Абу Хайян · Тафсир · на арабском
Ан-Ниса 4:6–8
4:6Страница 77
وَٱبۡتَلُواْ ٱلۡيَتَٰمَىٰ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغُواْ ٱلنِّكَاحَ فَإِنۡ ءَانَسۡتُم مِّنۡهُمۡ رُشۡدٗا فَٱدۡفَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ أَمۡوَٰلَهُمۡۖ وَلَا تَأۡكُلُوهَآ إِسۡرَافٗا وَبِدَارًا أَن يَكۡبَرُواْۚ وَمَن كَانَ غَنِيّٗا فَلۡيَسۡتَعۡفِفۡۖ وَمَن كَانَ فَقِيرٗا فَلۡيَأۡكُلۡ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ فَإِذَا دَفَعۡتُمۡ إِلَيۡهِمۡ أَمۡوَٰلَهُمۡ فَأَشۡهِدُواْ عَلَيۡهِمۡۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبٗا ٦
Испытывайте сирот, пока они не достигнут брачного возраста. Если обнаружите в них зрелый разум, то отдавайте им их имущество. Не пожирайте его, излишествуя, в спешке, пока они не вырастут. Кто богат, пусть воздержится, а кто беден, пусть ест по справедливости. Когда вы отдаете им их имущество, то делайте это в присутствии свидетелей. Но довольно того, что Аллах ведет счет.
﴿وابْتَلُوا اليَتامى حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾ قِيلَ: تُوُفِّيَ رِفاعَةُ وتَرَكَ ابْنَهُ ثابِتًا صَغِيرًا، فَسَألَ: إنَّ ابْنَ أخِي في حِجْرِي، فَما يَحِلُّ لِي مِن مالِهِ ؟ ومَتى أدْفَعُ إلَيْهِ مالَهُ ؟ فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: تُوُفِّيَ أوْسُ بْنُ ثابِتٍ، ويُقالُ: أوْسُ بْنُ سُوَيْدٍ عَنْ زَوْجَتِهِ أُمِّ كَجَّةَ وثَلاثِ بَناتٍ وابْنَيْ عَمِّ سُوَيْدٍ. وقِيلَ: السُّدِّيُّ وعَرْفَجَةُ، فَأخَذا مالَهُ ولَمْ يُعْطِيا المَرْأةَ ولا البَناتِ شَيْئًا. وقِيلَ: المانِعُ إرْثَهُنَّ هو عَمُّ بَنِيها، واسْمُهُ ثَعْلَبَةُ. وكانُوا في الجاهِلِيَّةِ لا يُوَرِّثُونَ النِّساءَ ولا البَناتِ ولا الِابْنَ الصَّغِيرَ الذَّكَرَ، فَشَكَتْهُما أُمُّ كَجَّةَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَدَعاهُما، فَقالَ: لا يا رَسُولَ اللَّهِ، ولَدُها لا يَرْكَبُ فَرَسًا، ولا يَحْمِلُ كَلًّا، ولا يُنْكِي عَدُوًّا، فَقالَ: (انْصَرِفُوا حَتّى أنْظُرَ ما يُحْدِثُ اللَّهُ) فَنَزَلَتْ.
وابْتِلاءُ اليَتامى اخْتِبارُهم في عُقُولِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ، وسُفْيانُ. أوْ في عُقُولِهِمْ ودِينِهِمْ وحِفْظِهِمْ لِأمْوالِهِمْ وحُسْنِ تَصَرُّفِهِمْ فِيها. ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ. وكَيْفِيَّةُ اخْتِبارِ الصَّغِيرِ أنْ يُدْفَعَ إلَيْهِ نَزْرٌ يَسِيرٌ مِنَ المالِ يَتَصَرَّفُ فِيهِ، والوَصِيُّ يُراعِي حالَهُ فِيهِ لِئَلّا يُتْلِفَهُ. واخْتِبارُ الصَّغِيرَةِ أنْ يُرَدَّ إلَيْها أمْرُ البَيْتِ والنَّظَرُ في الِاسْتِغْزالِ دَفْعًا وأُجْرَةً واسْتِيفاءً. واخْتِلافُ كُلٍّ مِنهُما بِحالِ ما يَلِيقُ بِهِ وبِما يُعانِيهِ مِنَ الأشْغالِ والصَّنائِعِ، فَإذا أنِسَ مِنهُ الرُّشْدَ بَعْدَ البُلُوغِ والِاخْتِبارِ دَفَعَ إلَيْهِ مالَهُ، وأشْهَدَ عَلَيْهِ، هَذا ظاهِرُ الآيَةِ، وهو يَعْقُبُ الدَّفْعَ. والإشْهادُ الإيناسُ المَشْرُوطُ. وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: لا يُدْفَعُ إلَيْهِ بَعْدَ الإيناسِ والِاخْتِبارِ المَذْكُورَيْنِ حَتّى تَمْضِيَ عَلَيْهِ سَنَةٌ، وتُداوِلُهُ الفُصُولُ الأرْبَعُ، ولَمْ تَتَعَرَّضِ الآيَةُ لِسِنِّ البُلُوغِ، ولا بِماذا يَكُونُ. وتَكَلَّمَ فِيها هُنا بَعْضُ المُفَسِّرِينَ. والكَلامُ في البُلُوغِ مَذْكُورٌ في كُتُبِ الفِقْهِ. وظاهِرُ الآيَةِ أنَّهُ إنْ لَمْ يُؤْنَسْ مِنهُ رُشْدٌ بَقِيَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ دائِمًا، ولا يُدْفَعُ إلَيْهِ المالُ، وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ. وقالَ النَّخَعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ: يُنْتَظَرُ بِهِ خَمْسٌ وعِشْرُونَ سَنَةً، ويُدْفَعُ إلَيْهِ مالُهُ، أُونِسَ مِنهُ الرُّشْدُ أوْ لَمْ يُؤْنَسْ. وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى اسْتِبْدادِ الوَصِيِّ بِالدَّفْعِ والِاسْتِقْلالِ بِهِ. وقالَتْ طائِفَةٌ: يَفْتَقِرُ إلى أنْ يَدْفَعَهُ إلى السُّلْطانِ ويُثْبِتَ عِنْدَهُ رُشْدَهُ، أوْ يَكُونَ مِمَّنْ يَأْمَنُهُ الحاكِمُ. وظاهِرُ عُمُومِ اليَتامى انْدِراجُ البَناتِ في هَذا الحُكْمِ، فَيَكُونُ حُكْمُهُنَّ حُكْمَ البَنِينَ في ذَلِكَ. فَقِيلَ: يُعْتَبَرُ رُشْدُها، وإنْ لَمْ تَتَزَوَّجْ بِالبُلُوغِ. وقِيلَ: المُدَّةُ بَعْدَ الدُّخُولِ خَمْسَةُ أعْوامٍ. وقِيلَ: سَنَةٌ. وقِيلَ: سَبْعَةٌ في ذاتِ الأبِ، وعامٌ واحِدٌ في اليَتِيمَةِ الَّتِي لا وصِيَّ لَها.
و(حَتّى) هُنا غايَةٌ لِلِابْتِلاءِ، ودَخَلَتْ عَلى الشَّرْطِ وهو (إذا)، وجَوابُهُ: فَإنْ آنَسْتُمْ، وجَوابُهُ وجَوابُ ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ [النساء: ١]: (فادْفَعُوا) . وإيناسُ الرُّشْدِ مُتَرَتِّبٌ عَلى بُلُوغِ النِّكاحِ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ بَعْدَهُ. و(حَتّى) إذا دَخَلَتْ عَلى الشَّرْطِ لا تَكُونُ عامِلَةً، بَلْ هي الَّتِي تَقَعُ بَعْدَها الجُمَلُ كَقَوْلِهِ:
؎وحَتّى الجِيادُ ما يُقَدْنَ بِأرْسانِ
وقَوْلِهِ:
؎وحَتّى ماءُ دِجْلَةَ أشْكَلُ
عَلى أنَّ في هَذِهِ المَسْألَةِ خِلافًا ذَهَبَ الزَّجّاجُ وابْنُ دُرَسْتَوَيْهِ إلى أنَّ الجُمْلَةَ في مَوْضِعِ جَرٍّ، وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّها غَيْرُ عامِلَةٍ ألْبَتَّةَ. وفي قَوْلِهِ: ﴿بَلَغُوا النِّكاحَ﴾ تَقْدِيرٌ مَحْذُوفٌ، وهو: بَلَغُوا حَدَّ النِّكاحِ أوْ وقْتَهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْنى آنَسْتُمْ عَرَفْتُمْ. وقالَ عَطاءٌ: رَأيْتُمْ. (p-١٧٢)وقالَ الفَرّاءُ: وجَدْتُمْ. وقالَ الزَّجّاجُ: عَلِمْتُمْ. وهَذِهِ الأقْوالُ مُتَقارِبَةٌ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: (فَإنْ أحَسْتُمْ)، يُرِيدُ أحْسَسْتُمْ. فَحَذَفَ عَيْنَ الكَلِمَةِ، وهَذا الحَذْفُ شُذُوذٌ لَمْ يَرِدْ إلّا في ألْفاظٍ يَسِيرَةٍ. وحَكى غَيْرُ سِيبَوَيْهِ: أنَّها لُغَةُ سُلَيْمٍ، وأنَّها تَطَّرِدُ في عَيْنِ كُلِّ فِعْلٍ مُضاعَفٍ اتَّصَلَ بِتاءِ الضَّمِيرِ أوْ نُونِهِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وأبُو السَّمّالِ وعِيسى الثَّقَفِيُّ: (رَشَدًا) بِفَتْحَتَيْنِ. وقُرِئَ شاذًّا: (رُشُدًا) بِضَمَّتَيْنِ، ونَكَّرَ (رُشْدًا) لِأنَّ مَعْناهُ نَوْعٌ مِنَ الرُّشْدِ، وطَرَفٌ ومَخِيلَةٌ مِن مَخِيلَتِهِ، ولا يُنْتَظَرُ بِهِ تَمامُ الرُّشْدِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومالِكٌ يَرى الشَّرْطَيْنِ: البُلُوغَ والرُّشْدَ، وحِينَئِذٍ يُدْفَعُ المالُ. وأبُو حَنِيفَةَ يَرى أنْ يُدْفَعَ المالُ بِالشَّرْطِ الواحِدِ ما لَمْ يُحْفَظْ لَهُ سَفَهٌ، كَما أُبِيحَتِ التَّسْرِيَةُ بِالشَّرْطِ الواحِدِ. وكِتابُ اللَّهِ قَدْ قَيَّدَها بِعَدَمِ الطَّوَلِ وخَوْفِ العَنَتِ. والتَّمْثِيلُ عِنْدِي في دَفْعِ المالِ بِتَوالِي الشَّرْطَيْنِ غَيْرُ صَحِيحٍ، وذَلِكَ أنَّ البُلُوغَ لَمْ تَسُقْهُ الآيَةُ سَبَبًا في الشَّرْطِ، ولَكِنَّها حالَةُ الغالِبِ عَلى بَنِي آدَمَ أنْ تَلْتَئِمَ عُقُولُهم فِيها، فَهو الوَقْتُ الَّذِي لا يُعْتَبَرُ شَرْطُ الرُّشْدِ إلّا فِيهِ. فَقالَ: إذا بَلَغَ ذَلِكَ الوَقْتَ فَلْيَنْظُرْ إلى الشَّرْطِ، وهو الرُّشْدُ حِينَئِذٍ. وفَصاحَةُ الكَلامِ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ التَّوْقِيتَ بِالبُلُوغِ جاءَ بِـ (إذا)، والمَشْرُوطَ جاءَ بِـ (إنِ) الَّتِي هي قاعِدَةُ حُرُوفِ الشَّرْطِ. و(إذا) لَيْسَتْ بِحَرْفِ شَرْطٍ لِحُصُولِ ما بَعْدَها، وأجازَ سِيبَوَيْهِ أنْ يُجازى بِها في الشِّعْرِ. وقالَ: فَعَلُوا ذَلِكَ مُضْطَرِّينَ، وإنَّما جُوزِيَ بِها لِأنَّها تَحْتاجُ إلى جَوابٍ، ولِأنَّها يَلِيها الفِعْلُ مُظْهَرًا أوْ مُضْمَرًا. واحْتَجَّ الخَلِيلُ عَلى مَنعِ شَرْطِيَّتِها بِحُصُولِ ما بَعْدَها. ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: أجِيئُكَ إذا احْمَرَّ البُسْرُ، ولا تَقُولُ: إنِ احْمَرَّ البُسْرُ. انْتَهى كَلامُهُ. ودَلَّ كَلامُهُ عَلى أنَّ (إذا) ظَرْفٌ مُجَرَّدٌ مِن مَعْنى الشَّرْطِ، وهَذا مُخالِفٌ لِكَلامِ النَّحْوِيِّينَ. بَلِ النَّحْوِيُّونَ كالمُجْمِعِينَ عَلى أنَّ (إذا) ظَرْفٌ لِما يُسْتَقْبَلُ فِيهِ مَعْنى الشَّرْطِ غالِبًا، وإنْ صَرَّحَ أحَدٌ مِنهم بِأنَّها لَيْسَتْ أداةَ شَرْطٍ فَإنَّما يَعْنِي أنَّها لا تَجْزِمُ كَأدَواتِ الشَّرْطِ، لا نَفى كَوْنَها تَأْتِي لِلشَّرْطِ. وكَيْفَ تَقُولُ ذَلِكَ، والغالِبُ عَلَيْها أنَّها تَكُونُ شَرْطًا ؟ ولَمْ تَتَعَرَّضِ الآيَةُ إلى حُكْمِ مَن أُونِسَ مِنهُ الرُّشْدُ بَعْدَ البُلُوغِ، ودُفِعَ إلَيْهِ مالُهُ، ثُمَّ عادَ إلى السَّفَهِ، أيَعُودُ الحَجْرُ عَلَيْهِ أمْ لا ؟ وفِيهِ قَوْلانِ: قالَ مالِكٌ: يَعُودُ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا يَعُودُ، والقَوْلانِ عَنِ الشّافِعِيِّ.
﴿ولا تَأْكُلُوها إسْرافًا وبِدارًا أنْ يَكْبَرُوا﴾ تَقَدَّمَ أنَّهُ يُعَبَّرُ بِالأكْلِ عَنِ الأخْذِ؛ لِأنَّ الأكْلَ أعْظَمُ وُجُوهِ الِانْتِفاعِ بِالمَأْخُوذِ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَقِلَّةٌ. نَهاهم تَعالى عَنْ أكْلِ أمْوالِ اليَتامى وإتْلافِها بِسُوءِ التَّصَرُّفِ، ولَيْسَتْ مَعْطُوفَةً عَلى جَوابِ الشَّرْطِ، لِأنَّهُ وشَرْطَهُ مُتَرَتِّبانِ عَلى بُلُوغِ النِّكاحِ. وهو مُعارِضٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وبِدارًا أنْ يَكْبَرُوا﴾، فَيَلْزَمُ مِنهُ مَشَقَّةٌ عَلى ما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ، وذَلِكَ مُمْتَنِعٌ. وبِهَذا الَّذِي قَرَّرْناهُ يَتَّضِحُ خَطَأُ مَن جَعَلَ ﴿ولا تَأْكُلُوها﴾ عَطْفًا عَلى فادْفَعُوا، ولَيْسَ تَقْيِيدُ النَّهْيِ بِأكْلِ أمْوالِ اليَتامى في هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ مِمّا يُبِيحُ الأكْلَ بِدُونِهِما، فَيَكُونُ مِن بابِ دَلِيلِ الخِطابِ. والإسْرافُ الإفْراطُ في الإنْفاقِ، والسَّرَفُ الخَطَأُ في مَواضِعِ الإنْفاقِ. قالَ:
؎أعْطَوْا هُنَيْدَةَ تَحْدُوها ثَمانِيَةٌ ∗∗∗ ما في عَطائِهِمْ مَنٌّ ولا سَرَفُ
أيْ: لَيْسَ يُخْطِئُونَ مَواضِعَ العَطاءِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: ومُبادَرَةُ كِبَرِهِمْ أنَّ الوَصِيَّ يَسْتَغْنِمُ مالَ مَحْجُورِهِ فَيَأْكُلُ، ويَقُولُ: أُبادِرُ كِبَرَهُ لِئَلّا يَرْشُدَ ويَأْخُذَ مالَهُ.
وانْتَصَبَ ﴿إسْرافًا وبِدارًا﴾ عَلى أنَّهُما مَصْدَرانِ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: مُسْرِفِينَ ومُبادِرِينَ. والبِدارُ مَصْدَرُ بادَرَ، وهو مِن بابِ المُفاعَلَةِ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ. لِأنَّ اليَتِيمَ مُبادِرٌ إلى الكِبَرِ، والوَلِيُّ مُبادِرٌ إلى أخْذِ مالِهِ، فَكَأنَّهُما مُسْتَبِقانِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن واحِدٍ، وأُجِيزَ أنْ يَنْتَصِبا عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، أيْ: لِإسْرافِكم ومُبادَرَتِكم. و(أنْ يَكْبَرُوا) مَفْعُولٌ بِالمَصْدَرِ، أيْ: كِبَرُكم؛ كَقَوْلِهِ: أوْ إطْعامٌ يَتِيمًا وفي إعْمالِ المَصْدَرِ المُنَوَّنِ خِلافٌ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: مَخافَةَ أنْ يَكْبَرُوا، فَيَكُونُ أنْ يَكْبَرُوا مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ، ومَفْعُولُ (بِدارًا) مَحْذُوفٌ.
(p-١٧٣)﴿ومَن كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ومَن كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾ ظاهِرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَقْسِيمٌ لِحالِ الوَصِيِّ عَلى اليَتِيمِ، فَأمَرَهُ تَعالى بِالِاسْتِعْفافِ عَنْ مالِهِ إنْ كانَ غَنِيًّا، واقْتِناعِهِ بِما رَزَقَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الغِنى، وأباحَ لَهُ الأكْلَ بِالمَعْرُوفِ مِن مالِ اليَتِيمِ إنْ كانَ فَقِيرًا، بِحَيْثُ يَأْخُذُ قُوتًا مُحْتاطًا في تَقْدِيرِهِ.
وظاهِرُ هَذِهِ الإباحَةِ أنَّهُ لا تَبِعَةَ عَلَيْهِ، ولا يَتَرَتَّبُ في ذِمَّتِهِ ما أخَذَ مِمّا يَسُدُّ جَوْعَتَهُ بِما لا يَكُونُ رَفِيعًا مِنَ الثِّيابِ، ولا يَقْضِي إذا أيْسَرَ، قالَهُ إبْراهِيمُ، وعَطاءٌ، والحَسَنُ، والسُّدِّيُّ، وعَلى هَذا القَوْلِ الفُقَهاءُ. وقالَ عُمَرُ وابْنُ عَبّاسٍ، وعُبَيْدَةُ، والشَّعْبِيُّ، ومُجاهِدٌ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ جُبَيْرٍ: يَقْضِي إذا أيْسَرَ، ولا يَسْتَلِفُ أكْثَرَ مِن حاجَتِهِ. وبِهِ قالَ الأوْزاعِيُّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وأبُو العالِيَةِ، والحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ: إنَّما يَأْكُلُ بِالمَعْرُوفِ إذا شَرِبَ مِنَ اللَّبَنِ، وأكَلَ مِنَ التَّمْرِ، بِما يَهْنَأُ الجَرْباءَ ويَلِيطُ الحَوْضَ، ويَجُذُّ التَّمْرَ وما أشْبَهَهُ. فَأمّا أعْيانُ الأمْوالِ وأُصُولُها فَلَيْسَ لِلْوَلِيِّ أخْذُها.
وقالَتْ طائِفَةٌ: المَعْرُوفُ أنْ يَكُونَ لَهُ أجْرٌ بِقَدْرِ عَمَلِهِ وخِدْمَتِهِ، وهَذِهِ رِوايَةٌ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ. وفَصَّلَ الحَسَنُ بْنُ حَيٍّ فَقالَ: إنْ كانَ وصِيَّ أبٍ فَلَهُ الأكْلُ بِالمَعْرُوفِ، أوْ وصِيَّ حاكِمٍ فَلا سَبِيلَ لَهُ إلى المالِ بِوَجْهٍ، وأُجْرَتُهُ عَلى بَيْتِ المالِ. وفَصَّلَ أبُو حَنِيفَةَ وصاحِباهُ فَقالُوا: إنْ كانَ وصِيُّ اليَتِيمِ مُقِيمًا فَلا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَأْخُذَ مِن مالِهِ شَيْئًا، وإنْ كانَ مُسافِرًا فَلَهُ أنْ يَأْخُذَ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ، ولا يَقْتَنِي شَيْئًا. وفَصَّلَ الشَّعْبِيُّ فَقالَ: إنْ كانَ مُضْطَرًّا بِحالِ مَن يَجُوزُ لَهُ أكْلُ المَيْتَةِ أكَلَ بِقَدْرِ حاجَتِهِ ورَدَّ إذا وجَدَ، وإلّا فَلا يَأْكُلْ لا سَفَرًا ولا حَضَرًا. وقالَ مُجاهِدٌ: هَذِهِ الإباحَةُ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠] . وقالَ أبُو يُوسُفَ: لَعَلَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] فَلَيْسَ لَهُ أنْ يَأْخُذَ قَرْضًا ولا غَيْرَهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والنَّخَعِيُّ أيْضًا: هَذا الأمْرُ لَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِمالِ اليَتِيمِ، والمَعْنى: أنَّ الغَنِيَّ يَسْتَعْفِفُ بِغِناهُ، وأمّا الفَقِيرُ فَيَأْكُلُ بِالمَعْرُوفِ مِن مالِ نَفْسِهِ، ويَقُومُ عَلى نَفْسِهِ بِمالِهِ حَتّى لا يَحْتاجَ إلى مالِ يَتِيمِهِ. واخْتارَ هَذا القَوْلَ مِنَ الشّافِعِيَّةِ إلْكَيا الطَّبَرِيُّ. وقِيلَ: إنْ كانَ مالُ اليَتِيمِ كَثِيرًا يَحْتاجُ إلى قِيامٍ كَثِيرٍ عَلَيْهِ بِحَيْثُ يَشْغَلُ الوَلِيَّ عَنْ مَصالِحِ نَفْسِهِ ومُهِمّاتِهِ فُرِضَ لَهُ في مالِ اليَتِيمِ أجْرُ عَمَلِهِ، وإنْ كانَ لا يَشْغَلُهُ فَلا يَأْكُلْ مِنهُ شَيْئًا، غَيْرَ أنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ شُرْبُ قَلِيلِ اللَّبَنِ، وأكْلُ قَلِيلِ الطَّعامِ والسَّمْنِ، غَيْرَ مُضِرٍّ بِهِ ولا مُسْتَكْثِرٍ مِنهُ عَلى ما جَرَتْ بِهِ العادَةُ والمُسامَحَةُ. وقالَتْ طائِفَةٌ، مِنهم رَبِيعَةُ ويَحْيى بْنُ سَعِيدٍ: هَذا تَقْسِيمٌ لِحالِ اليَتِيمِ، لا لِحالِ الوَصِيِّ. والمَعْنى: مَن كانَ مِنهم غَنِيًّا فَلْيَعِفَّ بِمالِهِ، ومَن كانَ مِنهم فَقِيرًا فَلْيُقْتِرْ عَلَيْهِ بِالمَعْرُوفِ والِاقْتِصادِ. ويَكُونُ مِن خِطابِ العَيْنِ، ويُرادُ بِهِ الغَيْرُ. خُوطِبَ اليَتامى بِالِاسْتِعْفافِ والأكْلِ بِالمَعْرُوفِ، والمُرادُ الأوْلِياءُ. لِأنَّ اليَتامى لَيْسُوا مِن أهْلِ الخِطابِ، فَكَأنَّهُ قالَ لِلْأوْلِياءِ والأوْصِياءِ: إنْ كانَ اليَتِيمُ غَنِيًّا فَأنْفِقُوا عَلَيْهِ نَفَقَةَ مُتَعَفِّفٍ مُقْتَصِدٍ لِئَلّا يَذْهَبَ مالُهُ بِالتَّوَسُّعِ في نَفَقَتِهِ، وإنْ كانَ فَقِيرًا فَلْيُنْفِقْ عَلَيْهِ بِقَدْرِ مالِهِ لِئَلّا يَذْهَبَ فَيَبْقى كَلًّا مُضْعَفًا.
فَهَذِهِ أقْوالٌ، مُلَخَّصُها: هَلْ تَقْسِيمٌ في الوَلِيِّ أوِ الصَّبِيِّ ؟ قَوْلانِ: فَإذا كانَ في الوَلِيِّ فَهَلِ الأمْرُ مُتَوَجِّهٌ إلى مالِ نَفْسِهِ، أوْ مالِ الصَّبِيِّ ؟ قَوْلانِ. وإذا كانَ مُتَوَجِّهًا إلى مالِ الصَّبِيِّ، هَلْ ذَلِكَ مَنسُوخٌ أمْ لا ؟ قَوْلانِ. وإذا لَمْ يَكُنْ مَنسُوخًا، فَهَلْ يَكُونُ تَفْصِيلًا بِالنِّسْبَةِ إلى الأكْلِ أوِ المَأْكُولِ ؟ قَوْلانِ. فَإذا كانَ بِالنِّسْبَةِ إلى الأكْلِ، فَهَلْ يَخْتَصُّ بِوَلِيِّ الأبِ، أوْ بِالمُسافِرِ، أوْ بِالمُضْطَرِّ، أوْ بِالمُشْتَغِلِ بِذَلِكَ عَنْ مُهِمّاتِ نَفْسِهِ ؟ أقْوالٌ. وإذا كانَ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَأْكُولِ، فَهَلْ يَخْتَصُّ بِالتّافِهِ أمْ يَتَعَدّى إلى غَيْرِهِ ؟ قَوْلانِ. وإذا تَعَدّى إلى غَيْرِهِ، فَهَلْ يَكُونُ أُجْرَةً أمْ لا ؟ قَوْلانِ. وإذا لَمْ يَكُنْ أُجْرَةً فَأخَذَ، فَهَلْ يَتَرَتَّبُ دَيْنًا في ذِمَّتِهِ يَجِبُ قَضاؤُهُ إذا أيْسَرَ أمْ لا ؟ قَوْلانِ. ودَلائِلُ هَذِهِ الأقْوالِ مَذْكُورَةٌ في مَسائِلِ الخِلافِ. ولَفْظَةُ ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ أبْلَغُ مِن فَلْيَعِفَّ؛ لِأنَّ فِيهِ طَلَبَ زِيادَةِ العِفَّةِ.
﴿فَإذا دَفَعْتُمْ إلَيْهِمْ أمْوالَهم فَأشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ أمَرَ تَعالى (p-١٧٤)بِالإشْهادِ لِحَسْمِ مادَّةِ النِّزاعِ، وسُوءِ الظَّنِّ بِهِمْ، والسَّلامَةِ مِنَ الضَّمانِ والغُرْمِ عَلى تَقْدِيرِ إنْكارِ اليَتِيمِ، وطَيَّبَ خاطِرَ اليَتِيمِ بِفَكِّ الحَجْرِ عَنْهُ، وانْتِظامِهِ في سِلْكِ مَن يُعامَلُ ويُعامِلُ. وإذا لَمْ يَشْهَدْ فادَّعى عَلَيْهِ صُدِّقَ مَعَ يَمِينِهِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ وأصْحابِهِ. وعِنْدَ مالِكٍ والشّافِعِيِّ: لا يُصَدَّقُ إلّا بِالبَيِّنَةِ. فَكانَ في الإشْهادِ الِاحْتِرازُ مِن تَوَجُّهِ الحَلِفِ المُفْضِي إلى التُّهْمَةِ، أوْ مِن وُجُوبِ الضَّمانِ إذْ لَمْ يُقِمِ البَيِّنَةَ. وظاهِرُ الأمْرِ أنَّهُ واجِبٌ. وقالَ قَوْمٌ: هو نَدْبٌ.
وظاهِرُ الآيَةِ الأمْرُ بِالإشْهادِ عَلَيْهِمْ إذا دَفَعَ إلَيْهِمْ أمْوالَهم، وهي المَأْمُورُ بِدَفْعِها في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾ وقالَ عَمْرُو بْنُ جُبَيْرٍ: هَذا الإشْهادُ إنَّما هو عَلى دَفْعِ الوَلِيِّ ما اسْتَقْرَضَهُ مِن مالِ اليَتِيمِ حالَةَ فَقْرِهِ إذا أيْسَرَ. وقِيلَ: فِيها دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ القَضاءِ عَلى مَن أكَلَ مِن مالِ اليَتِيمِ، المَعْنى: أقْرَضْتُمْ أوْ أكَلْتُمْ فَأشْهِدُوا إذا غَرِمْتُمْ. وقِيلَ: المَعْنى إذا أنْفَقْتُمْ شَيْئًا عَلى المَوْلى عَلَيْهِ فَأشْهِدُوا، حَتّى لَوْ وقَعَ خِلافٌ أمْكَنَ إقامَةُ البَيِّنَةِ، فَإنَّ مالًا قُبِضَ عَلى وجْهِ الأمانَةِ بِإشْهادٍ لا يُبْرَأُ مِنهُ إلّا بِإشْهادٍ عَلى دَفْعِهِ.
﴿وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ أيْ كافِيًا في الشَّهادَةِ عَلَيْكم. ومَعْناهُ: مُحْسِبًا مِن أحْسَبَنِي كَذا، أيْ كَفانِي، قالَهُ الأعْمَشُ والطَّبَرِيُّ. فَيَكُونُ فَعِيلًا بِمَعْنى مُفْعِلٍ، أوْ مُحاسِبًا، أوْ حاسِبًا لِأعْمالِكم يُجازِيكم بِها، فَعَلَيْكم بِالصِّدْقِ، وإيّاكم والكَذِبَ. فَيَكُونُ في ذَلِكَ وعِيدٌ لِجاحِدِ الحَقِّ.
وحَسِيبٌ فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفاعِلٍ، كَجَلِيسٍ وخَلِيطٍ، أوْ بِمَعْنى فاعِلٍ، حُوِّلَ لِلْمُبالَغَةِ في الحُسْبانِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ: مَعْنى حَسِيبًا شَهِيدًا. وفي كَفى خِلافٌ: أهِيَ اسْمُ فِعْلٍ، أمْ فِعْلٌ ؟ والصَّحِيحُ أنَّها فِعْلٌ، وفاعِلُهُ اسْمُ اللَّهِ، والباءُ زائِدَةٌ. وقِيلَ: الفاعِلُ مُضْمَرٌ وهو ضَمِيرُ الِاكْتِفاءِ، أيْ: كَفى هو، أيِ الِاكْتِفاءُ بِاللَّهِ، والباءُ لَيْسَتْ بِزائِدَةٍ، فَيَكُونُ (بِاللَّهِ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ، ويَتَعَلَّقُ إذْ ذاكَ بِالفاعِلِ. وهَذا الوَجْهُ لا يَسُوغُ إلّا عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، حَيْثُ يُجِيزُونَ إعْمالَ ضَمِيرِ المَصْدَرِ كَإعْمالِ ظاهِرِهِ. وإنْ عَنى بِالإضْمارِ الحَذْفَ فَفِيهِ إعْمالُ المَصْدَرِ وهو مَوْصُولٌ، وإبْقاءُ مَعْمُولِهِ وهو عِنْدَ البَصْرِيِّينَ لا يَجُوزُ، أعْنِي: حَذْفَ الفاعِلِ وحَذْفَ المَصْدَرِ. وانْتَصَبَ (حَسِيبًا) عَلى التَّمْيِيزِ لِصَلاحِيَّةِ دُخُولِ (مِن) عَلَيْهِ. وقِيلَ: عَلى الحالِ. و(كَفى) هُنا مُتَعَدِّيَةٌ إلى واحِدٍ وهو مَحْذُوفٌ، التَّقْدِيرُ: وكَفاكُمُ اللَّهُ حَسِيبًا. وتَأْتِي بِغَيْرِ هَذا المَعْنى، فَتُعَدِّيهِ إلى اثْنَيْنِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٣٧] .
4:7–8Страница 78
لِّلرِّجَالِ نَصِيبٞ مِّمَّا تَرَكَ ٱلۡوَٰلِدَانِ وَٱلۡأَقۡرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٞ مِّمَّا تَرَكَ ٱلۡوَٰلِدَانِ وَٱلۡأَقۡرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنۡهُ أَوۡ كَثُرَۚ نَصِيبٗا مَّفۡرُوضٗا ٧
Мужчинам принадлежит доля из того, что оставили родители и ближайшие родственники, и женщинам принадлежит доля из того, что оставили родители и ближайшие родственники, будь его мало или много. Таков предписанный удел.
وَإِذَا حَضَرَ ٱلۡقِسۡمَةَ أُوْلُواْ ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينُ فَٱرۡزُقُوهُم مِّنۡهُ وَقُولُواْ لَهُمۡ قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗا ٨
Если при разделе наследства присутствуют родственники, сироты и бедняки, то одарите их из него и скажите им слово доброе.
﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ مِمّا قَلَّ مِنهُ أوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ قِيلَ: سَبَبُ نُزُولِها هو خَبَرُ أُمِّ كَجَّةَ وقَدْ تَقَدَّمَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ. قالَ المَرْوَزِيُّ: كانَ اليُونانُ يُعْطُونَ جَمِيعَ المالِ لِلْبَناتِ؛ لِأنَّ الرَّجُلَ لا يَعْجَزُ عَنِ الكَسْبِ، والمَرْأةُ تَعْجَزُ. وكانَتِ العَرَبُ لا يُعْطُونَ البَناتِ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلى الفَرِيقَيْنِ. والمَعْنِيُّ بِالرِّجالِ الذُّكُورُ، وبِالنِّساءِ الإناثُ كَقَوْلِهِ: ﴿وبَثَّ مِنهُما رِجالًا كَثِيرًا ونِساءً﴾ [النساء: ١] .
وأبْهَمَ في قَوْلِهِ: (نَصِيبٌ)، و(مِمّا تَرَكَ) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ(نَصِيبٌ) . وقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِلَفْظِ (نَصِيبٌ) فَهو مِن تَمامِهِ. والوالِدانِ: يَعْنِي والِدَيِ الرِّجالِ والنِّساءِ، وهُما أبَواهم، وسُمِّيَ الأبُ والِدًا؛ لِأنَّ الوَلَدَ مِنهُ، ومِنَ الوالِدَةِ. ولِلِاشْتِراكِ جاءَ الفَرْقُ بَيْنَهُما بِالتّاءِ كَقَوْلِهِ: ﴿لا تُضارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها﴾ [البقرة: ٢٣٣] وجُمِعَ بِالألِفِ والتّاءِ قِياسًا كَقَوْلِهِ: ﴿والوالِداتُ﴾ [البقرة: ٢٣٣] قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: كَما قالَ الشّاعِرُ:(p-١٧٥)
؎بِحَيْثُ يَعْتَشُّ الغُرابُ البائِضُ
لِأنَّ البَيْضَ مِنَ الأُنْثى والذَّكَرِ. انْتَهى. ولا يَتَعَيَّنُ أنْ يُرادَ بِالغُرابِ هُنا الذَّكَرُ؛ لِأنَّ لَفْظَ الغُرابِ يَنْطَلِقُ عَلى الذَّكَرِ والأُنْثى، ولَيْسَ مِمّا فُرِّقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُؤَنَّثِهِ بِالتّاءِ. فَهو كالرُّعُوبِ يَنْطَلِقُ عَلى الذَّكَرِ والأُنْثى، ولا يُرَجِّحُ كَوْنَهُ ذَكَرًا وصْفُهُ بِالبائِضِ، وهو وصْفُ مُذَكَّرٍ لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ ذَكَرًا حَمْلًا عَلى اللَّفْظِ، إذْ لَمْ تَظْهَرْ فِيهِ عَلامَةُ تَأْنِيثٍ كَما أُنِّثَ المُذَكَّرُ حَمْلًا عَلى لَفْظِ التَّأْنِيثِ في قَوْلِهِ: وعَنْتَرَةُ الفَلْحاءُ. وفي قَوْلِهِ:
؎أبُوكَ حَلِيفَةٌ ولَدَتْهُ أُخْرى
والأقْرَبُونَ: هُمُ المُتَوارِثُونَ مِن ذَوِي القَراباتِ. وقَدْ أبْهَمَ في لَفْظِ الأقْرَبُونَ كَما أبْهَمَ في النَّصِيبِ، وعَيَّنَ الوارِثَ والمِقْدارَ في الآياتِ بَعْدَها. وقَوْلُهُ: ﴿مِمّا قَلَّ مِنهُ﴾، هو بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: مِمّا تَرَكَ الأخِيرِ، أُعِيدَ مَعَهُ حَرْفُ الجَرِّ، والضَّمِيرُ في (مِنهُ) عائِدٌ عَلى (ما) مِن قَوْلِهِ: مِمّا تَرَكَ الأخِيرِ. واكْتَفى بِذِكْرِهِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ، وهو مُرادٌ في الجُمْلَةِ الأُولى، ولَمْ يُضْطَرَّ إلى ذِكْرِهِ لِأنَّ البَدَلَ جاءَ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، إذْ لَيْسَ فِيهِ إلّا تَوْضِيحُ أنَّهُ أُرِيدَ بِقَوْلِهِ: مِمّا تَرَكَ العُمُومُ في المَتْرُوكِ. وهَذا البَدَلُ فِيهِ ذِكْرُ نَوْعَيِ المَتْرُوكِ مِنَ القِلَّةِ أوِ الكَثْرَةِ.
وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿مِمّا قَلَّ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَحْذُوفِ في (تَرَكَ)، أيْ: مِمّا تَرَكَهُ مُسْتَقِرًّا مِمّا قَلَّ.
ومَعْنى ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾: أيْ حَظًّا مَقْطُوعًا بِهِ لا بُدَّ لَهم مِن أنْ يَحُوزُوهُ. وقالَ الزَّجّاجُ ومَكِّيٌّ: (نَصِيبًا) مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، المَعْنى: لِهَؤُلاءِ أنْصِباءُ عَلى ما ذَكَرْنا هُنا في حالِ الفَرْضِ. وقالَ الفَرّاءُ: نُصِبَ لِأنَّهُ أخْرَجَهُ مَخْرَجَ المَصْدَرِ، ولِذَلِكَ وحَّدَهُ كَقَوْلِكَ لَهُ: عَلَيَّ كَذا حَقًّا لازِمًا، ونَحْوُهُ: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١] ولَوْ كانَ اسْمًا صَحِيحًا لَمْ يُنْصَبْ، لا تَقُولُ: لَكَ عَلَيَّ حَقٌّ دِرْهَمًا. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَرِيبًا مِن هَذا القَوْلِ، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ انْتِصابَ المَصْدَرِ المُؤَكِّدِ لِقَوْلِهِ: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١]، كَأنَّهُ قِسْمَةٌ مَفْرُوضَةٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ نَحْوًا مِن كَلامِ الزَّجّاجِ، قالَ: إنَّما هو اسْمٌ نُصِبَ كَما يُنْصَبُ المَصْدَرُ في مَوْضِعِ الحالِ، تَقْدِيرُهُ: فَرْضًا. ولِذَلِكَ جازَ نَصْبُهُ كَما تَقُولُ لَهُ: عَلَيَّ كَذا وكَذا حَقًّا واجِبًا، ولَوْلا مَعْنى المَصْدَرِ الَّذِي فِيهِ ما جازَ في اسْمِ الَّذِي لَيْسَ بِمَصْدَرٍ هَذا النَّصْبَ، ولَكِنْ حَقُّهُ الرَّفْعُ، انْتَهى كَلامُهُ. وهو مُرَكَّبٌ مِن كَلامِ الزَّجّاجِ والفَرّاءِ، وهُما مُتَبايِنانِ لِأنَّ الِانْتِصابَ عَلى الحالِ مُبايِنٌ لِلِانْتِصابِ عَلى المَصْدَرِ المُؤَكِّدِ مُخالِفٌ لَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: و﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ نُصِبَ عَلى الِاخْتِصاصِ، بِمَعْنى: أعْنِي نَصِيبًا مَفْرُوضًا مَقْطُوعًا واجِبًا، انْتَهى. فَإنْ عَنى بِالِاخْتِصاصِ ما اصْطَلَحَ عَلَيْهِ النَّحْوِيُّونَ فَهو مَرْدُودٌ بِكَوْنِهِ نَكِرَةً، والمَنصُوبُ عَلى الِاخْتِصاصِ نَصُّوا عَلى أنَّهُ لا يَكُونُ نَكِرَةً. وقِيلَ: انْتَصَبَ نَصْبَ المَصْدَرِ الصَّرِيحِ، لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، أيْ: نَصِيبُهُ نَصِيبًا. وقِيلَ: حالٌ مِنَ النَّكِرَةِ، لِأنَّها قَدْ وُصِفَتْ. وقِيلَ: بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: جَعَلْتُهُ، أوْ أوْجَبْتُ لَهم نَصِيبًا. وقِيلَ: حالٌ مِنَ الفاعِلِ في (قَلَّ أوْ كَثُرَ) .
واسْتُدِلَّ بِظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى وُجُوبِ القِسْمَةِ في الحُقُوقِ المُتَمَيِّزَةِ إذا أمْكَنَتْ وطَلَبَ ذَلِكَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ بِلا خِلافٍ. واخْتَلَفُوا في قِسْمَةِ المَتْرُوكِ عَلى الفَرائِضِ، إذا كانَتِ القِسْمَةُ بِغَيْرِهِ عَلى حالِهِ كالحَمّامِ والرَّحا والبَثْرِ والدّارِ الَّتِي تَبْطُلُ مَنافِعُها بِافْتِراقِ السِّهامِ. فَقالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ: تُقَسَّمُ. وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى وأبُو ثَوْرٍ: لا تُقَسَّمُ. قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: وهو أصَحُّ القَوْلَيْنِ. واسْتُدِلَّ بِها أيْضًا عَلى وُجُوبِ تَوْرِيثِ الأخِ لِلْمَيِّتِ مَعَ البِنْتِ، فَإذا أخَذَتِ النِّصْفَ أخَذَ الباقِيَ. واخْتُلِفَ في ابْنَيْ عَمِّ، أحَدُهُما أخٌ لِأُمٍّ، فَقالَ عَلِيٌّ وزَيْدٌ: لِلْأخِ مِنَ الأُمِّ السُّدُسُ، وما بَقِيَ بَيْنَهُما نِصْفانِ، وهو قَوْلُ فُقَهاءِ الأمْصارِ. وقالَ عُمَرُ والأعْمَشِ وشُرَيْحٌ والحَسَنُ: المالُ لِلْأخِ مِنَ الأُمِّ.
﴿وإذا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُوا القُرْبى واليَتامى والمَساكِينُ فارْزُقُوهم مِنهُ وقُولُوا لَهم قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ قِيلَ: نَزَلَتْ في أرْبابِ الأمْوالِ يُقَسِّمُونَها عِنْدَما يَحْضُرُ المَوْتُ في وصِيَّةٍ وجِهاتٍ يَخْتارُونَها، ويَحْضُرُهم مِنَ القَراباتِ مَحْجُوبٌ عَنِ الإرْثِ، فَيُوصُونَ لِلْأجانِبِ ويَتْرُكُونَ المَحْجُوبِينَ فَيُحْرَمُونَ الإرْثَ والوَصِيَّةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ (p-١٧٦)المُسَيَّبِ وابْنُ زَيْدٍ وأبُو جَعْفَرٍ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في أرْبابِ الفَرائِضِ يَحْضُرُهم أيْضًا مَحْجُوبٌ، فَأُمِرُوا أنْ يَرْضَخُوا لَهم مِمّا أعْطاهُمُ اللَّهُ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ المُسَيَّبِ: أنَّها مَنسُوخَةٌ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ، قالُوا: كانَتْ قِسْمَةً جَعَلَها اللَّهُ ثَلاثَةَ أصْنافٍ، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ بِآيَةِ المِيراثِ، وأعْطى كُلَّ ذِي حَظٍّ حَظَّهُ، وجَعَلَ الوَصِيَّةَ لِلَّذِينَ يُحْرَمُونَ ولا يَرِثُونَ. وقِيلَ: هي مُحْكَمَةٌ، أمَرَ اللَّهُ مَنِ اسْتَحَقَّ إرْثًا، وحَضَرَ القِسْمَةَ قَرِيبٌ أوْ يَتِيمٌ أوْ مِسْكِينٌ لا يَرِثُ، أنْ لا يُحْرَمُوا إنْ كانَ المالُ كَثِيرًا، وأنْ يُعْتَذَرَ إلَيْهِمْ إنْ كانَ قَلِيلًا، وأمَرَ بِهِ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ. وقالَ الحَسَنُ والنَّخَعِيُّ: كانَ المُؤْمِنُونَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ يَقْسِمُونَ لَهم مِنَ العَيْنِ الوَرِقَ والفِضَّةَ، فَإذا قَسَّمُوا الأرَضِينَ والرَّقِيقَ قالُوا لَهم قَوْلًا مَعْرُوفًا: بُورِكَ فِيكم. وفَعَلَهُ الأعْمَشُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرٍ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ. وإذا كانَ الوارِثُ صَغِيرًا لا يَتَصَرَّفُ، هَلْ يَفْعَلُ ذَلِكَ الوَلِيُّ أوْ لا ؟ قَوْلانِ. والظّاهِرُ مِن سِياقِ هَذِهِ الآيَةِ عَقِيبَ ما قَبْلَها أنَّها في الوارِثِينَ لا في المُحْتَضَرِينَ المُوصِينَ، والَّذِي يَظْهَرُ مِنَ القِسْمَةِ أنَّها مَصْدَرٌ بِمَعْنى القَسَمِ، قالَ تَعالى: ﴿تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [النجم: ٢٢] .
وقِيلَ: المُرادُ بِالقِسْمَةِ المَقْسُومُ. وقِيلَ: القِسْمَةُ الِاسْمُ مِنَ الِاقْتِسامِ لا مِنَ القَسْمِ، كالخِيرَةِ مِنَ الِاخْتِيارِ. ولا يَكادُ الفُصَحاءُ يَقُولُونَ قَسَمْتُ بَيْنَهم قِسْمَةً، ورَوى ذَلِكَ الكِسائِيُّ. وقِسْمَتُكَ ما أخَذْتَهُ مِنَ الأقْسامِ، والجَمْعُ قِسَمٌ. وقالَ الخَلِيلُ: القَسْمُ الحَظُّ والنَّصِيبُ مِنَ الجُزْءِ، ويُقالُ: قاسَمْتُ فُلانًا المالَ وتَقاسَمْناهُ واقْتَسَمْناهُ، والقَسْمُ الَّذِي يُقاسِمُكَ.
وظاهِرُ قَوْلِهِ فارْزُقُوهم الوُجُوبُ. وبِهِ قالَ جَماعَةٌ، مِنهم: مُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، والزُّهْرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ: هو نَدْبٌ. وفي قَوْلِهِ: فارْزُقُوهم إضافَةُ الرِّزْقِ إلى غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، كَما قالَ: ﴿واللَّهُ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ [الجمعة: ١١] وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ في الوَرَثَةِ واجِبًا فَنَسَخَتْهُ آيَةُ المِيراثِ، والضَّمِيرُ في (مِنهُ) عائِدٌ عَلى المالِ المَقْسُومِ، ودَلَّ عَلَيْهِ القِسْمَةُ، لِأنَّ القِسْمَةَ وهي المَصْدَرُ تَدُلُّ عَلى مُتَعَلِّقِها وهو المالُ. وقِيلَ: يَعُودُ إلى (ما) مِن قَوْلِهِ: ﴿مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ . ومَن قالَ: القِسْمَةُ المَقْسُومُ - أعادَ الضَّمِيرَ إلى القِسْمَةِ عَلى مَعْنى التَّذْكِيرِ، إذِ المُرادُ المَقْسُومُ. وقَدَّمَ اليَتامى عَلى المَساكِينِ لِأنَّ ضَعْفَهم أكْثَرُ، وحاجَتُهم أشَدُّ، فَوَضْعُ الصَّدَقاتِ فِيهِمْ أفْضَلُ وأعْظَمُ لِلْأجْرِ. والظّاهِرُ أنَّهم يُرْزَقُونَ مِن عَيْنِ المالِ المَقْسُومِ، ورَأى عُبَيْدَةُ وابْنُ سِيرِينَ: أنَّ الرِّزْقَ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ يُصْنَعَ لَهم طَعامٌ يَأْكُلُونَهُ، وفَعَلا ذَلِكَ، وذَبَحا شاةً مِنَ التَّرِكَةِ، وقُسِّمَ عِنْدَ عُبَيْدَةَ مالٌ لِيَتِيمٍ فاشْتَرى مِنهُ شاةً وذَبَحَها، وقالَ عُبَيْدَةُ: لَوْلا هَذِهِ لَكانَتْ مِن مالِي. وقَوْلُهُ: (مِنهُ) يَدُلُّ عَلى التَّبْعِيضِ، ولا تَقْدِيرَ فِيهِ بِالإجْماعِ، وهَذا مِمّا يَدُلُّ عَلى النَّدْبِ. إذْ لَوْ كانَ لِهَؤُلاءِ حَقٌّ مُعَيَّنٌ لَبَيَّنَ اللَّهُ قَدْرَ ذَلِكَ الحَقِّ، كَما بَيَّنَ في سائِرِ الحُقُوقِ. وعَلى هَذا فُقَهاءُ الأمْصارِ إذا كانَ الوَرَثَةُ كِبارًا، وإنْ كانُوا صِغارًا فَلَيْسَ إلّا القَوْلُ المَعْرُوفُ.
والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وقُولُوا لَهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى ما عادَ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ في فارْزُقُوهم، وهم: أُولُو القُرْبى واليَتامى والمَساكِينُ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الآيَةُ مُحْكَمَةٌ في الوَصِيَّةِ، والضَّمِيرُ في فارْزُقُوهم عائِدٌ عَلى أُولِي القُرْبى المُوصى لَهم، وفي (لَهم) عائِدٌ عَلى اليَتامى والمَساكِينِ. أمَرَ أنْ يُقالَ لَهم قَوْلٌ مَعْرُوفٌ. وقِيلَ أيْضًا بِتَفْرِيقِ الضَّمِيرِ، ويَكُونُ المُرادُ مِن أُولِي القُرْبى الَّذِينَ يَرِثُونَ، والمُرادُ مِنَ اليَتامى والمَساكِينِ الَّذِينَ لا يَرِثُونَ. فَقَوْلُهُ: ﴿فارْزُقُوهُمْ﴾ راجِعٌ إلى أُولِي القُرْبى. وقَوْلُهُ: (لَهم) راجِعٌ إلى اليَتامى والمَساكِينِ. وما قِيلَ مِن تَفْرِيقِ الضَّمِيرِ تَحَكُّمٌ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ.
والمَقُولُ المَعْرُوفُ فَسَّرَهُ هُنا ابْنُ جُبَيْرٍ، أنْ يَقُولَ لَهم: هَذا المالُ لِقَوْمٍ غُيَّبٍ أوْ لِيَتامى صِغارٍ، ولَيْسَ لَكم فِيهِ حَقٌّ. وقِيلَ: الدُّعاءُ لَهم بِالرِّزْقِ والغِنى. وقِيلَ: هو القَوْلُ الدّالُّ عَلى اسْتِقْلالِ ما أرْضَخُوهم بِهِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ. وقِيلَ: العِدَةُ الحَسَنَةُ بِأنْ يُقالَ: هَؤُلاءِ أيْتامٌ صِغارٌ، فَإذا بَلَغُوا أمَرْناهم أنْ يَعْرِفُوا حَقَّكم، قالَهُ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ، عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ. وقِيلَ: المَعْرُوفُ ما يُؤْنَسُ بِهِ مِن دُعاءٍ وغَيْرِهِ. (p-١٧٧)وظاهِرُ الكَلامِ أنَّ الأصْنافَ الثَّلاثَةَ يَجْمَعُ لَهم بَيْنَ الرِّزْقِ والقَوْلِ المَعْرُوفِ. وقِيلَ: إمّا أنْ يُعْطُوا وإمّا أنْ يُقالَ لَهم قَوْلٌ مَعْرُوفٌ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии