَّةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: المَوْعُودُ بِهِ النَّصْرُ عَلى الأعْداءِ. وقِيلَ: اسْتِغْفارُ الأنْبِياءِ، كاسْتِغْفارِ نُوحٍ وإبْراهِيمَ ورَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ، واسْتِغْفارِ المَلائِكَةِ لَهم.

وقَوْلُهُ: ﴿عَلى رُسُلِكَ﴾ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، فَقَدَّرَهُ الطَّبَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ: عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِكَ. وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى تَصْدِيقِ رُسُلِكَ. قالَ: فَـ(عَلى) هَذِهِ صِلَةٌ لِلْوَعْدِ في قَوْلِكَ: وعَدَ اللَّهُ الجَنَّةَ عَلى الطّاعَةِ. والمَعْنى: ما وعَدْتَنا عَلى تَصْدِيقِ رُسُلِكَ. ألا تَراهُ كَيْفَ أتْبَعَ ذِكْرَ المُنادِي لِلْإيمانِ وهو الرَّسُولُ، وقَوْلُهُ: (آمَنّا) وهو التَّصْدِيقُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ، أيْ: ما وعَدْتَنا مُنْزِلًا عَلى رُسُلِكَ، أوْ مَحْمُولًا عَلى رُسُلِكَ؛ لِأنَّ الرُّسُلَ يَحْمِلُونَ ذَلِكَ، فَإنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ. انْتَهى. وهَذا الوَجْهُ الَّذِي ذَكَرَ آخِرًا أنَّهُ يَجُوزُ لَيْسَ بِجائِزٍ؛ لِأنَّ مِن قَواعِدِ النَّحْوِيِّينَ أنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ والظَّرْفَ مَتى كانَ العامِلُ فِيهِما مُقَيَّدًا، فَلا بُدَّ مِن ذِكْرِ ذَلِكَ العامِلِ، ولا يَجُوزُ حَذْفُهُ، ولا يُحْذَفُ العامِلُ إلّا إذا كانَ كَوْنًا مُطْلَقًا. مِثالُ ذَلِكَ: زَيْدٌ ضاحِكٌ في الدّارِ، لا يَجُوزُ حَذْفُ ضاحِكٌ ألْبَتَّةَ. وإذا قُلْتَ: زِيدٌ في الدّارِ فالعامِلُ كَوْنٌ مُطْلَقٌ يُحْذَفُ. وكَذَلِكَ: زِيدٌ ناجٍ مِن بَنِي تَمِيمٍ، لا يَجُوزُ حَذْفُ ناجٍ. ولَوْ قُلْتَ: زِيدٌ مِن بَنِي تَمِيمٍ؛ جازَ عَلى تَقْدِيرِ: كائِنٌ مِن بَنِي تَمِيمٍ، والمَحْذُوفُ فِيما جَوَّزَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهو قَوْلُهُ: مُنْزَلًا أوْ مَحْمُولًا، لا يَجُوزُ حَذْفُهُ عَلى ما تَقَرَّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ.

وإذا كانَ العامِلُ في الظَّرْفِ أوِ المَجْرُورِ مُقَيَّدًا صارَ ذَلِكَ الظَّرْفُ أوِ المَجْرُورُ ناقِصًا، فَلا يَجُوزُ أنْ يَقَعَ صِلَةً، ولا خَبَرًا لا في الحالِ، ولا في الأصْلِ، ولا صِفَةً، ولا حالًا. ومَعْنى سُؤالِهِمْ: أنْ يُعْطِيَهم ما وعَدَهم: أنْ يُثِيبَهم عَلى الإيمانِ والطّاعَةِ حَتّى يَكُونُوا مِمَّنْ يُؤْتِيهُمُ اللَّهُ ما وعَدَ المُؤْمِنِينَ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ تَعالى مُنْجِزٌ ما وعَدَ، فَسَألُوا إنْجازَ ما تَرَتَّبَ عَلى الإيمانِ. والمَعْنى: التَّثْبِيتُ عَلى الإيمانِ حَتّى يَكُونُوا مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى إنْجازَ الوَعْدِ. وقِيلَ: هَذا السُّؤالُ جاءَ عَلى سَبِيلِ الِالتِجاءِ إلى اللَّهِ تَعالى والتَّضَرُّعِ لَهُ، كَما كانَ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَسْتَغْفِرُونَ، مَعَ عِلْمِهِمْ أنَّهم مَغْفُورٌ لَهم، يَقْصِدُونَ بِذَلِكَ التَّذَلُّلَ والتَّضَرُّعَ إلَيْهِ والِالتِجاءَ. وقِيلَ: اسْتَبْطَئُوا النَّصْرَ الَّذِي وُعِدُوا بِهِ فَسَألُوا أنْ يُعَجِّلَ لَهم وعْدَهُ، فَعَلى هَذا وهو أنْ يَكُونَ المَوْعُودُ بِهِ النَّصْرَ يَكُونُ الإيتاءُ في الدُّنْيا، وعَلى أنْ يَكُونَ الجَنَّةَ يَكُونُ (p-١٤٣)الإيتاءُ في الآخِرَةِ. وقَرَأ الأعْمَشُ: (عَلى رُسْلِكَ) بِإسْكانِ السِّينِ.

﴿ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ فُسِّرَ الإخْزاءُ هُنا بِما فُسِّرَ في ﴿فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ . و(يَوْمَ القِيامَةِ) مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ولا تُخْزِنا﴾، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ الإعْمالِ، إذْ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِـ ﴿تُخْزِنا﴾ وبِ ﴿آتِنا ما وعَدْتَنا﴾، إذا كانَ المَوْعُودُ بِهِ الجَنَّةَ.

﴿إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ ظاهِرُهُ أنَّهُ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وآتِنا ما وعَدْتَنا﴾ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التحريم: ٨] فَهَذا وعْدُهُ تَعالى، وهو دالٌّ عَلى أنَّ الخِزْيَ إنَّما هو مَعَ الخُلُودِ. انْتَهى.

وانْظُرْ إلى حُسْنِ مُحاوَرَةِ هَؤُلاءِ الذّاكِرِينَ المُتَفَكِّرِينَ، فَإنَّهم خاطَبُوا اللَّهَ تَعالى بِلَفْظَةِ (رَبَّنا)، وهي إشارَةٌ إلى أنَّهُ رَبُّهم أصْلَحَهم وهَيَّأهم لِلْعِبادَةِ، فَأخْبَرُوا أوَّلًا بِنَتِيجَةِ الفِكْرِ وهو قَوْلُهم: ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١] ثُمَّ سَألُوهُ أنْ يَقِيَهُمُ النّارَ بَعْدَ تَنْزِيهِهِ عَنِ النَّقائِصِ. وأخْبَرُوا عَنْ حالِ مَن يَدْخُلِ النّارَ وهُمُ الظّالِمُونَ الَّذِينَ لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ، ولا يَتَفَكَّرُونَ في مَصْنُوعاتِهِ. ثُمَّ ذَكَرُوا أيْضًا ما أنْتَجَ لَهُمُ الفِكْرُ مِن إجابَةِ الدّاعِي إلى الإيمانِ، إذْ ذاكَ مُتَرَتِّبٌ عَلى أنَّهُ تَعالى ما خَلَقَ هَذا الخَلْقَ العَجِيبَ باطِلًا. ثُمَّ سَألُوا غُفْرانَ ذُنُوبِهِمْ ووَفاتَهم عَلى الإيمانِ الَّذِي أخْبَرُوا بِهِ في قَوْلِهِمْ: فَآمَنّا ثُمَّ سَألُوا اللَّهَ الجَنَّةَ وأنْ لا يَفْضَحَهم يَوْمَ القِيامَةِ، وذَلِكَ هو غايَةُ ما سَألُوهُ.

وتَكَرَّرَ لَفْظُ (رَبَّنا) خَمْسَ مَرّاتٍ، كُلُّ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعْطافِ وتَطَلُّبِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى بِنِدائِهِ بِهَذا الِاسْمِ الشَّرِيفِ الدّالِّ عَلى التَّرْبِيَةِ والمِلْكِ والإصْلاحِ. وكَذَلِكَ تَكَرَّرَ هَذا الِاسْمُ في قِصَّةِ آدَمَ ونُوحٍ وغَيْرِهِما. وفي تَكْرارِ (رَبَّنا. . . . . . رَبَّنا) دَلالَةٌ عَلى جَوازِ الإلْحاحِ في المَسْألَةِ، واعْتِمادِ كَثْرَةِ الطَّلَبِ مِنَ اللَّهِ تَعالى. وفي الحَدِيثِ: (ألِظُّوا بِـ يا ذا الجَلالِ والإكْرامِ)، وقالَ الحَسَنُ: ما زالُوا يَقُولُونَ رَبَّنا رَبَّنا حَتّى اسْتَجابَ لَهم. وهَذِهِ مَسْألَةٌ أجْمَعَ عَلَيْها عُلَماءُ الأمْصارِ خِلافًا لِبَعْضِ الصُّوفِيَّةِ، إذْ أجازَ ذَلِكَ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالآخِرَةِ لا بِالدُّنْيا، ولِبَعْضِ المُتَصَوِّفَةِ أيْضًا إذْ قالَ: اللَّهُ تَعالى تَوَلّى مَنِ اتَّبَعَ الأمْرَ واجْتَنَبَ النَّهْيَ وارْتَفَعَ عَنْهُ كُلَفَ طَلَباتِهِ ودُعائِهِ. خَرَّجَ أبُو نَصْرٍ الوايِلِيُّ السِّجِسْتانِيُّ الحافِظُ في كِتابِ الإبانَةِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: (أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ عَشْرَ آياتٍ مِن آخِرِ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ كُلَّ لَيْلَةٍ) يَعْنِي: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] . قالَ العُلَماءُ: ويُسْتَحَبُّ لِمَنِ انْتَبَهَ مِن نَوْمِهِ أنْ يَمْسَحَ عَلى وجْهِهِ، ويَسْتَفْتِحَ قِيامَهُ بِقِراءَةِ هَذا العَشْرِ آياتٍ اقْتِداءً بِالنَّبِيِّ ﷺ، ثَبَتَ ذَلِكَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، ثُمَّ يُصَلِّي ما كُتِبَ لَهُ، فَيَجْمَعُ بَيْنَ التَّفَكُّرِ والعَمَلِ.

3:195Страница 76

فَٱسۡتَجَابَ لَهُمۡ رَبُّهُمۡ أَنِّي لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَٰمِلٖ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰۖ بَعۡضُكُم مِّنۢ بَعۡضٖۖ فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَٰتَلُواْ وَقُتِلُواْ لَأُكَفِّرَنَّ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَلَأُدۡخِلَنَّهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ ثَوَابٗا مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلثَّوَابِ ١٩٥

Господь их ответил им: «Я не погублю деяния, совершенные любым из вас, будь то мужчина или женщина. Одни из вас произошли от других. А тем, которые переселились или были изгнаны из своих жилищ, были подвергнуты мучениям на Моем пути, сражались и были убиты, Я непременно прощу их злодеяния и введу их в Райские сады, в которых текут реки. Такой будет награда от Аллаха, а ведь у Аллаха - наилучшая награда».

﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهم أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكم مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى بَعْضُكم مِن بَعْضٍ﴾ رُوِيَ أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ ذَكَرَ اللَّهُ الرِّجالَ في الهِجْرَةِ ولَمْ يَذْكُرِ النِّساءَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ، ونَزَلَ آياتٌ في مَعْناها فِيها ذِكْرُ النِّساءِ. ومَعْنى اسْتَجابَ: أجابَ، ويُعَدّى بِنَفْسِهِ وبِاللّامِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ [البقرة: ١٨٦] ونَقَلَ تاجُ القُرّاءِ أنَّ (أجابَ) عامٌّ، و(اسْتَجابَ) خاصٌّ في حُصُولِ المَطْلُوبِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أنِّي) عَلى إسْقاطِ الباءِ، أيْ: بِأنِّي. وقَرَأ أُبَيٌّ (بِأنِّي) بِالباءِ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: (إنِّي) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، فَيَكُونُ عَلى إضْمارِ القَوْلِ عَلى قَوْلِ البَصْرِيِّينَ، أوْ عَلى الحِكايَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿فاسْتَجابَ﴾؛ لِأنَّ فِيهِ مَعْنى القَوْلِ عَلى طَرِيقَةِ الكُوفِيِّينَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أُضِيعُ﴾ مِن أضاعَ. وقَرَأ بَعْضُهم: (أُضَيِّعُ) بِالتَّشْدِيدِ مِن ضَيَّعَ، والهَمْزَةُ والتَّشْدِيدُ فِيهِ لِلنَّقْلِ كَما قالَ الشّاعِرُ:

؎كَمُرْضِعَةٍ أوْلادَ أُخْرى وضَيَّعَتْ بَنِي بَطْنِها هَذا الضَّلالُ عَنِ القَصْدِ

ومَعْنى ذَلِكَ: لا أتْرُكُ جَزاءَ عامِلٍ مِنكم. و(مِنكم) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، أيْ: كائِنٍ مِنكم. وقَوْلُهُ: ﴿مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾، قِيلَ: (مِن) تَبْيِينٌ لِجِنْسِ العامِلِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ الَّذِي هو ذَكَرٌ أوْ أُنْثى. و(مِن) قِيلَ: زائِدَةٌ؛ لِتَقَدُّمِ النَّفْيِ في الكَلامِ. وقِيلَ: (مِن) في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي في العامِلِ في (مِنكم) أيْ: عامِلٍ كائِنٍ مِنكم (p-١٤٤)كائِنًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى. وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾ بَدَلٌ مِن (مِنكم) بَدَلَ الشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ، وهُما لِعَيْنٍ واحِدَةٍ. انْتَهى. فَيَكُونُ قَدْ أعادَ العامِلَ وهو حَرْفُ الجَرِّ، ويَكُونُ بَدَلًا تَفْصِيلِيًّا مِن مُخاطَبٍ. ويُعَكِّرُ عَلى أنْ يَكُونَ بَدَلًا تَفْصِيلِيًّا عَطْفُهُ بِـ (أوْ)، والبَدَلُ التَّفْصِيلِيُّ لا يَكُونُ إلّا بِالواوِ، كَقَوْلِهِ:

؎وكُنْتُ كَذِي رِجْلَيْنِ رِجْلٍ صَحِيحَةٍ ∗∗∗ ورِجْلٍ رَمى فِيها الزَّمانُ فَشُلَّتِ

ويُعَكِّرُ عَلى كَوْنِهِ مِن مُخاطَبٍ أنَّ مَذْهَبَ الجُمْهُورِ: أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُبْدَلَ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ وضَمِيرِ المُخاطَبِ بَدَلَ شَيْءٍ مِن شَيْءٍ وهُما لِعَيْنٍ واحِدَةٍ، وأجازَ ذَلِكَ الأخْفَشُ. هَكَذا أطْلَقَ بَعْضُ أصْحابِنا الخِلافَ، وقَيَّدَهُ بَعْضُهم بِما كانَ البَدَلُ فِيهِ لِإحاطَةٍ، فَإنَّهُ يَجُوزُ إذْ ذاكَ. وهَذا التَّقْيِيدُ صَحِيحٌ، ومِنهُ ﴿تَكُونُ لَنا عِيدًا لِأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ [المائدة: ١١٤] فَقَوْلُهُ ﴿لِأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ [المائدة: ١١٤] بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ في قَوْلِهِ: (لَنا)، وقَوْلُ الشّاعِرِ:

؎فَما بَرِحَتْ أقْدامُنا في مَقامِنا ∗∗∗ ثَلاثَتِنا حَتّى أُرِينا المَنائِيا

فَـ(ثَلاثَتِنا) بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ. وأجازَ ذَلِكَ لِأنَّهُ بَدَلٌ في مَعْنى التَّوْكِيدِ، ويَشْهَدُ لِمَذْهَبِ الأخْفَشِ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎بِكم قُرَيْشٍ كُفِينا كُلَّ مُعْضِلَةٍ ∗∗∗ وأمَّ نَهْجَ الهُدى مَن كانَ ضِلِّيلا

وقَوْلُ الآخَرِ:

؎وشَوْهاءُ تَغْدُو بِي إلى صارِخِ الوَغى ∗∗∗ بِمُسْتَلْئِمٍ مِثْلِ الفَنِيقِ المُرَجَّلِ

فَـ(قُرَيْشٍ) بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِ. و(بِمُسْتَلْئِمٍ) بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ. وقَدْ تَجِيءُ (أوْ) في مَعْنى الواوِ إذا عَطَفَتْ ما لا بُدَّ مِنهُ كَقَوْلِهِ:

؎قَوْمٌ إذا سَمِعُوا الصَّرِيخَ رَأيْتَهم ∗∗∗ مِن بَيْنِ مُلْجِمِ مُهْرِهِ أوْ سافِعِ

يُرِيدُ: وسافِعِ. فَكَذَلِكَ يَجُوزُ ذَلِكَ هُنا في (أوْ) أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الواوِ؛ لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ ﴿عَمَلَ عامِلٍ﴾ دَلَّ عَلى العُمُومِ، ثُمَّ أبْدَلَ مِنهُ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ، وعَطَفَ عَلى حَدِّ الجُزْءَيْنِ ما لا بُدَّ مِنهُ؛ لِأنَّهُ لا يُؤَكَّدُ العُمُومُ إلّا بِعُمُومٍ مِثْلِهِ، فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنَ العَطْفِ حَتّى يُفِيدَ المَجْمُوعُ مِنَ المُتَعاطِفَيْنِ تَأْكِيدَ العُمُومِ، فَصارَ نَظِيرَ:

؎مِن بَيْنِ مُلْجِمِ مُهْرِهِ أوْ سافِعِ

؛ لِأنَّ (بَيْنَ) لا تَدْخُلُ عَلى شَيْءٍ واحِدٍ، فَلا بُدَّ مِن عَطْفِ مُصاحِبِ مَجْرُورِها.

ومَعْنى ﴿بَعْضُكم مِن بَعْضٍ﴾: أيْ مَجْمَعُ ذُكُورِكم وإناثِكم أصْلٌ واحِدٌ، فَكُلُّ واحِدٍ مِنكم مِنَ الآخَرِ أيْ مِن أصْلِهِ. فَإذا كُنْتُمْ مُشْتَرِكِينَ في الأصْلِ، فَكَذَلِكَ أنْتُمْ مُشْتَرِكُونَ في الأجْرِ وتَقَبُّلِ العَمَلِ. فَيَكُونُ (مِن) هُنا تُفِيدُ التَّبْعِيضَ الحَقِيقِيَّ، ويُشِيرُ بِذَلِكَ الِاشْتِراكِ الأصْلِيِّ إلى الِاشْتِراكِ في الأجْرِ عَلى حَدٍّ واحِدٍ. وقِيلَ: مَعْناهُ بَعْضُكم مِن بَعْضٍ في الدِّينِ والنُّصْرَةِ، والمَعْنى: أنَّ وصْفَ الإيمانِ يَجْمَعُهم، كَما جاءَ (المُسْلِمُونَ تَتَكافَأُ دِماؤُهم)، وقِيلَ: مَعْناهُ الذُّكُورُ مِنَ الإناثِ، والإناثُ مِنَ الذُّكُورِ، فَكَذَلِكَ الثَّوابُ. فَكَما اشْتَرَكُوا في هَذِهِ البَعْضِيَّةِ كَذَلِكَ اشْتَرَكُوا في الأجْرِ والثَّوابِ. ومَحْصُولُ مَعْنى هَذِهِ الجُمْلَةِ: أنَّهُ جِيءَ بِها لِتَبْيِينِ شَرِكَةِ النِّساءِ مَعَ الرِّجالِ فِيما وعَدَ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ العامِلِينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ سَبَبِ نُزُولِها، وهو سُؤالُ أُمِّ سَلَمَةَ، وخَرَّجَهُ الحاكِمُ في صَحِيحِهِ.

﴿فالَّذِينَ هاجَرُوا وأُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأُوذُوا في سَبِيلِي﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ لا يُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ، ذَكَرَ مَن عَمِلَ الأعْمالَ السَّنِيَّةَ الَّتِي يَسْتَحِقُّ بِها أنْ لا يَضِيعَ عَمَلُهُ، وأنْ لا يُتْرَكَ جَزاؤُهُ. فَذَكَرَ أوَّلًا الهِجْرَةَ، وهي الخُرُوجُ مِنَ الوَطَنِ الَّذِي لا يُمْكِنُ إقامَةُ دِينِهِ فِيهِ إلى المَكانِ الَّذِي يُمْكِنُ ذَلِكَ فِيهِ، وهَذا مِن أصْعَبِ شَيْءٍ عَلى الإنْسانِ، إذْ هو مُفارَقَةُ المَكانِ الَّذِي رَبا فِيهِ ونَشَأ مَعَ أهْلِهِ وعَلى طَرِيقَتِهِمْ، ولَوْلا نَوازِعُ الغَوى المُرَبّى عَلى وازِعِ النَّشْأةِ ما أمْكَنَهُ ذَلِكَ، ألا تَرى لِقَوْلِ الشّاعِرِ هُما لِابْنِ الرُّومِيِّ:(p-١٤٥)

؎وحَبَّبَ أوْطانَ الرِّجالِ إلَيْهِمُ ∗∗∗ مَآرِبُ قَضّاها الشَّبابُ هُنالِكا

؎إذا ذَكَرُوا أوْطانَهم ذَكَّرَتْهُمُ ∗∗∗ عُهُودَ الصِّبا فِيها فَحَنُّوا لِذَلِكا

وقالَ ابْنُ الصَّفِيِّ رَفاعَةُ بْنُ عاصِمٍ الفَقْعَسِيُّ:

؎أحَبُّ بِلادِ اللَّهِ ما بَيْنَ مَنعِجٍ ∗∗∗ إلَيَّ وسَلْمى أنْ يَصُوبَ سَحابُها

؎بِلادٌ بِها نِيطَتْ عَلَيَّ تَمائِمِي ∗∗∗ وأوَّلُ أرْضٍ مَسَّ جِلْدِي تُرابُها

؎بِها طالَ تَجْرارِي رِدائِيَ حِقْبَةً ∗∗∗ وزَيْنَبُ رَيّا الحَجْلِ دَرْمٌ كِعابُها

واسْمُ الهِجْرَةِ وفَضْلُها الخاصُّ قَدِ انْقَطَعَ بَعْدَ الفَتْحِ، ولَكِنَّ المَعْنى باقٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى المُفاعَلَةِ في هاجَرَ، ثُمَّ ذَكَرَ الإخْراجَ مِنَ الدِّيارِ وهو: أنَّهم أُلْجِئُوا واضْطُرُّوا إلى ذَلِكَ، وفِيهِ إلْزامُ الذَّنْبِ لِلْكُفّارِ. والمَعْنى: أنَّ المُهاجِرِينَ إنَّما أخْرَجَهم سُوءُ عِشْرَةِ الكُفّارِ وقَبِيحُ أفْعالِهِمْ مَعَهم، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإخْراجُ أهْلِهِ مِنهُ أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٧] وإذا كانَ الخُرُوجُ بِرَأْيِ الإنْسانِ وقُوَّةٍ مِنهُ عَلى الأعْداءِ جاءَ الكَلامُ بِنِسْبَةِ الخُرُوجِ إلَيْهِ، فَقِيلَ: خَرَجَ فُلانٌ، قالَ مَعْناهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. قالَ: فَمِن ذَلِكَ إنْكارُ النَّبِيِّ ﷺ عَلى أبِي سُفْيانَ بْنِ الحارِثِ حِينَ أنْشَدَهُ:

؎ورَدَّنِي إلى اللَّهِ مَن طَرَدْتُهُ كُلَّ مَطْرَدِ

فَقالَ لَهُ الرَّسُولُ ﷺ: (أنْتَ طَرَّدْتَنِي كُلَّ مَطْرَدٍ) إنْكارًا عَلَيْهِ. ومِن ذَلِكَ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:

؎فِي عُصْبَةٍ مِن قُرَيْشٍ قالَ قائِلُهُمْ

؎بِبَطْنِ مَكَّةَ لَمّا أسْلَمُوا زُولُوا ∗∗∗ زالُوا فَما زالَ أنْكاسٌ ولا كُشُفٌ عِنْدَ اللِّقاءِ ولا مِيلٌ مَعازِيلُ

انْتَهى. ثُمَّ ذَكَرَ الإذايَةَ في سَبِيلِ اللَّهِ، والمَعْنى: في دِينِ اللَّهِ. وبَدَأ أوَّلًا بِالخاصِّ وهي الهِجْرَةُ وكانَتْ تُطْلَقُ عَلى الهِجْرَةِ إلى المَدِينَةِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وثَنّى بِما يَنْشَأُ عَنْهُ ما هو أعَمُّ مِنَ الهِجْرَةِ وهو الإخْراجُ مِنَ الدِّيارِ. فَقَدْ يَخْرُجُ إلى الهِجْرَةِ إلى المَدِينَةِ أوْ إلى غَيْرِها كَخُرُوجِ مَن خَرَجَ إلى الحَبَشَةِ، وكَخُرُوجِ أبِي جَنْدَلٍ إذْ لَمْ يُتْرَكْ يُقِيمُ بِالمَدِينَةِ. وأتى ثالِثًا بِذِكْرِ الإذايَةِ وهي أعَمُّ مِن أنْ تَكُونَ بِإخْراجٍ مِنَ الدِّيارِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِن أنْواعِ الأذى، وارْتَقى بَعْدَ هَذِهِ الأوْصافِ السَّنِيَّةِ إلى رُتْبَةِ جِهادِ مَن أخْرَجَهُ ومُقاوَمَتِهِ واسْتِشْهادِهِ في دِينِ اللَّهِ، فَجَمَعَ بَيْنَ رُتَبِ هَذِهِ الأعْمالِ مِن تَنْقِيصِ أحْوالِهِ في الحَياةِ لِأجْلِ دِينِ اللَّهِ بِالمُهاجَرَةِ، وإخْراجِهِ مِن دارِهِ وإذايَتِهِ في اللَّهِ، ومَآلِهِ أخِيرًا إلى إفْنائِهِ بِالقَتْلِ في سَبِيلِ اللَّهِ. والظّاهِرُ: الإخْبارُ عَنْ مَن جَمَعَ هَذِهِ الأوْصافَ كُلَّها بِالخَبَرِ الَّذِي بَعْدُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن عَطْفِ الصِّلاتِ. والمَعْنى: اخْتِلافُ المَوْصُولِ لا اتِّحادُهُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فالَّذِينَ هاجَرُوا، والَّذِينَ أُخْرِجُوا والَّذِينَ أُوذُوا، والَّذِينَ قاتَلُوا، والَّذِينَ قُتِلُوا، ويَكُونُ الخَبَرُ عَنْ كُلٍّ مِن هَؤُلاءِ. وقَرَأ جُمْهُورُ السَّبْعَةِ: ﴿وقاتَلُوا وقُتِلُوا﴾، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (وقُتِلُوا وقاتَلُوا)، يَبْدَآنِ بِالمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ، ثُمَّ بِالمَبْنِيِّ لِلْفاعِلِ، فَتَتَخَرَّجُ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى أنَّ الواوَ لا تَدُلُّ عَلى التَّرْتِيبِ، فَيَكُونُ الثّانِي وقَعَ أوَّلًا ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى التَّوْزِيعِ، فالمَعْنى: قُتِلَ بَعْضُهم وقاتَلَ باقِيهِمْ. وقَرَأ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: (وقَتَلُوا وقُتِلُوا) بِغَيْرِ ألِفٍ، وبَدَأ بِبِناءِ الأوَّلِ لِلْفاعِلِ، وبِناءِ الثّانِي لِلْمَفْعُولِ، وهي قِراءَةٌ حَسَنَةٌ في المَعْنى، مُسْتَوْفِيَةٌ لِلْحالَيْنِ عَلى التَّرْتِيبِ المُتَعارَفِ. وقَرَأ مُحارِبُ بْنُ دِثارٍ: (وقَتَلُوا) بِفَتْحِ القافِ (وقاتَلُوا) . وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: (وقُتِلُوا وقاتَلُوا) بِضَمِّ قافِ الأُولى، وتَشْدِيدِ التّاءِ، وهي في التَّخْرِيجِ كالقِراءَةِ الأُولى. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ والحَسَنُ: (وقاتَلُوا وقُتِّلُوا) بِتَشْدِيدِ التّاءِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، أيْ قُطِّعُوا في المَعْرَكَةِ.

﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ولَأُدْخِلَنَّهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ لَأُكَفِّرَنَّ: جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، والقَسَمُ وما تَلَقّى بِهِ خَبَرٌ (p-١٤٦)عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فالَّذِينَ هاجَرُوا﴾ وفي هَذِهِ الآيَةِ ونَظِيرِها مِن قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾ [النحل: ٤١] ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ [العنكبوت: ٦٩] وقَوْلِ الشّاعِرِ:

؎جَشَأتْ فَقُلْتُ اللَّذْ خَشِيتِ لِيَأْتِيَنْ ∗∗∗ وإذا أتاكِ فَلاتَ حِينَ مَناصِ

رَدٌّ عَلى أحْمَدَ بْنِ يَحْيى ثَعْلَبٍ إذْ زَعَمَ أنَّ الجُمْلَةَ الواقِعَةَ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ لا تَكُونُ قَسَمِيَّةً.

﴿ثَوابًا مِن عِنْدِ اللَّهِ واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ﴾ انْتَصَبَ ثَوابًا عَلى المَصْدَرِ المُؤَكَّدِ، وإنْ كانَ الثَّوابُ هو المُثابُ بِهِ، كَما كانَ العَطاءُ هو المُعْطى. واسْتُعْمِلَ في بَعْضِ المَواضِعِ بِمَعْنى المَصْدَرِ الَّذِي هو الإعْطاءُ، فَوَضَعَ ثَوابًا مَوْضِعَ إثابَةً، أوْ مَوْضِعَ تَثْوِيبًا؛ لِأنَّ ما قَبْلَهُ في مَعْنى لَأُثِيبَنَّهم. ونَظِيرُهُ: صُنْعَ اللَّهِ ووَعْدَ اللَّهِ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن جَنّاتٍ، أيْ: مُثابًا بِها، أوْ مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ في: ﴿ولَأُدْخِلَنَّهُمْ﴾ أيْ مُثابِينَ. وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن جَنّاتٍ عَلى تَضْمِينِ ﴿ولَأُدْخِلَنَّهُمْ﴾ مَعْنى: ولَأُعْطِيَنَّهم. وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى، أيْ: يُعْطِيهِمْ ثَوابًا. وقِيلَ: انْتَصَبَ عَلى التَّمْيِيزِ. وقالَ الكِسائِيُّ: هو مَنصُوبٌ عَلى القَطْعِ، ولا يَتَوَجَّهُ لِي مَعْنى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ هُنا.

ومَعْنى: مِن عِنْدِ اللَّهِ، أيْ مِن جِهَةِ فَضْلِ اللَّهِ، وهو مُخْتَصٌّ بِهِ، لا يُثِيبُهُ غَيْرُهُ، ولا يَقْدِرُ عَلَيْهِ. كَما تَقُولُ عِنْدِي ما تُرِيدُ، تُرِيدُ اخْتِصاصَكَ بِهِ وتَمَلُّكَهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ بِحَضْرَتِكَ. وأعْرَبُوا ﴿عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ﴾ مُبْتَدَأً، وخَبَرًا في مَوْضِعِ خَبَرِ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ. والأحْسَنُ أنْ يَرْتَفِعَ (حُسْنُ) عَلى الفاعِلِيَّةِ، إذْ قَدِ اعْتَمَدَ الظَّرْفُ بِوُقُوعِهِ خَبَرًا، فالتَّقْدِيرُ: واللَّهُ مُسْتَقِرٌّ، أوِ اسْتَقَرَّ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا تَعْلِيمٌ مِنَ اللَّهِ كَيْفَ يُدْعى ؟ وكَيْفَ يُبْتَهَلُ إلَيْهِ ويُتَضَرَّعُ ؟ وتَكْرِيرُ (رَبَّنا) مِن بابِ الِابْتِهالِ، وإعْلامٌ بِما يُوجِبُ حُسْنَ الإجابَةِ وحُسْنَ الإثابَةِ مِنِ احْتِمالِ المَشاقِّ في دِينِ اللَّهِ والصَّبْرِ عَلى صُعُوبَةِ تَكالِيفِهِ، وقَطْعٍ لِأطْماعِ الكُسالى المُتَمَنِّينَ عَلَيْهِ، وتَسْجِيلٍ عَلى مَن لا يَرى الثَّوابَ مَوْصُولًا إلَيْهِ بِالعَمَلِ بِالجَهْلِ والغَباوَةِ. انْتَهى. وآخِرُ كَلامِهِ إشارَةٌ إلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ وطَعْنٍ عَلى أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English