Абу Хайян · Тафсир · на арабском
Ад-Духан 44:30–59
44:30–42Страница 497
وَلَقَدۡ نَجَّيۡنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ مِنَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡمُهِينِ ٣٠
Мы уже спасли сынов Исраила (Израиля) от унизительных страданий -
مِن فِرۡعَوۡنَۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَالِيٗا مِّنَ ٱلۡمُسۡرِفِينَ ٣١
от Фараона. Воистину, он был надменен и был одним из преступающих границы дозволенного.
وَلَقَدِ ٱخۡتَرۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ عِلۡمٍ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ٣٢
Мы избрали их и возвысили их над мирами на основании знания.
وَءَاتَيۡنَٰهُم مِّنَ ٱلۡأٓيَٰتِ مَا فِيهِ بَلَٰٓؤٞاْ مُّبِينٌ ٣٣
Мы даровали им знамения, в которых было заключено явное испытание (или явная милость).
إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ لَيَقُولُونَ ٣٤
Воистину, они непременно скажут:
إِنۡ هِيَ إِلَّا مَوۡتَتُنَا ٱلۡأُولَىٰ وَمَا نَحۡنُ بِمُنشَرِينَ ٣٥
«Для нас есть только одна смерть, и мы не будем воскрешены.
فَأۡتُواْ بِـَٔابَآئِنَآ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٣٦
Приведите же наших отцов, если вы говорите правду».
أَهُمۡ خَيۡرٌ أَمۡ قَوۡمُ تُبَّعٖ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ أَهۡلَكۡنَٰهُمۡۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ مُجۡرِمِينَ ٣٧
Они лучше или же народ Тубба (Тобба) и их предшественники? Мы погубили их. Воистину, они были грешниками.
وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا لَٰعِبِينَ ٣٨
Мы не сотворили небеса, землю и то, что между ними, забавляясь.
مَا خَلَقۡنَٰهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٩
Мы сотворили их (небеса и землю) только ради истины, но большинство их не знает этого.
إِنَّ يَوۡمَ ٱلۡفَصۡلِ مِيقَٰتُهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٤٠
Воистину, День различения - это срок, установленный для каждого из них.
يَوۡمَ لَا يُغۡنِي مَوۡلًى عَن مَّوۡلٗى شَيۡـٔٗا وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ ٤١
Это будет день, когда близкий ничем не поможет своему близкому и когда помощь не будет оказана никому,
إِلَّا مَن رَّحِمَ ٱللَّهُۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٤٢
кроме тех, над кем смилостивится Аллах. Воистину, Он - Могущественный, Милосердный.
﴿ولَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ العَذابِ المُهِينِ﴾ ﴿مِن فِرْعَوْنَ إنَّهُ كانَ عالِيًا مِنَ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿ولَقَدِ اخْتَرْناهم عَلى عِلْمٍ عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿وآتَيْناهم مِنَ الآياتِ ما فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ﴾ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿إنْ هي إلّا مَوْتَتُنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ ﴿فَأْتُوا بِآبائِنا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿أهم خَيْرٌ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أهْلَكْناهم إنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ ﴿ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقاتُهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ ﴿إلّا مَن رَحِمَ اللَّهُ إنَّهُ هو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ﴾ [الدخان: ٤٣] ﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٤] ﴿كالمُهْلِ يَغْلِي في البُطُونِ﴾ [الدخان: ٤٥] ﴿كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ [الدخان: ٤٦] ﴿خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ [الدخان: ٤٧] ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِن عَذابِ الحَمِيمِ﴾ [الدخان: ٤٨] ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] ﴿إنَّ هَذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ [الدخان: ٥٠] ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في مَقامٍ أمِينٍ﴾ [الدخان: ٥١] ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الدخان: ٥٢] ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الدخان: ٥٣] ﴿كَذَلِكَ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الدخان: ٥٤] ﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ [الدخان: ٥٥] ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى ووَقاهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ [الدخان: ٥٦] ﴿فَضْلًا مِن رَبِّكَ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [الدخان: ٥٧] ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الدخان: ٥٨] ﴿فارْتَقِبْ إنَّهم مُرْتَقِبُونَ﴾ [الدخان: ٥٩] .
لَمّا ذَكَرَ تَعالى إهْلاكَ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، ذَكَرَ إحْسانَهُ لِبَنِي إسْرائِيلَ، فَبَدَأ بِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهم، وهو نَجاتُهم مِمّا كانُوا فِيهِ مِنَ العَذابِ. ثُمَّ ذَكَرَ اتِّصالَ النَّفْعِ لَهم، مِنِ اخْتِيارِهِمْ عَلى العالَمِينَ، وإيتائِهِمُ الآياتِ. والعَذابُ المُهِينُ: قَتْلُ أبْنائِهِمْ، واسْتِخْدامُهم في الأعْمالِ الشّاقَّةِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: ﴿مِنَ العَذابِ المُهِينِ﴾: وهو مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى صِفَتِهِ، كَبَقْلَةِ الحَمْقاءِ. و﴿مِن فِرْعَوْنَ﴾: بَدَلٌ (مِنَ العَذابِ)، عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ مِن عَذابِ فِرْعَوْنَ. أوَّلًا حُذِفَ، جَعَلَ فِرْعَوْنَ نَفْسَهُ هو العَذابَ مُبالَغَةً. وقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، أيْ كائِنًا وصادِرًا مِن فِرْعَوْنَ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: مَن فِرْعَوْنُ. مَن: اسْتِفْهامٌ: مُبْتَدَأٌ، وفِرْعَوْنُ خَبَرُهُ. لَمّا وصَفَ فِرْعَوْنَ بِالشِّدَّةِ والفَظاعَةِ قالَ: مَن فِرْعَوْنُ ؟ عَلى مَعْنى: هَلْ تَعْرِفُونَهُ مَن هو في عُتُوِّهِ وشَيْطَنَتِهِ ؟ ثُمَّ عَرَّفَ حالَهُ في ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ عالِيًا مِنَ المُسْرِفِينَ﴾: أيْ مُرْتَفِعًا عَلى العالَمِ، أوْ مُتَكَبِّرًا مُسْرِفًا مِنَ المُسْرِفِينَ.
﴿ولَقَدِ اخْتَرْناهُمْ﴾: أيِ اصْطَفَيْناهم وشَرَّفْناهم. (عَلى عِلْمٍ) ”عِلْمٍ“ مَصْدَرٌ لَمْ يُذْكَرْ فاعِلُهُ، فَقِيلَ: عَلى عِلْمٍ مِنهم وفَضْلٍ فِيهِمْ، فاخْتَرْناهم لِلنُّبُوّاتِ والرِّسالاتِ. وقِيلَ: عَلى عِلْمٍ مِنّا، أيْ عالِمِينَ بِمَكانِ الخِيرَةِ، وبِأنَّهم أحِقّاءٌ بِأنْ يُخْتارُوا. وقِيلَ: عَلى عِلْمٍ مِنّا بِما يَصْدُرُ مِنَ العَدْلِ والإحْسانِ والعِلْمِ والإيمانِ، بِأنَّهم يُزَيِّفُونَ وتَفْرُطُ مِنهُمُ الهَناتُ في بَعْضِ الأمْوالِ.
(p-٣٨)وقِيلَ: اخْتَرْناهم بِهَذا الإنْجاءِ وهَذِهِ النِّعَمِ عَلى سابِقِ عِلْمٍ لَنا فِيهِمْ، وخَصَصْناهم بِذَلِكَ دُونَ العالَمِ. (عَلى العالَمِينَ): أيْ عالَمِي زَمانِهِمْ، لِأنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ مُفَضَّلَةٌ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: عَلى العالَمِينَ عامٌّ لِكَثْرَةِ الأنْبِياءِ فِيهِمْ، وهَذا خاصٌّ بِهِمْ لَيْسَ لِغَيْرِهِمْ. وكانَ الِاخْتِيارُ مِن هَذِهِ الجِهَةِ، لِأنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ أفْضَلُ. و”عَلى“ في قَوْلِهِ: (عَلى عِلْمٍ) لَيْسَ مَعْناها مَعْنى عَلى في قَوْلِهِ: (عَلى العالَمِينَ)، ولِذَلِكَ تَعَلَّقا بِفِعْلٍ واحِدٍ لَمّا اخْتَلَفَ المَدْلُولُ، كَقَوْلِهِ:
؎ويَوْمًا عَلى ظَهْرِ الكَثِيبِ تَعَذَّرَتْ عَلَيَّ وآلَتْ حَلْفَةً لَمْ تُخَلَّلِ
فَعَلى عِلْمٍ: حالٌ، إمّا مِنَ الفاعِلِ، أوْ مِنَ المَفْعُولِ. وعَلى ظَهْرِ: حالٌ مِنَ الفاعِلِ في تَعَذَّرَتْ، والعامِلُ في ذِي الحالِ.
﴿وآتَيْناهم مِنَ الآياتِ﴾: أيِ المُعْجِزاتِ الظّاهِرَةِ في قَوْمِ فِرْعَوْنَ، وما ابْتُلُوا بِهِ، وفي بَنِي إسْرائِيلَ مِمّا أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِن تَظْلِيلِ الغَمامِ والمَنِّ والسَّلْوى، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لَمْ يُظْهِرْها لِغَيْرِهِمْ.
﴿ما فِيهِ بَلاءٌ﴾: أيِ اخْتِبارٌ بِالنِّعَمِ ظاهِرٌ، أوِ الِابْتِلاءُ بِالنِّعَمِ كَقَوْلِهِ: ﴿ونَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ﴾ [الأنبياء: ٣٥] . (إنَّ هَؤُلاءِ): يَعْنِي قُرَيْشًا، وفي اسْمِ الإشارَةِ تَحْقِيرٌ لَهم.
﴿لَيَقُولُونَ﴾ ﴿إنْ هي إلّا مَوْتَتُنا الأُولى﴾: أيْ ما المَوْتَةُ إلّا مَحْصُورَةٌ في مَوْتَتِنا الأُولى. وكانَ قَدْ قالَ تَعالى: ﴿وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨]، فَذَكَرَ مَوْتَتَيْنِ، أُولى وثانِيَةً، فَأنْكَرُوا هم أنْ يَكُونَ لَهم مَوْتَةٌ ثانِيَةٌ. والمَعْنى: ما آخِرُ أمْرِنا ومُنْتَهى وُجُودِنا إلّا عِنْدَ مَوْتَتِنا. فَيَتَضَمَّنُ قَوْلُهم هَذا إنْكارَ البَعْثِ، ثُمَّ صَرَّحُوا بِما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهم، فَقالُوا: ﴿وما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾: أيْ بِمَبْعُوثِينَ بِحَياةٍ دائِمَةٍ يَقَعُ فِيها حِسابٌ وثَوابٌ وعِقابٌ، وكانَ قَوْلُهم ذَلِكَ في مَعْنى قَوْلِهِمْ: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام: ٢٩] .
﴿فَأْتُوا بِآبائِنا﴾: خِطابٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا يَعِدُونَهم بِالبَعْثِ، أيْ إنْ صَدَقْتُمْ فِيما تَقُولُونَ فَأحْيُوا لَنا مَن ماتَ مِن أبْنائِنا، بِسُؤالِكم رَبَّكم، حَتّى يَكُونَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى البَعْثِ في الآخِرَةِ. قِيلَ: طَلَبُوا مِنَ الرَّسُولِ أنْ يَدْعُوَ اللَّهَ فَيُحْيِيَ لَهم قُصَيَّ بْنَ كِلابٍ، لِيُشاوِرُوهُ في صِحَّةِ النُّبُوَّةِ والبَعْثِ، إذْ كانَ كَبِيرُهم ومُشاوِرُهم في النَّوازِلِ. (أهم): أيْ قُرَيْشٌ، ﴿خَيْرٌ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ ؟ الظّاهِرُ أنَّ تُبَّعًا هو شَخْصٌ مَعْرُوفٌ، وقَعَ التَّفاضُلُ بَيْنَ قَوْمِهِ وقَوْمِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وإنْ كانَ لَفْظُ تُبَّعٍ يُطْلَقُ عَلى كُلِّ مَن مَلَكَ العَرَبَ، كَما يُطْلَقُ كِسْرى عَلى مَن مَلَكَ الفُرْسَ، وقَيْصَرُ عَلى مَن مَلَكَ الرُّومَ، قِيلَ: واسْمُهُ أسْعَدُ الحِمْيَرِيُّ، وكُنِّيَ أبا كَرِبٍ، وذَكَرَ أبُو حاتِمٍ الرِّياشِيُّ أنَّهُ آمَنَ بِالنَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ أنْ يُبْعَثَ بِسَبْعِمِائَةِ سَنَةٍ. ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا آمَنَ بِالمَدِينَةِ، كَتَبَ كِتابًا ونَظَمَ شِعْرًا. أمّا الشِّعْرُ فَهو:
؎شَهِدْتُ عَلى أحْمَدٍ أنَّهُ ∗∗∗ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ بارِي النَّسَمْ
؎فَلَوْ مُدَّ عُمْرِي إلى عُمْرِهِ ∗∗∗ لَكُنْتُ وزِيرًا لَهُ وابْنَ عَمْ
وأمّا الكِتابُ، فَرَوى ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ أنَّهُ كانَ فِيهِ: أمّا بَعْدُ: فَإنِّي آمَنتُ بِكَ، وبِكِتابِكَ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكَ، وأنا عَلى دِينِكَ وسُنَّتِكَ، وآمَنتُ بِرَبِّكَ ورَبِّ كُلِّ شَيْءٍ، وآمَنتُ بِكُلِّ ما جاءَ مِن رَبِّكَ مِن شَرائِعِ الإسْلامِ، فَإنْ أدْرَكْتُكَ فَبِها ونِعْمَتْ، وإنْ لَمْ أُدْرِكْكَ، فاشْفَعْ لِي، ولا تَنْسَنِي يَوْمَ القِيامَةِ، فَإنِّي مِن أُمَّتِكَ الأوَّلِينَ، وتابَعْتُكَ قَبْلَ مَجِيئِكَ، وأنا عَلى مِلَّتِكَ ومِلَّةِ أبِيكَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. ثُمَّ خَتَمَ الكِتابَ ونَقَشَ عَلَيْهِ: لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ. وكَتَبَ عُنْوانَهُ: إلى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، نَبِيِّ اللَّهِ ورَسُولِهِ، خاتَمِ النَّبِيِّينَ، ورَسُولِ رَبِّ العالَمِينَ ﷺ، مِن تُبَّعٍ الأوَّلِ. ويُقالُ: كانَ الكِتابُ والشِّعْرُ عِنْدَ أبِي أيُّوبَ خالِدِ بْنِ زَيْدٍ، فَلَمْ يَزَلْ عِنْدَهُ حَتّى بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ، وكانُوا يَتَوارَثُونَهُ كابِرًا عَنْ كابِرٍ، حَتّى أدَّوْهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ .
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كانَ تُبَّعٌ نَبِيًّا، وعَنْهُ لَمّا أقْبَلَ تُبَّعٌ مِنَ الشَّرْقِ، بَعْدَ أنْ حَيَّرَ الحِيرَةَ وسَمَرْقَنْدَ، قَصَدَ المَدِينَةَ، وكانَ قَدْ خَلَّفَ بِها حِينَ سافَرَ، فَقُتِلَ غِيلَةً، فَأجْمَعَ عَلى خَرابِها واسْتِئْصالِ أهْلِها. فَجَمَعُوا لَهُ الأنْصارَ، وخَرَجُوا لِقِتالِهِ، وكانُوا يُقاتِلُونَهُ بِالنَّهارِ ويُقِرُّونَهُ بِاللَّيْلِ. فَأعْجَبَهُ ذَلِكَ وقالَ: إنَّ هَؤُلاءِ (p-٣٩)لَكِرامٌ، إذْ جاءَهُ كَعْبٌ وأسَدٌ، ابْنا عَمٍّ مِن قُرَيْظَةَ جِيرانٌ، وأخْبَراهُ أنَّهُ يُحالُ بَيْنَكَ وبَيْنَ ما تُرِيدُ، فَإنَّها مَهاجِرُ نَبِيٍّ مِن قُرَيْشٍ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ، ومَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ، فَثَناهُ قَوْلُهُما عَمّا كانَ يُرِيدُ. ثُمَّ دَعَواهُ إلى دِينِهِما، فاتَّبَعَهُما وأكْرَمَهُما. وانْصَرَفُوا عَنِ المَدِينَةِ، ومَعَهم نَفَرٌ مِنَ اليَهُودِ، فَقالَ لَهُ في الطَّرِيقِ نَفَرٌ مِن هُذَيْلٍ يَدُلُّكَ عَلى بَيْتٍ فِيهِ كَنْزٌ مِن لُؤْلُؤٍ وزَبَرْجَدٍ وفِضَّةٍ بِمَكَّةَ، وأرادَتْ هُذَيْلٌ هَلاكَهُ، لِأنَّهم عَرَفُوا أنَّهُ ما أرادَهُ أحَدٌ بِسُوءٍ إلّا هَلَكَ. فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلْحَبْرَيْنِ، فَقالُوا: ما نَعْلَمُ لِلَّهِ بَيْتًا في الأرْضِ غَيْرَ هَذا، فاتَّخِذْهُ مَسْجِدًا، وانْسُكْ عِنْدَهُ، واحْلِقْ رَأْسَكَ، وما أرادَ القَوْمُ إلّا هَلاكَكَ. فَأكْرَمَهُ وكَساهُ، وهو أوَّلُ مَن كَسا البَيْتَ، وقَطَعَ أيْدِيَ أُولَئِكَ النَّفَرِ مِن هُذَيْلٍ وأرْجُلَهم، وسَمَّرَ أعْيُنَهم وصَلَبَهم.
وقالَ قَوْمٌ: لَيْسَ المُرادُ بِتُبَّعٍ رَجُلًا واحِدًا، إنَّما المُرادُ مُلُوكُ اليَمَنِ، وكانُوا يُسَمَّوْنَ التَّبابِعَةَ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ أرادَ واحِدًا مِن هَؤُلاءِ، تَعْرِفُهُ العَرَبُ بِهَذا الِاسْمِ أكْثَرَ مِن مَعْرِفَةِ غَيْرِهِ بِهِ. وفي الحَدِيثِ: «لا تَسُبُّوا تُبَّعًا فَإنَّهُ كانَ مُؤْمِنًا» . فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ واحِدٌ بِعَيْنِهِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: التَّبابِعَةُ مُلُوكُ اليَمَنِ، والتُّبُّعُ: الظِّلُّ، والتُّبَّعُ: ضَرْبٌ مِنَ الطَّيْرِ. وقالَ أبُو القاسِمِ السُّهَيْلِيُّ: تُبَّعٌ لِكُلِّ مَلِكِ اليَمَنِ والشِّحْرِ حَضْرَمَوْتَ، ومَلِكُ اليَمَنِ وحْدَهُ لا يُسَمّى تُبَّعًا، قالَهُ المَسْعُودِيُّ. والخَيْرِيَّةُ الواقِعَةُ فِيها التَّفاضُلُ، وكِلا الصِّنْفَيْنِ لا خَيْرَ فِيهِمْ، هي بِالنِّسْبَةِ لِلْقُوَّةِ والمَنعَةِ، كَما قالَ: ﴿أكُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكُمْ﴾ [القمر: ٤٣] ؟ بَعْدَ ذِكْرِ آلِ فِرْعَوْنَ في تَفْسِيرِ ابْنِ عَبّاسٍ: أهم أشَدُّ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ ؟ وإضافَةُ قَوْمٍ إلى تُبَّعٍ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَذْهَبُهم.
﴿أهْلَكْناهم إنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ﴾: إخْبارٌ عَمّا فَعَلَ تَعالى بِهِمْ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ عِلَّةَ الإهْلاكِ هي الإجْرامُ، وفي ذَلِكَ وعِيدٌ لِقُرَيْشٍ، وتَهْدِيدٌ أنْ يَفْعَلَ بِهِمْ ما فَعَلَ بِقَوْمِ تُبَّعٍ ومَن قَبْلَهم مِن مُكَذِّبِي الرُّسُلِ لِإجْرامِهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ الدَّلِيلَ القاطِعَ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِالبَعْثِ، وهو خَلْقُ العالَمِ بِالحَقِّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (وما بَيْنَهُما) مِنَ الجِنْسَيْنِ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْسٍ: وما بَيْنَهُنَّ لاعِبِينَ. قالَ مُقاتِلٌ: عابِثِينَ.
﴿ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ﴾: أيْ بِالعَدْلِ، يُجازِي المُحْسِنَ والمُسِيءَ بِما أرادَ تَعالى مِن ثَوابٍ وعِقابٍ. (ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ) أنَّهُ تَعالى خَلَقَ ذَلِكَ، فَهم لا يَخافُونَ عِقابًا ولا يَرْجُونَ ثَوابًا. وقُرِئَ: مِيقاتَهم، بِالنَّصْبِ، عَلى أنَّهُ اسْمُ إنَّ، والخَبَرُ يَوْمَ الفَصْلِ، أيْ: إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيعادَهم وجَزاءَهم، ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾ يَعُمُّ جَمِيعَ المَوالِي مِنَ القَرابَةِ والعَتاقَةِ والصِّلَةِ شَيْئًا مِن إغْناءٍ، أيْ قَلِيلًا مِنهُ: (ولا هم يُنْصَرُونَ): جَمْعٌ، لِأنَّ عَنْ مَوْلًى في سِياقِ النَّفْيِ فَيَعُمُّ، فَعادَ عَلى المَعْنى، لا عَلى اللَّفْظِ.
﴿إلّا مَن رَحِمَ اللَّهُ﴾، قالَ الكِسائِيُّ: مَن رَحِمَ: مَنصُوبٌ عَلى الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، أيْ لَكِنْ مَن رَحِمَهُ اللَّهُ لا يَنالُهم ما يَحْتاجُونَ فِيهِ مَن لَعَنَهم مِنَ المَخْلُوقِينَ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا، أيْ لا يُغْنِي قَرِيبٌ عَنْ قَرِيبٍ إلّا المُؤْمِنِينَ، فَإنَّهُ يُؤْذَنُ لَهم في شَفاعَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ. وقالَ الحَوْفِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن مَوْلًى المَرْفُوعِ، ويَكُونُ يُغْنِي بِمَعْنى يَنْفَعُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿مَن رَحِمَ اللَّهُ﴾، في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى البَدَلِ مِنَ الواوِ في (يُنْصَرُونَ)، أيْ لا يَمْنَعُ مِنَ العَذابِ إلّا مَن رَحِمَ اللَّهُ، وقالَهُ الحَوْفِيُّ قَبْلَهُ.
﴿إنَّهُ هو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾: لا يَنْصُرُ مَن عَصاهُ، الرَّحِيمُ لِمَن أطاعَهُ ومَن عَفا عَنْهُ.
44:43–59Страница 498
إِنَّ شَجَرَتَ ٱلزَّقُّومِ ٤٣
Воистину, дерево заккум будет
طَعَامُ ٱلۡأَثِيمِ ٤٤
пищей грешника.
كَٱلۡمُهۡلِ يَغۡلِي فِي ٱلۡبُطُونِ ٤٥
Подобно осадку масла (или расплавленной меди), оно будет кипеть в животах так,
كَغَلۡيِ ٱلۡحَمِيمِ ٤٦
как кипит кипяток.
خُذُوهُ فَٱعۡتِلُوهُ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلۡجَحِيمِ ٤٧
Схватите его и волоките (или несите) до самой середины Ада.
ثُمَّ صُبُّواْ فَوۡقَ رَأۡسِهِۦ مِنۡ عَذَابِ ٱلۡحَمِيمِ ٤٨
Затем налейте ему на голову кипяток, причиняющий страдания.
ذُقۡ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡكَرِيمُ ٤٩
Вкушай, ведь ты - могущественный, благородный!
إِنَّ هَٰذَا مَا كُنتُم بِهِۦ تَمۡتَرُونَ ٥٠
Вот то, в чем вы сомневались!
إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٖ ٥١
Воистину, богобоязненные пребудут в безопасном месте,
فِي جَنَّٰتٖ وَعُيُونٖ ٥٢
в Райских садах и среди источников.
يَلۡبَسُونَ مِن سُندُسٖ وَإِسۡتَبۡرَقٖ مُّتَقَٰبِلِينَ ٥٣
Они будут облачены в атлас и парчу и будут восседать друг против друга.
كَذَٰلِكَ وَزَوَّجۡنَٰهُم بِحُورٍ عِينٖ ٥٤
Вот так! Мы сочетаем их с черноокими, большеглазыми девами.
يَدۡعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَٰكِهَةٍ ءَامِنِينَ ٥٥
Там они будут просить любые фрукты, будучи в безопасности.
لَا يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلۡمَوۡتَ إِلَّا ٱلۡمَوۡتَةَ ٱلۡأُولَىٰۖ وَوَقَىٰهُمۡ عَذَابَ ٱلۡجَحِيمِ ٥٦
Там они не вкусят смерти после первой смерти. Он защитил их от мучений в Аду
فَضۡلٗا مِّن رَّبِّكَۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ٥٧
по милости от твоего Господа. Это и есть великое преуспеяние.
فَإِنَّمَا يَسَّرۡنَٰهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ٥٨
Мы облегчили его (Коран) на твоем языке, чтобы они могли помянуть назидание.
فَٱرۡتَقِبۡ إِنَّهُم مُّرۡتَقِبُونَ ٥٩
Подожди же, ведь они тоже ждут.
﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ﴾: قُرِئَ بِكَسْرِ الشِّينِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ فِيها في سُورَةِ الصّافّاتِ.
﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾: صِفَةُ مُبالَغَةٍ، وهو الكَثِيرُ الآثامِ، ويُقالُ لَهُ: أثُومٌ، صِفَةُ مُبالَغَةٍ أيْضًا، وفُسِّرَ بِالمُشْرِكِ. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: المُكْتَسِبُ لِلْإثْمِ. وعَنِ ابْنِ زَيْدانَ: الأثِيمُ هُنا هو أبُو جَهْلٍ، وقِيلَ: الوَلِيدُ. (كالمُهْلِ): هو دُرْدِيُّ الزَّيْتِ، أوْ مُذابُ الفِضَّةِ، أوْ مُذابُ النُّحاسِ، أوْ عَكَرُ القَطِرانِ أوِ الصَّدِيدِ، أوَّلُها لِابْنِ عُمَرَ وابْنِ عَبّاسٍ، وآخِرُها لِابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ الحَسَنُ: كالمَهْلِ، بِفَتْحِ المِيمِ: لُغَةٌ فِيهِ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: المَهْلُ: ما أُذِيبَ مِن ذَهَبٍ، أوْ فِضَّةٍ، أوْ حَدِيدٍ، أوْ رَصاصٍ. وقَرَأ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ، والِابْنانِ، وحَفْصٌ: يَغْلِي، بِالياءِ، أيِ الطَّعامُ. وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، وأبُو رَزِينٍ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، (p-٤٠)وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وطَلْحَةُ، والحَسَنُ: في رِوايَةٍ، وباقِي السَّبْعَةِ: تَغْلِي بِالتّاءِ، أيِ الشَّجَرَةُ.
﴿كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾: وهو الماءُ المُسَخَّنُ الَّذِي يَتَطايَرُ مِن غَلَيانِهِ.
﴿خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ﴾، يُقالُ لِلزَّبانِيَةِ: خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ، أيْ سُوقُوهُ بِعُنْفٍ وجَذْبٍ. وقالَ الأعْمَشُ: مَعْنى اعْتِلُوهُ: اقْصِفُوهُ كَما يُقْصَفُ الحَطَبُ إلى سَواءِ الجَحِيمِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وسَطُها. وقالَ الحَسَنُ: مُعْظَمُها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: فاعْتِلُوهُ، بِكَسْرِ التّاءِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والِابْنانِ، ونافِعٌ: بِضَمِّها، والخِلافُ عَنِ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، والأعْرَجِ، وأبِي عَمْرٍو.
﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِن عَذابِ الحَمِيمِ﴾: وفي الحَجِّ: ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ [الحج: ١٩] . والمَصْبُوبُ في الحَقِيقَةِ هو الحَمِيمُ، فَتارَةً اعْتُبِرَتِ الحَقِيقَةُ، وتارَةً اعْتُبِرَتِ الِاسْتِعارَةُ، لِأنَّهُ أذَمُّ مِنَ الحَمِيمِ، فَقَدْ صَبَّ ما تَوَلَّدَ عَنْهُ مِنَ الآلامِ والعَذابِ، فَعَبَّرَ بِالمُسَبَّبِ عَنِ السَّبَبِ، لِأنَّ العَذابَ هو المُسَبَّبُ عَنِ الحَمِيمِ، ولَفْظَةُ العَذابِ أهْوَلُ وأهْيَبُ.
﴿ذُقْ﴾: أيِ العَذابَ، ﴿إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾، وهَذا عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ والهُزْءِ لِمَن كانَ يَتَعَزَّزُ ويَتَكَرَّمُ عَلى قَوْمِهِ. وعَنْ قَتادَةَ، أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ: ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ﴾ ﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾، قالَ أبُو جَهْلٍ: أتُهَدِّدُنِي يا مُحَمَّدُ، وإنَّ ما بَيْنَ لابَتَيْها أعَزُّ مِنِّي ولا أكْرَمُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وفي آخِرِها: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾، أيْ عَلى قَوْلِكَ، وهَذا كَما قالَ جَرِيرٌ:
؎ألَمْ تَكُنْ في رُسُومٍ قَدْ رَسَمْتَ بِها مَن كانَ مَوْعِظَةً يا زَهْرَةَ اليَمَنِ
يَقُولُها لِشاعِرٍ سَمّى نَفْسَهُ بِهِ في قَوْلِهِ:
؎أبْلِغْ كُلَيْبًا وأبْلِغْ عَنْكَ شاعِرَها ∗∗∗ إنِّي الأعَزُّ وإنِّي زَهْرَةُ اليَمَنِ
فَجاءَ بِها جَرِيرٌ عَلى جِهَةِ الهُزْءِ. وقُرِئَ: إنَّكَ، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ عَلى المِنبَرِ، والكِسائِيُّ بِفَتْحِها: أنَّ هَذا. أيِ الأمْرَ أوِ العَذابَ، ﴿ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾: أيْ تَشُكُّونَ. ولَمّا ذَكَرَ حالَ الكُفّارِ أعْقَبَهُ بِحالِ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في مَقامٍ أمِينٍ﴾ . وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: في مُقامٍ، بِضَمِّ المِيمِ، وأبُو رَجاءٍ، وعِيسى، ويَحْيى، والأعْمَشُ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِفَتْحِها. ووَصَفَ المَقامَ بِالأمِينِ، أيْ يُؤَمَّنُ فِيهِ مِنَ الغَيْرِ، فَكَأنَّهُ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ مَأْمُونٍ فِيهِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الأمِينُ، مِن قَوْلِكَ: أمِنَ الرَّجُلُ أمانَةً، فَهو أمِينٌ، وهو ضِدُّ الخائِنِ، فَوَصَفَ بِهِ المَكانَ اسْتِعارَةً، لِأنَّ المَكانَ المُخِيفَ كانَ يُخَوِّفُ صاحِبَهُ بِما يَلْقى فِيهِ مِنَ المَكارِهِ. وتَقَدَّمَ شَرْحُ السُّنْدُسِ والإسْتَبْرَقِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: (وإسْتَبْرَقٍ)، جَعَلَهُ فِعْلًا ماضِيًا. (مُتَقابِلِينَ): وصْفٌ لِمَجالِسِ أهْلِ الجَنَّةِ، لا يَسْتَدْبِرُ بَعْضُهم بَعْضًا في المَجالِسِ. (كَذَلِكَ): أيِ الأمْرُ كَذَلِكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (بِحُورٍ)، مُنَوَّنًا، وعِكْرِمَةُ: بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، لِأنَّ العِينَ تُقَسَّمْنَ إلى حُورٍ وغَيْرِ حُورٍ، فَهَؤُلاءِ مِن حُورِ العِينِ، لا مِن شَهْلَنَ مَثَلًا. (يَدْعُونَ فِيها): أيِ الخَدَمَ والمُتَصَرِّفِينَ عَلَيْهِمْ، ﴿بِكُلِّ فاكِهَةٍ﴾ أرادُوا إحْضارَها لَدَيْهِمْ، (آمِنِينَ) مِنَ الأمْراضِ والتُّخَمِ.
﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ﴾ . وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: لا يُذاقُونَ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
﴿إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾: هَذا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، أيْ لَكِنَّ المَوْتَةَ الأُولى ذاقُوها في الدُّنْيا، وذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ الخُلُودِ السَّرْمَدِيِّ، وتَذْكِيرٌ لَهم بِمُفارَقَةِ الدُّنْيا الفانِيَةِ إلى هَذِهِ الدّارِ الباقِيَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ اسْتَثْنَيْتَ المَوْتَةَ الأُولى المَذُوقَةَ قَبْلَ دُخُولِ الجَنَّةِ مِنَ المَوْتِ المَنفِيِّ ؟ قُلْتُ: أُرِيدُ أنْ يُقالَ: لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ البَتَّةَ، فَوَضَعَ قَوْلَهُ: ﴿إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ مَوْضِعَ ذَلِكَ، لِأنَّ المَوْتَةَ الماضِيَةَ مُحالٌ ذَوْقُها في المُسْتَقْبَلِ، فَإنَّهم يَذُوقُونَها. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قَدَّرَ قَوْمٌ (إلّا) بِسِوى، وضَعَّفَ ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ وقَدَّرَها بِبَعْدِ، ولَيْسَ تَضْعِيفُهُ بِصَحِيحٍ، بَلْ يَصِحُّ المَعْنى بِسِوى ويَتَّسِقُ. وأمّا مَعْنى الآيَةِ، فَتَبَيَّنَ أنَّهُ نَفى عَنْهم ذَوْقَ المَوْتِ، وأنَّهُ لا يَنالُهم مِن ذَلِكَ غَيْرَ ما تَقَدَّمَ في الدُّنْيا. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: (ووَقّاهم)، مُشَدَّدًا بِالقافِ، والضَّمِيرُ في (يَسَّرْناهُ) عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، و(بِلِسانِكَ): بِلُغَتِكَ، وهي لُغَةُ العَرَبِ.
(p-٤١)(فارْتَقِبْ) النَّصْرَ الَّذِي وعَدْناكَ ﴿إنَّهم مُرْتَقِبُونَ﴾ فِيما يَظُنُّونَ الدَّوائِرَ عَلَيْكَ وفِيها وعْدٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ووَعِيدٌ لَهم ومُتارَكَةٌ مَنسُوخَةٌ بِآياتِ السَّيْفِ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии