Абу Хайян · Тафсир · на арабском
Ан-Ниса 4:48–53
4:48–49Страница 86
إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفۡتَرَىٰٓ إِثۡمًا عَظِيمًا ٤٨
Воистину, Аллах не прощает, когда к Нему приобщают сотоварищей, но прощает все остальные (или менее тяжкие) грехи, кому пожелает. Кто же приобщает сотоварищей к Аллаху, тот измышляет великий грех.
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمۚ بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ وَلَا يُظۡلَمُونَ فَتِيلًا ٤٩
Разве ты не видел тех, которые восхваляют сами себя? О нет! Аллах восхваляет, кого пожелает, и они не будут обижены даже на величину нити на финиковой косточке.
﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ قالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: نَزَلَتْ في وحْشِيٍّ وأصْحابِهِ، وكانَ جُعِلَ لَهُ عَلى قَتْلِ حَمْزَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنْ يُعْتَقَ، فَلَمْ يُوَفَّ لَهُ، فَقَدِمَ مَكَّةَ ونَدِمَ عَلى الَّذِي صَنَعَهُ هو وأصْحابُهُ، فَكَتَبُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إنّا قَدْ نَدِمْنا عَلى ما صَنَعْنا، ولَيْسَ يَمْنَعُنا عَنِ الإسْلامِ إلّا أنّا سَمِعْناكَ تَقُولُ بِمَكَّةَ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] الآياتِ وقَدْ دَعَوْنا مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ، وقَتَلْنا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، وزَنَيْنا، فَلَوْلا هَذِهِ الآياتُ لاتَّبَعْناكَ، فَنَزَلَتْ: ﴿إلّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ﴾ [الفرقان: ٧٠] الآياتِ، فَبُعِثَ بِها إلَيْهِمْ فَكَتَبُوا: إنَّ هَذا شَرْطٌ شَدِيدٌ نَخافُ أنْ لا نَعْمَلَ عَمَلًا صالِحًا، فَنَزَلَتْ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآيَةَ، فَبُعِثَ بِها إلَيْهِمْ، فَبَعَثُوا إنّا نَخافُ أنْ لا نَكُونَ مِن أهْلِ مَشِيئَتِهِ، فَنَزَلَتْ: ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣] الآياتِ فَبُعِثَ بِها إلَيْهِمْ، فَدَخَلُوا في الإسْلامِ، فَقُبِلَ مِنهم ثُمَّ قالَ لِوَحْشِيٍّ: (أخْبِرْنِي كَيْفَ قَتَلْتَ حَمْزَةَ) ؟ فَلَمّا أخْبَرَهُ قالَ: (ويْحَكَ غَيِّبْ عَنِّي وجْهَكَ) فَلَحِقَ وحْشِيٌّ بِالشّامِ إلى أنْ ماتَ.
وأجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى تَخْلِيدِ مَن ماتَ كافِرًا في النّارِ، وعَلى تَخْلِيدِ مَن ماتَ مُؤْمِنًا لَمْ يُذْنِبْ قَطُّ في الجَنَّةِ. فَأمّا تائِبٌ ماتَ عَلى تَوْبَتِهِ فالجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ لاحِقٌ بِالمُؤْمِنِ الَّذِي لَمْ يُذْنِبْ، وطَرِيقَةُ بَعْضِ المُتَكَلِّمِينَ أنَّهُ في المَشِيئَةِ. وأمّا مُذْنِبٌ ماتَ قَبْلَ تَوْبَتِهِ فالخَوارِجُ تَقُولُ: هو مُخَلَّدٌ في النّارِ، سَواءٌ كانَ صاحِبَ كَبِيرَةٍ أمْ صاحِبَ صَغِيرَةٍ. والمُرْجِئَةُ تَقُولُ: هو في الجَنَّةِ بِإيمانِهِ ولا تَضُرُّهُ سَيِّئاتُهُ. والمُعْتَزِلَةُ تَقُولُ: إنْ كانَ صاحِبَ كَبِيرَةٍ خُلِّدَ في النّارِ. وأمّا أهْلُ السُّنَّةِ فَيَقُولُونَ: هو في المَشِيئَةِ، فَإنْ شاءَ غَفَرَ لَهُ وأدْخَلَهُ الجَنَّةَ مِن أوَّلِ وهْلَةٍ، وإنْ شاءَ عَذَّبَهُ وأخْرَجَهُ مِنَ النّارِ وأدْخَلَهُ الجَنَّةَ بَعْدُ مُخَلَّدًا فِيها.
وسَبَبُ هَذا الِاخْتِلافِ تَعارُضُ عُمُوماتِ آياتِ الوَعِيدِ وآياتِ الوَعْدِ، فالخَوارِجُ جَعَلُوا آياتِ الوَعِيدِ عامَّةً في العُصاةِ كافِرِينَ ومُؤْمِنِينَ غَيْرَ تائِبِينَ. وآياتُ الوَعْدِ مَخْصُوصَةٌ في المُؤْمِنِ الَّذِي لَمْ يُذْنِبْ قَطُّ، أوِ المُذْنِبِ التّائِبِ. والمُرْجِئَةُ جَعَلُوا آياتِ الوَعِيدِ مَخْصُوصَةً في الكُفّارِ، وآياتِ الوَعْدِ مَخْصُوصَةً في المُؤْمِنِ تَقِيِّهِمْ وعاصِيهِمْ. وأهْلُ السُّنَّةِ خَصَّصُوا آياتِ الوَعِيدِ بِالكُفْرِ وبِمَن سَبَقَ في عِلْمِهِ أنَّهُ يُعَذِّبُهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ العُصاةِ، وخَصَّصُوا آياتِ الوَعْدِ بِالمُؤْمِنِ الَّذِي لَمْ يُذْنِبْ، وبِالتّائِبِ، وبِمَن سَبَقَ في عِلْمِهِ العَفُوُّ عَنْهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ العُصاةِ. والمُعْتَزِلَةُ خَصَّصُوا آياتِ الوَعْدِ بِالمُؤْمِنِ الَّذِي لَمْ يُذْنِبْ، وبِالتّائِبِ، وآياتِ الوَعِيدِ بِالكافِرِ وذِي الكَبِيرَةِ الَّذِي لَمْ يَتُبْ.
وهَذِهِ الآيَةُ هي الحاكِمَةُ بِالنَّصِّ في مَوْضِعِ النِّزاعِ، وهي جَلَتِ الشَّكَّ، ورَدَّتْ عَلى هَذِهِ الطَّوائِفِ الثَّلاثِ. فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾، والمَعْنى: أنَّ مَن ماتَ مُشْرِكًا لا يُغْفَرُ لَهُ، هو أصْلٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ مِنَ (p-٢٦٩)الطَّوائِفِ الأرْبَعِ. وقَوْلُهُ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ﴾ رادٌّ عَلى الخَوارِجِ وعَلى المُعْتَزِلَةِ، لِأنَّ ما دُونَ ذَلِكَ عامٌّ تَدْخُلُ فِيهِ الكَبائِرُ والصَّغائِرُ. وقَوْلُهُ: لِمَن يَشاءُ رادٌّ عَلى المُرْجِئَةِ، إذْ مَدْلُولُهُ أنَّ غُفْرانَ ما دُونَ الشِّرْكِ إنَّما هو لِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ عَلى ما شاءَ تَعالى، بِخِلافِ ما زَعَمُوهُ بِأنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ مَغْفُورٌ لَهُ. وأدِلَّةُ هَؤُلاءِ الطَّوائِفِ مَذْكُورَةٌ في عِلْمِ أُصُولِ الدِّينِ. وقَدْ رامَتِ المُعْتَزِلَةُ والمُرْجِئَةُ رَدَّ هَذِهِ الآيَةِ إلى مَقالاتِهِما بِتَأْوِيلاتٍ لا تَصِحُّ، وهي مُنافِيَةٌ لِما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَةُ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: قَدْ ثَبَتَ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وعَلا يَغْفِرُ الشِّرْكَ لِمَن تابَ مِنهُ، وأنَّهُ لا يَغْفِرُ ما دُونَ الشِّرْكِ مِنَ الكَبائِرِ إلّا بِالتَّوْبَةِ، فَما وجْهُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ ؟ قُلْتُ: الوَجْهُ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ المَنفِيُّ والمُثْبَتُ جَمِيعًا مُوَجَّهَيْنِ إلى قَوْلِهِ: ﴿لِمَن يَشاءُ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ الشِّرْكَ، ويَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ما دُونَ الشِّرْكِ. عَلى أنَّ المُرادَ بِالأوَّلِ مَن لَمْ يَتُبْ، وبِالثّانِي مَن تابَ. ونَظِيرُهُ قَوْلُكَ: إنَّ الأمِيرَ لا يَبْذُلُ الدِّينارَ ويَبْذُلُ القِنْطارَ لِمَن يَسْتَأْهِلُهُ انْتَهى كَلامُهُ. فَتَأوَّلَ الآيَةَ عَلى مَذْهَبِهِ. وقَوْلُهُ: قَدْ ثَبَتَ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وعَلا يَغْفِرُ الشِّرْكَ لِمَن تابَ عَنْهُ، هَذا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ. وقَوْلُهُ: وإنَّهُ لا يَغْفِرُ ما دُونَ الشِّرْكِ مِنَ الكَبائِرِ إلّا بِالتَّوْبَةِ. فَنَقُولُ لَهُ: وأيْنَ ثَبَتَ هَذا ؟ وإنَّما يَسْتَدِلُّونَ بِعُمُوماتٍ تَحْتَمِلُ التَّخْصِيصَ، كاسْتِدْلالِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣] الآيَةَ، وقَدْ خَصَّصَها ابْنُ عَبّاسٍ بِالمُسْتَحِلِّ ذَلِكَ وهو كافِرٌ. وقَوْلُهُ: قالَ: فَجَزاؤُهُ أنْ جازاهُ اللَّهُ. وقالَ: الخُلُودُ يُرادُ بِهِ المُكْثُ الطَّوِيلُ لا الدَّيْمُومَةُ لا إلى نِهايَةٍ، وكَلامُ العَرَبِ شاهِدٌ بِذَلِكَ. وقَوْلُهُ: إنَّ الوَجْهَ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ المَنفِيُّ والمُثْبَتُ جَمِيعًا مُوَجَّهَيْنِ إلى قَوْلِهِ: لِمَن يَشاءُ، إنْ عَنى أنَّ الجارَّ يَتَعَلَّقُ بِالفِعْلَيْنِ، فَلا يَصِحُّ ذَلِكَ. وإنْ عَنى أنْ يُقَيِّدَ الأوَّلَ بِالمَشِيئَةِ كَما قَيَّدَ الثّانِي فَهو تَأْوِيلٌ. والَّذِي يُفْهَمُ مِن كَلامِهِ أنَّ الضَّمِيرَ الفاعِلَ في قَوْلِهِ: يَشاءُ عائِدٌ عَلى (مَن)، لا عَلى (اللَّهِ) . لِأنَّ المَعْنى عِنْدَهُ: أنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ الشِّرْكَ لِمَن يَشاءُ أنْ لا يَغْفِرَ لَهُ بِكَوْنِهِ ماتَ عَلى الشِّرْكِ غَيْرَ تائِبٍ مِنهُ، ويَغْفِرُ ما دُونُ الشِّرْكِ مِنَ الكَبائِرِ لِمَن يَشاءُ أنْ يَغْفِرَ لَهُ بِكَوْنِهِ تابَ مِنها. والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ الكَلامِ أنَّهُ لا قَيْدَ في الفِعْلِ الأوَّلِ بِالمَشِيئَةِ، وإنْ كانَتْ جَمِيعُ الكائِناتِ مُتَوَقِّفًا وُجُودُها عَلى مَشِيئَتِهِ عَلى مَذْهَبِنا. وأنَّ الفاعِلَ في يَشاءُ هو عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، لا عَلى (مَن)، والمَعْنى: ويَغْفِرُ ما دُونَ الشِّرْكِ لِمَن يَشاءُ أنْ يَغْفِرَ لَهُ. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِمَن يَشاءُ﴾ تَرْجِئَةٌ عَظِيمَةٌ بِكَوْنِ مَن ماتَ عَلى ذَنْبٍ غَيْرِ الشِّرْكِ لانْقَطَعَ عَلَيْهِ بِالعَذابِ، وإنْ ماتَ مُصِرًّا.
قالَ الأعْمَشِ بْنُ عُمَرَ: كُنّا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ إذا ماتَ الرَّجُلُ عَلى كَبِيرَةٍ شَهِدْنا لَهُ أنَّهُ مِن أهْلِ النّارِ، حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَأمْسَكْنا عَنِ الشَّهاداتِ. وفي حَدِيثِ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ في آخِرِهِ (ومَن أصابَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ أيْ - مِنَ المَعاصِي الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها - فَسَتَرَهُ عَلَيْهِ، فَأمْرُهُ إلى اللَّهِ إنْ شاءَ عَفا عَنْهُ وإنْ شاءَ عَذَّبَهُ) أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. ويُرْوى عَنْ عَلِيٍّ وغَيْرِهِ مِنَ الصَّحابَةِ: ما في القُرْآنِ آيَةٌ أحَبُّ إلَيْنا مِن هَذِهِ الآيَةِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اليَهُودِيَّ يُسَمّى مُشْرِكًا في عُرْفِ الشَّرْعِ، وإلّا كانَ مُغايِرًا لِلْمُشْرِكِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَغْفُورًا لَهُ. ولِأنَّ اتِّصالَ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها إنَّما كانَ لِأنَّها تَتَضَمَّنُ تَهْدِيدَ اليَهُودِ، فاليَهُودُ داخِلَةٌ تَحْتَ اسْمِ الشِّرْكِ. فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا﴾ [المائدة: ٦٩] ثُمَّ قالَ: ﴿والَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ [المائدة: ٨٢] وقَوْلُهُ: ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٠٥] و﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: ١] فالمُغايَرَةُ وقَعَتْ بِحَسَبِ المَفْهُومِ اللُّغَوِيِّ، والِاتِّحادُ بِحَسَبِ المَفْهُومِ الشَّرْعِيِّ.
وقَدْ قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ كافِرٍ مُشْرِكٌ، لِأنَّهُ إذا كَفَرَ مَثَلًا بِنَبِيٍّ زَعَمَ أنَّ هَذِهِ الآياتِ الَّتِي أتى بِها لَيْسَتْ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَيَجْعَلُ ما لا يَكُونُ إلّا لِلَّهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، فَيَصِيرُ مُشْرِكًا بِهَذا المَعْنى. فَعَلى هَذا يَكُونُ التَّقْدِيرُ: إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ كُفْرَ مَن كَفَرَ بِهِ، أوْ بِنَبِيٍّ مِن أنْبِيائِهِ. والمُرادُ: إذْ ألْقى اللَّهُ بِذَلِكَ، لِأنَّ الإيمانَ يُزِيلُ عَنْهُ إطْلاقَ (p-٢٧٠)الوَصْفِ بِما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكُفْرِ بِإجْماعٍ، ولِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: (الإسْلامُ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ) .
﴿ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إثْمًا عَظِيمًا﴾ أيِ اخْتَلَقَ وافْتَعَلَ ما لا يُمْكِنُ. وسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ ؟ قالَ: (أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وقَدْ خَلَقَكَ) .
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهُمْ﴾ قالَ الجُمْهُورُ: هُمُ اليَهُودُ. وقالَ الحَسَنُ وابْنُ زَيْدٍ: هُمُ النَّصارى. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يُزَكِّي بَعْضُهم بَعْضًا لِتُقْبِلَ عَلَيْهِمُ المُلُوكُ وسَفِلَتُهم، ويُواصِلُوهم بِالرِّشا. وقالَ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: قالُوا آباؤُنا الَّذِينَ ماتُوا يُزَكُّونَنا عِنْدَ اللَّهِ ويَشْفَعُونَ لَنا. وقالَ الضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ في آخَرِينَ: أتى مَرْحَبُ بْنُ زَيْدٍ وبَحْرِيُّ بْنُ عَمْرٍو وجَماعَةٌ مِنَ اليَهُودِ إلى النَّبِيِّ ﷺ ومَعَهم أطْفالُهم فَقالُوا: هَلْ عَلى هَؤُلاءِ مِن ذَنْبٍ ؟ فَقالَ: لا. فَقالُوا: نَحْنُ كَهم، ما أذْنَبْنا بِاللَّيْلِ يُكَفَّرُ عَنّا بِالنَّهارِ، وما أذْنَبْنا بِالنَّهارِ يُكَفَّرُ عَنّا بِاللَّيْلِ فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: هو قَوْلُهم: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ. وعَلى القَوْلِ بِأنَّهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى فَتُزَكِّيهِمْ أنْفُسُهم. قالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو مالِكٍ: كانُوا يُقَدِّمُونَ الصِّبْيانَ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ فَيُصَلُّونَ بِهِمْ ويَقُولُونَ: لَيْسَتْ لَهم ذُنُوبٌ، فَإذا صَلّى بِنا المَغْفُورُ لَهُ غُفِرَ لَنا. وقالَ قَتادَةُ والحَسَنُ: هو قَوْلُهم: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١] ﴿كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٣٥] وفي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى الغَضِّ مِمَّنْ يُزَكِّي نَفْسَهُ بِلِسانِهِ ويَصِفُها بِزِيادَةِ الطّاعَةِ والتَّقْوى والزُّلْفى عِنْدَ اللَّهِ. وقَوْلُهُ: (واللَّهِ إنِّي لَأمِينٌ في السَّماءِ، أمِينٌ في الأرْضِ) حِينَ قالَ لَهُ المُنافِقُونَ: اعْدِلْ في القِسْمَةِ؛ إكْذابٌ لَهم إذْ وصَفُوهُ بِخِلافِ ما وصَفَهُ بِهِ رَبُّهُ، وشَتّانَ مَن شَهِدَ اللَّهُ لَهُ بِالتَّزْكِيَةِ، ومَن شَهِدَ لِنَفْسِهِ أوْ شَهِدَ لَهُ مَن لا يَعْلَمُ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ.
قالَ الرّاغِبُ ما مُلَخَّصُهُ: التَّزْكِيَةُ ضَرْبانِ: بِالفِعْلِ، وهو أنْ يَتَحَرّى فِعْلَ ما يُظْهِرُهُ، وبِالقَوْلِ وهو الإخْبارُ عَنْهُ بِذَلِكَ ومَدْحُهُ بِهِ. وحَظَرَ أنْ يُزَكِّيَ الإنْسانُ نَفْسَهُ، بَلْ أنْ يُزَكِّيَ غَيْرَهُ، إلّا عَلى وجْهٍ مَخْصُوصٍ. فالتَّزْكِيَةُ إخْبارٌ بِما يَنْطَوِي عَلَيْهِ الإنْسانُ، ولا يَعْلَمُ ذَلِكَ إلّا اللَّهُ تَعالى.
﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾: بَلْ إضْرابٌ عَنْ تَزْكِيَتِهِمْ أنْفُسَهم، إذْ لَيْسُوا أهْلًا لِذَلِكَ. واعْلَمْ أنَّ المُزَكِّيَ هو اللَّهُ تَعالى، وأنَّهُ تَعالى هو المُعْتَدُّ بِتَزْكِيَتِهِ، إذْ هو العالِمُ بِبَواطِنِ الأشْياءِ والمُطَّلِعُ عَلى خَفِيّاتِها. ومَعْنى يُزَكِّي مَن يَشاءُ أيْ: مَن يَشاءُ تَزْكِيَتَهُ بِأنْ جَعْلَهُ طاهِرًا مُطَهَّرًا، فَذَلِكَ هو الَّذِي يَصِفُهُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ مُزَكًّى.
﴿ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ إشارَةٌ إلى أقَلِّ شَيْءٍ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] فَإذا كانَ تَعالى لا يَظْلِمُ مِقْدارَ فَتِيلٍ، فَكَيْفَ يَظْلِمُ ما هو أكْبَرُ مِنهُ ؟ وجَوَّزُوا أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ في: ولا يَظْلِمُونَ، إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهم، وأنْ يَعُودَ إلى مَن عَلى المَعْنى، إذْ لَوْ عادَ عَلى اللَّفْظِ لَكانَ: ولا يَظْلِمُ وهو أظْهَرُ، لِأنَّهُ أقْرَبُ مَذْكُورٍ، ولِقَطْعِ (بَلْ) ما بَعْدَها عَمّا قَبْلَها. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المَذْكُورَيْنِ مَن زَكّى نَفْسَهُ، ومَن يُزَكِّيهِ اللَّهُ. ولَمْ يَذْكُرِ ابْنُ عَطِيَّةَ غَيْرَ هَذا القَوْلِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ولا يُظْلَمُونَ﴾ أيِ: الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهم يُعاقَبُونَ عَلى تَزْكِيَتِهِمْ أنْفُسَهم حَقَّ جَزائِهِمْ، أوْ مَن يَشاءُ يُثابُونَ ولا يُنْقَصُونَ مِن ثَوابِهِمْ ونَحْوِهِ، فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكم، هو أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى، انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ألَمْ تَرَ بِفَتْحِ الرّاءِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ: بِسُكُونِها إجْراءً لِلْوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ. وقِيلَ: هي لُغَةُ قَوْمٍ لا يَكْتَفُونَ بِالجَزْمِ بِحَذْفِ لامِ الفِعْلِ، بَلْ يُسَكِّنُونَ بَعْدَهُ عَيْنَ الفِعْلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولا يُظْلَمُونَ﴾ بِالياءِ. وقَرَأتْ طائِفَةٌ: (ولا تُظْلَمُونَ) بِتاءِ الخِطابِ. وانْتِصابُ ﴿فَتِيلًا﴾ - قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ، ويَعْنِي عَلى تَضْمِينِ (تُظْلَمُونَ) مَعْنى ما يَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ، والمَعْنى: مِقْدارَ فَتِيلٍ، وهو كِنايَةٌ عَنْ أحْقَرِ شَيْءٍ. وإلى أنَّهُ الخَيْطُ الَّذِي في شِقِّ النَّواةِ - ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ وعَطاءٌ ومُجاهِدٌ. وإلى أنَّهُ ما يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الأصابِعِ أوِ الكَفَّيْنِ بِالفَتْلِ ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وأبُو مالِكٍ والسُّدِّيُّ. وإلى أنَّهُ نَفْسُ الشِّقِّ ذَهَبَ الحَسَنُ.
4:50Страница 86
ٱنظُرۡ كَيۡفَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۖ وَكَفَىٰ بِهِۦٓ إِثۡمٗا مُّبِينًا ٥٠
Посмотри, как они возводят навет на Аллаха! Этого достаточно, чтобы совершить явный грех!
﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ هو خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ . ولَمّا خاطَبَهُ أوَّلًا بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ [النساء: ٤٩] أيْ (p-٢٧١)ألا تَعْجَبُ لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهم ؟ خاطَبَهُ ثانِيًا بِالنَّظَرِ في كَيْفِيَّةِ افْتِرائِهِمُ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ، وأتى بِصِيغَةِ يَفْتَرُونَ الدّالَّةِ عَلى المُلابَسَةِ والدَّيْمُومَةِ، ولَمْ يَخُصَّ الكَذِبَ في تَزْكِيَتِهِمْ أنْفُسَهم، بَلْ عَمَّمَ في ذَلِكَ وفي غَيْرِهِ. وأيُّ ذَنْبٍ أعْظَمُ مِمَّنْ يَفْتَرِي عَلى اللَّهِ الكَذِبَ ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام: ٢١] فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ.
وكَيْفَ: سُؤالٌ عَنْ حالٍ، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ والعامِلُ فِيهِ يَفْتَرُونَ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِانْظُرْ؛ لِأنَّ انْظُرْ مُعَلَّقَةٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وكَيْفَ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ يَفْتَرُونَ ؟ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ والخَبَرِ في قَوْلِهِ: يَفْتَرُونَ انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: يَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ يَفْتَرُونَ، فَصَحِيحٌ عَلى ما قَرَّرْناهُ؛ وأمّا قَوْلُهُ: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ في قَوْلِهِ يَفْتَرُونَ، فَهَذا لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أحَدٌ؛ لِأنَّ كَيْفَ لَيْسَتْ مِنَ الأسْماءِ الَّتِي يَجُوزُ الِابْتِداءُ بِها؛ وإنَّما قَوْلُهُ: كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ في التَّرْكِيبِ نَظِيرُ كَيْفَ يَضْرِبُ زَيْدٌ عَمْرًا، ولَوْ كانَتْ مِمّا يَجُوزُ الِابْتِداءُ بِها ما جازَ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً في هَذا التَّرْكِيبِ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ أنَّ الخَبَرَ هي الجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: يَفْتَرُونَ، ولَيْسَ فِيها رابِطٌ يَرْبُطُ هَذِهِ الجُمْلَةَ بِالمُبْتَدَأِ، ولَيْسَتِ الجُمْلَةُ نَفْسَ المُبْتَدَأِ في المَعْنى؛ فَلا يَحْتاجُ إلى رابِطٍ. فَهَذا الَّذِي قالَ فِيهِ ويَصِحُّ، هو فاسِدٌ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ.
﴿وكَفى بِهِ إثْمًا مُبِينًا﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ في نَظِيرِهِ، وكَفى بِهِ. والضَّمِيرُ في بِهِ، عائِدٌ عَلى الِافْتِراءِ، وهو الَّذِي أنْكَرَ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ عَلى الكَذِبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكَفى بِزَعْمِهِمْ؛ لِأنَّهُ قالَ: ”كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ“ في زَعْمِهِمْ أنَّهم عِنْدَ اللَّهِ أزْكِياءُ، وكَفى بِزَعْمِهِمْ هَذا إثْمًا مُبِينًا مِن بَيْنِ سائِرِ آثامِهِمْ انْتَهى. فَجَعَلَ افْتِراءَهُمُ الكَذِبَ مَخْصُوصًا بِالتَّزْكِيَةِ، وذَكَرْنا نَحْنُ أنَّهُ في هَذا وفي غَيْرِهِ، وانْتِصابُ إثْمًا عَلى التَّمْيِيزِ، ومَعْنى مُبِينًا؛ أيْ بَيِّنًا واضِحًا لِكُلِّ أحَدٍ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وكَفى بِهِ خَبَرٌ في ضِمْنِهِ تَعَجُّبٌ وتَعْجِيبٌ مِنَ الأمْرِ، ولِذَلِكَ دَخَلَتِ الباءُ؛ لِتَدُلَّ عَلى مَعْنى الأمْرِ بِالتَّعَجُّبِ أنْ يَكْتَفِيَ لَهم بِهَذا الكَذِبِ إثْمًا، ولا يَطْلُبَ لَهم غَيْرَهُ؛ إذْ هو مَوْبِقٌ ومُهْلِكٌ انْتَهى. وفي ما ذُكِرَ مِن أنَّ الباءَ دَخَلَتْ؛ لِتَدُلَّ عَلى مَعْنى الأمْرِ بِالتَّعَجُّبِ نَظَرٌ، وقَدْ أمْعَنّا الكَلامَ في قَوْلِهِ.
﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا﴾ [النساء: ٤٥] فَيُطالَعُ هُناكَ.
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١] أجْمَعُوا أنَّها في اليَهُودِ. وسَبَبُ نُزُولِها أنَّ كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ، وحُيَيَّ بْنَ أخْطَبَ وجَماعَةً مَعَهُما، ورَدُوا مَكَّةَ يُحالِفُونَ قُرَيْشًا عَلى مُحارَبَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: أنْتُمْ أهْلُ كِتابٍ، وأنْتُمْ أقْرَبُ إلى مُحَمَّدٍ مِنكم إلَيْنا فَلا نَأْمَنُ مَكْرَكم فاسْجُدُوا لِآلِهَتِنا حَتّى نَطْمَئِنَّ إلَيْكم، فَفَعَلُوا. وقالَ أبُو سُفْيانَ: أنَحْنُ أهْدى سَبِيلًا أمْ مُحَمَّدٌ ؟ فَقالَ كَعْبٌ: ماذا يَقُولُ مُحَمَّدٌ ؟ قالُوا: يَأْمُرُ بِعِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ، ويَنْهى عَنِ الشِّرْكِ. قالَ: وما دِينُكم ؟ قالُوا: نَحْنُ وُلاةُ البَيْتِ نَسْقِي الحاجَّ، ونُقْرِي الضَّيْفَ، ونَفُكُّ العانِيَ، وذَكَرُوا أفْعالَهم. فَقالَ: أنْتُمْ أهْدى سَبِيلًا. وفي بَعْضِ ألْفاظِ هَذا السَّبَبِ خِلافٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ عِكْرِمَةُ: خَرَجَ كَعْبٌ في سَبْعِينَ راكِبًا مِنَ اليَهُودِ إلى مَكَّةَ بَعْدَ وقْعَةِ أُحُدٍ، والكِتابُ هُنا التَّوْراةُ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ.
والجِبْتُ والطّاغُوتُ صَنَمانِ كانا لِقُرَيْشٍ؛ قالَهُ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ. أوِ الجِبْتُ هُنا حُيَيٌّ والطّاغُوتُ كَعْبٌ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا. أوِ الجِبْتُ السِّحْرُ والطّاغُوتُ الشَّيْطانُ، قالَهُ مُجاهِدٌ والشَّعْبِيُّ. ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ: والجِبْتُ السّاحِرُ والطّاغُوتُ الشَّيْطانُ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ. أوِ الجِبْتُ السّاحِرُ والطّاغُوتُ الكاهِنُ، قالَهُ رَفِيعٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ. أوِ الجِبْتُ الكاهِنُ والطّاغُوتُ الشَّيْطانُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا. أوِ الجِبْتُ الكاهِنُ والطّاغُوتُ السّاحِرُ؛ قالَهُ ابْنُ سِيرِينَ. أوِ الجِبْتُ الشَّيْطانُ والطّاغُوتُ (p-٢٧٢)الكاهِنُ؛ قالَهُ قَتادَةُ. أوِ الجِبْتُ كَعْبٌ والطّاغُوتُ الشَّيْطانُ كانَ في صُورَةِ إنْسانٍ. أوِ الجِبْتُ الأصْنامُ، وكُلُّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ والطّاغُوتُ الشَّيْطانُ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. أوِ الجِبْتُ والطّاغُوتُ كُلُّ مَعْبُودٍ مِن دُونِ اللَّهِ مِن حَجَرٍ، أوْ صُورَةٍ، أوْ شَيْطانٍ قالَهُ الزَّجّاجُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
وأوْرَدَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ الخِلافَ مُفَرَّقًا فَقالَ: الجِبْتُ السِّحْرُ قالَهُ عُمَرُ، ومُجاهِدٌ والشَّعْبِيُّ. أوِ الأصْنامُ رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ والفَرّاءُ، أوْ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ. رَواهُ الضَّحّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ولَيْثٍ، عَنْ مُجاهِدٍ. أوِ الكاهِنُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مَكْحُولٌ، وابْنُ سِيرِينَ. أوِ الشَّيْطانُ قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ في رِوايَةٍ، وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ. أوِ السّاحِرُ قالَهُ أبُو العالِيَةِ، وابْنُ زَيْدٍ. ورَوى أبُو بِشْرٍ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ قالَ: الجِبْتُ السّاحِرُ بِلِسانِ الحَبَشَةِ، وأمّا الطّاغُوتُ فالشَّيْطانُ قالَهُ عُمَرُ، ومُجاهِدٌ في رِوايَةِ الشَّعْبِيِّ، وابْنُ زَيْدٍ. أوِ المُتَرْجِمُونَ بَيْنَ يَدَيِ الأصْنامِ رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوْ كَعْبٍ. رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ والفَرّاءُ. أوِ الكاهِنُ قالَهُ عِكْرِمَةُ أوِ السّاحِرُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ سِيرِينَ، ومَكْحُولٍ، أوْ كُلِّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ قالَهُ مالِكٌ. وقالَ قَوْمٌ: الجِبْتُ والطّاغُوتُ مُتَرادِفانِ عَلى مَعْنًى واحِدٍ والجُمْهُورُ، وأقْوالُ المُفَسِّرِينَ عَلى خِلافِ ذَلِكَ؛ وأنَّهُما اثْنانِ. وقَدْ جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الكَلامَ عَلى المُغَيَّباتِ جِبْتًا؛ لِكَوْنِ عَلِمَ الغَيْبِ يَخْتَصُّ بِاللَّهِ تَعالى. خَرَّجَ أبُو داوُدَ في سُنَنِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «الطَّرْقُ والطِّيَرَةُ والعِيافَةُ مِنَ الجِبْتِ» الطَّرْقُ الزَّجْرُ والعِيافَةُ الخَطُّ. فَإنَّ الجِبْتَ والطّاغُوتَ الأصْنامُ أوْ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ؛ فالإيمانُ بِهِما التَّصْدِيقُ بِأنَّهُما آلِهَةٌ يَشْرَكُونَهُما في العِبادَةِ مَعَ اللَّهِ؛ وإنْ كانَ حُيَيًّا وكَعْبًا، أوْ جَماعَةً مِنَ اليَهُودِ، أوِ السّاحِرَ، أوِ الكاهِنَ، أوِ الشَّيْطانَ؛ فالإيمانُ بِهِمْ عِبارَةٌ عَنْ طاعَتِهِمْ ومُوافَقَتِهِمْ عَلى ما هم عَلَيْهِ، ويَكُونُ مِن بابِ إطْلاقِ ثَمَرَةِ الإيمانِ؛ وهي الطّاعَةُ عَلى الإيمانِ.
4:51–53Страница 86
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبٗا مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡجِبۡتِ وَٱلطَّٰغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَٰٓؤُلَآءِ أَهۡدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ سَبِيلًا ٥١
Разве ты не видел тех, кому дана часть Писания? Они веруют в джибта и тагута и говорят ради неверующих: «Эти следуют более верным путем, чем верующие».
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُۖ وَمَن يَلۡعَنِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ نَصِيرًا ٥٢
Они - те, кого проклял Аллах, а кого проклял Аллах, тому ты не найдешь помощника.
أَمۡ لَهُمۡ نَصِيبٞ مِّنَ ٱلۡمُلۡكِ فَإِذٗا لَّا يُؤۡتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيرًا ٥٣
Или же они обладают долей власти? Будь это так, то они не дали бы людям даже выемки на финиковой косточке.
﴿ويَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ الضَّمِيرُ في يَقُولُونَ عائِدٌ عَلى الَّذِينَ أُوتُوا. وفي سَبَبِ النُّزُولِ أنَّ كَعْبًا هو قائِلُ هَذِهِ المَقالَةِ. والجُمْلَةُ مِن يُؤْمِنُونَ حالٌ، ويَقُولُونَ مَعْطُوفٌ عَلى يُؤْمِنُونَ فَهي حالٌ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافَ أخْبارٍ تُبَيِّنُ التَّعَجُّبَ مِنهم كَأنَّهُ قالَ: ألا تَعْجَبُ إلى حالِ الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ، وما حالُهم، وهم قَدْ أُوتُوا نَصِيبًا مِن كِتابِ اللَّهِ ؟ فَقالَ: يُؤْمِنُونَ بِكَذا، ويَقُولُونَ كَذا؛ أيْ أنَّ أحْوالَهم مُتَنافِيَةٌ؛ فَكَوْنُهم أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يَقْتَضِي لَهم أنْ لا يَقَعُوا فِيما وقَعُوا فِيهِ؛ ولَكِنَّ الحامِلَ لَهم عَلى ذَلِكَ هو الحَسَدُ. واللّامُ في لِلَّذِينِ كَفَرُوا لِلتَّبْلِيغِ مُتَعَلِّقَةٌ بِيَقُولُونَ. والَّذِينَ كَفَرُوا هم قُرَيْشٌ والإشارَةُ بِهَؤُلاءِ إلَيْهِمْ والَّذِينَ آمَنُوا هُمُ النَّبِيُّ وأُمَّتُهُ. والظّاهِرُ أنَّهم أطْلَقُوا أفْعَلَ التَّفْضِيلِ، ولَمْ يَلْحَظُوا مَعْنى التَّشْرِيكِ فِيهِ، أوْ قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ لِكُفْرِهِمْ.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ إشارَةٌ إلى مَن آمَنَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ، وقالَ تِلْكَ المَقالَةَ، أبْعَدَهُمُ اللَّهُ تَعالى، ومَقَتَهم.
﴿ومَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾؛ أيْ مَن يَنْصُرُهُ، ويَمْنَعُهُ مِن آثارِ اللَّعْنَةِ، وهو العَذابُ العَظِيمُ.
﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ﴾ أمْ هُنا مُنْقَطِعَةُ التَّقْدِيرِ: بَلْ ألَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ انْتَقَلَ مِنَ الكَلامِ إلى كَلامٍ تامٍّ، واسْتَفْهَمَ عَلى الإنْكارِ أنْ يَكُونَ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ. وحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ أنَّ أمْ يُسْتَفْهَمُ بِها ابْتِداءً. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ. أمْ هُنا بِمَعْنى بَلْ؛ وفَسَّرُوا عَلى سَبِيلِ الإخْبارِ أنَّهم مُلُوكُ أهْلِ الدُّنْيا، وعُتُوٌّ وتَنَعُّمٌ لا يَبْغُونَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَهم بُخَلاءُ حَرِيصُونَ عَلى أنْ لا يَكُونَ ظُهُورٌ لِغَيْرِهِمْ. والمَعْنى عَلى القَوْلِ الأوَّلِ: بَلْ ألَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ ؟ فَلَوْ كانَ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ لَبَخِلُوا بِهِ. والمُلْكُ مُلْكُ أهْلِ الدُّنْيا؛ وهو الظّاهِرُ، أوْ مُلْكُ اللَّهِ لِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إذًا لَأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفاقِ﴾ [الإسراء: ١٠٠]، وقِيلَ المالُ؛ لِأنَّهُ بِهِ يُنالُ المُلْكُ، وهو أساسُهُ. وقِيلَ اسْتِحْقاقُ الطّاعَةِ. وقِيلَ النُّبُوَّةُ (p-٢٧٣)وقِيلَ صِدْقُ الفِراسَةِ ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. والأفْصَحُ إلْغاءُ (إذًا) بَعْدَ حَرْفِ العَطْفِ الواوِ والفاءِ، وعَلَيْهِ أكْثَرُ القُرّاءِ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ: (لا يُؤْتُوا) بِحَذْفِ النُّونِ عَلى إعْمالِ إذًا. والنّاسُ هُنا العَرَبُ، أوِ المُؤْمِنُونَ، أوِ النَّبِيُّ، أوْ مِنَ اليَهُودِ، وغَيْرِهِمْ أقْوالٌ. والنَّقِيرُ: النُّقْطَةُ في ظَهْرِ النَّواةِ رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وعَطاءٌ وقَتادَةُ والضِّحاكُ، وابْنُ زَيْدٍ والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ في آخَرِينَ. وقِيلَ القِشْرُ يَكُونُ في وسَطِ النَّواةِ. رَواهُ التَّمِيمِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. أوِ الخَيْطُ في وسَطِ النَّواةِ. رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، أوْ نَقْرُ الرَّجُلِ الشَّيْءَ بِطَرَفِ إبْهامِهِ رَواهُ أبُو العالِيَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. أوْ حَبَّةُ النَّواةِ الَّتِي في وسَطِها رَواهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: الفَتِيلُ والنَّقِيرُ والقِطْمِيرُ يُضْرَبُ مَثَلًا لِلشَّيْءِ التّافِهِ الحَقِيرِ؛ وخُصَّتِ الأشْياءُ الحَقِيرَةُ بِقَوْلِهِ: ”فَتِيلًا“ في قَوْلِهِ: ”ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا“، وهُنا بِقَوْلِهِ نَقِيرًا لِوِفاقِ النَّظِيرِ مِنَ الفَواصِلِ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии