Абу Хайян · Тафсир · на арабском
Аль-Маида 5:106–108
5:106–108Страница 125
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَٰدَةُ بَيۡنِكُمۡ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ حِينَ ٱلۡوَصِيَّةِ ٱثۡنَانِ ذَوَا عَدۡلٖ مِّنكُمۡ أَوۡ ءَاخَرَانِ مِنۡ غَيۡرِكُمۡ إِنۡ أَنتُمۡ ضَرَبۡتُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَأَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةُ ٱلۡمَوۡتِۚ تَحۡبِسُونَهُمَا مِنۢ بَعۡدِ ٱلصَّلَوٰةِ فَيُقۡسِمَانِ بِٱللَّهِ إِنِ ٱرۡتَبۡتُمۡ لَا نَشۡتَرِي بِهِۦ ثَمَنٗا وَلَوۡ كَانَ ذَا قُرۡبَىٰ وَلَا نَكۡتُمُ شَهَٰدَةَ ٱللَّهِ إِنَّآ إِذٗا لَّمِنَ ٱلۡأٓثِمِينَ ١٠٦
О те, которые уверовали! Если к кому-нибудь из вас явится смерть, и он оставит завещание, то его свидетельствуют двое справедливых мужей из вас или двое других не из вас, если смерть постигнет вас, когда вы странствуете по земле. Задержите их обоих после намаза, и если вы усомнитесь, то они должны поклясться Аллахом: «Мы не покупаем за них мирскую выгоду, даже если он является нашим близким родственником, и не скрываем свидетельства Аллаха. В противном же случае мы принадлежим к числу грешников».
فَإِنۡ عُثِرَ عَلَىٰٓ أَنَّهُمَا ٱسۡتَحَقَّآ إِثۡمٗا فَـَٔاخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَحَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَوۡلَيَٰنِ فَيُقۡسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَٰدَتُنَآ أَحَقُّ مِن شَهَٰدَتِهِمَا وَمَا ٱعۡتَدَيۡنَآ إِنَّآ إِذٗا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٠٧
Если будет обнаружено, что они оба повинны в грехе, то пусть двое других самых близких родственников из числа тех, кто имеет законные права, займут их место и поклянутся Аллахом: «Наше свидетельство вернее их свидетельства, и мы не преступаем границы дозволенного. В противном же случае мы принадлежим к числу беззаконников».
ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَن يَأۡتُواْ بِٱلشَّهَٰدَةِ عَلَىٰ وَجۡهِهَآ أَوۡ يَخَافُوٓاْ أَن تُرَدَّ أَيۡمَٰنُۢ بَعۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱسۡمَعُواْۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ١٠٨
Поступить так лучше для того, чтобы они принесли истинное свидетельство или устрашились того, что другие клятвы будут принесены после их клятв. Бойтесь Аллаха и слушайте! Ведь Аллах не ведет прямым путем людей нечестивых.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيَّةِ اثْنانِ﴾ . رَوى البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ تَمِيمٌ الدّارِيُّ وعْدِيٌّ يَخْتَلِفانِ إلى مَكَّةَ، فَخَرَجَ مَعَهُما فَتًى مِن بَنِي سَهْمٍ، فَتُوفِّيَ بِأرْضٍ لَيْسَ فِيها مُسْلِمٌ، (p-٣٨)فَأوْصى إلَيْهِما، فَدَفَعا تَرِكَتَهُ إلى أهْلِهِ، وحَبَسا جامًا مِن فِضَّةٍ مَخُوصًا بِالذَّهَبِ، فاسْتَحْلَفَهُما - وفي رِوايَةٍ - فَحَلَّفَهُما بَعْدَ العَصْرِ النَّبِيُّ ﷺ ”ما كَتَمْتُما ولا اطَّلَعْتُما“ ثُمَّ وُجِدَ الجامُ بِمَكَّةَ، فَقالُوا: اشْتَرَيْناهُ مِن عَدِيٍّ وتَمِيمٍ، فَجاءَ الرَّجُلانِ مِن ورَثَةِ السَّهْمِيِّ، فَحَلَفا أنَّ هَذا الجامَ لِلسَّهْمِيِّ، ولَشَهادَتُنا أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما وما اعْتَدَيْنا قالَ: فَأخَذا الجامَ»، وفِيهِمْ نَزَلَتِ الآيَةُ. قِيلَ: والسَّهْمِيُّ، هو مَوْلًى لِبَنِي سَهْمٍ، يُقالُ لَهُ: بَدِيلُ بْنُ أبِي مَرْيَمَ، وأنَّ جامَ الفِضَّةِ كانَ يُرِيدُ بِهِ (المَلِكَ)، وهو أعْظَمُ تِجاراتِهِ، وأنَّ عَدِيًّا وتَمِيمًا باعاهُ بِألْفِ دِرْهَمٍ واقْتَسَماها. وقِيلَ: اسْمُهُ بَدِيلُ بْنُ أبِي مارِيَةَ مَوْلى العاصِي بْنِ وائِلٍ السَّهْمِيِّ، وأنَّهُ خَرَجَ مُسافِرًا في البَحْرِ إلى أرْضِ النَّجاشِيِّ، وأنَّ إناءَ الفِضَّةِ كانَ وزْنُهُ ثَلاثَمِائَةِ مِثْقالٍ، وكانَ مُمُوَّهًا بِالذَّهَبِ، قالَ فَقَدِمُوا الشّامَ، فَمَرِضَ بَدِيلٌ، وكانَ مُسْلِمًا الحَدِيثَ. وذَكَرَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الفَضْلِ أنَّ ورَثَةَ بُدَيْلٍ قالُوا لَهُما: ألَسْتُما زَعَمْتُما أنَّ صاحِبَنا لَمْ يَبِعْ شَيْئًا مِن مَتاعِهِ، فَما بالُ هَذا الإناءِ مَعَكُما، وهو مِمّا خَرَجَ صاحِبُنا بِهِ، وقَدْ حَلَفْتُما عَلَيْهِ، قالا: إنّا كُنّا ابْتَعْناهُ مِنهُ، ولَمْ يَكُنْ لَنا عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، فَكَرِهْنا أنْ نُقِرَّ لَكم، فَتَأْخُذُوهُ مِنّا، وتَسْألُوا عَلَيْهِ البَيِّنَةَ، ولا نَقْدِرُ عَلَيْها، فَرَفَعُوهُما إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَتِ انْتَهى. وفي رِوايَةٍ قالَ تَمِيمٌ: فَلَمّا أسْلَمْتُ بَعْدَ قُدُومِ النَّبِيِّ ﷺ المَدِينَةَ تَأثَّمْتُ مِن ذَلِكَ، فَأتَيْتُ أهْلَهُ وأخْبَرْتُهُمُ الخَبَرَ، وأدَّيْتُ لَهم خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ، وأخْبَرْتُهم أنَّ عِنْدَ صاحِبِي مِثْلَها، فَأتَوْا بِهِ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَسَألَهُمُ البَيِّنَةَ، فَلَمْ يَجِدُوا ما أُمِرُوا بِهِ، فَأمَرَهم أنْ يَسْتَحْلِفُوهُ بِما يُقْطَعُ بِهِ عَلى أهْلِ دِينِهِ، فَحَلَفَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ إلى قَوْلِهِ: ﴿بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾ فَقامَ عَمْرُو بْنُ العاصِ ورَجُلٌ آخَرُ مِنهم، فَحَلَفا، فَنُزِعَتِ الخَمْسُمِائَةِ مِن يَدِ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ. وزادَ الواقِدِيُّ في حَدِيثِهِ أنَّ تَمِيمًا وعَدِيًّا كانا أخَوَيْنِ، ويَعْنِي، واللَّهُ أعْلَمُ، أنَّهُما أخَوانِ لِأُمٍّ، وأنَّ بُدَيْلًا كَتَبَ وصِيَّتَهُ بِيَدِهِ ودَسَّها في مَتاعِهِ، وأوْصى إلى تَمِيمٍ وعَدِيٍّ؛ أنْ يُؤَدِّيا رَحْلَهُ، وأنَّ الرَّسُولَ اسْتَحْلَفَهُما بَعْدَ العَصْرِ، وأنَّهُ حَلَّفَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ العاصِ والمُطَّلِبَ بْنَ أبِي وداعَةَ. وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا السَّبَبَ مُخْتَصَرًا مُجَرَّدًا، فَذَكَرَ فِيهِ أنَّ بُدَيْلَ بْنَ أبِي مَرْيَمَ، كانَ مِنَ المُهاجِرِينَ، وأنَّهُ كَتَبَ كِتابًا فِيهِ ما مَعَهُ، وطَرَحَهُ في مَتاعِهِ، ولَمْ يُخْبِرْ بِهِ صاحِبَيْهِ، فَأصابَ أهْلُ بُدَيْلٍ الصَّحِيفَةَ، فَطالَبُوهُما بِالإناءِ، فَجَحَدُوا فَرُفِعُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَتْ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَمْ يَصِحَّ لِعَدِيٍّ صُحْبَةٌ فِيما عَلِمْتُ، ولا ثَبَتَ إسْلامُهُ، وقَدْ عَدَّهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ في الصَّحابَةِ. وقالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: هَذِهِ الآياتُ عِنْدَ أهْلِ المَعانِي مِن أشْكَلِ ما في القُرْآنِ، إعْرابًا، ومَعْنًى وحُكْمًا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا كَلامُ مَن لَمْ يَقَعْ لَهُ الثَّلَجُ في تَفْسِيرِها، وذَلِكَ بَيِّنٌ مِن كِتابِهِ انْتَهى. وقالَ أبُو الحَسَنِ السَّخاوِيُّ: ما رَأيْتُ أحَدًا مِنَ الأئِمَّةِ تَخَلَّصَ كَلامُهُ فِيها مِن أوَّلِها إلى آخِرِها انْتَهى. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها، هي أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾، كانَ في ذَلِكَ تَنْفِيرٌ عَنِ الضَّلالِ، واسْتِبْعادٌ عَنْ أنْ يُنْتَفَعَ بِهِمْ في شَيْءٍ مِن أُمُورِ المُؤْمِنِينَ مِن شَهادَةٍ، أوْ غَيْرِها، فَأخْبَرَ تَعالى بِمَشْرُوعِيَّةِ شَهادَتِهِمْ، أوِ الإيصاءِ إلَيْهِمْ في السَّفَرِ عَلى ما سَيَأْتِي بَيانُهُ. وقالَ أبُو نَصْرٍ القُشَيْرِيُّ: لَمّا نَزَلَتِ السُّورَةُ بِالوَفاءِ بِالعُقُودِ، وتَرْكِ الخِياناتِ، انْجَرَّ الكَلامُ إلى هَذا. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ بِالرَّفْعِ، وإضافَةِ (شَهادَةُ) إلى (بَيْنِكم) . وقَرَأ الشَّعْبِيُّ والحَسَنُ والأعْرَجُ ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ بِرَفْعِ (شَهادَةٌ)، وتَنْوِينِهِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ والحَسَنُ أيْضًا (شَهادَةً) بِالنَّصْبِ والتَّنْوِينِ. ورُوِيَ هَذا عَنِ الأعْرَجِ وأبِي حَيْوَةَ، (p-٣٩)و(بَيْنَكم) في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ، فَـ (شَهادَةُ) عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ مُبْتَدَأٌ مُضافٌ إلى بَيْنٍ بَعْدَ الِاتِّساعِ فِيهِ، كَقَوْلِهِ هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ، وخَبَرُهُ (اثْنانِ) تَقْدِيرُهُ: شَهادَةُ اثْنَيْنِ، أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ ذَوا شَهادَةِ بَيْنِكُمُ اثْنانِ، واحْتِيجَ إلى الحَذْفِ لِيُطابِقَ المُبْتَدَأُ الخَبَرَ، وكَذا تَوْجِيهُ قِراءَةِ الشَّعْبِيِّ والأعْرَجِ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَرْتَفِعَ (اثْنانِ) عَلى الفاعِلِيَّةِ بِـ (شَهادَةُ)، ويَكُونَ (شَهادَةُ) مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، وقَدَّرَهُ فِيما فُرِضَ عَلَيْكم أنْ يَشْهَدَ اثْنانِ. وقِيلَ: (شَهادَةُ) مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ ﴿إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ . وقِيلَ: خَبَرُهُ ﴿حِينَ الوَصِيَّةِ﴾، ويَرْتَفِعُ (اثْنانِ) عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، التَّقْدِيرُ الشّاهِدانِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم، أوْ عَلى الفاعِلِيَّةِ، التَّقْدِيرُ يَشْهَدُ اثْنانِ. وقِيلَ: (شَهادَةُ) مُبْتَدَأٌ، (واثْنانِ) مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ، وأغْنى الفاعِلُ عَنِ الخَبَرِ. وعَلى الإعْرابِ الأوَّلِ يَكُونُ (إذا) مَعْمُولًا لِلشَّهادَةِ، وأمّا (حِينَ) فَذَكَرُوا أنَّهُ يَكُونُ مَعْمُولًا لِحَضَرَ، أوْ ظَرْفًا لِلْمَوْتِ، أوْ بَدَلًا مِن (إذا) ولَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَ البَدَلِ قالَ ﴿حِينَ الوَصِيَّةِ﴾ بَدَلٌ مِنهُ يَعْنِي مِن (إذا)، وفي إبْدالِهِ مِنهُ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ الوَصِيَّةِ، وأنَّها مِنَ الأُمُورِ اللّازِمَةِ الَّتِي لا يَنْبَغِي أنْ يَتَهاوَنَ بِها المُسْلِمُ، ويَذْهَلَ عَنْها. وحُضُورُ المَوْتِ مُشارَفَتُهُ، وظُهُورُ أماراتِ بُلُوغِ الأجَلِ انْتَهى. وقالَ الماتُرِيدِيُّ، واتَّبَعَهُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: التَّقْدِيرُ ما بَيْنَكم فَحُذِفَ ما. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: يَعْنِي شَهادَةَ ما بَيْنَكم، (وبَيْنِكم) كِنايَةٌ عَنِ التَّنازُعِ؛ لِأنَّ الشُّهُودَ إنَّما يُحْتاجُ إلَيْهِمْ عِنْدَ وُقُوعِ التَّنازُعِ، وحَذْفُ (ما) مِن قَوْلِهِ ما بَيْنَكم، جائِزٌ لِظُهُورِهِ ونَظِيرُهُ ﴿هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨] أيْ ما بَيْنِي وبَيْنِكَ، وقَوْلُهُ ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] في قِراءَةِ مَن نَصَبَ انْتَهى. وحَذْفُ (ما) المَوْصُولَةِ لا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، ومَعَ الإضافَةِ، لا يَصِحُّ تَقْدِيرُ (ما) البَتَّةَ، ولَيْسَ قَوْلُهُ ﴿هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨] نَظِيرُهُ ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] لِأنَّ ذَلِكَ مُضافٌ إلَيْهِ، وهَذا باقٍ عَلى طَرِيقَتِهِ، فَيُمْكِنُ أنْ يُتَخَيَّلَ فِيهِ تَقْدِيرُ (ما) لِأنَّ الإضافَةَ إلَيْهِ أخْرَجَتْهُ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ، وصَيَّرَتْهُ مَفْعُولًا بِهِ عَلى السَّعَةِ، وأمّا تَخْرِيجُ قِراءَةِ السُّلَمِيِّ والحَسَنِ (شَهادَةً) بِالنَّصْبِ والتَّنْوِينِ، ونَصْبِ (بَيْنَكم) فَقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لِيُقِمْ شَهادَةً اثْنانِ، فَجَعَلَ (شَهادَةً) مَفْعُولًا بِإضْمارِ هَذا الأمْرِ، و(اثْنانِ)، مُرْتَفِعٌ بِـ (لِيُقِمْ) عَلى الفاعِلِيَّةِ، وهَذا الَّذِي قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، هو تَقْدِيرُ ابْنِ جِنِّي بِعَيْنِهِ. قالَ ابْنُ جِنِّي: التَّقْدِيرُ لِيُقِمْ شَهادَةً بَيْنَكُمُ اثْنانِ انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ جِنِّي، مُخالِفٌ لِما قالَهُ أصْحابُنا؛ قالُوا: لا يَجُوزُ حَذْفُ الفِعْلِ، وإبْقاءُ فاعِلِهِ، إلّا إنْ أشْعَرَ بِالفِعْلِ ما قَبْلَهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ [النور: ٣٦]، عَلى قِراءَةِ مَن فَتَحَ الباءَ، فَقَرَأهُ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وذَكَرُوا في اقْتِياسِ هَذا خِلافًا؛ أيْ يُسَبِّحُهُ رِجالٌ، فَدَلَّ يُسَبِّحُ عَلى يُسَبِّحُهُ، أوْ أُجِيبَ بِهِ نَفْيٌ كَأنْ يُقالَ لَكَ: ما قامَ أحَدٌ عِنْدَكَ ؟ فَتَقُولُ بَلى زِيدٌ؛ أيْ قامَ زَيْدٌ، أوْ أُجِيبَ بِهِ اسْتِفْهامٌ، كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎ألا هَلْ أتى أُمَّ الحُوَيْرِثِ مُرْسَلٌ بَلْ خالِدٌ إنْ لَمْ تَعُقْهُ العَوائِقُ
التَّقْدِيرُ أتى خالِدٌ، أوْ يَأْتِيها خالِدٌ، ولَيْسَ حَذْفُ الفِعْلِ الَّذِي قَدَّرَهُ ابْنُ جِنِّي، وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ واحِدًا مِن هَذِهِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ. والَّذِي عِنْدِي أنَّ هَذِهِ القِراءَةَ الشّاذَّةَ تَخْرُجُ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما؛ أنْ يَكُونَ (شَهادَةً) مَنصُوبَةً عَلى المَصْدَرِ الَّذِي نابَ مَنابَ الفِعْلِ، بِمَعْنى الأمْرِ، واثْنانِ مُرْتَفِعٌ بِهِ، والتَّقْدِيرُ لِيَشْهَدْ بَيْنَكُمُ اثْنانِ فَيَكُونُ مِن بابِ قَوْلِكَ: ضَرْبًا زَيْدًا، إلّا أنَّ الفاعِلَ في ضَرْبًا مُسْنَدٌ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِ؛ لِأنَّ مَعْناهُ اضْرِبْ، وهَذا مُسْنَدٌ إلى الظّاهِرِ؛ لِأنَّ مَعْناهُ لِيَشْهَدْ، والوَجْهُ الثّانِي أنْ يَكُونَ أيْضًا مَصْدَرًا، لَيْسَ بِمَعْنى الأمْرِ، بَلْ يَكُونُ خَبَرًا نابَ مَنابَ الفِعْلِ في الخَبَرِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ قَلِيلًا، كَقَوْلِكَ: افْعَلْ وكَرامَةً ومَسَرَّةً أيْ وأُكْرِمُكَ وأسُرُّكَ، فَكَرامَةٌ ومَسَرَّةٌ بَدَلانِ مِنَ اللَّفْظِ بِالفِعْلِ في الخَبَرِ، وكَما هو الأحْسَنُ في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
؎وُقُوفًا بِها صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيَّهُمْ
فارْتِفاعُ صَحْبِي وانْتِصابُ (مَطِيَّهم) بِقَوْلِهِ وُقُوفًا؛ لِأنَّهُ بَدَلٌ مِنَ اللَّفْظِ بِالفِعْلِ في الخَبَرِ، التَّقْدِيرُ وقَفَ صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيَّهم. والتَّقْدِيرُ في الآيَةِ (p-٤٠)يَشْهَدُ إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ اثْنانِ، والشَّهادَةُ هُنا هَلْ هي الَّتِي تُقامُ بِها الحُقُوقُ عِنْدَ الحُكّامِ، أوِ الحُضُورُ، أوِ اليَمِينُ ؟ ثَلاثَةُ أقْوالٍ آخِرُها لِلطَّبَرِيِّ، والقَفّالِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ﴾ [النور: ٦] . وقِيلَ: تَأْتِي الشَّهادَةُ بِمَعْنى الإقْرارِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ [النساء: ١٦٦]، وبِمَعْنى العِلْمِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨]، وبِمَعْنى الوَصِيَّةِ. وخُرِّجَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ فِيها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
* *
﴿ذَوا عَدْلٍ مِنكم أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ .
﴿ذَوا عَدْلٍ﴾ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ (اثْنانِ)، و(مِنكم) صِفَةٌ أُخْرى، و﴿مِن غَيْرِكُمْ﴾ صِفَةٌ لِآخَرانِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (مِنكم) مِن أقارِبِكم، و﴿مِن غَيْرِكُمْ﴾ مِنَ الأجانِبِ ﴿إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ﴾، يَعْنِي إنْ وقَعَ المَوْتُ في السَّفَرِ، ولَمْ يَكُنْ مَعَكم أحَدٌ مِن عَشِيرَتِكم، فاسْتَشْهِدُوا أجْنَبِيَّيْنِ عَلى الوَصِيَّةِ وجَعَلَ الأقارِبَ أوْلى لِأنَّهم أعْلَمُ بِأحْوالِ المَيِّتِ وبِما هو أصْلَحُ وهم لَهُ أنْصَحُ وقِيلَ: (مِنكم) مِنَ المُسْلِمِينَ وإنَّما جازَتْ في أوَّلِ الإسْلامِ لِقِلَّةِ المُسْلِمِينَ وتَعَذُّرِ وجُودِهِمْ في حالِ السَّفَرِ وعَنْ مَكْحُولٍ نَسَخَها قَوْلُهُ: ﴿وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] انْتَهى. وما اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وبَدَأ بِهِ أوَّلًا؛ هو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ والحَسَنِ والزُّهْرِيِّ، قالُوا: أمَرَ اللَّهُ بِإشْهادِ عَدْلَيْنِ مِنَ القَرابَةِ، إذْ هم أحَقُّ بِحالِ الوَصِيَّةِ، وأدْرى بِصُورَةِ العَدْلِ فِيها، فَإنْ كانَ الأمْرُ في سَفَرٍ، ولَمْ تَحْضُرْ قَرابَةٌ، أسْنَدَها إلى غَيْرِهِما مِنَ المُسْلِمِينَ الأجانِبِ، وهَذا القَوْلُ مُخالِفٌ لِما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ، حَتّى ابْنُ عَطِيَّةَ قالَ: لا نَعْلَمُ خِلافًا أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ تَمِيمًا الدّارِيَّ وعَدِيَّ بْنَ زِيادٍ، كانا نَصْرانِيَّيْنِ، وساقا الحَدِيثَ المَذْكُورَ أوَّلًا، فَهَذا القَوْلُ مُخالِفٌ لِسَبَبِ النُّزُولِ، وأمّا القَوْلُ الثّانِي الَّذِي حَكاهُ الزَّمَخْشَرِيُّ؛ هو مَذْهَبُ أبِي مُوسى وابْنِ المُسَيَّبِ ويَحْيى بْنِ يَعْمُرَ وابْنِ جُبَيْرٍ وأبِي مِجْلَزٍ وإبْراهِيمَ وشُرَيْحٍ وعُبَيْدَةَ السَّلْمانِيِّ وابْنِ سِيرِينَ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ (p-٤١)والسُّدِّيِّ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الثَّوْرِيُّ ومالَ إلَيْهِ أبُو عُبَيْدٍ، واخْتارَهُ أحْمَدُ قالُوا: مَعْنى قَوْلِهِ: (مِنكم) مِنَ المُؤْمِنِينَ، ومَعْنى ﴿مِن غَيْرِكُمْ﴾ مِنَ الكُفّارِ. قالَ بَعْضُهم: وذَلِكَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ ولا مُؤْمِنَ إلّا بِالمَدِينَةِ، وكانُوا يُسافِرُونَ بِالتِّجارَةِ صُحْبَةَ أهْلِ الكِتابِ، وعَبَدَةِ الأوْثانِ، وأنْواعِ الكُفّارِ. ومَذْهَبُ أبِي مُوسى وُشُرَيْحٍ وغَيْرِهِما؛ أنَّ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ. قالَ أحْمَدُ: شَهادَةُ أهْلِ الذِّمَّةِ جائِزَةٌ عَلى المُسْلِمِينَ في السَّفَرِ، عِنْدَ عَدَمِ المُسْلِمِينَ. ورَجَّحَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ هَذا القَوْلَ قالَ: قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خِطابٌ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، فَلَمّا قالَ: ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ كانَ مِن غَيْرِ المُؤْمِنِينَ لا مَحالَةَ، وبِأنَّهُ لَوْ كانَ الآخَرانِ مُسْلِمَيْنِ، لَمْ يَكُنْ جَوازُ الِاسْتِشْهادِ بِهِما مَشْرُوطًا بِالسَّفَرِ؛ لِأنَّ المُسْلِمَ جائِزٌ اسْتِشْهادُهُ في الحَضَرِ والسَّفَرِ، وبِأنَّهُ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى وُجُوبِ الحَلِفِ مِن بَعْدِ الصَّلاةِ. وأجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ الشّاهِدَ لا يَجِبُ تَحْلِيفُهُ، فَعَلِمْنا أنَّهُما لَيْسا مِنَ المُسْلِمِينَ، وبِسَبَبِ النُّزُولِ، وهو شَهادَةُ النَّصْرانِيَّيْنِ عَلى بُدَيْلٍ، وكانَ مُسْلِمًا، وبِأنَّ أبا مُوسى قَضى بِشَهادَةِ يَهُودِيَّيْنِ بَعْدَ أنْ حَلَّفَهُما، وما أنْكَرَ عَلَيْهِ أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ، فَكانَ ذَلِكَ إجْماعًا، وبِاتِّفاقِ أكْثَرِ الأُمَّةِ عَلى أنَّ سُورَةَ المائِدَةِ مِن آخِرِ ما نَزَلَ، ولَيْسَ فِيها مَنسُوخٌ. وقالَ أبُو جَعْفَرٍ النَّحّاسُ ناصِرًا لِلْقَوْلِ الأوَّلِ: هَذا يَنْبَنِي عَلى مَعْنًى غامِضٍ في العَرَبِيَّةِ، وذَلِكَ أنَّ مَعْنًى آخَرَ في العَرَبِيَّةِ مِن جِنْسِ الأوَّلِ، تَقُولُ: مَرَرْتُ بِكَرِيمٍ وكَرِيمٍ آخَرَ، فَقَوْلُهُ (آخَرَ) يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مِن جِنْسِ الأوَّلِ، ولا يَجُوزُ عِنْدَ أهْلِ العَرَبِيَّةِ مَرَرْتُ بِكَرِيمٍ وخَسِيسٍ آخَرَ، ولا مَرَرْتُ بِرَجُلٍ وحِمارٍ آخَرَ، فَوَجَبَ مِن هَذا أنْ يَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِ أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ؛ أيْ عَدْلانِ، والكُفّارُ لا يَكُونُونَ عُدُولًا انْتَهى. وما ذَكَرَهُ في المَثَلِ صَحِيحٌ، إلّا أنَّ الَّذِي في الآيَةِ مُخالِفٌ لِلْمَثَلِ الَّتِي ذَكَرَها النَّحّاسُ في التَّرْكِيبِ؛ لِأنَّهُ مَثَّلَ بِآخَرَ وجَعَلَهُ صِفَةً لِغَيْرِ جِنْسِ الأوَّلِ. وأمّا الآيَةُ فَمِن قَبِيلِ ما تَقَدَّمَ فِيهِ آخَرُ عَلى الوَصْفِ، وانْدَرَجَ آخَرُ في الجِنْسِ الَّذِي قَبْلَهُ، ولا يُعْتَبَرُ جِنْسُ وصْفِ الأوَّلِ تَقُولُ: جاءَنِي رَجُلٌ مُسْلِمٌ وآخَرُ كافِرٌ، ومَرَرْتُ بِرَجُلٍ قائِمٍ وآخَرَ قاعِدٍ، واشْتَرَيْتُ فَرَسًا سابِقًا وآخَرَ، مُبْطِئًا، فَلَوْ أخَّرْتَ آخَرَ في هَذِهِ المُثُلِ، لَمْ تَجُزِ المَسْألَةُ، لَوْ قُلْتَ: جاءَنِي رَجُلٌ مُسْلِمٌ وكافِرٌ آخَرُ، ومَرَرْتُ بِرَجُلٍ قائِمٍ وقاعِدٍ آخَرَ، واشْتَرَيْتُ فَرَسًا سابِقًا ومُبْطِئًا آخَرَ، لَمْ يَجُزْ، ولَيْسَتِ الآيَةُ مِن هَذا القَبِيلِ، إلّا أنَّ التَّرْكِيبَ فِيها جاءَ ﴿اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ فَآخَرانِ مِن جِنْسِ قَوْلِهِ ﴿اثْنانِ﴾ ولا سِيَّما إذا قَدَّرْتَهُ رَجُلانِ اثْنانِ فَآخَرانِ هُما مِن جِنْسِ قَوْلِكَ رَجُلانِ اثْنانِ ولا، يُعْتَبَرُ وصْفُ قَوْلِهِ ﴿ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾، وإنْ كانَ مُغايِرًا لِقَوْلِهِ مِن غَيْرِكم، كَما لا يُعْتَبَرُ وصْفُ الجِنْسِ في قَوْلِكَ: عِنْدِي رَجُلانِ اثْنانِ مُسْلِمانِ وآخَرانِ كافِرانِ، إذْ لَيْسَ (p-٤٢)مِن شَرْطِ (آخَرَ) إذا تَقَدَّمَ أنْ يَكُونَ مِن جِنْسِ الأوَّلِ بَعِيدٌ وصْفُهُ، وهو عَلى ما ذَكَرْتُهُ هو لِسانُ العَرَبِ؛ قالَ الشّاعِرُ:
؎كانُوا فَرِيقَيْنِ يُصْغُونَ الزُّجاجَ عَلى قُعْسِ الكَواهِلِ في أشْداقِها ضَخَمُ
؎وآخِرِينَ عَلى الماذِيِّ فَوْقَهم ∗∗∗ مِن نَسْجِ داوُدَ أوْ ما أوْرَثَتْ إرَمُ
التَّقْدِيرُ كانُوا فَرِيقَيْنِ فَرِيقًا، أوْ ناسًا يُصْغُونَ الزُّجاجَ ثُمَّ، قالَ: وآخَرِينَ تَرى المَأذِيَ فَآخَرِينَ مِن جِنْسِ قَوْلِكَ فَرِيقًا، ولَمْ يَعْبُرْهُ بِوَصْفِهِ، وهو قَوْلُهُ: يُصْغُونَ الزُّجاجَ؛ لِأنَّ الشّاعِرَ قَسَّمَ مَن ذَكَرَ إلى قِسْمَيْنِ مُتَبايِنَيْنِ بِالوَصْفَيْنِ مُتَّحِدِي الجِنْسِ، وهَذا الفَرْقُ قَلَّ مَن يَفْهَمُهُ، فَضْلًا عَمَّنْ يَعْرِفُهُ، وأمّا القَوْلُ الثّالِثُ الَّذِي حَكاهُ الزَّمَخْشَرِيُّ؛ وهو أنَّهُ مَنسُوخٌ، وحَكاهُ عَنْ مَكْحُولٍ؛ فَهو قَوْلُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ والنَّخَعِيِّ ومالِكٍ والشّافِعِيِّ وأبِي حَنِيفَةَ وغَيْرِهِمْ مِنَ الفُقَهاءِ، إلّا أنَّ أبا حَنِيفَةَ خالَفَهم فَقالَ: تَجُوزُ شَهادَةُ الكُفّارِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ لا عَلى المُسْلِمِينَ، والنّاسِخُ قَوْلُهُ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقَوْلُهُ: ﴿وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، وزَعَمُوا أنَّ آيَةَ الدَّيْنِ مِن آخِرِ ما نَزَلَ. والظّاهِرُ أنَّ أوْ لِلتَّخْيِيرِ. وقالَ بِهِ ابْنُ عَبّاسٍ فَمَن جَعَلَ قَوْلَهُ ﴿مِن غَيْرِكُمْ﴾ أيْ مِن عَشِيرَتِكم كانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ أنْ يَسْتَشْهِدَ أقارِبَهُ، أوِ الأجانِبَ مِنَ المُسْلِمِينَ، ومَن زَعَمَ أنَّ قَوْلَهُ مِن غَيْرِكم أيْ مِنَ الكُفّارِ فاخْتَلَفُوا. فَقِيلَ غَيْرُكم يَعْنِي بِهِ أهْلَ الكِتابِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقِيلَ: أهْلُ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ، وهو ظاهِرُ قَوْلِهِ ﴿مِن غَيْرِكُمْ﴾، وقِيلَ: أوْ لِلتَّرْتِيبِ إذا كانَ قَوْلُهُ ﴿مِن غَيْرِكُمْ﴾ يَعْنِي بِهِ مِن غَيْرِ أهْلِ مِلَّتِكم، فالتَّقْدِيرُ إنْ لَمْ يُوجَدْ مِن مِلَّتِكم.
﴿إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتِ﴾ هَذا التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، ولَوْ جَرى عَلى لَفْظِ ﴿إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ لَكانَ التَّرْكِيبُ إنْ هو ضَرَبَ في الأرْضِ، فَأصابَتْهُ مُصِيبَةُ المَوْتِ، وإنَّما جاءَ الِالتِفاتُ جَمْعًا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ (أحَدَكُمُ) مَعْناهُ إذا حَضَرَ كُلَّ واحِدٍ مِنكُمُ المَوْتُ، والمَعْنى إذا سافَرْتُمْ في الأرْضِ لِمَصالِحِكم ومَعايِشِكم. وظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ اسْتِشْهادَ آخَرَيْنِ مِن غَيْرِ المُسْلِمِينَ، مَشْرُوطٌ بِالسَّفَرِ في الأرْضِ، وحُضُورِ عَلاماتِ المَوْتِ.
﴿تَحْبِسُونَهُما مِن بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، لا لِما دَلَّ عَلَيْهِ الخِطابُ في قَوْلِهِ ﴿إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَأصابَتْكُمْ﴾ لِأنَّ مَن ضَرَبَ في الأرْضِ وأصابَهُ المَوْتُ، لَيْسَ هو الحابِسَ ﴿تَحْبِسُونَهُما﴾ صِفَةٌ لِآخَرانِ، واعْتُرِضَ بَيْنَ المَوْصُوفِ والصِّفَةِ بِقَوْلِهِ (إنْ أنْتُمْ. . . إلى المَوْتِ)، وأفادَ الِاعْتِراضُ؛ أنَّ العُدُولَ إلى آخَرَيْنِ مِن غَيْرِ المِلَّةِ، أوِ القَرابَةِ، حَسَبَ اخْتِلافِ العُلَماءِ في ذَلِكَ، إنَّما يَكُونُ مَعَ ضَرُورَةِ السَّفَرِ، وحُلُولِ المَوْتِ فِيهِ. اسْتَغْنى عَنْ جَوابِ (إنْ) . لِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ انْتَهى. وإلى أنَّ ﴿تَحْبِسُونَهُما﴾ صِفَةٌ. ذَهَبُ الحُوفِيُّ وأبُو البَقاءِ، وهو ظاهِرُ كَلامِ ابْنِ عَطِيَّةَ، إذْ لَمْ يَذْكُرْ غَيْرَ قَوْلِ أبِي عَلِيٍّ الَّذِي قَدَّمْناهُ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَوْضِعُ ﴿تَحْبِسُونَهُما﴾ ؟ قُلْتُ: هو اسْتِئْنافُ كَلامٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: بَعْدَ اشْتِراطِ العَدالَةِ فِيهِما، فَكَيْفَ إنِ ارْتَبْنا فِيهِما ؟ فَقِيلَ: ﴿تَحْبِسُونَهُما﴾ . وما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنَ الِاسْتِئْنافِ، أظْهَرُ مِنَ (p-٤٣)الوَصْفِ؛ لِطُولِ الفَصْلِ بِالشَّرْطِ، والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بَيْنَ المَوْصُوفِ وصِفَتِهِ. وإنَّما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَعْدَ اشْتِراطِ العَدالَةِ فِيهِما؛ لِأنَّهُ اخْتارَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ، أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكم، مَعْناهُ أوْ عَدْلانِ آخَرانِ مِن غَيْرِ القَرابَةِ. وتَقَدَّمَ مِن كَلامِ أبِي عَلِيٍّ؛ أنَّ العُدُولَ إلى آخَرَيْنِ مِن غَيْرِ المِلَّةِ، أوِ القَرابَةِ، إنَّما يَكُونُ مَعَ ضَرُورَةِ السَّفَرِ، وحُلُولِ المَوْتِ فِيهِ، إلى آخِرِ كَلامِهِ، فَظَهَرَ مِنهُ أنَّ تَقْدِيرَ جَوابِ الشَّرْطِ هو ﴿إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتِ﴾ فاسْتَشْهِدُوا آخَرَيْنِ مِن غَيْرِكم، أوْ فالشّاهِدانِ آخَرانِ مِن غَيْرِكم. والظّاهِرُ أنَّ الشَّرْطَ قَيْدٌ في شَهادَةِ اثْنَيْنِ ذَوَيْ عَدْلٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، أوْ آخَرَيْنِ مِن غَيْرِ المُؤْمِنِينَ، فَيَكُونُ مَشْرُوعِيَّةُ الوَصِيَّةِ لِلضّارِبِ في الأرْضِ المُشارِفِ عَلى المَوْتِ، أنْ يُشْهِدَ اثْنَيْنِ، ويَكُونُ تَقْدِيرُ الجَوابِ: إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ، فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتِ، فاسْتَشْهِدُوا اثْنَيْنِ، إمّا مِنكم، وإمّا مِن غَيْرِكم. ولا يَكُونُ الشَّرْطُ إذْ ذاكَ قَيْدًا في آخَرَيْنِ مِن غَيْرِنا فَقَطْ، بَلْ هو قَيْدٌ فِيمَن ضَرَبَ في الأرْضِ، وشارَفَ المَوْتَ، فَيَشْهَدُ اثْنانِ مِنّا، أوْ مِن غَيْرِنا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في الكَلامِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتِ، وقَدِ اسْتَشْهَدْتُمُوهُما عَلى الإيصاءِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ تَقْدِيرُهُ؛ وقَدْ أوْصَيْتُمْ. قِيلَ: وهَذا أوْلى لِأنَّ الشّاهِدَ لا يَحْلِفُ، والمُوصى يَحْلِفُ. ومَعْنى ﴿تَحْبِسُونَهُما﴾ تَسْتَوْثِقُونَهُما لِلْيَمِينِ، والخِطابُ لِمَن يَلِي ذَلِكَ مِن وُلاةِ الإسْلامِ، وضَمِيرُ المَفْعُولِ عائِدٌ في قَوْلٍ عَلى آخَرَيْنِ مِن غَيْرِ المُؤْمِنِينَ، وظاهِرُ عَوْدِهِ عَلى اثْنَيْنِ مِنّا، أوْ مِن غَيْرِنا، سَواءٌ كانا وصِيَّيْنِ، أوْ شاهِدَيْنِ، وظاهِرُ قَوْلِهِ مِن بَعْدِ الصَّلاةِ؛ أنَّ الألِفَ واللّامَ لِلْجِنْسِ، أوْ مِن بَعْدِ أيِّ صَلاةٍ، وقَدْ قِيلَ: بِهَذا الظّاهِرِ، وخَصَّ ذَلِكَ ابْنُ عَبّاسٍ بِصَلاةِ دِينِهِما، وذَلِكَ تَغْلِيظٌ في اليَمِينِ. وقالَ الحَسَنُ: بَعْدَ العَصْرِ، أوِ الظُّهْرِ؛ لِأنَّ أهْلَ الحِجازِ كانُوا يَقْعُدُونَ لِلْحُكُومَةِ بَعْدَهُما. وقالَ الجُمْهُورُ هي صَلاةُ العَصْرِ؛ لِأنَّهُ وقْتُ اجْتِماعِ النّاسِ، وكَذا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، اسْتَحْلَفَ عَدِيًّا وتَمِيمًا بَعْدَ العَصْرِ عِنْدَ المِنبَرِ، ورُجِّحَ هَذا القَوْلُ بِفِعْلِهِ وبِقَوْلِهِ في الصَّحِيحِ: «مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ كاذِبَةٍ بَعْدَ العَصْرِ، لَقِيَ اللَّهَ وهو عَلَيْهِ غَضْبانُ» . وبِأنَّ التَّحْلِيفَ كانَ مَعْرُوفًا بَعْدَهُما، فالتَّقْيِيدُ بِالمَعْرُوفِ يُغْنِي عَنِ التَّقْيِيدِ بِاللَّفْظِ، وبِأنَّ جَمِيعَ الأدْيانِ يُعَظِّمُونَ هَذا الوَقْتَ، ويَذْكُرُونَ اللَّهَ فِيهِ، فَتَكُونُ الألِفُ واللّامُ في هَذا القَوْلِ لِلْعَهْدِ، وكَذا في قَوْلِ الحَسَنِ.
﴿فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إنّا إذًا لَمِنَ الآثِمِينَ﴾ ظاهِرُهُ تَقْيِيدُ حَلِفِهِما بِوُجُودِ الِارْتِيابِ، فَمَتى لَمْ تُوجَدِ الرِّيبَةُ، فَلا تَحْلِيفَ. ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ تَحْلِيفُ أبِي مُوسى لِلْيَهُودِيَّيْنِ اللَّذَيْنِ اسْتَشْهَدَهُما مُسْلِمٌ تُوُفِّيَ عَلى وصِيَّتِهِ عَلى أنَّهُ وقَعَتْ رِيبَةٌ، وإنْ لَمْ يُذْكَرْ ذَلِكَ في قِصَّةِ ذَلِكَ المُسْلِمِ. والفاءُ في قَوْلِهِ (فَيُقْسِمانِ) عاطِفَةٌ هَذِهِ الجُمْلَةَ عَلى قَوْلِهِ ﴿تَحْبِسُونَهُما﴾ هَذا هو الظّاهِرُ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: وإنْ شِئْتَ لَمْ تُقَدِّرِ الفاءَ لِعَطْفِ جُمْلَةٍ، ولَكِنْ تَجْعَلْهُ جَزاءً، كَقَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ:
؎وإنْسانُ عَيْنِي يَحْسِرُ الماءَ تارَةً ∗∗∗ فَيَبْدُو وتاراتٍ يَجُمُّ فَيَغْرَقُ
تَقْدِيرُهُ: عِنْدَهُمْ؛ إذا حَسَرَ بَدا، فَكَذَلِكَ إذا حَبَسْتُمُوهُما اقْسِما انْتَهى. ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى تَقْدِيرِ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، وإبْقاءِ جَوابِهِ، فَتَكُونُ الفاءُ إذْ ذاكَ فاءَ الجَزاءِ، وإلى تَقْدِيرِ مُضْمَرٍ بَعْدَ الفاءِ؛ أيْ فَهُما يُقْسِمانِ، وفَهُوَ يَبْدُو. وخَرَّجَ أصْحابُنا بَيْتَ ذِي الرُّمَّةِ عَلى تَوْجِيهٍ آخَرَ، وهو أنَّ قَوْلَهُ: يَحْسِرُ الماءَ تارَةً؛ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الخَبَرِ، وقَدْ عُرِّيَتْ عَنِ الرّابِطِ، فَكانَ القِياسُ أنْ لا تَقَعَ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ، لَكِنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِما بِالفاءِ جُمْلَةً فِيها ضَمِيرُ المُبْتَدَأِ، فَحَصَلَ الرَّبْطُ بِذَلِكَ، و﴿لا نَشْتَرِي﴾ هو جَوابُ قَوْلِهِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ، وفَصَلَ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ بِالشَّرْطِ. والمَعْنى إنِ ارْتَبْتُمْ في شَأْنِهِما واتَّهَمْتُمُوهُما، فَحَلِّفُوهُما. وقِيلَ: إنْ أُرِيدَ بِهِما (p-٤٤)الشّاهِدانِ، فَقَدْ نُسِخَ تَحْلِيفُ الشّاهِدَيْنِ، وإنْ أُرِيدَ الوَصِيّانِ، فَلَيْسَ بِمَنسُوخٍ تَحْلِيفُهُما. وعَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ كانَ يُحَلِّفُ الشّاهِدَ والرّاوِيَ إذا اتَّهَمَهُما. والضَّمِيرُ في (بِهِ) عائِدٌ عَلى اللَّهِ، أوْ عَلى القَسَمِ، أوْ عَلى تَحْرِيفِ الشَّهادَةِ، أقْوالٌ ثالِثُها لِأبِي عَلِيٍّ، وقَوْلُهُ: ﴿نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾ كِنايَةٌ عَنِ الِاسْتِبْدالِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيا، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ ذا ثَمَنٍ لِأنَّ الثَّمَنَ لا يَشْتَرِي، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ﴿لا نَشْتَرِي﴾ لا نَبِيعُ هُنا، وإنْ كانَ ذَلِكَ في اللُّغَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ لا نَحْلِفُ بِاللَّهِ كاذِبِينَ لِأجْلِ المالِ، ولَوْ كانَ مَن نُقْسِمُ لِأجْلِهِ قَرِيبًا مِنّا، وذَلِكَ عَلى عادَتِهِمْ في صِدْقِهِمْ وأمانَتِهِمْ أبَدًا، فَإنَّهم داخِلُونَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلى أنْفُسِكم أوِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥]، وإنَّما قالَ فَإنَّهم داخِلُونَ إلى آخِرِهِ؛ لِأنَّ الِاثْنَيْنِ والآخَرَيْنِ عِنْدَهُ مُؤْمِنُونَ، فانْدَرَجُوا في قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ﴾ [المائدة: ٨] الآيَةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وخَصَّ ذا القُرْبى بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّ العُرْفَ مَيْلُ النَّفْسِ إلى أقْرِبائِهِمْ واسْتِسْهالُهم في جَنْبِ نَفْعِهِمْ ما لا يُسْتَسْهَلُ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾ فَيَكُونُ مِن جُمْلَةِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ. وأضافَ الشَّهادَةَ إلى اللَّهِ لِأنَّهُ تَعالى هو الآمِرُ بِإقامَتِها، النّاهِي عَنْ كِتْمانِها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿ولا نَكْتُمُ﴾ خَبَرًا مِنهُما، أخْبَرا عَنْ أنْفُسِهِما أنَّهُما لا يَكْتُمانِ شَهادَةَ اللَّهِ، ولا يَكُونُ داخِلًا تَحْتَ المُقْسَمِ عَلَيْهِ. وقَرَأ الحَسَنُ والشَّعْبِيُّ ﴿ولا نَكْتُمُ﴾ بِجَزْمِ المِيمِ نَهَيا أنْفُسَهُما عَنْ كِتْمانِ الشَّهادَةِ. ودُخُولُ (لا) النّاهِيَةِ عَلى المُتَكَلِّمِ قَلِيلٌ، نَحْوَ قَوْلِهِ:
؎إذا ما خَرَجْنا مِن دِمَشْقَ فَلا نَعُدْ ∗∗∗ بِها أبَدًا ما دامَ فِيها الجَراضِمُ
. وقَرَأ عَلِيٌّ ونُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ والشَّعْبِيُّ بِخِلافٍ عَنْهُ ﴿شَهادَةَ اللَّهِ﴾ بِنَصْبِهِما، وتَنْوِينِ (شَهادَةً)، وانْتَصَبا بِـ (نَكْتُمُ) . التَّقْدِيرُ ولا نَكْتُمُ اللَّهَ شَهادَةً. قالَ الزَّهْراوِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى؛ ولا نَكْتُمُ شَهادَةً واللَّهِ، ثُمَّ حَذَفَ الواوَ، ونَصَبَ الفِعْلَ إيجازًا. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ والسُّلَمِيِّ والحَسَنِ البَصْرِيِّ شَهادَةً، بِالتَّنْوِينِ، وآللَّهِ، بِالمَدِّ في هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ الَّتِي هي عِوَضٌ مِن حَرْفِ القَسَمِ، دَخَلَتْ تَقْرِيرًا وتَوْقِيفًا لِنُفُوسِ المُقْسِمِينَ، أوْ لِمَن خاطَبُوهُ. ورُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ وغَيْرِهِ أنَّهُ كانَ يَقِفُ عَلى (شَهادَةَ)، بِالهاءِ السّاكِنَةِ، واللَّهِ بِقَطْعِ ألِفِ الوَصْلِ دُونَ مَدِّ الِاسْتِفْهامِ. قالَ ابْنُ جِنِّي: الوَقْفُ عَلى (شَهادَةَ)، بِسُكُونِ الهاءِ واسْتِئْنافِ القَسَمِ، حَسَنٌ؛ لِأنَّ اسْتِئْنافَهُ في أوَّلِ الكَلامِ، أوْقَرُ لَهُ، وأشَدُّ هَيْبَةً مِن أنْ يَدْخُلَ في عَرَضِ القَوْلِ. ورُوِيَ عَنْ يَحْيى بْنِ آدَمَ عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ عَيّاشٍ (شَهادَةً) بِالتَّنْوِينِ (اللَّهِ) بِقَطْعِ الألِفِ، دُونَ مَدٍّ، وخَفْضِ هاءِ الجَلالَةِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ عَنِ الشَّعْبِيِّ. وقَرَأ الأعْمَشُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ (لَمِلّاثِمِينَ)، بِإدْغامِ نُونِ (مِن) في لامِ الآثِمِينَ بَعْدَ حَذْفِ الهَمْزَةِ، ونَقْلِ حَرَكَتِها إلى اللّامِ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии