Абу Хайян · Тафсир · на арабском
Ан-Ниса 4:65–70
4:65–66Страница 88
فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا ٦٥
Но нет - клянусь твоим Господом! - они не уверуют, пока они не изберут тебя судьей во всем том, что запутано между ними, не перестанут испытывать в душе стеснение от твоего решения и не подчинятся полностью.
وَلَوۡ أَنَّا كَتَبۡنَا عَلَيۡهِمۡ أَنِ ٱقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ أَوِ ٱخۡرُجُواْ مِن دِيَٰرِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٞ مِّنۡهُمۡۖ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِۦ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ وَأَشَدَّ تَثۡبِيتٗا ٦٦
Если бы Мы предписали им: «Убейте самих себя (пусть невинные убьют беззаконников) или покиньте свои дома», - то лишь немногие из них совершили бы это. А если бы они совершили то, чем их увещевают, то так было бы лучше для них и сильнее укрепило бы их.
﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: نَزَلَتْ فِيمَن أرادَ التَّحاكُمَ إلى الطّاغُوتِ. ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ؛ لِأنَّهُ أشْبَهُ بِنَسَقِ الآياتِ. وقِيلَ في شَأْنِ الرَّجُلِ الَّذِي خاصَمَ الزُّبَيْرَ في السَّقْيِ بِماءِ الحَرَّةِ، وأنَّ الرَّسُولَ ﷺ قالَ: «اسْقِ يا زُبَيْرُ ثُمَّ أرْسِلِ الماءَ إلى جارِكَ فَغَضِبَ، وقالَ: " أنْ كانَ ابْنَ عَمَّتِكَ، فَغَضِبَ الرَّسُولُ ﷺ، واسْتَوْعَبَ لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ؛ فَقالَ: احْبِسْ يا زُبَيْرُ الماءَ حَتّى يَبْلُغَ الجَدْرَ، ثُمَّ أرْسِلِ الماءَ» . والرَّجُلُ هو مِنَ الأنْصارِ بَدْرِيٌّ، (p-٢٨٤)وقِيلَ هُ وحاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ. وقِيلَ نَزَلَتْ نافِيَةً لِإيمانِ الرَّجُلِ الَّذِي قَتَلَهُ عُمَرُ؛ لِكَوْنِهِ رَدَّ حُكْمَ النَّبِيِّ ﷺ، ومُقِيمَةً عُذْرَ عُمَرَ في قَتْلِهِ، إذْ قالَ النَّبِيُّ: «ما كُنْتُ أظُنُّ أنَّ عُمَرَ يَجْتَرِئُ عَلى قَتْلِ رَجُلٍ مُؤْمِنٍ» . وأقْسَمَ بِإضافَةِ الرَّبِّ إلى كافِ الخِطابِ تَعْظِيمًا لِلنَّبِيِّ ﷺ، وهو التِفاتٌ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ: (جاءُوكَ)
ولا في قَوْلِهِ: فَلا. قالَ الطَّبَرِيُّ: هي رَدٌّ عَلى ما تَقَدَّمَ تَقْدِيرَهُ: فَلَيْسَ الأمْرُ كَما يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ القَسَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ . وقالَ غَيْرُهُ: قَدَّمَ لا عَلى القَسَمِ اهْتِمامًا بِالنَّفْيِ، ثُمَّ كَرَّرَها بَعْدُ تَوْكِيدًا لِلِاهْتِمامِ بِالنَّفْيِ، وكانَ يَصِحُّ إسْقاطُ (لا) الثّانِيَةِ، ويَبْقى أكْثَرُ الِاهْتِمامِ بِتَقْدِيمِ الأُولى وكانَ يَصِحُّ إسْقاطُ الأُولى ويَبْقى مَعْنى النَّفْيِ ويَذْهَبُ مَعْنى الِاهْتِمامِ. وقِيلَ الثّانِيَةُ زائِدَةٌ والقَسَمُ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ حَرْفِ النَّفْيِ والمَنفِيِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا مَزِيدَةٌ؛ لِتَأْكِيدِ مَعْنى القَسَمِ، كَما زِيدَتْ في ﴿لِئَلّا يَعْلَمَ﴾ [الحديد: ٢٩]؛ لِتَأْكِيدِ وُجُوبِ العِلْمِ. ولا يُؤْمِنُونَ جَوابُ القَسَمِ. (فَإنْ قُلْتَ): هَلّا زَعَمْتَ أنَّها زِيدَتْ؛ لِتُظاهِرَ (لا) في لا يُؤْمِنُونَ. (قُلْتُ): يَأْبى ذَلِكَ اسْتِواءُ النَّفْيِ والإثْباتِ فِيهِ؛ وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ وما لا تُبْصِرُونَ إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة: ٣٨] . انْتَهى كَلامُهُ. ومِثْلُ الآيَةِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ولا واللَّهِ لا يُلْفى لِما بِي ولا لِلِما بِهِمْ أبَدًا دَواءُ
وحَتّى هُنا غايَةٌ؛ أيْ يَنْتَفِي عَنْهُمُ الإيمانُ إلى هَذِهِ الغايَةِ؛ فَإذا وجَدَ ما بَعْدَ الغايَةِ كانُوا مُؤْمِنِينَ. وفِيما شَجَرَ بَيْنَهم عامٌّ في كُلِّ أمْرٍ وقَعَ بَيْنَهم فِيهِ نِزاعٌ وتَجاذُبٌ. ومَعْنى يُحَكِّمُوكَ، يَجْعَلُوكَ حَكَمًا. وفي الكَلامِ حَذْفُ التَّقْدِيرِ: فَتَقْضِي بَيْنَهم.
﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾؛ أيْ ضِيقًا مِن حُكْمِكَ. وقالَ مُجاهِدٌ: شَكًّا؛ لِأنَّ الشّاكَّ في ضِيقٍ مِن أمْرِهِ حَتّى يَلُوحَ لَهُ البَيانُ. وقالَ الضَّحّاكُ: إثْمًا؛ أيْ سَبَبُ إثْمٍ. والمَعْنى: لا يَخْطُرُ بِبالِهِمْ ما يَأْثَمُونَ بِهِ مِن عَدَمِ الرِّضا. وقِيلَ هَمًّا وحُزْنًا، ويُسَلِّمُوا؛ أيْ يَنْقادُوا، ويُذْعِنُوا لِقَضائِكَ، لا يُعارِضُونَ فِيهِ بِشَيْءٍ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والجُمْهُورُ. وقِيلَ مَعْناهُ ويُسَلِّمُوا ما تَنازَعُوا فِيهِ لِحُكْمِكَ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ؛ وأكَّدَ الفِعْلَ بِالمَصْدَرِ عَلى سَبِيلِ صُدُورِ التَّسْلِيمِ حَقِيقَةً؛ وحَسَّنَهُ كَوْنُهُ فاصِلَةً. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: فِيما شَجْرَ بِسُكُونِ الجِيمِ، وكَأنَّهُ فَرَّ مِن تَوالِي الحَرَكاتِ، ولَيْسَ بِقَوِيٍّ لِخِفَّةِ الفَتْحَةِ بِخِلافِ الضَّمَّةِ والكَسْرَةِ؛ فَإنَّ السُّكُونَ بَدَلَهُما مُطَّرِدٌ عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ.
﴿ولَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكم ما فَعَلُوهُ إلّا قَلِيلٌ مِنهُمْ﴾ قالَتِ اليَهُودُ لَمّا لَمْ يَرْضَ المُنافِقُ بِحُكْمِ الرَّسُولِ: ما رَأيْنا أسْخَفَ مِن هَؤُلاءِ لا يُؤْمِنُونَ بِمُحَمَّدٍ، ويَتَّبِعُونَهُ، ويَطَئُونَ عَقِبَهُ، ثُمَّ لا يَرْضَوْنَ بِحُكْمِهِ، ونَحْنُ قَدْ أُمِرْنا بِقَتْلِ أنْفُسِنا فَفَعَلْنا، وبَلَغَ القَتْلُ فِينا سَبْعِينَ ألْفًا. فَقالَ ثابِتُ بْنُ قَيْسٍ: لَوْ كُتِبَ ذَلِكَ عَلَيْنا لَفَعَلْنا فَنَزَلَتْ. ورُوِيَ هَذا السَّبَبُ بِألْفاظٍ مُتَغايِرَةٍ والمَعْنى قَرِيبٌ.
ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ تَعالى لَوْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ أنْ يَقْتُلُوا أنْفُسَهم، إمّا أنْ يَقْتُلَ نَفْسَهُ بِيَدِهِ، أوْ يَقْتُلَ بَعْضُهم بَعْضًا، أوْ أنْ يَخْرُجُوا مِن دِيارِهِمْ كَما فَرَضَ ذَلِكَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ حِينَ اسْتُتِيبُوا مِن عِبادَةِ العِجْلِ لَمْ يُطِعْ مِنهم إلّا القَلِيلُ، وهَذا فِيهِ تَوْبِيخٌ عَظِيمٌ، حَيْثُ لا يَمْتَثِلُ أمْرَ اللَّهِ إلّا القَلِيلُ. وقالَ السَّبِيعِيُّ: لَمّا نَزَلَتْ قالَ رَجُلٌ: لَوْ أمَرَنا لَفَعَلْنا، والحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عافانا. فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «إنَّ مِن أُمَّتِي رِجالًا الإيمانُ أثْبَتُ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الجِبالِ الرَّواسِي»؛ قالَ ابْنُ وهْبٍ: الرَّجُلُ القائِلُ ذَلِكَ هُ وأبُو بَكْرٍ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: لَوْ كُتِبَ عَلَيْنا ذَلِكَ؛ لَبَدَأْتُ بِنَفْسِي، وأهْلِ بَيْتِي. وذَكَرَ النَّقّاشُ أنَّهُ عُمَرُ. وذَكَرَ أبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ: أنَّ القائِلَ مِنهم عَمّارٌ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وثابِتُ بْنُ قَيْسٍ.
والضَّمِيرُ في عَلَيْهِمْ قِيلَ يَعُودُ عَلى المُنافِقِينَ؛ أيْ ما فَعَلَهُ إلّا قَلِيلٌ مِنهم رِياءً، وسُمْعَةً، وحِينَئِذٍ يَصْعُبُ الأمْرُ عَلَيْهِمْ، ويَنْكَشِفُ كُفْرُهم. وقِيلَ يَعُودُ عَلى النّاسِ مُؤْمِنِهِمْ، ومُنافِقِهِمْ. وكَسَرَ النُّونَ مِن (أنِ)، وضَمَّ الواوَ مِن (أوُ)، أبُو عَمْرٍو (p-٢٨٥)وكَسَرَهُما حَمْزَةُ، وعاصِمٌ، وضَمَّهُما باقِي السَّبْعَةِ. وأنْ هُنا يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ تَفْسِيرِيَّةً، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً عَلى ما قَرَّرُوا أنَّ (أنْ) تُوصَلُ بِفِعْلِ الأمْرِ.
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى صُعُوبَةِ الخُرُوجِ مِنَ الدِّيارِ؛ إذْ قَرَنَهُ اللَّهُ تَعالى بِقَتْلِ الأنْفُسِ. وقَدْ خَرَجَ الصَّحابَةُ المُهاجِرُونَ مِن دِيارِهِمْ وفارَقُوا أهالِيَهم حِينَ أمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالهِجْرَةِ، وارْتَفَعَ (قَلِيلٌ) عَلى البَدَلِ مِنَ الواوِ في فَعَلُوهُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، وعَلى العَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ عَلى قَوْلِ الكُوفِيِّينَ وبِالرَّفْعِ قَرَأ الجُمْهُورُ. وقَرَأ أُبَيٌّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وابْنُ عامِرٍ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ: (إلّا قَلِيلًا) بِالنَّصْبِ، ونَصَّ النَّحْوِيُّونَ عَلى أنَّ الِاخْتِيارَ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ اتِّباعُ ما بَعْدَ إلّا لِما قَبْلَها في الإعْرابِ عَلى طَرِيقَةِ البَدَلِ أوِ العَطْفِ، بِاعْتِبارِ المَذْهَبَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْناهُما.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ (إلّا قَلِيلًا) بِالنَّصْبِ عَلى أصْلِ الِاسْتِثْناءِ، أوْ عَلى إلّا فِعْلًا قَلِيلًا انْتَهى. إلّا ما النَّصْبُ عَلى أصْلِ الِاسْتِثْناءِ فَهو الَّذِي وجَّهَ النّاسُ عَلَيْهِ هَذِهِ القِراءَةَ. وأمّا قَوْلُهُ: عَلى إلّا فِعْلًا قَلِيلًا فَهو ضَعِيفٌ؛ لِمُخالَفَةِ مَفْهُومِ التَّأْوِيلِ قِراءَةَ الرَّفْعِ، ولِقَوْلِهِ مِنهم فَإنَّهُ تَعَلَّقَ عَلى هَذا التَّرْكِيبِ: لَوْ قُلْتَ ما ضَرَبُوا زَيْدًا إلّا ضَرْبًا قَلِيلًا مِنهم لَمْ يُحْسِنْ أنْ يَكُونَ مِنهم لا فائِدَةَ في ذِكْرِهِ. وضَمِيرُ النَّصْبِ في فَعَلُوهُ عائِدٌ عَلى أحَدِ المَصْدَرَيْنِ المَفْهُومَيْنِ مِن قَوْلِهِ: أنِ اقْتُلُوا أوِ اخْرُجُوا. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: الكِنايَةُ في قَوْلِهِ ما فَعَلُوهُ عائِدٌ عَلى القَتْلِ والخُرُوجِ مَعًا، وذَلِكَ لِأنَّ الفِعْلَ جِنْسٌ واحِدٌ، وإنِ اخْتَلَفَتْ صُورَتُهُ انْتَهى. وهو كَلامٌ غَيْرُ نَحْوِيٍّ.
﴿ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهم وأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ الضَّمِيرُ في: ولَوْ أنَّهم مُخْتَصٌّ بِالمُنافِقِينَ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ أوَّلُ الآيَةِ عامًّا، وآخِرُها خاصًّا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ما يُوعَظُونَ بِهِ مِنَ اتِّباعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وطاعَتِهِ والِانْقِيادِ لِما يَراهُ، ويَحْكُمُ بِهِ لِأنَّهُ الصّادِقُ المَصْدُوقُ الَّذِي لا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى لَكانَ خَيْرًا لَهم في عاجِلِهِمْ وآجِلِهِمْ، وأشَدَّ تَثْبِيتًا لِإيمانِهِمْ، وأبْعَدَ مِن الِاضْطِرابِ فِيهِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَوْ أنَّ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ اتَّعَظُوا، وأنابُوا لَكانَ خَيْرًا لَهم، وتَثْبِيتًا مَعْناهُ يَقِينًا، وتَصْدِيقًا انْتَهى. وكِلاهُما شَرَحَ ما يُوعَظُونَ بِهِ بِخِلافِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الظّاهِرُ؛ لِأنَّ الَّذِي يُوعَظُ بِهِ لَيْسَ هو اتِّباعَ الرَّسُولِ وطاعَتَهُ. ولَيْسَ مَدْلُولُ ما يُوعَظُونَ بِهِ اتَّعَظُوا وأنابُوا. وقِيلَ الوَعْظُ هُنا بِمَعْنى الأمْرِ؛ أيْ ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُؤْمَرُونَ بِهِ فانْتَهَوْا عَمّا نُهُوا عَنْهُ. وقالَ في رَيِّ الظَّمْآنِ: ما يُوعَظُونَ بِهِ؛ أيْ ما يُوصَوْنَ ويُؤْمَرُونَ بِهِ مِنَ الإخْلاصِ والتَّسْلِيمِ. وقالَ الرّاغِبُ: أخْبَرَ أنَّهم لَوْ قَبِلُوا المَوْعِظَةَ لَكانَ خَيْرًا لَهم. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: المُرادُ أنَّهم لَوْ فَعَلُوا ما كُلِّفُوا بِهِ وأُمِرُوا، وسُمِّيَ هَذا التَّكْلِيفُ والأمْرُ وعْظًا؛ لِأنَّ تَكالِيفَ اللَّهِ تَعالى مَقْرُونَةٌ بِالوَعْدِ والوَعِيدِ والتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ والثَّوابِ والعِقابِ، وما كانَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ يُسَمّى وعْظًا. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: وقِيلَ ما يُوعَظُونَ بِهِ مِنَ الأمْرِ مِنَ القُرْآنِ.
وهَذِهِ كُلُّها تَفاسِيرُ تُخالِفُ الظّاهِرَ؛ لِأنَّ الوَعْظَ هو التِّذْكارُ بِما يَحِلُّ بِمَن خالَفَ أمْرَ اللَّهِ تَعالى مِنَ العِقابِ؛ فالمَوْعُوظُ بِهِ هي الجُمَلُ الدّالَّةُ عَلى ذَلِكَ، ولا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى هَذا الظّاهِرِ؛ لِأنَّهم لَمْ يُؤْمَرُوا بِأنْ يَفْعَلُوا المَوْعُوظَ بِهِ؛ وإنَّما عَرَضَ لَهم شَرْحُ ذَلِكَ بِما خالَفَ الظّاهِرَ؛ لِأنَّهم عَلَّقُوا بِهِ بِقَوْلِهِ: ما يُوعَظُونَ، عَلى طَرِيقَةِ ما يُفْهَمُ مِن قَوْلِكَ: وعَظْتُكَ بِكَذا، فَتَكُونُ الباءُ قَدْ دَخَلَتْ عَلى الشَّيْءِ المَوْعُوظِ بِهِ، وهي الجُمْلَةُ الدّالَّةُ عَلى الوَعْظِ؛ أمّا إذا كانَ المَعْنى عَلى أنَّ الباءَ لِلسَّبَبِيَّةِ فَيُحْمَلُ إذْ ذاكَ اللَّفْظُ عَلى الظّاهِرِ؛ ويَصِحُّ المَعْنى، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا الشَّيْءَ الَّذِي يُوعَظُونَ بِسَبَبِهِ؛ أيْ بِسَبَبِ تَرْكِهِ. ودَلَّ عَلى حَذْفِ تَرْكِهِ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا﴾، ويَبْقى لَفْظُ ﴿يُوعَظُونَ﴾ عَلى ظاهِرِهِ، ولا يُحْتاجُ إلى ما تَأوَّلُوهُ.
﴿لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾؛ أيْ يَحْصُلُ لَهم خَيْرُ الدّارَيْنِ، فَلا يَكُونُ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَهُ؛ أيْ لَكانَ أنْفَعَ لَهم مِن غَيْرِهِ: وأشَدَّ تَثْبِيتًا؛ لِأنَّهُ حَقٌّ، فَهو أبْقى وأثْبَتُ. أوْ لِأنَّ الطّاعَةَ تَدْعُو إلى أمْثالِها، أوْ لِأنَّ الإنْسانَ (p-٢٨٦)يَطْلُبُ أوَّلًا تَحْصِيلَ الخَيْرِ؛ فَإذا حَصَّلَهُ طَلَبَ بَقاءَهُ. فَقَوْلُهُ: لَكانَ خَيْرًا لَهم إشارَةٌ إلى الحالَةِ الأُولى. وقَوْلُهُ: وأشَدَّ تَثْبِيتًا إشارَةٌ إلى الحالَةِ الثّانِيَةِ؛ قالَهُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ.
4:67–70Страница 89
وَإِذٗا لَّأٓتَيۡنَٰهُم مِّن لَّدُنَّآ أَجۡرًا عَظِيمٗا ٦٧
Вот тогда Мы даровали бы им от Нас великую награду
وَلَهَدَيۡنَٰهُمۡ صِرَٰطٗا مُّسۡتَقِيمٗا ٦٨
и повели бы их прямым путем.
وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّٰلِحِينَۚ وَحَسُنَ أُوْلَٰٓئِكَ رَفِيقٗا ٦٩
Те, которые повинуются Аллаху и Посланнику, окажутся вместе с пророками, правдивыми мужами, павшими мучениками и праведниками, которых облагодетельствовал Аллах. Как же прекрасны эти спутники!
ذَٰلِكَ ٱلۡفَضۡلُ مِنَ ٱللَّهِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِيمٗا ٧٠
Такова милость от Аллаха, и довольно того, что Аллах ведает о всякой вещи.
﴿وإذًا لَآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا ولَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإذًا جَوابٌ لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ، وماذا يَكُونُ لَهم أيْضًا بَعْدَ التَّثْبِيتِ ؟ فَقِيلَ، وإذًا لَوْ ثَبَتُوا لَأتَيْناهم؛ لِأنَّ (إذًا) جَوابٌ، وجَزاءٌ، انْتَهى. وظاهِرُ قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ:؛ لِأنَّ (إذًا) جَوابٌ، وجَزاءٌ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّها تَكُونُ لِلْمَعْنَيَيْنِ في حالٍ واحِدٍ عَلى كُلِّ حالٍ، وهَذِهِ مَسْألَةُ خِلافٍ. ذَهَبَ الفارِسِيُّ إلى أنَّها قَدْ تَكُونُ جَوابًا فَقَطْ في مَوْضِعٍ، وجَوابًا، وجَزاءً في مَوْضِعِ نَفْيٍ، مِثْلَ: إذًا أظُنُّكَ صادِقًا لِمَن قالَ: أزُورُكَ، هي جَوابُ خاصَّةٍ. وفي مِثْلِ: إذًا أُكْرِمَكَ لِمَن قالَ: أزُورُكَ، هي جَوابٌ، وجَزاءٌ. وذَهَبَ الأُسْتاذُ أبُو عَلِيٍّ إلى أنَّها تَتَقَدَّرُ بِالجَوابِ والجَزاءِ في كُلِّ مَوْضِعٍ وُقُوفًا مَعَ ظاهِرِ كَلامِ سِيبَوَيْهِ. والصَّحِيحُ قَوْلُ الفارِسِيِّ، وهي مَسْألَةٌ يُبْحَثُ عَنْها في عِلْمِ النَّحْوِ.
والأجْرُ كِنايَةٌ عَنِ الثَّوابِ عَلى الطّاعَةِ، ووَصْفُهُ بِالعِظَمِ بِاعْتِبارِ الكَثْرَةِ، أوْ بِاعْتِبارِ الشَّرَفِ. والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ هو الإيمانُ المُؤَدِّي إلى الجَنَّةِ؛ قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقِيلَ هو الطَّرِيقُ إلى الجَنَّةِ. وقِيلَ الأعْمالُ الصّالِحَةُ. ولَمّا فَسَّرَ ابْنُ عَطِيَّةَ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ بِالإيمانِ قالَ: وجاءَ تَرْتِيبُ هَذِهِ الآيَةِ كَذا. ومَعْلُومٌ أنَّ الهِدايَةَ قَبْلَ إعْطاءِ الأجْرِ؛ لِأنَّ المَقْصِدَ إنَّما هو تَعْدِيدُ ما كانَ اللَّهُ يُنْعِمُ بِهِ عَلَيْهِمْ دُونَ تَرْتِيبٍ؛ فالمَعْنى: وكَهَدَيْناهم قَبْلُ حَتّى يَكُونُوا مِمَّنْ يُؤْتى الأجْرَ، انْتَهى. وأمّا إذا فُسِّرَتِ الهِدايَةُ إلى الصِّراطِ هُنا بِأنَّهُ طَرِيقُ الجَنَّةِ، أوِ الأعْمالُ الصّالِحَةُ، فَإنَّهُ يُظْهِرُ التَّرْتِيبَ.
﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: «نَزَلَتْ في ثَوْبانِ مَوْلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكانَ شَدِيدَ الحُبِّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأتى ذاتَ يَوْمٍ، وقَدْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، ونَحَلَ جِسْمُهُ فَقالَ: يا ثَوْبانُ ما غَيَّرَ لَوْنَكَ ؟ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما بِي مَرَضٌ، ولا وجَعٌ، غَيْرَ أنِّي إذا لَمْ أرَكَ اشْتَقْتُ إلَيْكَ، واسْتَوْحَشْتُ، وحْشَةً شَدِيدَةً حَتّى ألْقاكَ ثُمَّ ذَكَرْتُ الآخِرَةَ فَأخافُ أنْ لا أراكَ هُناكَ لِأنِّي أعْرِفُ أنَّكَ تُرْفَعُ مَعَ النَّبِيِّينَ، وإنِّي وإنْ كُنْتُ أدْخُلُ الجَنَّةَ كُنْتُ في مَنزِلٍ أدْنى مِن مَنزِلِكَ، وإنْ لَمْ أدْخُلِ الجَنَّةَ فَذَلِكَ حِينَ لا أراكَ أبَدًا» . انْتَهى قَوْلُ الكَلْبِيِّ. وحُكِيَ مِثْلُ قَوْلِ ثَوْبانِ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ مِنهم: «عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ الأنْصارِيُّ، وهو الَّذِي أُرِيَ الأذانَ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إذا مُتَّ ومُتْنا، كُنْتَ في عِلِّيِّينَ فَلا نَراكَ ولا نَجْتَمِعُ بِكَ، وذَكَرَ حُزْنَهُ عَلى ذَلِكَ؛ فَنَزَلَتْ» . وحَكى مَكِّيٌّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ هَذا أنَّهُ لَمّا ماتَ النَّبِيُّ ﷺ قالَ: اللَّهُمَّ أعْمِنِي حَتّى لا أرى شَيْئًا بَعْدَهُ، فَعَمِيَ. والمَعْنى في مَعَ النَّبِيِّينَ: إنَّهُ مَعَهم في دارٍ واحِدَةٍ، وكُلُّ مَن فِيها رُزِقَ الرِّضا بِحالِهِ، وهم بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مِن رُؤْيَةِ الآخَرِ، وإنْ بَعُدَ مَكانُهُ.
وقِيلَ المَعِيَّةُ هُنا كَوْنُهم يُرْفَعُونَ إلى مَنازِلِ الأنْبِياءِ مَتى شاءُوا تَكْرِمَةً لَهم، ثُمَّ يَعُودُونَ إلى مَنازِلِهِمْ. وقِيلَ: إنَّ الأنْبِياءَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءَ يَنْحَدِرُونَ إلى مَن أسْفَلَ مِنهم لِيَتَذاكَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ؛ ذَكَرَهُ المَهْدَوِيُّ في تَفْسِيرِهِ الكَبِيرِ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ تَنْبِيهٌ عَلى أمْرَيْنِ مِن أحْوالِ المَعادِ: الأوَّلُ: إشْراقُ الأرْواحِ بِأنْوارِ المَعْرِفَةِ. والثّانِي: كَوْنُهم مَعَ النَّبِيِّينَ. ولَيْسَ المُرادُ بِهَذِهِ المَعِيَّةِ في الدَّرَجَةِ، فَإنَّ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ، بَلْ مَعْناهُ: إنَّ الأرْواحَ النّاقِصَةَ إذا اسْتَكْمَلَتْ عَلائِقَها مَعَ الأرْواحِ الكامِلَةِ في الدُّنْيا بَقِيَتْ بَعْدَ المُفارَقَةِ تِلْكَ العَلائِقُ؛ فَيَنْعَكِسُ الشُّعاعُ مِن بَعْضِها عَلى بَعْضٍ، فَتَصِيرُ أنْوارُها في غايَةِ القُوَّةِ، فَهَذا ما خَطَرَ لِي. انْتَهى كَلامُهُ. وهو شَبِيهٌ بِما قالَتْهُ الفَلاسِفَةُ في الأرْواحِ إذا فارَقَتِ الأجْسادَ. وأهْلُ الإسْلامِ يَأْبَوْنَ هَذِهِ الألْفاظَ ومَدْلُولاتِها؛ ولَكِنْ مَن غَلَبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ (p-٢٨٧)وحُبُّهُ جَرى في كَلامِهِ.
وقَوْلُهُ: ”مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ“ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧]، وهم مَن ذُكِرَ في هَذِهِ الآيَةِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: مِنَ النَّبِيِّينَ تَفْسِيرٌ لِلَّذِينِ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. فَكَأنَّهُ قِيلَ مَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ مِنكم ألْحَقَهُ اللَّهُ بِالَّذِينِ تَقَدَّمَهم مِمَّنْ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ. قالَ الرّاغِبُ: مِمَّنْ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ مِنَ الفِرَقِ الأرْبَعِ في المَنزِلَةِ والثَّوابِ: النَّبِيُّ بِالنَّبِيِّ والصِّدِّيقُ بِالصِّدِّيقِ والشَّهِيدُ بِالشَّهِيدُ والصّالِحُ بِالصّالِحِ. وأجازَ الرّاغِبُ أنْ يَتَعَلَّقَ ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ﴾؛ أيْ مِنَ النَّبِيِّينَ، ومَن بَعْدَهم، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ إشارَةً إلى المَلَأِ الأعْلى. ثُمَّ قالَ: ﴿وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾، ويُبَيِّنُ ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ حِينَ المَوْتِ (اللَّهُمَّ ألْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ الأعْلى)، وهَذا ظاهِرٌ، انْتَهى. وهَذا الوَجْهُ الَّذِي هو عِنْدَهُ ظاهِرٌ فاسِدٌ مِن جِهَةِ المَعْنى، ومِن جِهَةِ النَّحْوِ أمّا مِن جِهَةِ المَعْنى فَإنَّ الرَّسُولَ هُنا هو مُحَمَّدٌ ﷺ؛ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّ مَن يُطِيعُهُ، ويُطِيعُ رَسُولَهُ فَهو مَعَ مَن ذَكَرَ، ولَوْ كانَ ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ مُعَلَّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ﴾؛ لَكانَ قَوْلُهُ: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ تَفْسِيرًا لِمَن في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يُطِعِ﴾ . فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ في زَمانِ الرَّسُولِ أوْ بَعْدَهُ أنْبِياءُ يُطِيعُونَهُ، وهَذا غَيْرُ مُمْكِنٍ؛ لِأنَّهُ قَدْ أخْبَرَ تَعالى أنَّ مُحَمَّدًا هو خاتَمُ النَّبِيِّينَ. وقالَ هو: «لا نَبِيَّ بَعْدِي» . وأمّا مِن جِهَةِ النَّحْوِ فَما قَبْلَ فاءِ الجَزاءِ لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَها، لَوْ قُلْتَ: إنْ تَقُمْ هِنْدٌ فَعَمْرٌو ذاهِبٌ ضاحِكَةً، لَمْ يَجُزْ.
واخْتَلَفُوا في الأوْصافِ الثَّلاثَةِ الَّتِي بَعْدَ النَّبِيِّينَ؛ فَقالَ بَعْضُهم: كُلُّها أوْصافٌ لِمَوْصُوفٍ واحِدٍ، وهي صِفاتٌ مُتَداخِلَةٌ، فَإنَّهُ لا يَمْتَنِعُ في الشَّخْصِ الواحِدِ أنْ يَكُونَ صِدِّيقًا وشَهِيدًا وصالِحًا. وقِيلَ المُرادُ بِكُلِّ وصْفِ صِنْفٌ مِنَ النّاسِ. فَأمّا الصِّدِّيقُ فَهو فِعِّيلٌ لِلْمُبالَغَةِ كَشِرِّيبٍ؛ فَقِيلَ هو الكَثِيرُ الصِّدْقِ، وقِيلَ هو الكَثِيرُ الصَّدَقَةِ. ولِلْمُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ كُلَّ مَن صَدَّقَ بِكُلِّ الَّذِي لا يَتَخالَجُهُ فِيهِ شَكٌّ فَهو صِدِّيقٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ [الحديد: ١٩] . الثّانِي: أفاضِلُ أصْحابِ الرَّسُولِ. الثّالِثُ: السّابِقُ إلى تَصْدِيقِ الرَّسُولِ. فَصارَ في ذَلِكَ قُدْوَةً لِسائِرِ النّاسِ. وأمّا الشَّهِيدُ: فَهو المَقْتُولُ في سَبِيلِ اللَّهِ؛ المَخْصُوصُ بِفَضْلِ المَيْتَةِ. وفَرَّقَ الشَّرْعُ حُكْمَهم في تَرْكِ الغُسْلِ والصَّلاةِ؛ لِأنَّهم أكْرَمُ مِن أنْ يُشَفَّعَ فِيهِمْ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في كَوْنِهِمْ سُمُّوا شُهَداءَ، ولَكِنَّ لَفْظَ الشُّهَداءِ في الآيَةِ يَعُمُّ أنْواعَ الشُّهَداءِ الَّذِينَ ذَكَرَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الشَّهادَةُ مُفَسَّرَةً بِكَوْنِ الإنْسانِ مَقْتُولَ الكافِرِ؛ بَلْ نَقُولُ: الشَّهِيدُ فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، وهو الَّذِي يَشْهَدُ لِدِينِ اللَّهِ تارَةً بِالحُجَّةِ بِالبَيانِ، وتارَةً بِالسَّيْفِ والسِّنانِ. فالشُّهَداءُ هُمُ القائِمُونَ بِالقِسْطِ وهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ في قَوْلِهِ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] . والصّالِحُ: هو الَّذِي يَكُونُ صالِحًا في اعْتِقادِهِ، وعَمَلِهِ. وجاءَ هَذا التَّرْكِيبُ عَلى هَذا القَوْلِ عَلى حَسَبِ التَّنَزُّلِ مِنَ الأعْلى إلى الأدْنى، إلى أدْنى مِنهُ. وفي هَذا التَّرْغِيبُ لِلْمُؤْمِنِينَ في طاعَةِ اللَّهِ، وطاعَةِ رَسُولِهِ حَيْثُ وُعِدُوا بِمُرافَقَةِ أقْرَبِ عِبادِ اللَّهِ إلى اللَّهِ، وأرْفَعِهِمْ دَرَجاتٍ عِنْدَهُ.
وقالَ الرّاغِبُ: قَسَّمَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ في هَذِهِ الآيَةِ أرْبَعَةَ أقْسامٍ، وجَعَلَ لَهم أرْبَعَةَ مَنازِلَ بَعْضُها دُونَ بَعْضٍ، وحَثَّ كافَّةَ النّاسِ أنْ يَتَأخَّرُوا عَنْ مَنزِلٍ واحِدٍ مِنهم؛ الأوَّلُ: الأنْبِياءُ الَّذِينَ تُمِدُّهم قُوَّةُ الإلَهِيَّةِ، ومَثَلُهم كَمَن يَرى الشَّيْءَ عِيانًا مِن قَرِيبٍ. ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿أفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى﴾ [النجم: ١٢] . الثّانِي: الصِّدِّيقُونَ؛ وهُمُ الَّذِينَ يُزاحِمُونَ الأنْبِياءَ في المَعْرِفَةِ، ومَثَلُهم كَمَن يَرى الشَّيْءَ عِيانًا مِن بَعِيدٍ، وإيّاهُ عَنى أمِيرُ المُؤْمِنِينَ حِينَ قِيلَ لَهُ: هَلْ رَأيْتَ اللَّهَ ؟ فَقالَ: ما كُنْتُ عَبْدَ شَيْءٍ لَمْ أرَهُ. ثُمَّ قالَ: " لَمْ تَرَهُ العُيُونُ بِشَواهِدِ الأبْصارِ؛ ولَكِنْ رَأتْهُ القُلُوبُ بِحَقائِقِ الإيمانِ. الثّالِثُ: الشُّهَداءُ، وهُمُ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ الشَّيْءَ (p-٢٨٨)بِالبَراهِينِ. ومَثَلُهم كَمَن يَرى الشَّيْءَ في المِرْآةِ مِن مَكانٍ قَرِيبٍ كَحالِ حارِثَةَ، حَيْثُ قالَ: كَأنِّي أنْظُرُ إلى عَرْشِ رَبِّي، وإيّاهُ قَصَدَ النَّبِيُّ ﷺ حَيْثُ قالَ: «اعْبُدِ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ» . الرّابِعُ: الصّالِحُونَ، وهُمُ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ الشَّيْءَ بِاتِّباعاتِ وتَقْلِيداتِ الرّاسِخِينَ في العِلْمِ، ومَثَلُهم كَمَن يَرى الشَّيْءَ مِن بَعِيدٍ في مِرْآةٍ. وإيّاهُ قَصَدَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: «اعْبُدِ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ»، انْتَهى كَلامُهُ. وهو شَبِيهٌ بِكَلامِ المُتَصَوِّفَةِ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: النَّبِيُّونَ مُحَمَّدٌ والصِّدِّيقُونَ أبُو بَكْرٍ والشُّهَداءُ عُمَرُ، وعُثْمانُ، وعَلِيٌّ والصّالِحُونَ صالِحُو أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، انْتَهى. ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ التَّمْثِيلِ، وأمّا عَلى طَرِيقِ الحَصْرِ فَلا، ولا يُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ: ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ ظاهِرُ اللَّفْظِ مِنَ الِاكْتِفاءِ بِالطّاعَةِ الواحِدَةِ إذِ اللَّفْظُ الدّالُّ عَلى الصِّفَةِ يَكْفِي في العَمَلِ في جانِبِ الثُّبُوتِ حُصُولَ ذَلِكَ المُسَمّى مَرَّةً واحِدَةً لِدُخُولِ المُنافِقِينَ فِيهِ؛ لِأنَّهم قَدْ يَأْتُونَ بِالطّاعَةِ الواحِدَةِ، بَلْ يُحْمَلُ عَلى غَيْرِ الظّاهِرِ بِأنْ تُحْمَلَ الطّاعَةُ عَلى فِعْلِ جَمِيعِ المَأْمُوراتِ، وتَرْكِ جَمِيعِ المَنهِيّاتِ.
﴿وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ أُولَئِكَ: إشارَةٌ إلى النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ. لَمْ يَكْتَفِ بِالمَعِيَّةِ حَتّى جَعَلَهم رُفَقاءَ لَهم، فالمُطِيعُ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ يُوافِقُونَهُ، ويَصْحَبُونَهُ والرَّفِيقُ الصّاحِبُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِلِارْتِفاقِ بِهِ. وعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ رَفِيقًا عَلى الحالِ مِن أُولَئِكَ، أوْ عَلى التَّمْيِيزِ. وإذا انْتَصَبَ عَلى التَّمْيِيزِ فَيُحْتَمَلُ أنْ لا يَكُونَ مَنقُولًا؛ فَيَجُوزُ دُخُولُ مِن عَلَيْهِ، ويَكُونُ هو المُمَيَّزَ. وجاءَ مُفْرَدًا إمّا لِأنَّ الرَّفِيقَ مِثْلَ الخَلِيطِ والصَّدِيقِ يَكُونُ لِلْمُفْرَدِ والمُثَنّى والمَجْمُوعِ بِلَفْظٍ واحِدٍ. وإمّا لِإطْلاقِ المُفْرَدِ في بابِ التَّمْيِيزِ اكْتِفاءً، ويُرادُ بِهِ الجَمْعُ، ويُحَسِّنُ ذَلِكَ هُنا كَوْنُهُ فاصِلَةً. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَنقُولًا مِنَ الفاعِلِ، فَلا يَكُونُ هو المُمَيَّزَ، والتَّقْدِيرُ: وحَسُنَ رَفِيقُ أُولَئِكَ، فَلا تَدْخُلُ عَلَيْهِ (مِن)، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُولَئِكَ إشارَةً إلى مَن (p-٢٨٩)يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ، وجُمِعَ عَلى مَعْنى مِن، ويَجُوزُ في انْتِصابِ ﴿رَفِيقًا﴾ الأوْجُهُ السّابِقَةُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: وحَسُنَ بِضَمِّ السِّينِ، وهي الأصْلُ، ولُغَةُ الحِجازِ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: وحَسْنَ بِسُكُونِ السِّينِ، وهي لُغَةُ تَمِيمَ. ويَجُوزُ: وحُسْنٌ بِسُكُونِ السِّينِ، وضَمِّ الحاءِ عَلى تَقْدِيرِ نَقْلِ حَرَكَةِ السِّينِ إلَيْها؛ وهي لُغَةُ بَعْضِ بَنِي قَيْسٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ فِيهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: وما أحْسَنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا. ولِاسْتِقْلالِهِ بِمَعْنى التَّعَجُّبِ: وحَسُنَ بِسُكُونِ السِّينِ. يَقُولُ المُتَعَجِّبُ. وحَسُنَ الوَجْهُ وجْهُكَ بِالفَتْحِ والضَّمِّ مَعَ التَّسْكِينِ، انْتَهى كَلامُهُ. وهو تَخْلِيطُ وتَرْكِيبُ مَذْهَبٍ عَلى مَذْهَبٍ. فَنَقُولُ: اخْتَلَفُوا في فِعْلٍ المُرادُ بِهِ المَدْحُ والذَّمُّ؛ فَذَهَبَ الفارِسِيُّ وأكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ إلى جَوازِ إلْحاقِهِ بِبابِ نِعْمَ وبِئْسَ فَقَطْ، فَلا يَكُونُ فاعِلًا إلّا بِما يَكُونُ فاعِلًا لَهُما. وذَهَبَ الأخْفَشُ والمُبَرِّدُ إلى جَوازِ إلْحاقِهِ بِبابِ نِعْمَ وبِئْسَ؛ فَيُجْعَلُ فاعِلُها كَفاعِلِهِما؛ وذَلِكَ إذا لَمْ يَدْخُلْهُ مَعْنى التَّعَجُّبِ. وإلى جَوازِ إلْحاقِهِ بِفِعْلِ التَّعَجُّبِ فَلا يَجْرِي مَجْرى نِعْمَ وبِئْسَ في الفاعِلِ، ولا في بَقِيَّةِ أحْكامِهِما؛ بَلْ يَكُونُ فاعِلُهُ ما يَكُونُ مَفْعُولًا لِفِعْلِ التَّعَجُّبِ؛ فَيَقُولُ: لَضَرَبْتُ يَدَكَ، ولَضَرَبْتُ اليَدَ. والكَلامُ عَلى هَذَيْنِ المَذْهَبَيْنِ - تَصْحِيحًا وإبْطالًا - مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. والزَّمَخْشَرِيُّ لَمْ يَتَّبِعْ واحِدًا مِن هَذَيْنِ المَذْهَبَيْنِ، بَلْ خَلَّطَ ورَكَّبَ، فَأخَذَ التَّعَجُّبَ مِن مَذْهَبِ الأخْفَشِ، وأخَذَ التَّمْثِيلَ بِقَوْلِهِ: وحَسُنَ الوَجْهُ وجْهُكَ، وحَسُنَ الوَجْهُ وجْهُكَ مِن مَذْهَبِ الفارِسِيِّ. وأمّا قَوْلُهُ: ولِاسْتِقْلالِهِ بِمَعْنى التَّعَجُّبِ، قُرِئَ: وحُسْنٌ بِسُكُونِ السِّينِ، وذَكَرَ أنَّ المُتَعَجِّبَ يَقُولُ: وحَسُنَ وحُسْنٌ، فَهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ الفَرّاءَ ذَكَرَ أنَّ تِلْكَ لُغاتٌ لِلْعَرَبِ؛ فَلا يَكُونُ التَّسْكِينُ، ولا هو والنَّقْلُ جُلَّ التَّعَجُّبِ.
﴿ذَلِكَ الفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الإشارَةَ إلى كَيْنُونَةِ المُطِيعِ مِنَ النَّبِيِّينَ، ومَن عُطِفَ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ هو المَحْكُومُ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ﴾، وكَأنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالٍ؛ أيْ وما المُوجِبُ لَهُمُ اسْتِواؤُهم مَعَ النَّبِيِّينَ في الآخِرَةِ، مَعَ أنَّ الفَرْقَ بَيْنَهم في الدُّنْيا بَيِّنٌ ؟ فَذَكَرَ أنَّ ذَلِكَ بِفَضْلِهِ، لا بِوُجُوبٍ عَلَيْهِ. ومَعَ اسْتِوائِهِمْ مَعَهم في الجَنَّةِ فَهم مُتَبايِنُونَ في المَنازِلِ.
وقِيلَ: الإشارَةُ إلى الثَّوابِ في قَوْلِهِ أجْرًا عَظِيمًا. وقِيلَ: إلى الطّاعَةِ. وقِيلَ: إلى المُرافَقَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ ما أُعْطِيَ المُطِيعُونَ مِنَ الأجْرِ العَظِيمِ ومُرافَقَةِ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ تَفَضَّلَ بِهِ عَلَيْهِمْ تَبَعًا لِثَوابِهِمْ، و(ذَلِكَ) مُبْتَدَأٌ و(الفَضْلُ) خَبَرُهُ، و(مِنَ اللَّهِ) حالٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (الفَضْلُ) صِفَةً، والخَبَرُ مِنَ اللَّهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونا خَبَرَيْنِ عَلى مَذْهَبِ مَن يُجِيزُ ذَلِكَ.
﴿وكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ لَمّا ذَكَرَ الطّاعَةَ وذَكَرَ جَزاءَ مَن يُطِيعُ أتى بِصِفَةِ العِلْمِ الَّتِي تَتَضَمَّنُ (p-٢٩٠)الجَزاءَ أيْ: وكَفى بِهِ مُجازِيًا لِمَن أطاعَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فِيهِ مَعْنى أنْ تَقُولَ: فَشَمِلُوا فِعْلَ اللَّهِ وتَفَضُّلَهُ مِن الِاعْتِراضِ عَلَيْهِ، واكْتَفَوْا بِعِلْمِهِ في ذَلِكَ وغَيْرِهِ؛ ولِذَلِكَ دَخَلَتِ الباءُ عَلى اسْمِ اللَّهِ تَعالى لِتَدُلَّ عَلى الأمْرِ الَّذِي في قَوْلِهِ: وكَفى، انْتَهى. وقَدْ بَيَّنّا فَسادَ قَوْلِ مَن يَدَّعِي أنَّ قَوْلَكَ: كَفى بِزَيْدٍ مَعْناهُ اكْتَفِ بِزَيْدٍ عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا بِجَزاءِ مَن أطاعَهُ. أوْ أرادَ فَصْلَ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ، ومَزِيَّتَهم مِنَ اللَّهِ؛ لِأنَّهُمُ اكْتَسَبُوهُ بِتَمْكِينِهِ وتَوْفِيقِهِ، وكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا بِعِبادِهِ؛ فَهو يُوَفِّقُهم عَلى حَسَبِ أحْوالِهِمْ، انْتَهى. وهي ألْفاظُ المُعْتَزِلَةِ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии