Абу Хайян · Тафсир · на арабском
Ан-Ниса 4:79–82
4:79Страница 90
مَّآ أَصَابَكَ مِنۡ حَسَنَةٖ فَمِنَ ٱللَّهِۖ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٖ فَمِن نَّفۡسِكَۚ وَأَرۡسَلۡنَٰكَ لِلنَّاسِ رَسُولٗاۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدٗا ٧٩
Любое благо, которое достается тебе, приходит от Аллаха. А любая беда, постигающая тебя, приходит от тебя самого. Мы отправили тебя посланником для людей. Довольно того, что Аллах является Свидетелем.
﴿وإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ﴾ [النساء: ٧٨] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الضَّمِيرُ لِلْمُنافِقِينَ واليَهُودِ، وقالَ الحَسَنُ: لِلْمُنافِقِينَ، وقالَ السُّدِّيُّ: لِلْيَهُودِ. والظّاهِرُ أنَّهُ لِلْمُنافِقِينَ لِأنَّ مِثْلَ هَذا لا يَصْدُرُ مِن مُؤْمِنٍ، واليَهُودُ لَمْ يَكُونُوا في طاعَةِ الإسْلامِ حَتّى يُكْتَبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ الحَسَنَةَ هُنا هي السَّلامَةُ والأمْنُ، والسَّيِّئَةُ الأمْراضُ والخَوْفُ. وعَنْهُ أيْضًا: الحَسَنَةُ الخِصْبُ والرَّخاءُ، والسَّيِّئَةُ الجَدْبُ والغَلاءُ. وعَنْهُ أيْضًا: الحَسَنَةُ السَّرّاءُ، والسَّيِّئَةُ الضَّرّاءُ. وقالَ الحَسَنُ وابْنُ زَيْدٍ: الحَسَنَةُ النِّعْمَةُ والفَتْحُ والغَنِيمَةُ يَوْمَ بَدْرٍ، والسَّيِّئَةُ البَلِيَّةُ والشِّدَّةُ والقَتْلُ يَوْمَ أُحُدٍ. وقِيلَ: الحَسَنَةُ الغِنى، والسَّيِّئَةُ الفَقْرُ.
والمَعْنى: أنَّ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ إذا أصابَتْهم حَسَنَةٌ نَسَبُوها إلى اللَّهِ تَعالى، وأنَّها لَيْسَتْ بِاتِّباعِ الرَّسُولِ، ولا الإيمانِ بِهِ، وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ أضافُوها إلى الرَّسُولِ وقالُوا: هي بِسَبَبِهِ، كَما جاءَ في قَوْمِ مُوسى: ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١] وفي قَوْمِ صالِحٍ: ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ﴾ [النمل: ٤٧] . ورَوى جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ قالَ اليَهُودُ والمُنافِقُونَ: ما زِلْنا نَعْرِفُ النَّقْصَ في ثِمارِنا ومَزارِعِنا مُذْ قَدِمَ عَلَيْنا هَذا الرَّجُلُ وأصْحابُهُ.
﴿قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨] أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنْ يُخْبِرَهم أنَّ كُلًّا مِنَ الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ إنَّما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ، لا خالِقَ ولا مُخْتَرِعَ سِواهُ، فَلَيْسَ الأمْرُ كَما زَعَمْتُمْ؛ فاللَّهُ تَعالى وحْدَهُ هو النّافِعُ الضّارُّ، وعَنْ إرادَتِهِ تَصْدُرُ جَمِيعُ الكائِناتِ.
﴿فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨] هَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَّعَجُّبُ مِن هَذِهِ المَقالَةِ، وكَيْفَ يُنْسَبُ ما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ؟ أيْ أنَّ هَؤُلاءِ كانُوا يَنْبَغِي لَهم أنْ يَكُونُوا مِمَّنْ يَتَفَهَّمُ الأشْياءَ، ويَتَوَقَّفُونَ عَمّا يُرِيدُونَ أنْ يَقُولُوا حَتّى يَعْرِضُوهُ عَلى عُقُولِهِمْ. وبالَغَ تَعالى في قِلَّةِ فَهْمِهِمْ وتَعَلُّقِهِمْ؛ حَتّى نَفى مُقارَبَةَ الفِقْهِ، ونَفْيُ المُقارَبَةِ أبْلَغُ مِن نَفْيِ الفِعْلِ. وهَذا النَّوْعُ مِنَ الِاسْتِفْهامِ يَتَضَمَّنُ إنْكارَ ما اسْتُفْهِمَ عَنْ عِلَّتِهِ، وأنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يُوجَدَ مُقابِلُهُ. فَإذا قِيلَ: ما لَكَ قائِمًا، فَهو إنْكارٌ لِلْقِيامِ، ومُتَضَمِّنٌ أنْ يُوجَدَ مُقابِلُهُ. وإذا قِيلَ: ما لَكَ (p-٣٠١)لا تَقُومُ، فَهو إنْكارٌ لِتَرْكِ القِيامِ، ومُتَضَمِّنٌ أنْ يُوجَدَ مُقابِلُهُ. قِيلَ في قَوْلِهِ: حَدِيثًا، أيِ القُرْآنُ لَوْ تَدَبَّرُوهُ لَبَصَّرَهم في الدِّينِ، وأوْرَثَهُمُ اليَقِينَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: لامَهم عَلى تَرْكِ التَّفَقُّهِ فِيما أعْلَمَهم بِهِ وأدَّبَهم في كِتابِهِ. ووَقَفَ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ عَلى قَوْلِهِ: (فَما)، ووَقَفَ الباقُونَ عَلى اللّامِ في قَوْلِهِ: (فَمالِ) اتِّباعًا لِلْخَطِّ. ولا يَنْبَغِي تَعَمُّدُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الوَقْفَ عَلى (فَما) فِيهِ قَطْعٌ عَنِ الخَبَرِ، وعَلى اللّامِ فِيهِ قَطْعٌ عَنِ المَجْرُورِ دُونَ حَرْفِ الجَرِّ؛ وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ لِضَرُورَةِ انْقِطاعِ النَّفَسِ.
﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ الخِطابُ عامٌّ؛ كَأنَّهُ قِيلَ ما أصابَكَ يا إنْسانُ. وقِيلَ لِلرَّسُولِ والمُرادُ غَيْرُهُ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: هو خِطابٌ لِلْفَرِيقِ في قَوْلِهِ: ﴿إذا فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ [النساء: ٧٧] قالَ: ولَمّا كانَ لَفْظُ الفَرِيقِ مُفْرَدًا صَحَّ أنْ يُخْبِرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الواحِدِ تارَةً، وبِلَفْظِ الجَمْعِ تارَةً. وعَلَيْهِ قَوْلُهُ:
؎تُفَرِّقُ أهْلًا نابِثِينَ فَمِنهُمُ فَرِيقٌ أقامَ واسْتَقَلَّ فَرِيقُ
هَذا مُقْتَضى اللَّفْظِ. وأمّا المَعْنى بِالنّاسِ خاصَّتِهِمْ، وعامَّتِهِمْ مُرادٌ بِقَوْلِهِ: ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ، والرَّبِيعُ وأبُو صالِحٍ: مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ أخْبَرَ تَعالى عَلى سَبِيلِ الِاسْتِئْنافِ والقَطْعِ أنَّ الحَسَنَةَ مِنهُ بِفَضْلِهِ، والسَّيِّئَةَ مِنَ الإنْسانِ بِذُنُوبِهِ، ومِنَ اللَّهِ بِالخَلْقِ والِاخْتِراعِ. وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: فَمِن نَفْسِكَ وإنَّما قَضَيْتُها عَلَيْكَ، وقَرَأ بِها ابْنُ عَبّاسٍ. وحَكى أبُو عَمْرٍو: أنَّها في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأنا كَتَبْتُها. ورُوِيَ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ، وأُبَيًّا قَرَآ: وأنا قَدَّرْتُها عَلَيْكَ. ويُؤَيِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ أحادِيثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَعْناها: أنَّ ما يُصِيبُ الإنْسانَ مِنَ المَصائِبِ فَإنَّما هو عُقُوبَةُ ذُنُوبِهِ، وقالَتْ طائِفَةٌ: مَعْنى الآيَةِ هو عَلى قَوْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا ؟ يَقُولُونَ: ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ، الآيَةَ. والِابْتِداءُ بِقَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْناكَ﴾ والوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: فَمِن نَفْسِكَ. وقالَتْ طائِفَةٌ: ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ، هو اسْتِئْنافُ إخْبارٍ مِنَ اللَّهِ أنَّ الحَسَنَةَ مِنهُ وبِفَضْلِهِ. ثُمَّ قالَ: وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ، عَلى وجْهِ الإنْكارِ. والتَّقْدِيرُ: وألِفُ الِاسْتِفْهامِ مَحْذُوفَةٌ مِنَ الكَلامِ كَقَوْلِهِ: ﴿وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ﴾ [الشعراء: ٢٢]؛ أيْ وتِلْكَ نِعْمَةٌ. وكَذا ﴿بازِغًا قالَ هَذا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٧] عَلى أحَدِ الأقْوالِ. والعَرَبُ تَحْذِفُ ألِفَ الِاسْتِفْهامِ قالَ أبُو خِراشٍ:
؎رَمَوْنِي وقالُوا يا خُوَيْلِدُ لَمْ تُرْعَ ∗∗∗ فَقُلْتُ وأنْكَرْتُ الوُجُوهَ هُمُ هُمُ
أيْ: أهم هم. وحُكِيَ هَذا الوَجْهُ عَنِ ابْنِ الأنْبارِيِّ. ورَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الحَسَنَةَ هُنا ما أصابَ المُسْلِمِينَ مِنَ الظَّفَرِ والغَنِيمَةِ يَوْمَ بَدْرٍ، والسَّيِّئَةَ ما نُكِبُوا بِهِ يَوْمَ أُحُدٍ.
وعَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «ما مِن مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ وصَبٌ ولا نَصَبٌ، حَتّى الشَّوْكَةَ يُشاكُها، حَتّى انْقِطاعَ نَعْلِهِ إلّا بِذَنْبٍ، وما يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ أكْثَرُ» . وقالَ تَعالى: ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] .
وقَدْ تَجاذَبَتِ القَدَرِيَّةُ وأهْلُ السُّنَّةِ الدَّلالَةَ مِن هَذِهِ الآياتِ عَلى مَذاهِبِهِمْ، فَتَعَلَّقَتِ القَدَرِيَّةُ بِالثّانِيَةِ، وقالُوا: يَنْبَغِي أنْ لا يُنْسَبَ فِعْلُ السَّيِّئَةِ إلى اللَّهِ بِوَجْهٍ، وجَعَلُوا الحَسَنَةَ والسَّيِّئَةَ في الأُولى بِمَعْنى الخِصْبِ والجَدَبِ والغِنى والفَقْرِ. وتَعَلَّقَ أهْلُ السُّنَّةِ بِالأُولى، وقالُوا: ﴿قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨] عامٌّ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأفْعالَ الظّاهِرَةَ مِنَ العِبادِ هي مِنَ اللَّهِ تَعالى، وتَأوَّلُوا الثّانِيَةَ؛ وهي مَسْألَةٌ يُبْحَثُ عَنْها في أُصُولِ الدِّينِ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: هَذِهِ الآياتُ لا يَتَعَلَّقُ بِها إلّا الجُهّالُ مِنَ الفَرِيقَيْنِ؛ لِأنَّهم بَنَوْا ذَلِكَ عَلى أنَّ السَّيِّئَةَ هي المَعْصِيَةُ، ولَيْسَتْ كَذَلِكَ. والقَدَرِيَّةُ قالُوا: ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ؛ أيْ مِن طاعَةٍ فَمِنَ اللَّهِ، ولَيْسَ هَذا اعْتِقادَهم؛ لِأنَّ اعْتِقادَهُمُ الَّذِي بَنَوْا عَلَيْهِ مَذاهِبَهم: أنَّ الحَسَنَةَ فِعْلُ المُحْسِنِ والسَّيِّئَةَ فِعْلُ المُسِيءِ. وأيْضًا فَلَوْ كانَ لَهم فِيهِ حُجَّةٌ لَكانَ يَقُولُ: ما أصَبْتَ مِن حَسَنَةٍ، وما أصَبْتَ مِن سَيِّئَةٍ؛ لِأنَّهُ الفاعِلُ لِلْحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ جَمِيعًا، فَلا تُضافُ إلَيْهِ إلّا (p-٣٠٢)بِفِعْلِهِ لَهُما لا بِفِعْلِ غَيْرِهِ؛ نَصَّ عَلى هَذا الإمامُ أبُو الحَسَنِ شِيثُ بْنُ إبْراهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَيْدَرٍ في كِتابِهِ المُسَمّى بِحَزِّ العَلاصِمِ في إفْحامِ المُخاصِمِ.
وقالَ الرّاغِبُ: إذا تُؤُمِّلَ مَوْرِدُ الكَلامِ، وسَبَبُ النُّزُولِ، فَلا تَعَلُّقَ لِأحَدِ الفَرِيقَيْنِ بِالآيَةِ عَلى وجْهٍ يُثْلِجُ صَدْرًا أوْ يُزِيلُ شَكًّا إذْ نَزَلَتْ في قَوْمٍ أسْلَمُوا ذَرِيعَةً إلى غِنًى وخِصْبٍ يَنالُونَهُ، وظَفَرٍ يُحَصِّلُونَهُ، فَكانَ أحَدُهم إذا نابَتْهُ نائِبَةٌ، أوْ فاتَهُ مَحْبُوبٌ، أوْ نالَهُ مَكْرُوهٌ، أضافَ سَبَبَهُ إلى الرَّسُولِ مُتَطَيِّرًا بِهِ.
والحَسَنَةُ هُنا والسَّيِّئَةُ كَهُما في: ﴿وبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ﴾ [الأعراف: ١٦٨]، وفي ﴿فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالُوا لَنا هَذِهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١] انْتَهى. وقَدْ طَعَنَ بَعْضُ المَلاحِدَةِ فَقالَ: هَذا تَناقُضٌ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨]، وقالَ عَقِيبَهُ: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ﴾ الآيَةَ.
وقالَ الرّاغِبُ: وهَذا ظاهِرُ الوَهْيِ؛ لِأنَّ الحَسَنَةَ والسَّيِّئَةَ مِنَ الألْفاظِ المُشْتَرَكَةِ كالحَيَوانِ الَّذِي يَقَعُ عَلى الإنْسانِ والفَرَسِ والحِمارِ. ومِنَ الأسْماءِ المُخْتَلِفَةِ كالعَيْنِ. فَلَوْ أنَّ قائِلًا قالَ: الحَيَوانُ المُتَكَلِّمُ والحَيَوانُ غَيْرُ المُتَكَلِّمِ، وأرادَ بِالأوَّلِ الإنْسانَ وبِالثّانِي الفَرَسَ أوِ الحِمارَ، لَمْ يَكُنْ مُتَناقِضًا. وكَذَلِكَ إذا قالَ: العَيْنُ في الوَجْهِ والعَيْنُ لَيْسَ في الوَجْهِ، وأرادَ بِالأُولى الجارِحَةَ وبِالثّانِيَةِ عَيْنَ المِيزانِ أوِ السَّحابِ. وكَذَلِكَ الآيَةُ أُرِيدُ بِهِما في الأُولى غَيْرُ ما أُرِيدُ في الثّانِيَةِ كَما بَيَّنّاهُ انْتَهى.
والَّذِي اصْطَلَحَ عَلَيْهِ الرّاغِبُ بِالمُشْتَرَكَةِ وبِالمُخْتَلِفَةِ لَيْسَ اصْطِلاحَ النّاسِ اليَوْمَ؛ لِأنَّ المُشْتَرَكَ هو عِنْدَهم كالعَيْنِ والمُخْتَلِفَةَ هي المُتَبايِنَةُ. والرّاغِبُ جَعَلَ الحَيَوانَ مِنَ الأسْماءِ المُشْتَرَكَةِ، وهو مَوْضُوعٌ لِلْقَدْرِ المُشْتَرَكِ، وجَعَلَ العَيْنَ مِنَ الأسْماءِ المُخْتَلِفَةِ، وهو في الِاصْطِلاحِ اليَوْمَ مِنَ المُشْتَرَكِ.
قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: والفَرْقُ بَيْنَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ومِنَ اللَّهِ: أنَّ مِن عِنْدِ اللَّهِ أعَمُّ. يُقالُ: فِيما كانَ بِرِضاهُ، وبِسُخْطِهِ، وفِيما يَحْصُلُ، وقَدْ أمَرَ بِهِ، ونَهى عَنْهُ، ولا يُقالُ: هو مِنَ اللَّهِ إلّا فِيما كانَ بِرِضاهُ وبِأمْرِهِ؛ وبِهَذا النَّظَرِ قالَ عُمَرُ: إنْ أصَبْتُ فَمِنَ اللَّهِ، وإنْ أخْطَأْتُ فَمِنَ الشَّيْطانِ، انْتَهى. وعَنى بِالنَّفْسِ هُنا المَذْكُورَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ النَّفْسَ لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣]، وقَرَأتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: ﴿فَمِن نَفْسِكَ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ، ورَفْعِ السِّينِ فَـ (مَنِ) اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإنْكارُ؛ أيْ فَمَن نَفْسُكَ حَتّى يُنْسَبَ إلَيْها فِعْلُ المَعْنى ما لِلنَّفْسِ في الشَّيْءِ فِعْلٌ.
﴿وأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولًا﴾ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ قَدْ أزاحَ عِلَلَهم بِإرْسالِهِ، فَلا حُجَّةَ لَهم لِقَوْلِهِ: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، ولِلنّاسِ عامٌّ عَرَبِهِمْ وعَجَمِهِمْ، وانْتَصَبَ رَسُولًا عَلى الحالِ المُؤَكِّدَةِ. وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنى إرْسالًا وهو ضَعِيفٌ.
﴿وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾؛ أيْ مُطَّلِعًا عَلى ما يَصْدُرُ مِنكَ، ومِنهم، أوْ شَهِيدًا عَلى رِسالَتِكَ. ولا يَنْبَغِي لِمَن كانَ اللَّهُ شاهِدَهُ إلّا أنْ يُطاعَ ويُتَّبَعَ؛ لِأنَّهُ جاءَ بِالحَقِّ والصِّدْقِ، وشَهِدَ اللَّهُ لَهُ بِذَلِكَ.
وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ مِنَ البَيانِ والبَدِيعِ: الِاسْتِعارَةُ في: ﴿يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ﴾ [النساء: ٧٤]، وفي: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٧٤] لِما يَنالُهُ مِنَ النَّعِيمِ في الآخِرَةِ. وفي ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٤]، وفي ﴿سَبِيلِ الطّاغُوتِ﴾ [النساء: ٧٦] اسْتَعارَ الطَّرِيقَ لِلِاتِّباعِ ولِلْمُخالَفَةِ وفي: ﴿كُفُّوا أيْدِيَكُمْ﴾ [النساء: ٧٧] أطْلَقَ كَفَّ اليَدِ الَّذِي هو مُخْتَصٌّ بِالإجْرامِ عَلى الإمْساكِ عَنِ القِتالِ. والِاسْتِفْهامُ الَّذِي مَعْناهُ الِاسْتِبْطاءُ والِاسْتِبْعادُ في: ﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ﴾ [النساء: ٧٥] .
والِاسْتِفْهامُ الَّذِي مَعْناهُ التَّعَجُّبُ في: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا﴾ [النساء: ٧٧] . والتَّجَوُّزُ بِفي الَّتِي لِلْوِعاءِ عَنْ دُخُولِهِمْ في (الجِهادِ) . والِالتِفاتُ في: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ﴾ [النساء: ٧٤] في قِراءَةِ النُّونِ. والتَّكْرارُ في: ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٤]، وفي: ﴿واجْعَل لَنا مِن لَدُنْكَ﴾ [النساء: ٧٥]، وفي: يُقاتِلُونَ، وفي: الشَّيْطانِ، وفي: وإنْ تُصِبْهم، وفي: ما أصابَكَ، وفي اسْمِ اللَّهِ. والطِّباقُ اللَّفْظِيُّ في: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النساء: ٧٦] ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ٧٦] . والمَعْنَوِيُّ في: سَبِيلِ اللَّهِ طاعَةٌ وفي سَبِيلِ الطّاغُوتِ مَعْصِيَةٌ. والِاخْتِصاصُ في: ﴿إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦] . وفي ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى﴾ [النساء: ٧٧] . والتَّجَوُّزُ بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى غَيْرِ فاعِلِهِ في ﴿يُدْرِكُكُمُ المَوْتُ﴾ [النساء: ٧٨] . وفي: إنْ تُصِبْهم. وفي: ما أصابَكَ. والتَّشْبِيهُ في: ﴿كَخَشْيَةِ﴾ [النساء: ٧٧] . وإيقاعُ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ حَيْثُ لا مُشارَكَةَ في: ﴿خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى﴾ [النساء: ٧٧] . والتَّجْنِيسُ المُغايِرُ في: (p-٣٠٣)(يَخْشَوْنَ) و﴿كَخَشْيَةِ﴾ [النساء: ٧٧] . والحَذْفُ في مَواضِعَ.
4:80–82Страница 91
مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدۡ أَطَاعَ ٱللَّهَۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ عَلَيۡهِمۡ حَفِيظٗا ٨٠
Кто повинуется Посланнику, тот повинуется Аллаху. А если кто отворачивается, то ведь Мы не отправили тебя их хранителем.
وَيَقُولُونَ طَاعَةٞ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنۡ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٞ مِّنۡهُمۡ غَيۡرَ ٱلَّذِي تَقُولُۖ وَٱللَّهُ يَكۡتُبُ مَا يُبَيِّتُونَۖ فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا ٨١
Они говорят: «Мы покорны». Когда же они покидают тебя, некоторые из них по ночам замышляют не то, что ты говорил. Аллах записывает то, что они замышляют по ночам. Отвернись же от них и уповай на Аллаха. Довольно того, что Аллах является Попечителем и Хранителем!
أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَۚ وَلَوۡ كَانَ مِنۡ عِندِ غَيۡرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخۡتِلَٰفٗا كَثِيرٗا ٨٢
Неужели они не задумываются над Кораном? Ведь если бы он был не от Аллаха, то они нашли бы в нем много противоречий.
﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ ومَن تَوَلّى فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ ﴿ويَقُولُونَ طاعَةٌ فَإذا بَرَزُوا مِن عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنهم غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ واللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأعْرِضْ عَنْهم وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ ﴿وإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ ولَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهم ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إلّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٨٣] ﴿فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إلّا نَفْسَكَ وحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَسى اللَّهُ أنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا واللَّهُ أشَدُّ بَأْسًا وأشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ [النساء: ٨٤] ﴿مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنها ومَن يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنها وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ [النساء: ٨٥] ﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦] التَّبْيِيتُ قالَ الأصْمَعِيُّ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وأبُو العَبّاسِ: كُلُّ أمْرٍ قُضِيَ بِلَيْلٍ قِيلَ قَدْ بُيِّتَ. وقالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ أمْرٍ مُكِرَ فِيهِ أوْ خِيضَ بِلَيْلٍ فَقَدْ بُيِّتَ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎أتَوْنِي فَلَمْ أرْضَ ما بَيَّتُوا وكانُوا أتَوْنِي بِأمْرٍ نُكُرْ
وقالَ الأخْفَشُ: العَرَبُ تَقُولُ لِلشَّيْءِ إذا قُدِّرَ: بُيِّتَ. وقالَ أبُو رَزِينٍ: بُيِّتَ أُلِّفَ. وقِيلَ هُيِّئَ وزُوِّرَ، وقِيلَ قُصِدَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَمّا تَبَيَّتْنا أخا تَمِيمٍ ∗∗∗ أعْطى عَطاءَ اللَّحِزِ اللَّئِيمِ
أيْ: قَصَدْنا. وقِيلَ التَّبْيِيتُ التَّبْدِيلُ بِلُغَةِ طَيِّئٍ، قالَ شاعِرُهم:
؎وتَبْيِيتُ قَوْلِي عِنْدَ المَلِيكِ ∗∗∗ قاتَلَكَ اللَّهُ عَبْدًا كَفُورًا
التَّدَبُّرُ: تَأمُّلُ الأمْرِ والنَّظَرُ في أدْبارِهِ، وما يَئُولُ إلَيْهِ في عاقِبَتِهِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في كُلِّ تَأمُّلٍ. والدَّبَرُ: المالُ الكَثِيرُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ يَبْقى لِلْأعْقابِ ولِلْأدْبارِ، قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ.
الإذاعَةُ: إظْهارُ الشَّيْءِ، وإفْشاؤُهُ يُقالُ: ذاعَ يَذِيعُ وأذاعَ، ويَتَعَدّى بِنَفْسِهِ وبِالباءِ؛ فَيَكُونُ إذْ ذاكَ أذاعَ في مَعْنى الفِعْلِ المُجَرَّدِ. قالَ أبُو الأسْوَدِ:
؎أذاعُوا بِهِ في النّاسِ حَتّى كَأنَّهُ ∗∗∗ بِعَلْياءِ نارٍ أُوقِدَتْ بِثُقُوبِ
الِاسْتِنْباطُ: الِاسْتِخْراجُ والنَّبَطُ الماءُ يَخْرُجُ مِنَ البِئْرِ أوَّلَ ما تُحْفَرُ، والإنْباطُ والِاسْتِنْباطُ إخْراجُهُ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎نَعَمْ صادِقًا والفاعِلُ القائِلُ الَّذِي ∗∗∗ إذا قالَ قَوْلًا أنْبَطَ الماءَ في الثَّرى
وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: يُقالُ لِلرَّجُلِ إذا كانَ بَعِيدَ العِزِّ والمَنَعَةِ ما يَجِدُ عَدُوُّهُ لَهُ: نَبَطًا. قالَ كَعْبٌ:
؎قَرِيبٌ تَراهُ لا يَنالُ عَدُوُّهُ ∗∗∗ لَهُ نَبَطًا آبى الهَوانَ قُطُوبُ
والنَّبَطُ الَّذِينَ يَسْتَخْرِجُونَ المِياهَ والنَّباتَ مِنَ الأرْضِ. وقالَ الفَرّاءُ: نَبَطَ مِثْلَ اسْتَنْبَطَ، ونَبَطَ الماءُ يَنْبُطُ بِضَمِّ الباءِ وفَتْحِها. التَّحْرِيضُ: الحَثُّ. التَّنْكِيلُ: الأخْذُ بِأنْواعِ العَذابِ وتَرْدِيدُهُ عَلى المُعَذَّبِ، وكَأنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ النِّكْلِ وهو: القَيْدُ. الكِفْلُ: النَّصِيبُ والنَّصِيبُ في الخَيْرِ أكْثَرُ اسْتِعْمالًا. والكِفْلُ في الشَّرِّ أكْثَرُ مِنهُ في الخَيْرِ. المُقِيتُ: المُقْتَدِرُ. قالَ الزُّبَيْرُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ:
؎وذِي ضَغَنٍ كَفَفْتُ النَّفْسَ عَنْهُ ∗∗∗ وكانَ عَلى إساءَتِهِ مُقِيتًا
أيْ مُقْتَدِرًا. وقالَ السَّمَوْءَلُ:
؎لَيْتَ شِعْرِي وأشْعَرْنَ إذا ما ∗∗∗ قَرَّبُوها مَنشُورَةً ودُعِيتُ
؎ألِي الفَضْلُ أمْ عَلَيَّ إذا حُو ∗∗∗ سِبْتُ إنِّي عَلى الحِسابِ مُقِيتُ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المُقِيتُ الحاضِرُ. وقالَ ابْنُ فارِسٍ: المُقِيتُ المُقْتَدِرُ، والمُقِيتُ: الحافِظُ والشّاهِدُ. (p-٣٠٤)وقالَ النَّحّاسُ: هو مُشْتَقٌّ مِنَ القُوتِ، والقُوتُ مِقْدارُ ما يُحْفَظُ بِهِ الإنْسانُ مِنَ التَّلَفِ. التَّحِيَّةُ قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إدْرِيسَ: هي المُلْكُ، وأنْشَدَ:
؎أؤُمُّ بِها أبا قابُوسَ حَتّى ∗∗∗ أُنِيخَ عَلى تَحِيَّتِهِ بِجُنْدِي
وقالَ الأزْهَرِيُّ: التَّحِيَّةُ بِمَعْنى المُلْكِ، وبِمَعْنى البَقاءِ، ثُمَّ صارَتْ بِمَعْنى السَّلامَةِ. انْتَهى. ووَزْنُها تَفْعِلَةٌ، ولَيْسَ الإدْغامُ في هَذا الوَزْنِ واجِبًا عَلى مَذْهَبِ المازِنِيِّ، بَلْ يَجُوزُ الإظْهارُ كَما قالُوا: أعْيِيَةٌ بِالإظْهارِ، وأعِيَّةٌ بِالإدْغامِ في جَمْعِ عَيِيٍّ. وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّهُ يَجِبُ الإدْغامُ في تَحِيَّةٍ، والكَلامُ عَلى المَذْهَبَيْنِ مَذْكُورٌ في كُتُبِ النَّحْوِ.
﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ ومَن تَوَلّى فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ قالَ: «مَن أحَبَّنِي فَقَدْ أحَبَّ اللَّهَ» فاعْتَرَضَتِ اليَهُودُ فَقالُوا: هَذا مُحَمَّدٌ يَأْمُرُ بِعِبادَةِ اللَّهِ، وهو في هَذا القَوْلِ مُدَّعٍ لِلرُّبُوبِيَّةِ فَنَزَلَتْ. وفي رِوايَةٍ: قالَ المُنافِقُونَ لَقَدْ قارَبَ الشِّرْكَ. وفي رِوايَةٍ: قالُوا ما يُرِيدُ هَذا الرَّجُلُ إلّا أنْ يُتَّخَذَ رَبًّا كَما اتَّخَذَتِ النَّصارى عِيسى. وتَعَلُّقُ الطّاعَتَيْنِ؛ لِأنَّهُ لا يَأْمُرُ إلّا بِما أمَرَ اللَّهُ بِهِ، ولا يَنْهى إلّا عَمّا نَهى اللَّهُ عَنْهُ، فَكانَتْ طاعَتُهُ في ذَلِكَ طاعَةَ اللَّهِ. ومَن تَوَلّى بِنِفاقٍ أوْ أمْرٍ؛ ﴿فَما أرْسَلْناكَ﴾ هَذا التِفاتٌ؛ إذْ لَوْ جَرى عَلى الرَّسُولِ لَكانَ فَما أرْسَلَهُ. والحافِظُ هُنا المُحاسِبُ عَلى الأعْمالِ، أوِ الحافِظُ لِلْأعْمالِ، أوِ الحافِظُ مِنَ المَعاصِي، أوِ الحافِظُ عَنِ التَّوَلِّي، أوِ المُسَلَّطُ مِنَ الحُفّاظِ، أقْوالٌ. وتَتَضَمَّنُ هَذِهِ الآيَةُ الإعْراضَ عَمَّنْ تَوَلّى، والتَّرْكُ رِفْقٌ مِنَ اللَّهِ، وهي قَبْلَ نُزُولِ القِتالِ.
﴿ويَقُولُونَ طاعَةٌ﴾ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ بِاتِّفاقٍ؛ أيْ إذا أمَرْتَهم بِشَيْءٍ قالُوا طاعَةٌ؛ أيْ أمْرُنا طاعَةٌ، أوْ مِنّا طاعَةٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ النَّصْبُ بِمَعْنى أطَعْناكَ طاعَةً، وهَذا مِن قَوْلِ المُرْتَسِمِ سَمْعًا وطاعَةً، وسَمْعٌ وطاعَةٌ ونَحْوُهُ قَوْلُ سِيبَوَيْهِ. وسَمِعْنا بَعْضَ العَرَبِ المَوْثُوقِ بِهِمْ يُقالُ لَهُ: كَيْفَ أصْبَحْتَ ؟ فَيَقُولُ: حَمْدًا لِلَّهِ وثَناءً عَلَيْهِ، كَأنَّهُ قالَ: أمْرِي وشَأْنِي حَمْدُ اللَّهِ. ولَوْ نَصَبَ حَمْدَ اللَّهِ وثَناءً عَلَيْهِ كانَ عَلى الفِعْلِ. والرَّفْعُ يَدُلُّ عَلى ثَباتِ الطّاعَةِ، واسْتِقْرارِها انْتَهى. ولا حاجَةَ لِذِكْرِ ما لَمْ يُقْرَأْ بِهِ، ولا لِتَوْجِيهِهِ، ولا لِتَنْظِيرِهِ بِغَيْرِهِ؛ خُصُوصًا في كِتابِهِ الَّذِي وضَعَهُ عَلى الِاخْتِصارِ لا عَلى التَّطْوِيلِ.
﴿فَإذا بَرَزُوا مِن عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنهم غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾؛ أيْ إذا خَرَجُوا مِن عِنْدِكَ رَوَوْا وسَوَّوْا؛ أيْ طائِفَةٌ مِنهم غَيْرَ الَّذِي تَقُولُهُ لَكَ يا مُحَمَّدُ مِن إظْهارِ الطّاعَةِ، وهم في الباطِنِ كاذِبُونَ عاصُونَ؛ فَعَلى هَذا الضَّمِيرُ في تَقُولُ عائِدٌ عَلى الطّائِفَةِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. وقِيلَ يَعُودُ عَلى الرَّسُولِ؛ أيْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُهُ وتُرْسَمُ بِهِ يا مُحَمَّدُ، وهو الخِلافُ والعِصْيانُ المُشْتَمِلُ عَلَيْهِ بَواطِنُهم. ويُؤَيِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ بَيَّتَ مُبَيِّتٌ مِنهم يا مُحَمَّدُ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ يَقُولُ: بِالياءِ؛ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلرَّسُولِ، ويَكُونَ التِفاتًا إذْ خَرَجَ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ في ﴿مِن عِنْدِكَ﴾ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الطّائِفَةِ؛ لِأنَّها في مَعْنى القَوْمِ أوِ الفَرِيقِ، وخَصَّ طائِفَتَهُ بِالتَّبْيِينِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُونُوا لِيَجْتَمِعُوا كُلُّهم في دارٍ واحِدَةٍ أوْ لِأنَّهُ إخْبارٌ عَنْ مَن عَلِمَ اللَّهُ أنَّهُ يَبْقى عَلى كُفْرِهِ ونِفاقِهِ. وأدْغَمَ حَمْزَةُ، وأبُو عَمْرٍوُ ﴿بَيَّتَ طائِفَةٌ﴾، وأظْهَرَ الباقُونَ.
﴿واللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ﴾؛ أيْ يَكْتُبُهُ في صَحائِفِ أعْمالِهِمْ حَسَبَما تَكْتُبُهُ الحَفَظَةُ لِيُجازَوْا بِهِ. وقالَ الزَّجّاجُ: يَكْتُبُهُ في كِتابِهِ إلَيْكَ؛ أيْ يُنْزِلُهُ في القُرْآنِ ويَعْلَمُ بِهِ، ويَطَّلِعُ عَلى سِرِّهِمْ. وقِيلَ يَكْتُبُ يُعَلِّمُ عَبَّرَ بِالكِتابَةِ عَنِ العِلْمِ؛ لِأنَّهُ مِن ثَمَراتِها.
﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ هَذا مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ومَن تَوَلّى فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾؛ أيْ لا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِالِانْتِقامِ مِنهم. ولَيْسَ المَعْنى فَأعْرِضْ عَنْ دَعْوَتِهِمْ إلى الإيمانِ، وعَنْ وعْظِهِمْ. وقالَ الضَّحّاكُ: مَعْنى أعْرِضْ عَنْهم لا تُخْبِرْ بِأسْمائِهِمْ فَيُجاهِرُوكَ بِالعَداوَةِ بَعْدَ المُجامَلَةِ في القَوْلِ، ثُمَّ أمَرَهُ بِإدامَةِ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، هو يَنْتَقِمُ لَكَ مِنهم، وهَذا أيْضًا قَبْلَ نُزُولِ القِتالِ.
﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: يَتَدَبَّرُونَ بِياءٍ، وتاءٍ بَعْدَها (p-٣٠٥)عَلى الأصْلِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِإدْغامِ التّاءِ في الدّالِ، وهَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإنْكارُ؛ أيْ فَلا يَتَأمَّلُونَ ما نَزَلَ عَلَيْكَ مِنَ الوَحْيِ ولا يُعْرِضُونَ عَنْهُ؛ فَإنَّهُ في تَدَبُّرِهِ يَظْهَرُ بُرْهانُهُ ويَسْطَعُ نُورُهُ، ولا يَظْهَرُ ذَلِكَ لِمَن أعْرَضَ عَنْهُ ولَمْ يَتَأمَّلْهُ.
﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ الظّاهِرُ أنَّ المُضْمَرَ في فِيهِ عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، وهَذا في عِلْمِ البَيانِ الِاحْتِجاجُ النَّظَرِيُّ، وقَوْمٌ يُسَمُّونَهُ المَذْهَبَ الكَلامِيَّ. ووَجْهُ هَذا الدَّلِيلِ أنَّهُ لَيْسَ مِن مُتَكَلِّمٍ كَلامًا طَوِيلًا إلّا وُجِدَ في كَلامِهِ اخْتِلافٌ كَثِيرٌ؛ إمّا في الوَصْفِ واللَّفْظِ، وإمّا في المَعْنى بِتَناقُضِ أخْبارٍ، أوِ الوُقُوعِ عَلى خِلافِ المُخْبَرِ بِهِ، أوِ اشْتِمالِهِ عَلى ما لا يَلْتَئِمُ، أوْ كَوْنِهِ يُمْكِنُ مُعارَضَتُهُ. والقُرْآنُ العَظِيمُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ كَلامُ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ، مُناسِبٌ بَلاغَةً مُعْجِزَةً فائِتَةً لِقُوى البُلَغاءِ، وتَضافُرَ صِدْقِ أخْبارٍ وصِحَّةِ مَعانٍ؛ فَلا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا العالِمُ بِما لا يَعْلَمُهُ أحَدٌ سِواهُ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَإنْ عَرَضَتْ لِأحَدٍ شُبْهَةٌ، وظَنَّ اخْتِلافًا فالواجِبُ أنْ يَتَّهِمَ نَظَرَهُ، ويَسْألَ مَن هو أعْلَمُ مِنهُ. وما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الزَّنادِقَةِ المُعانِدِينَ مِن أنَّ فِيهِ أحْكامًا مُخْتَلِفَةً وألْفاظًا غَيْرَ مُؤْتَلِفَةٍ فَقَدْ أبْطَلَ مَقالَتَهم عُلَماءُ الإسْلامِ، وما جاءَ في القُرْآنِ مِنَ اخْتِلافٍ في تَفْسِيرٍ وتَأْوِيلٍ وقِراءَةٍ، وناسِخٍ ومَنسُوخٍ، ومُحْكَمٍ ومُتَشابِهٍ، وعامٍّ وخاصٍّ، ومُطْلَقٍ ومُقَيَّدٍ؛ فَلَيْسَ هو المَقْصُودَ في الآيَةِ، بَلْ هَذِهِ مِن عُلُومِ القُرْآنِ الدّالَّةِ عَلى اتِّساعِ مَعانِيهِ، وأحْكامِ مَبانِيهِ. وذَهَبَ الزَّجّاجُ إلى أنَّ الضَّمِيرَ في فِيهِ عائِدٌ عَلى ما يُخْبِرُهُ بِهِ اللَّهُ تَعالى مِمّا يُبَيِّتُونَ، ويُسِرُّونَ والمَعْنى: أنَّكَ تُخْبِرُهم بِهِ عَلى حَدِّ ما يَقَعُ، وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ غَيْبٌ مِنَ الغُيُوبِ. وفي ذِكْرِ تُدَبِّرُ القُرْآنِ رَدٌّ عَلى مَن قالَ مِنَ الرّافِضَةِ: إنَّ القُرْآنَ لا يُفْهَمُ مَعْناهُ إلّا بِتَفْسِيرِ الرَّسُولِ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии