Абу ХайянЙа Син · 36:28–54

Абу Хайян · Тафсир · на арабском

Йа Син 36:28–54, продолжение

وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ ما مُلَخَّصُهُ: في المُسْتَقَرِّ وُجُوهٌ في الزَّمانِ وفي المَكانِ، فَفي الزَّمانِ اللَّيْلُ أوِ السَّنَةُ أوْ يَوْمُ القِيامَةِ، وفي المَكانِ غايَةُ ارْتِفاعِها في الصَّيْفِ وانْخِفاضِها في الشِّتاءِ، وتَجْرِي إلى ذَلِكَ المَوْضِعِ فَتَرْجِعُ، أوْ غايَةُ مَشارِقِها، فَلَها في كُلِّ يَوْمٍ مَشْرِقٌ إلى سِتَّةِ أشْهُرٍ، ثُمَّ تَعُودُ عَلى تِلْكَ المُقَنْطَراتِ؛ وهَذا هو ما تَقَدَّمَ في الِارْتِفاعِ. فَإنَّ اخْتِلافَ المَشارِقِ سَبَبُ اخْتِلافِ الِارْتِفاعِ، أوْ وُصُولِها إلى بَيْتِها في الأسَدِ، أوِ الدّائِرَةِ الَّتِي عَلَيْها حَرَكَتُها، حَيْثُ لا تَمِيلُ عَنْ مِنطَقَةِ البُرُوجِ عَلى مُرُورِ الشَّمْسِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: تَجْرِي مَجْرى مُسْتَقَرِّها، فَإنَّ أصْحابَ الهَيْئَةِ قالُوا: الشَّمْسُ في فَلَكٍ، والفَلَكُ يَدُورُ فَيُدِيرُ الشَّمْسَ، فالشَّمْسُ تَجْرِي مَجْرى مُسْتَقَرِّها. انْتَهى. وقُرِئَ: إلى مُسْتَقَرِّها. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وعَطاءُ بْنُ رَباحٍ، وزَيْنُ العابِدِينَ، والباقِرُ، وابْنُهُ الصّادِقُ، وابْنُ أبِي عَبْدَةَ: لا مُسْتَقَرَّ لَها، نَفْيًا مَبْنِيًّا عَلى الفَتْحِ، فَيَقْتَضِي انْتِفاءَ كُلِّ مُسْتَقَرٍّ وذَلِكَ في الدُّنْيا، أيْ هي تَجْرِي دائِمًا فِيها، لا تَسْتَقِرُّ؛ إلّا ابْنَ أبِي عَبْلَةَ، فَإنَّهُ قَرَأ بِرَفْعِ (مُسْتَقَرٌّ) وتَنْوِينِهِ عَلى إعْمالِها إعْمالَ لَيْسَ، نَحْوُ قَوْلِ الشّاعِرِ:

؎تَعِزُّ فَلا شَيْءَ عَلى الأرْضِ باقِيًا ∗∗∗ ولا وِزْرٌ مِمّا قَضى اللَّهُ واقِيا

الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى جَرْيِ الشَّمْسِ: أيْ ذَلِكَ الجَرْيُ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ والحِسابِ الدَّقِيقِ.

﴿تَقْدِيرُ العَزِيزِ﴾ الغالِبُ بِقُدْرَتِهِ عَلى كُلِّ مَقْدُورٍ، المُحِيطُ عِلْمًا بِكُلِّ مَعْلُومٍ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهُ. (والقَمَرُ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِالنَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ. و(قَدَّرْناهُ) عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ قَدَّرْنا سَيْرَهُ، و(مَنازِلَ) ظَرْفٌ، أيْ مَنازِلَهُ؛ وقِيلَ: قَدَّرْنا نُورَهُ في مَنازِلَ، فَيَزِيدُ مِقْدارُ النُّورِ كُلَّ يَوْمٍ في المَنازِلِ الِاجْتِماعِيَّةِ ويَنْقُصُ في المَنازِلِ الِاسْتِقْبالِيَّةِ. وقِيلَ: قَدَّرْناهُ: جَعَلْنا أنَّهُ أُجْرِيَ جَرْيُهُ عَكْسَ مَنازِلِ أنْوارِ الشَّمْسِ، ولا يَحْتاجُ إلى حَذْفِ حَرْفِ الصِّفَةِ، فَإنَّ جِرْمَ القَمَرِ مُظْلِمٌ، يَنْزِلُ فِيهِ النُّورُ لِقَبُولِهِ عَكْسُ ضِياءِ الشَّمْسِ، مِثْلُ المِرْآةِ المَجْلُوَّةِ إذا قُوبِلَ بِها الشُّعاعُ.

وهَذِهِ المَنازِلُ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ العَرَبِ، وهي ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ مَنزِلَةً، يَنْزِلُ القَمَرُ كُلَّ لَيْلَةٍ في واحِدٍ مِنها، لا يَتَخَطّاهُ ولا يَتَقاصَرُ عَنْهُ، عَلى تَقْدِيرٍ مُسْتَوٍ لا بِتَفاوُتٍ، يَسِيرُ فِيها مِن لَيْلَةِ المُسْتَهَلِّ إلى الثّامِنَةِ والعِشْرِينَ، ثُمَّ يَسِيرُ (p-٣٣٧)لَيْلَتَيْنِ إذا نَقَصَ الشَّهْرُ، وهَذِهِ المَنازِلُ هي مَواقِعُ النُّجُومِ الَّتِي نَسَبَتْ إلَيْها العَرَبُ الأنْواءَ المُسْتَمْطِرَةَ، وهي: الشَّرَطانِ، البَطِينُ، الثُّرَيّا، الدَّبَرانِ، الهَقْعَةُ، الهَنْعَةُ، الذِّراعُ، النَّثْرَةُ، الطَّرْفُ، الجَبْهَةُ، الدَّبْرَةُ، الصَّرْفَةُ، العَوّاءُ، السِّماكُ، العَفْرُ، الزُّبانى، الإكْلِيلُ، القَلْبُ، الشَّوْلَةُ، النَّعائِمُ، البَلْدَةُ، سَعْدُ الذّابِحِ، سَعْدُ بُلَعَ، سَعْدُ السُّعُودِ، سَعْدُ الأخْبِيَةِ، فَرْعُ الدَّلْوِ المُقَدَّمُ، فَرْعُ الدَّلْوِ المُؤَخَّرُ، بَطْنُ الحُوتِ، ويُقالُ لَهُ الرِّشاءُ، فَإذا كانَ في آخِرِ مَنازِلِهِ دَقَّ واسْتَقْوَسَ واصْفَرَّ، فَشُبِّهَ بِالعُرْجُونِ القَدِيمِ مِن ثَلاثَةٍ إلّا وجْهًا. وقَرَأ سُلَيْمانُ التَّيْمِيُّ: كالعِرْجَوْنِ، بِكَسْرِ العَيْنِ وفَتْحِ الجِيمِ؛ والجُمْهُورُ: بِضَمِّها، وهُما لُغَتانِ كالبِرْيُونِ. و(القَدِيمِ) ما مَرَّ عَلَيْهِ زَمانٌ طَوِيلٌ. وقِيلَ: أقَلُّ عِدَّةِ المَوْصُوفِ بِالقِدَمِ حَوْلٌ، فَلَوْ قالَ رَجُلٌ: كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي قَدِيمٌ فَهو حُرٌّ، أوْ كَتَبَ ذَلِكَ في وصِيَّةٍ، عَتَقَ مِنهم مَن مَضى لَهُ حَوْلٌ وأكْثَرُ. انْتَهى. والقِدَمُ أمْرٌ نِسْبِيٌّ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى ما لَيْسَ لَهُ سَنَةٌ ولا سَنَتانِ، فَلا يُقالُ العالَمُ قَدِيمٌ، وإنَّما تُعْتَبَرُ العادَةُ في ذَلِكَ.

﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ يَنْبَغِي لَها مُسْتَعْمَلَةٌ فِيما لا يُمْكِنُ خِلافُهُ، أيْ لَمْ يَجْعَلْ لَها قُدْرَةً عَلى ذَلِكَ، وهَذا الإدْراكُ المُنْبَغِي هو، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ وآيَتِيهِما قِسْمًا مِنَ الزَّمانِ، وضَرَبَ لَهُ حَدًّا مَعْلُومًا، ودَبَّرَ أمْرَهُما عَلى التَّعاقُبِ. فَلا يَنْبَغِي لِلشَّمْسِ أنْ لا يَسْتَهِلَّ لَها، ولا يَصِحَّ، ولا يَسْتَقِيمَ، لِوُقُوعِ التَّدْبِيرِ عَلى العاقِبَةِ. وإنْ جُعِلَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ النَّيِّرَيْنِ سُلْطانٌ، عَلى حِيالِهِ أنْ يُدْرِكَ القَمَرَ، فَتَجْتَمِعَ مَعَهُ في وقْتٍ واحِدٍ، وتُداخِلَهُ في سُلْطانِهِ، فَتَطْمِسَ نُورَهُ. ولا يَسْبِقَ اللَّيْلُ النَّهارَ، يَعْنِي آيَةَ اللَّيْلِ آيَةَ النَّهارِ، وهُما النَّيِّرانِ. ولا يَزالُ الأمْرُ عَلى هَذا التَّرْتِيبِ إلى أنْ يُبْطِلَ اللَّهُ ما دَبَّرَ مِن ذَلِكَ، ويُنْقِصَ ما ألَّفَ، فَيَجْمَعَ بَيْنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ، فَتَطْلُعَ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِها. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ: إذا طَلَعَتْ، لَمْ يَكُنْ لِلْقَمَرِ ضَوْءٌ؛ وإذا طَلَعَ، لَمْ يَكُنْ لِلشَّمْسِ ضَوْءٌ. وقالَ مُجاهِدٌ: لا يُشْبِهُ ضَوْءُ أحَدِهِما ضَوْءَ الآخَرِ. وقالَ قَتادَةُ: لِكُلِّ أحَدٍ حَدٌّ لا يَعْدُوهُ ولا يَقْصُرُ دُونَهُ، إذا جاءَ سُلْطانُ هَذا ذَهَبَ هَذا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: إذا اجْتَمَعا في السَّماءِ، كانَ أحَدُهُما بَيْنَ يَدِيِ الآخَرِ، في مَنازِلَ لا يَشْتَرِكانِ فِيها. وقالَ الحَسَنُ: لا يَجْتَمِعانِ في السَّماءِ لَيْلَةَ الهِلالِ خاصَّةً، أيْ لا تَبْقى الشَّمْسُ حَتّى يَطْلُعَ الفَجْرُ، ولَكِنْ إذا غَرَبَتْ طَلَعَ. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ: لا تُدْرِكُهُ لَيْلَةَ البَدْرِ خاصَّةً؛ لِأنَّهُ يُبادِرُ بِالمَغِيبِ قَبْلَ طُلُوعِها. وقِيلَ: لا يُمْكِنُها أنْ تُدْرِكَهُ في سُرْعَتِهِ؛ لِأنَّ دائِرَةَ فَلَكِ القَمَرِ داخِلَةٌ في فَلَكِ عُطارِدٍ، وفَلَكُ عُطارِدٍ داخِلٌ في فَلَكِ الزُّهْرَةِ، وفَلَكُ الزُّهْرَةِ داخِلٌ في فَلَكِ الشَّمْسِ. فَإذا كانَ طَرِيقُ الشَّمْسِ أبْعَدَ، قَطَعَ القَمَرُ جَمِيعَ أجْزاءِ فَلَكِهِ، أيْ مِنَ البُرُوجِ الِاثْنَيْ عَشْرَ، في زَمانٍ تَقْطَعُ الشَّمْسُ فِيهِ بُرْجًا واحِدًا مِن فَلَكِهِ. وقالَ النَّحّاسُ: ما قِيلَ فِيهِ، وأبَيْنُهُ أنَّ مَسِيرَ القَمَرِ مَسِيرٌ سَرِيعٌ، والشَّمْسُ لا تُدْرِكُهُ في السَّيْرِ. انْتَهى، وهو مُلَخَّصُ القَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ ﴿ولا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ﴾، لا يُعارِضُ قَوْلَهُ ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ [الأعراف: ٥٤]؛ لِأنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ ﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ [الأعراف: ٥٤]، أنَّ النَّهارَ سابِقٌ أيْضًا، فَيُوافِقُ الظّاهِرَ. وفَهِمَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ مِن قَوْلِهِ ﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ [الأعراف: ٥٤] أنَّ النَّهارَ يَطْلُبُ اللَّيْلَ، واللَّيْلُ سابِقُهُ. وفَهِمَ مِن قَوْلِهِ ﴿ولا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ﴾ أنَّ اللَّيْلَ مَسْبُوقٌ لا سابِقٌ، فَأوْرَدَهُ سُؤالًا. وقالَ: كَيْفَ يَكُونُ اللَّيْلُ سابِقًا مَسْبُوقًا ؟ وأجابَ بِأنَّ المُرادَ مِنَ اللَّيْلِ هَنا سُلْطانُ اللَّيْلِ، وهو القَمَرُ، وهو لا يَسْبِقُ الشَّمْسَ بِالحَرَكَةِ اليَوْمِيَّةِ السَّرِيعَةِ. والمُرادُ مِنَ اللَّيْلِ هُناكَ نَفْسُ اللَّيْلِ، وكُلُّ واحِدٍ لَمّا كانَ في عَقِبِ الآخَرِ كانَ طالِبَهُ. انْتَهى. وعَرَضَ لَهُ هَذا السُّؤالُ لِكَوْنِهِ جَعَلَ الضَّمِيرَ الفاعِلَ في يَطْلُبُهُ عائِدًا عَلى النَّهارِ، وضَمِيرَ المَفْعُولِ عائِدًا عَلى اللَّيْلِ. والظّاهِرُ أنَّ ضَمِيرَ الفاعِلِ عائِدٌ عَلى ما هو الفاعِلُ في المَعْنى وهو اللَّيْلُ؛ لِأنَّهُ كانَ قَبْلَ دُخُولِ (p-٣٣٨)هَمْزَةِ النَّقْلِ ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وضَمِيرُ المَفْعُولِ عائِدٌ عَلى النَّهارِ؛ لِأنَّهُ المَفْعُولُ قَبْلَ النَّقْلِ وبَعْدَهُ. وقَرَأ عِمارَةُ بْنُ عَقِيلِ بْنِ بِلالِ بْنِ جَرِيرٍ الخَطَفِيُّ: سابِقُ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، النَّهارَ بِالنَّصْبِ. قالَ المُبَرِّدُ: سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فَقُلْتُ: ما هَذا ؟ قالَ: أرَدْتُ سابِقَ النَّهارِ، فَحَذَفْتُ لِأنَّهُ أخَفُّ. انْتَهى، وحَذَفَ التَّنْوِينَ فِيهِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وتَقَدَّمَ شَرْحُ ﴿وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ في سُورَةِ الأنْبِياءِ.

والظّاهِرُ مِنَ الذُّرِّيَّةِ أنَّهُ يُرادُ بِهِ الأبْناءُ ومَن نَشَأ مِنهم. وقِيلَ: يَنْطَلِقُ عَلى الآباءِ وعَلى الأبْناءِ، قالَهُ أبُو عُثْمانَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا تَخْلِيطٌ، ولا يُعْرَفُ هَذا في اللُّغَةِ. انْتَهى. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الذُّرِّيَّةِ في آلِ عِمْرانَ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في لَهم وفي ذُرِّيّاتِهِمْ عائِدٌ عَلى شَيْءٍ واحِدٍ، فالمَعْنى أنَّهُ تَعالى حَمَلَ ذُرِّيّاتِ هَؤُلاءِ، وهم آباؤُهُمُ الأقْدَمُونَ، في سَفِينَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ. ومِن مِثْلِهِ: لِلسُّفُنِ المَوْجُودَةِ في جِنْسِ بَنِي آدَمَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ أوْ أُرِيدَ بِقَوْلِهِ (ذُرِّيّاتِهِمْ) حَذْفُ مُضافٍ، أيْ ذُرِّيّاتِ جِنْسِهِمْ، وأُرِيدَ بِالذُّرِّيَّةِ مَن لا يُطِيقُ المَشْيَ والرُّكُوبَ مِنَ الذُّرِّيَّةِ والضُّعَفاءِ. فالفَلَكُ اسْمُ جِنْسٍ مَنَّ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، وكَوْنُ الفَلَكِ مُرادًا بِهِ الجِنْسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا ومُجاهِدٌ والسُّدِّيٌّ، ومِن مِثْلِهِ: الإبِلُ وسائِرُ ما يُرْكَبُ. وقِيلَ: الضَّمِيرانِ مُخْتَلِفانِ، أيْ ذُرِّيَّةُ القُرُونِ الماضِيَةِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ، وكانَ آيَةً لِهَؤُلاءِ، إذْ هم نَسْلُ تِلْكَ الذُّرِّيَّةِ. وقِيلَ: الذُّرِّيَّةُ: النُّطَفُ، (والفُلْكِ المَشْحُونِ) بُطُونُ النِّساءِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ، ونُسِبَ إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وهَذا لا يَصِحُّ؛ لِأنَّهُ مِن نَوْعِ تَفْسِيرِ الباطِنِيَّةِ وغُلاةِ المُتَصَوِّفَةِ الَّذِينَ يُفَسِّرُونَ كِتابَ اللَّهِ عَلى شَيْءٍ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ بِجِهَةٍ مِن جِهاتِ الدَّلالَةِ، يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ. ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ أُرِيدَ ظاهِرُ الفُلْكِ قَوْلُهُ ﴿وخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ يَعْنِي الإبِلَ والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ، والمُماثَلَةُ في أنَّهُ مَرْكُوبٌ مُبَلِّغٌ لِلْأوْطانِ فَقَطْ، هَذا إذا كانَ الفُلْكُ جِنْسًا. وأمّا إنْ أُرِيدَ بِهِ سَفِينَةُ نُوحٍ، فالمُماثَلَةُ تَكُونُ في كَوْنِها سُفُنًا مِثْلَها، وهي المَوْجُودَةُ في بَنِي آدَمَ. ويَبْعُدُ قَوْلُ مَن قالَ: الذُّرِّيَّةُ في الفُلْكِ قَوْمُ نُوحٍ في سَفِينَتِهِ، والمِثْلُ: الأجَلُ وما يُرْكَبُ؛ لِأنَّهُ يَدْفَعُهُ قَوْلُهُ ﴿وإنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾ . وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والأعْمَشُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وأبانُ بْنُ عُثْمانَ: ذُرِّيّاتِهِمْ بِالجَمْعِ؛ وكَسَرَ زَيْدٌ وأبانٌ الذّالَ؛ وباقِي السَّبْعَةِ، وطَلْحَةُ، وعِيسى: بِالإفْرادِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ذُرِّيَّتَهم: أوْلادَهم ومَن يُهِمُّهم حَمْلُهُ. وقِيلَ: اسْمُ الذُّرِّيَّةِ يَقَعُ عَلى النِّساءِ؛ لِأنَّهُنَّ مَزارِعُها. وفي الحَدِيثِ:«أنَّهُ نَهى عَنْ قَتْلِ الذَّرارِي»، يَعْنِي النِّساءَ.

﴿مِن مِثْلِهِ﴾ مِن مِثْلِ الفُلْكِ، ﴿ما يَرْكَبُونَ﴾ مِنَ الإبِلِ، وهي سَفائِنُ البَرِّ. وقِيلَ ﴿الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ سَفِينَةُ نُوحٍ. ومَعْنى حَمَلَ اللَّهُ ذُرِّيّاتِهِمْ فِيها: أنَّهُ حُمِلَ فِيها آباؤُهُمُ الأقْدَمُونَ، وفِيِ أصْلابِهِمْ هم وذُرِّيّاتُهم. وإنَّما ذَكَرَ ذُرِّيّاتِهِمْ دُونَهم؛ لِأنَّهُ أبْلَغُ في الِامْتِنانِ عَلَيْهِمْ، وأدْخَلُ في التَّعَجُّبِ مِن قُدْرَتِهِ في حَمْلِ أعْقابِهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ في سَفِينَةِ نُوحٍ. و﴿مِن مِثْلِهِ﴾ مِن مِثْلِ ذَلِكَ الفُلْكِ، ﴿ما يَرْكَبُونَ﴾ مِنَ السُّفُنِ. انْتَهى. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: إنَّما خَصَّ الذُّرِّيّاتِ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّ المَوْجُودِينَ كانُوا كُفّارًا لا فائِدَةَ في وُجُودِهِمْ، أيْ لَمْ يَكُنِ الحَمْلُ حَمْلًا لَهم، وإنَّما كانَ حَمْلًا لِما في أصْلابِهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ. وقالَ أيْضًا: الضَّمِيرُ في وآيَةٌ لَهم عائِدٌ عَلى العِبادِ في قَوْلِهِ ﴿ياحَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾ ثُمَّ قالَ بَعْدُ ﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ أحْيَيْناها﴾، ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ﴾، ﴿وآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ ذُرِّيّاتِ العِبادِ، ولا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في المَوْضِعَيْنِ لِمَعْنَيَيْنِ، فَهو كَقَوْلِهِ ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، إنَّما يُرِيدُ: لا يَقْتُلُ بَعْضُكم بَعْضًا، فَذَلِكَ هَذا.

﴿وآيَةٌ لَهُمْ﴾ أيْ آيَةُ كُلِّ بَعْضٍ مِنهم، ﴿أنّا حَمَلْنا﴾ ذُرِّيَّةَ كُلِّ بَعْضٍ مِنهم، أوْ ذُرِّيَّةَ بَعْضٍ مِنهم. انْتَهى. والظّاهِرُ في قَوْلِهِ (وخَلَقْنا) أنَّهُ أُرِيدَ الإنْشاءُ والِاخْتِراعُ، فالمُرادُ الإبِلُ وما يُرْكَبُ، وتَكُونُ مِن لِلْبَيانِ، وإنْ كانَ ما يَصْنَعُهُ الإنْسانُ قَدْ يُنْسَبُ إلى اللَّهِ خَلْقًا، لَكِنَّ الأكْثَرَ ما ذَكَرْنا. وإذا أُرِيدَ بِهِ السُّفُنُ، تَكُونُ مِن لِلتَّبْعِيضِ، ولَهُمُ الظّاهِرُ عَوْدُهُ عَلى ما عادَ عَلَيْهِ ﴿وآيَةٌ لَهُمْ﴾؛ لِأنَّهُ المُحَدِّثَ عَنْهم، وجُوِّزَ أنْ يَعُودَ عَلى الذُّرِّيَّةِ؛ والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في مِثْلِهِ عائِدٌ عَلى (p-٣٣٩)الفُلْكِ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى مَعْلُومٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ وتَقْدِيرُهُ: مِن مِثْلِ ما ذَكَرْنا مِنَ المَخْلُوقاتِ في قَوْلِهِ ﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ﴾، كَما قالُوا: في قَوْلِهِ ﴿مِن ثَمَرِهِ﴾، أيْ مِن ثَمَرِ ما ذَكَرْنا. وقَرَأ الحَسَنُ: (نُغَرِّقُهم) مُشَدَّدًا؛ والجُمْهُورُ: مُخَفَّفًا؛ والصَّرِيخُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى صارِخٍ: أيْ مُسْتَغِيثٍ، وبِمَعْنى مُصْرِخٍ: أيْ مُغِيثٍ، وهَذا مَعْناهُ هُنا، أيْ فَلا مُغِيثَ لَهم ولا مُعِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ ﴿فَلا صَرِيخَ لَهُمْ﴾ أيْ فَلا إغاثَةَ لَهم. انْتَهى. كَأنَّهُ جَعَلَهُ مَصْدَرًا مِن أفْعَلَ، ويَحْتاجُ إلى نَقْلِ أنَّ صَرِيخًا يَكُونُ مَصْدَرًا بِمَعْنى صُراخٍ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿فَلا صَرِيخَ لَهُمْ﴾ أيْ لا مُغِيثَ لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ شاءَ اللَّهُ إغْراقَهم، ﴿ولا هم يُنْقَذُونَ﴾ أيْ يَنْجُونَ مِنَ المَوْتِ بِالغَرَقِ. نَفى أوَّلًا الصَّرِيخَ، وهو خاصٌّ؛ ثُمَّ نَفى ثانِيًا إنْقاذَهم بِصَرِيخٍ أوْ غَيْرِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهُ ﴿فَلا صَرِيخَ لَهُمْ﴾ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَنِ المُسافِرِينَ في البَحْرِ، ناجِينَ كانُوا أوْ مُغْرَقِينَ، فَهم في هَذِهِ الحالِ لا نَجاةَ لَهم إلّا بِرَحْمَةِ اللَّهِ. ولَيْسَ قَوْلُهُ ﴿فَلا صَرِيخَ لَهُمْ﴾ مَرْبُوطًا بِالمُغْرَقِينَ، وقَدْ يَصِحُّ رَبْطُهُ بِهِ، والأوَّلُ أحْسَنُ فَتَأمَّلْهُ. انْتَهى، ولَيْسَ بِحَسَنٍ ولا أحْسَنَ. والفاءُ في ﴿فَلا صَرِيخَ لَهُمْ﴾ تُعَلِّقُ الجُمْلَةَ بِما قَبْلَها تَعْلِيقًا واضِحًا، وتَرْتَبِطُ بِهِ رَبْطًا لائِحًا. والخَلاصُ مِنَ العَذابِ بِما يَدْفَعُهُ مِن أصْلِهِ، فَنُفِيَ بِقَوْلِهِ ﴿فَلا صَرِيخَ لَهُمْ﴾، وما يَرْفَعُهُ بَعْدَ وُقُوعِهِ، فَنُفِيَ بِقَوْلِهِ ﴿ولا هم يُنْقَذُونَ﴾ . وانْتُصِبَ (رَحْمَةً) عَلى الِاسْتِثْناءِ المُفَرَّغِ لِلْمَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، أيْ لِرَحْمَةٍ مِنّا. وقالَ الكِسائِيُ، والزَّجّاجُ ﴿إلى حِينٍ﴾ أيْ إلى حِينِ المَوْتِ، قالَهُ قَتادَةُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إمّا لِرَحْمَةٍ مِنّا، ولِيَتَمَتَّعَ بِالحَياةِ إلى حِينٍ: أيْ إلى أجَلٍ يَمُوتُونَ فِيهِ لا بُدَّ لَهم مِنهُ بَعْدَ النَّجاةِ مِن مَوْتِ الغَرَقِ. انْتَهى. وإنَّما قالَ: لا بُدَّ لَهم مِن مَوْتِ الغَرَقِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ ﴿وإنْ نَشَأْ﴾ أيْ إغْراقَهم، ﴿نُغْرِقْهُمْ﴾ فَمَن شاءَ إغْراقَهُ لا بُدَّ أنْ يَمُوتَ بِالغَرَقِ. والظّاهِرُ أنَّ ﴿مِنّا ومَتاعًا إلى حِينٍ﴾ يَكُونُ لِلَّذِينِ يُنْقَذُونَ، فَلا يُفِيدُ الدَّوامَ، بَلْ يُنْقِذُهُ اللَّهُ رَحْمَةً لَهُ ويُمَتِّعُهُ إلى حِينٍ ثُمَّ يُمِيتُهُ. وقِيلَ: فِيهِ تَقْسِيمٌ، إلّا رَحْمَةً لِمَن عَلِمَ أنَّهُ يُؤْمِنُ فَيُنْقِذُهُ اللَّهُ رَحْمَةً، ومَن عَلِمَ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ يَمْنَعُهُ زَمانًا ويَزْدادُ إثْمًا.

36:45–54Страница 443

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّقُواْ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيكُمۡ وَمَا خَلۡفَكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ٤٥

Когда им говорят: «Бойтесь того, что перед вами, и того, что после вас, чтобы вы были помилованы», - они не отвечают.

وَمَا تَأۡتِيهِم مِّنۡ ءَايَةٖ مِّنۡ ءَايَٰتِ رَبِّهِمۡ إِلَّا كَانُواْ عَنۡهَا مُعۡرِضِينَ ٤٦

Какое бы знамение из знамений их Господа не явилось к ним, они непременно отворачиваются от него.

وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنُطۡعِمُ مَن لَّوۡ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطۡعَمَهُۥٓ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٤٧

Когда им говорят: «Расходуйте из того, чем вас наделил Аллах», - неверующие говорят верующим: «Неужели мы будем кормить того, кого накормил бы Аллах, если бы пожелал? Воистину, вы лишь находитесь в очевидном заблуждении».

وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡوَعۡدُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٤٨

Они говорят: «Когда сбудется это обещание, если вы говорите правду?».

مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ تَأۡخُذُهُمۡ وَهُمۡ يَخِصِّمُونَ ٤٩

Им нечего ожидать, кроме одного только гласа, который поразит их тогда, когда они будут препираться.

فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ تَوۡصِيَةٗ وَلَآ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِمۡ يَرۡجِعُونَ ٥٠

Они не смогут ни оставить завещание, ни вернуться к своим семьям.

وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلۡأَجۡدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ يَنسِلُونَ ٥١

Протрубят в Рог, и вот они устремляются к своему Господу из могил.

قَالُواْ يَٰوَيۡلَنَا مَنۢ بَعَثَنَا مِن مَّرۡقَدِنَاۜۗ هَٰذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَصَدَقَ ٱلۡمُرۡسَلُونَ ٥٢

Они скажут: «О горе нам! Кто поднял нас с места, где мы спали?». Это - то, что обещал Милостивый, и посланники говорили правду».

إِن كَانَتۡ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ فَإِذَا هُمۡ جَمِيعٞ لَّدَيۡنَا مُحۡضَرُونَ ٥٣

Будет один только глас, и все они будут собраны у Нас.

فَٱلۡيَوۡمَ لَا تُظۡلَمُ نَفۡسٞ شَيۡـٔٗا وَلَا تُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٥٤

Сегодня ни одной душе не будет причинено никакой несправедливости, и вам воздастся только за то, что вы совершали.

﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أيْدِيكم وما خَلْفَكم لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ ﴿وإذا قِيلَ لَهم أنْفِقُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أنُطْعِمُ مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أطْعَمَهُ إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿ما يَنْظُرُونَ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهم وهم يَخِصِّمُونَ﴾ ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً ولا إلى أهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ فَإذا هم مِنَ الأجْداثِ إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ ﴿قالُوا ياوَيْلَنا مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ﴾ ﴿إنْ كانَتْ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإذا هم جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ ﴿فاليَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ولا تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ في شُغُلٍ فاكِهُونَ﴾ [يس: ٥٥] ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ عَلى الأرائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس: ٥٦] ﴿لَهم فِيها فاكِهَةٌ ولَهم ما يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧] .

(p-٣٤٠)الضَّمِيرُ في (لَهم) لِقُرَيْشٍ، و﴿ما بَيْنَ أيْدِيكُمْ﴾ قالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: عَذابُ الأُمَمِ قَبْلَكم، ﴿وما خَلْفَكُمْ﴾ عَذابُ الآخِرَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: عَكْسَهُ. وقالَ الحَسَنُ: خُوِّفُوا بِما مَضى مِن ذُنُوبِهِمْ وما يَأْتِي مِنها. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا، كَقَوْلِ الحَسَنِ (ما تَقَدَّمَ مِن) ذُنُوبِكم وما تَأخَّرَ، ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ . وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ، أيْ أعْرَضُوا.

﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ﴾ أيْ دَأْبُهُمُ الإعْراضُ عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ تَأْتِيهِمْ.

﴿وإذا قِيلَ لَهم أنْفِقُوا﴾ لَمّا أسْلَمَ حَواشِي الكُفّارِ مِن أقْرِبائِهِمْ ومَوالِيهِمْ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ، قَطَعُوا عَنْهم ما كانُوا يُواسُونَهم بِهِ، وكانَ ذَلِكَ بِمَكَّةَ أوَّلًا قَبْلَ نُزُولِ آياتِ القِتالِ، فَنَدَبَهُمُ المُؤْمِنُونَ إلى صِلَةِ قُراباتِهِمْ فَقالُوا ﴿أنُطْعِمُ مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أطْعَمَهُ﴾ . وقِيلَ: سُحِقَ قُرَيْشٌ بِسَبَبِ أذِيَّةِ المَساكِينِ مِن مُؤْمِنٍ وغَيْرِهِ، فَنَدَبَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ إلى النَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ، فَقالُوا هَذا القَوْلَ. وقِيلَ: قالَ فُقَراءُ المُؤْمِنِينَ: أعْطُونا ما زَعَمْتُمْ مِن أمْوالِكم، إنَّها لِلَّهِ، فَحَرَّمُوهم وقالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ بِمَكَّةَ زَنادِقَةٌ إذا أُمِرُوا بِالصَّدَقَةِ قالُوا: لا واللَّهِ، أيُفْقِرُهُ اللَّهُ ونُطْعِمُهُ نَحْنُ ؟ أوْ كانُوا يَسْمَعُونَ المُؤْمِنِينَ يُعَلِّقُونَ الأفْعالَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ: لَوْ شاءَ اللَّهُ لَأغْنى فُلانًا، ولَوْ شاءَ لَأعَزَّهُ، ولَوْ شاءَ لَكانَ كَذا، فَأخْرَجُوا هَذا الجَوابَ مُخْرَجَ الِاسْتِهْزاءِ بِالمُؤْمِنِينَ وبِما كانُوا يَقُولُونَ. وقالَ القُشَيْرِيُّ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ الزَّنادِقَةِ لا يُؤْمِنُونَ بِالصّانِعِ، اسْتِهْزاءً بِالمُسْلِمِينَ بِهَذا القَوْلِ.

وقالَ الحَسَنُ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمْ﴾، أيِ اليَهُودِ، أُمِرُوا بِإطْعامِ الفُقَراءِ. وجَوابُ لَوْ نَشاءُ قَوْلُهُ: أطْعَمَهم، ووُرُودُ المُوجَبِ بِغَيْرِ لامٍ فَصِيحٌ، ومِنهُ ﴿أنْ لَوْ نَشاءُ أصَبْناهُمْ﴾ [الأعراف: ١٠٠]، ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا﴾ [الواقعة: ٧٠]؛ والأكْثَرُ مَجِيئُهُ بِاللّامِ، والتَّصْرِيحُ بِالمَوْضِعَيْنِ مِنَ الكُفْرِ والإيمانِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَقُولَ لَهم هُمُ الكافِرُونَ، والقائِلُ لَهم هُمُ المُؤْمِنُونَ، وأنَّ كُلَّ وصْفٍ حامِلٌ صاحِبَهُ عَلى ما صَدَرَ مِنهُ، إذْ كُلُّ إناءٍ بِالَّذِي فِيهِ يَرْشَحُ. وأُمِرُوا بِالإنْفاقِ ﴿مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾، وهو عامٌّ في الإطْعامِ وغَيْرِهِ، فَأجابُوا بِغايَةِ المُخالَفَةِ؛ لِأنَّ نَفْيَ إطْعامِهِمْ يَقْتَضِي نَفْيَ الإنْفاقِ العامِّ، فَكَأنَّهم قالُوا: لا نُنْفِقُ، ولا أقَلَّ الأشْياءِ الَّتِي كانُوا يَسْمَحُونَ بِها ويُؤْثِرُونَ بِها عَلى أنْفُسِهِمْ، وهو الإطْعامُ الَّذِي بِهِ يَفْتَخِرُونَ، وهَذا عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ. كَمَن يَقُولُ لِشَخْصٍ: أعْطِ لِزَيْدٍ دِينارًا، فَيَقُولُ: لا أُعْطِيهِ دِرْهَمًا، فَهَذا أبْلَغُ مِن لا أُعْطِيهِ دِينارًا. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ مِن تَمامِ كَلامِ الكُفّارِ يُخاطِبُونَ المُؤْمِنِينَ، أيْ حَيْثُ طَلَبْتُمْ أنْ تُطْعِمُوا مَن لا يُرِيدُ اللَّهُ إطْعامَهُ، إذْ لَوْ أرادَ اللَّهُ إطْعامَهُ لَأطْعَمَهُ هو. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ اللَّهِ لَهُمُ اسْتَأْنَفَ زَجْرَهم بِهِ، أوْ مِن قَوْلِ المُؤْمِنِينَ لَهم. ثُمَّ حَكى تَعالى عَنْهم ما يَقُولُونَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والتَّعْجِيلِ: لِما تُوعِدُونَ بِهِ ؟ أيْ مَتى يَوْمُ القِيامَةِ الَّذِي أنْتُمْ تُوعِدُونَنا بِهِ ؟ أوْ مَتى هَذا العَذابُ الَّذِي تُهَدِّدُونَنا بِهِ ؟ وهو سُؤالٌ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ مِنهم لَمّا أُمِرُوا بِالتَّقْوى، ولا يُتَّقى إلّا مِمّا يُخافُ، وهم غَيْرُ مُؤْمِنِينَ. سَألُوا مَتى يَقَعُ هَذا الَّذِي تُخَوِّفُونا بِهِ اسْتِهْزاءً مِنهم.

﴿ما يَنْظُرُونَ﴾ أيْ ما يَنْتَظِرُونَ. ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الصَّيْحَةُ لا بُدَّ مِن وُقُوعِها جُعِلُوا كَأنَّهم مُنْتَظِرُوها، وهَذِهِ هي النَّفْخَةُ الأُولى تَأْخُذُهم فَيَهْلِكُونَ، وهم يَتَخاصَمُونَ، أيْ في مُعامَلاتِهِمْ وأسْواقِهِمْ، في أماكِنِهِمْ مِن غَيْرِ إمْهالٍ لِتَوْصِيَةٍ، ولا رُجُوعٍ إلى أهْلٍ. وفي الحَدِيثِ: «تَقُومُ السّاعَةُ والرَّجُلانِ قَدْ نَشَرا ثَوْبَهُما يَتَبايَعانِهِ، فَما يَطْوِيانِهِ حَتّى تَقُومَ، والرَّجُلُ يَخْفِضُ مِيزانَهُ ويَرْفَعُهُ، والرَّجُلُ يَرْفَعُ أُكْلَتَهُ إلى فِيهِ، فَما تَصِلُ إلى فِيهِ حَتّى تَقُومَ». وقِيلَ: لا يَرْجِعُونَ إلى أهْلِهِمْ قَوْلًا؛ وقِيلَ: ولا إلى أهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ أبَدًا. وقَرَأ أُبَيٌّ: يَخْتَصِمُونَ عَلى الأصْلِ؛ والحَرَمِيّانِ، وأبُو عَمْرٍو، والأعْرَجُ، وشِبْلٌ، وابْنُ فُنْطَنْطِينَ: بِإدْغامِ التّاءِ في الصّادِ ونَقْلِ حَرَكَتِها إلى الخاءِ؛ وأبُو عَمْرٍو أيْضًا، وقالُونُ: يُخالِفُ بِالِاخْتِلاسِ وتَشْدِيدِ الصّادِ، وعَنْهُما (p-٣٤١)إسْكانُ الخاءِ وتَخْفِيفُ الصّادِ مِن خَصَمَ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِكَسْرِ الخاءِ وشَدِّ الصّادِ؛ وفُرْقَةٌ: بِكَسْرِ الياءِ إتْباعًا لِكَسْرَةِ الخاءِ وشَدِّ الصّادِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: يُرْجَعُونَ، بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الجِيمِ. وقَرَأ الأعْرَجُ: في الصُّوَرِ، بِفَتْحِ الواوِ؛ والجُمْهُورُ: بِإسْكانِها. وقُرِئَ: مِنَ الأجْدافِ، بِالفاءِ بَدَلَ الثّاءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِالثّاءِ، ويَنْسِلُونَ، بِكَسْرِ السِّينِ؛ وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو عَمْرٍو: بِخِلافٍ عَنْهُ بِضَمِّها. وهَذِهِ النَّفْخَةُ هي الثّانِيَةُ الَّتِي يَقُومُ النّاسُ أحْياءً عَنْها. ولا تَنافُرَ بَيْنَ (يَنْسِلُونَ) وبَيْنَ ﴿فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨]؛ لِأنَّهُ لا يَنْسِلُ إلّا قائِمًا، ولِأنَّ تَفاوُتَ الزَّمانَيْنِ يَجْعَلُهُ كَأنَّهُ زَمانٌ واحِدٌ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي لَيْلى: يا ويْلَتَنا، بِتاءِ التَّأْنِيثِ؛ وعَنْهُ أيْضًا: يا ويْلَتى، بِالتّاءِ بَعْدَها ألِفٌ بَدَلٌ مِن ياءِ الإضافَةِ، ومَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ: أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم يَقُولُ يا ويْلَتى. والجُمْهُورُ: و(مَن بَعَثَنا) مَنِ اسْتِفْهامًا، وبَعَثَ فِعْلٌ ماضٍ؛ وعَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، وأبُو نَهِيكٍ: مِن حَرْفُ جَرٍّ، وبَعْثِنا مَجْرُورٌ بِهِ. والمَرْقَدُ: اسْتِعارَةٌ عَنْ مَضْجَعِ المَيِّتِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، أيْ مِن رُقادِنا، وهو أجْوَدُ. أوْ يَكُونَ مَكانًا، فَيَكُونَ المُفْرَدُ فِيهِ يُرادُ بِهِ الجَمْعُ، أيْ مِن مَراقِدِنا. وما رُوِيَ عَنْ أُبِيِّ بْنِ كَعْبٍ ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ: مِن أنَّ جَمِيعَ البَشَرِ يَنامُونَ نَوْمَةً قَبْلَ الحَشْرِ، فَقالُوا: هو غَيْرُ صَحِيحِ الإسْنادِ. وقِيلَ: قالُوا مِن مَرْقَدِنا؛ لِأنَّ عَذابَ القَبْرِ كانَ كالرُّقادِ في جَنْبِ ما صارُوا إلَيْهِ مِن عَذابِ جَهَنَّمَ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا ابْتِداءُ كَلامٍ، فَقِيلَ: مِنَ اللَّهِ، وعَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ والتَّوْقِيفِ عَلى إنْكارِهِمْ. وقالَ الفَرّاءُ: مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ. وقالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: مِن قَوْلِ المُؤْمِنِينَ لِلْكُفّارِ، عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مِن قَوْلِ الكَفَرَةِ، أوِ البَعْثِ الَّذِي كانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ في الدُّنْيا، قالُوا ذَلِكَ. والِاسْتِفْهامُ بِمَن سُؤالٌ عَنِ الَّذِي بَعَثَهم، وتَضَمَّنَ قَوْلُهُ ﴿هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ﴾، ذِكْرَ الباعِثِ، أيِ الرَّحْمَنِ الَّذِي وعَدَكُمُوهُ، وما يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً عَلى سِمَةِ المَوْعُودِ، والمَصْدَرُ فِيهِ بِالوَعْدِ والصِّدْقِ، وبِمَعْنى الَّذِي، أيْ هَذا الَّذِي وعَدَهُ الرَّحْمَنُ. والَّذِي صَدَقَ المُرْسَلُونَ، أيْ صَدَقَ فِيهِ مِن قَوْلِهِمْ: صَدَقْتُ زَيْدًا الحَدِيثَ، أيْ صَدَقَهُ فِيهِ؛ ومِنهُ قَوْلُهم: صَدَقَنِي سِنَّ بِكْرِهِ، أيْ في سِنِّ بِكْرِهِ. وقالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى المَرْقَدِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ ما وعَدَ الرَّحْمَنُ، ويُضْمَرُ الخَبَرُ: حَقٌّ أوْ نَحْوُهُ. وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا صِفَةً لِلْمَرْقَدِ، وما وعَدَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هَذا وعْدُ الرَّحْمَنِ، أوْ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أيْ ما وعَدَ الرَّحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ حَقٌّ عَلَيْكم. انْتَهى. وتَقَدَّمَتْ قِراءَةُ (إلّا صَيْحَةٌ) بِالرَّفْعِ وتَوْجِيهُها. (فاليَوْمَ) هو يَوْمُ القِيامَةِ، وانْتَصَبَ عَلى الظَّرْفِ، والعامِلُ فِيهِ لا يَظْلِمُ. والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ لِجَمِيعِ العالَمِ، ويَنْدَرِجُ فِيهِ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. قِيلَ: والصَّيْحَةُ قَوْلُ إسْرافِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ: أيَّتُها العِظامُ النَّخِرَةُ والأوْصالُ المُنْقَطِعَةُ والشُّعُورُ المُتَمَزِّقَةُ، إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُنَّ أنْ تَجْتَمِعْنَ لِفَصْلِ القَضاءِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الخُرُوجِ﴾ [ق: ٤٢] .

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English