Абу Хайян · Тафсир · на арабском
Аль-Маида 5:20–28, продолжение
والظّاهِرُ أنَّ العامِلَ في قَوْلِهِ أرْبَعِينَ: مُحَرَّمَةٌ، فَيَكُونُ التَّحْرِيمُ مُقَيَّدًا بِهَذِهِ المُدَّةِ، ويَكُونُ يَتِيهُونَ مُسْتَأْنَفًا أوْ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في (عَلَيْهِمْ) . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ يَتِيهُونَ؛ أيْ: يَتِيهُونَ هَذِهِ المُدَّةَ في الأرْضِ، ويَكُونُ التَّحْرِيمُ عَلى هَذا غَيْرَ مُؤَقَّتٍ بِهَذِهِ المُدَّةِ، بَلْ يَكُونُ إخْبارًا بِأنَّهم لا يَدْخُلُونَها، وأنَّهم مَعَ ذَلِكَ يَتِيهُونَ في الأرْضِ أرْبَعِينَ سَنَةً يَمُوتُ فِيها مَن ماتَ. ورُوِيَ أنَّهُ مَن كانَ جاوَزَ عِشْرِينَ سَنَةً لَمْ يَعِشْ إلى الخُرُوجِ مِنَ التِّيهِ، وأنَّ مَن كانَ دُونَ العِشْرِينَ عاشُوا، كَأنَّهُ لَمْ يَعِشِ المُكَلَّفُونَ العُصاةُ، أشارَ إلى ذَلِكَ الزَّجّاجُ، ولِذَلِكَ ذَهَبَ إلى أنَّ العامِلَ في أرْبَعِينَ مُحَرَّمَةٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ العامِلُ في أرْبَعِينَ مُضْمَرًا يَدُلُّ عَلَيْهِ يَتِيهُونَ المُتَأخِّرُ. انْتَهى. ولا أدْرِي ما الحامِلُ لَهُ عَلى قَوْلِهِ: إنَّ العامِلَ مُضْمَرٌ كَما ذَكَرَ ! بَلِ الَّذِي جَوَّزَ النّاسُ في ذَلِكَ أنْ يَكُونَ العامِلَ فِيهِ يَتِيهُونَ نَفْسُهُ، لا مُضْمَرٌ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ: ﴿يَتِيهُونَ في الأرْضِ﴾ . والأرْضُ الَّتِي تاهُوا فِيها عَلى ما حُكِيَ طُولُها ثَلاثُونَ مِيلًا، في عَرْضِ سِتَّةِ فَراسِخَ، وهو ما بَيْنَ مِصْرَ والشّامِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تِسْعَةُ فَراسِخَ، قالَ مُقاتِلٌ: هَذا عَرْضُها وطُولُها ثَلاثُونَ فَرْسَخًا. وقِيلَ: سِتَّةُ فَراسِخَ في طُولِ اثْنَيْ عَشَرَ فَرْسَخًا، وقِيلَ: تِسْعَةُ فَراسِخَ. وتَظافَرَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذا التِّيهَ عَلى سَبِيلِ خَرْقِ العادَةِ، فَإنَّهُ عَجِيبٌ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، حَيْثُ جازَ عَلى جَماعَةٍ مِنَ العُقَلاءِ أنْ يَسِيرُوا فَراسِخَ يَسِيرَةً ولا يَهْتَدُونَ لِلْخُرُوجِ مِنها. رُوِيَ أنَّهم كانُوا يَرْحَلُونَ بِاللَّيْلِ ويَسِيرُونَ لَيْلَهم أجْمَعَ، حَتّى إذا أصْبَحُوا وجَدُوا جُمْلَتَهم في المَوْضِعِ الَّذِي ابْتَدَأُوا مِنهُ، ويَسِيرُونَ النَّهارَ جادِّينَ حَتّى إذا أمْسَوْا إذا هم بِحَيْثُ ارْتَحَلُوا عَنْهُ، فَيَكُونُ سَيْرُهم تَحْلِيقًا. قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: كانُوا يَسِيرُونَ النَّهارَ أحْيانًا واللَّيْلَ أحْيانًا، فَيُمْسُونَ حَيْثُ أصْبَحُوا، ويُصْبِحُونَ حَيْثُ يُمْسُونَ، وذَلِكَ في مِقْدارِ سِتَّةِ فَراسِخَ، وكانُوا في سَيّارَةٍ لا قَرارَ لَهم. انْتَهى. وذُكِرَ (p-٤٥٩)أنَّهم كانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفٍ مُقاتِلِينَ، وذَكَرُوا أنَّ حِكْمَةَ التِّيهِ هو أنَّهم لَمّا قالُوا: ﴿إنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ عُوقِبُوا بِالقُعُودِ، فَصارُوا في صُورَةِ القاعِدِينَ وهم سائِرُونَ، كُلَّما سارُوا يَوْمًا أمْسَوْا في المَكانِ الَّذِي أصْبَحُوا فِيهِ. وذَكَرُوا أنَّ حِكْمَةَ كَوْنِ المُدَّةِ الَّتِي تاهُوا فِيها أرْبَعِينَ سَنَةً هي كَوْنُهم عَبَدُوا العِجْلَ أرْبَعِينَ يَوْمًا، جُعِلَ عِقابُ كُلِّ يَوْمٍ سَنَةً في التِّيهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويِحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ تِيهُهم بِافْتِراقِ الكَلِمَةِ، وقِلَّةِ اجْتِماعِ الرَّأْيِ، وأنَّهُ تَعالى رَماهم بِالِاخْتِلافِ، وعَلِمُوا أنَّها حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً، فَتَفَرَّقَتْ مَنازِلُهم في ذَلِكَ الفَحْصِ، وأقامُوا يَنْتَقِلُونَ مِن مَوْضِعٍ إلى مَوْضِعٍ عَلى غَيْرِ نِظامٍ واجْتِماعٍ حَتّى كَمُلَتْ هَذِهِ المُدَّةُ، وأذِنَ اللَّهُ تَعالى بِخُرُوجِهِمْ، وهَذا تِيهٌ مُمْكِنٌ مُحْتَمَلٌ عَلى عُرْفِ البَشَرِ. والآخَرُ الَّذِي ذَكَرَهُ مُجاهِدٌ إنَّما هو خَرْقُ عادَةٍ وعَجَبٌ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى.
﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِلِمُوسى، عَلَيْهِ السَّلامُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَدِمَ مُوسى عَلى دُعائِهِ عَلى قَوْمِهِ وحَزِنَ عَلَيْهِمْ. انْتَهى. فَهَذِهِ مَسْلاةٌ لِمُوسى، عَلَيْهِ السَّلامُ، عَنْ أنْ يَحْزَنَ عَلى ما أصابَ قَوْمَهُ، وعَلَّلَ كَوْنَهُ لا يَحْزَنُ بِأنَّهم قَوْمٌ فاسِقُونَ بُهُوتٌ أحِقّاءُ بِما نالَهم مِنَ العِقابِ. وقِيلَ: الخِطابُ لِمُحَمَّدٍ، ﷺ، والمُرادُ بِالفاسِقِينَ مُعاصِرُوهُ؛ أيْ: هَذِهِ فِعالُ أسْلافِهِمْ فَلا تَحْزَنْ أنْتَ بِسَبَبِ أفْعالِهِمُ الخَبِيثَةِ مَعَكَ ورَدِّهِمْ عَلَيْكَ فَإنَّها سَجِيَّةٌ خَبِيثَةٌ مَوْرُوثَةٌ عِنْدَهم.
5:27Страница 112
۞ وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ ٱبۡنَيۡ ءَادَمَ بِٱلۡحَقِّ إِذۡ قَرَّبَا قُرۡبَانٗا فَتُقُبِّلَ مِنۡ أَحَدِهِمَا وَلَمۡ يُتَقَبَّلۡ مِنَ ٱلۡأٓخَرِ قَالَ لَأَقۡتُلَنَّكَۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِينَ ٢٧
Прочти им истинный рассказ о двух сыновьях Адама. Вот они оба принесли жертву, и она была принята от одного из них и была не принята от другого. Он сказал: «Я непременно убью тебя». Он ответил: «Воистину, Аллах принимает только от богобоязненных.
﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ ابْنَيْ آدَمَ بِالحَقِّ إذْ قَرَّبا قُرْبانًا فَتُقُبِّلَ مِن أحَدِهِما ولَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قالَ لَأقْتُلَنَّكَ قالَ إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أنا بِباسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ لِأقْتُلَكَ إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٨] ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي وإثْمِكَ فَتَكُونَ مِن أصْحابِ النّارِ وذَلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٢٩] ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأصْبَحَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٣٠] ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرابًا يَبْحَثُ في الأرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأةَ أخِيهِ قالَ ياوَيْلَتا أعَجَزْتُ أنْ أكُونَ مِثْلَ هَذا الغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأةَ أخِي فَأصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ﴾ [المائدة: ٣١] ﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ في الأرْضِ فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا ومَن أحْياها فَكَأنَّما أحْيا النّاسَ جَمِيعًا ولَقَدْ جاءَتْهم رُسُلُنا بِالبَيِّناتِ ثُمَّ إنَّ كَثِيرًا مِنهم بَعْدَ ذَلِكَ في الأرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ [المائدة: ٣٢] ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا أنْ يُقَتَّلُوا أوْ يُصَلَّبُوا أوْ تُقَطَّعَ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم مِن خِلافٍ أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ ذَلِكَ لَهم خِزْيٌ في الدُّنْيا ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣] ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ وجاهِدُوا في سَبِيلِهِ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٣٥] ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنهم ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٦] ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ وما هم بِخارِجِينَ مِنها ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٧] ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨] . الغُرابُ: طائِرٌ مَعْرُوفٌ، ويُجْمَعُ في القِلَّةِ عَلى أغْرِبَةٍ، وفي الكَثْرَةِ عَلى غِرْبانٍ. وغُرابٌ اسْمُ جِنْسٍ، وأسْماءُ الأجْناسِ إذا وقَعَتْ عَلى مُسَمَّياتِها مِن غَيْرِ أنْ تَكُونَ مَنقُولَةً مِن شَيْءٍ، فَإنْ وُجِدَ فِيها ما يُمْكِنُ اشْتِقاقُهُ حُمِلَ عَلى أنَّهُ مُشْتَقٌّ، إلّا أنَّ ذَلِكَ قَلِيلٌ جِدًّا، بَلِ الأكْثَرُ أنْ تَكُونَ غَيْرَ مُشْتَقَّةٍ؛ نَحْوَ: تُرابٌ، وحَجَرٌ، وماءٌ. ويُمْكِنُ غُرابٌ أنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا مِنَ الِاغْتِرابِ، فَإنَّ العَرَبَ تَتَشاءَمُ بِهِ وتَزْعُمُ أنَّهُ دالٌّ عَلى الفِراقِ. وقالَ حَرّانُ العُودِ:
وأمّا الغُرابُ فالغَرِيبُ المُطَوَّحُ وقالَ الشَّنْفَرى:
؎غُرابٌ لِاغْتِرابٍ مِنَ النَّوى وبِالباذِ بَيْنٌ مِن حَبِيبٍ تُعاشِرُهُ
البَحْثُ في الأرْضِ نَبْشُ التُّرابِ وإثارَتُهُ، ومِنهُ سُمِّيَتْ ”بَراءَةُ“ بَحُوثٌ. وفي المَثَلِ: لا تَكُنْ كالباحِثِ عَنِ (p-٤٦٠)الشَّفْرَةِ. السَّوْأةُ: العَوْرَةُ. العَجْزُ: عَدَمُ الإطاقَةِ، وماضِيهِ عَلى فَعَلَ، بِفَتْحِ العَيْنِ، وهي اللُّغَةُ الفاشِيَةُ. وحَكى الكِسائِيُّ فِيهِ: فَعِلَ، بِكَسْرِ العَيْنِ. النَّدَمُ: التَّحَسُّرُ، يُقالُ مِنهُ: نَدِمَ يَنْدَمُ. الصَّلْبُ مَعْرُوفٌ وهو إصابَةُ صُلْبِهِ بِجِذْعٍ، أوْ حائِطٍ، كَما تَقُولُ: عانَهُ؛ أيْ: أصابَ عَيْنَهُ، وكَبَدَهُ: أصابَ كَبِدَهُ. الخِلافُ: المُخالَفَةُ، ويُقالُ: فَرَسٌ بِهِ شِكالٌ مِن خِلافٍ إذا كانَ في يَدِهِ. نَفاهُ: طَرَدَهُ فانْتَفى، وقَدْ لا يَتَعَدّى نَفى. قالَ القَطامِيُّ:
؎فَأصْبَحَ جارُكم قَتِيلًا ونافِيًا
؛ أيْ: مَنفِيًّا. الوَسِيلَةُ الواسِلَةُ: ما يُتَقَرَّبُ مِنهُ. يُقالُ: وسَلَهُ وتَوَسَّلَ إلَيْهِ، واسْتُعِيرَتِ الوَسِيلَةُ لِما يُتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى مِن فِعْلِ الطّاعاتِ. وقالَ لَبِيدٌ:
أرى النّاسَ لا يَدْرُونَ ما قَدْرُ أمْرِهِمْ ألا كُلُّ ذِي لُبٍّ إلى اللَّهِ واسِلُ
وأنْشَدَ الطَّبَرِيُّ:
إذا غَفَلَ الواشُونَ عُدْنا لِوَصْلِنا وعادَ التَّصابِي بَيْنَنا والوَسائِلُ
السّارِقُ: اسْمُ فاعِلٍ مِن سَرَقَ يَسْرِقُ سَرَقًا، والسَّرَقُ والسَّرِقَةُ الِاسْمُ؛ كَذا قالَ بَعْضُهم ورُبَّما قالُوا سَرِقَةَ مالًا. قالَ ابْنُ عَرَفَةَ: السّارِقُ عِنْدَ العَرَبِ مَن جاءَ مُسْتَتِرًا إلى حِرْزٍ فَأخَذَ مِنهُ ما لَيْسَ لَهُ.
* *
﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ ابْنَيْ آدَمَ بِالحَقِّ إذْ قَرَّبا قُرْبانًا فَتُقُبِّلَ مِن أحَدِهِما ولَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ﴾ مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها هو أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ تَمَرُّدَ بَنِي إسْرائِيلَ وعِصْيانَهم أمْرَ اللَّهِ تَعالى في النُّهُوضِ لِقِتالِ الجَبّارِينَ، ذَكَرَ قِصَّةَ ابْنَيْ آدَمَ وعِصْيانَ قابِيلَ أمْرَ اللَّهِ، وأنَّهُمُ اقْتَفَوْا في العِصْيانِ أوَّلَ عاصٍ لِلَّهِ تَعالى، وأنَّهُمُ انْتَهَوْا في خَوَرِ الطَّبِيعَةِ وهَلَعِ النُّفُوسِ والجُبْنِ والفَزَعِ إلى غايَةٍ بِحَيْثُ قالُوا لِنَبِيِّهِمُ الَّذِي ظَهَرَتْ عَلى يَدَيْهِ خَوارِقُ عَظِيمَةٌ، وقَدْ أخْبَرَهم أنَّ اللَّهَ كَتَبَ لَهُمُ الأرْضَ المُقَدَّسَةَ: ﴿اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] وانْتَهى قابِيلُ إلى طَرَفِ نَقِيضٍ مِنهم مَنِ الجَسارَةِ والعُتُوِّ وقُوَّةِ النَّفْسِ وعَدَمِ المُبالاةِ بِأنْ أقْدَمَ عَلى أعْظَمِ الأُمُورِ وأكْبَرِ المَعاصِي بَعْدَ الشِّرْكِ وهو قَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ قَتْلَها، بِحَيْثُ كانَ أوَّلَ مَن سَنَّ القَتْلَ، وكانَ عَلَيْهِ وِزْرُهُ ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فاشْتَبَهَتِ القِصَّتانِ مِن حَيْثُ الجُبْنُ عَنِ القَتْلِ والإقْدامُ عَلَيْهِ، ومِن حَيْثُ المَعْصِيَةُ بِهِما. وأيْضًا فَتَقَدَّمَ قَوْلُهُ أوائِلَ الآياتِ ﴿إذْ هَمَّ قَوْمٌ أنْ يَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهُمْ﴾ [المائدة: ١١] وبَعْدَهُ ﴿قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ﴾ [المائدة: ١٥] وقَوْلُهُ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] ثُمَّ قِصَّةُ مُحارَبَةِ الجَبّارِينَ، وتَبَيَّنَ أنَّ عَدَمَ اتِّباعِ بَنِي إسْرائِيلَ مُحَمَّدًا، ﷺ، إنَّما سَبَبُهُ الحَسَدُ هَذا مَعَ عِلْمِهِمْ بِصِدْقِهِ.
وقِصَّةُ ابْنَيْ آدَمَ انْطَوَتْ عَلى مَجْمُوعِ هَذِهِ الآياتِ مِن بَسْطِ اليَدِ، ومِنَ الإخْبارِ بِالمُغَيَّبِ، ومِن عَدَمِ الِانْتِفاعِ بِالقُرْبِ ودَعَواهُ مَعَ المَعْصِيَةِ، ومِنَ القَتْلِ، ومِنَ الحَسَدِ. ومَعْنى ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ﴾: أيِ اقْرَأْ واسْرُدْ، والضَّمِيرُ في (عَلَيْهِمْ) ظاهِرُهُ أنَّهُ يُعُودُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ إذْ هُمُ المُحَدَّثُ عَنْهم أوَّلًا، والمُقامُ عَلَيْهِمُ الحُجَجُ بِسَبَبِ هَمِّهِمْ بِبَسْطِ أيْدِيهِمْ إلى الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ فَأُعْلِمُوا بِما هو في غامِضِ كُتُبِهِمُ الأُوَّلِ الَّتِي لا تَعَلُّقَ لِلرَّسُولِ بِها إلّا مِن جِهَةِ الوَحْيِ، لِتَقُومَ الحُجَّةُ بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ، إذْ ذَلِكَ مِن دَلائِلِ النُّبُوَّةِ. والنَّبَأُ: هو الخَبَرُ. وابْنا آدَمَ في قَوْلِ الجُمْهُورِ - عُمَرَ وابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وغَيْرِهِمْ: هُما قابِيلُ وهابِيلُ، وهُما ابْناهُ لِصُلْبِهِ. وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَكُونا ولَدَيْهِ لِصُلْبِهِ، وإنَّما هُما أخَوانِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ. قالَ: لِأنَّ القُرْبانَ إنَّما كانَ مَشْرُوعًا في بَنِي إسْرائِيلَ، ولَمْ يَكُنْ قَبْلُ، ووَهِمَ الحَسَنُ في ذَلِكَ. وقِيلَ عَلَيْهِ كَيْفَ يُجْهَلُ الدَّفْنُ في بَنِي إسْرائِيلَ حَتّى يُقْتَدى فِيهِ بِالغُرابِ ؟ وأيْضًا فَقَدْ قالَ الرَّسُولُ عَنْهُ: ”إنَّهُ أوَّلُ (p-٤٦١)مَن سَنَّ القَتْلَ“ وقَدْ كانَ القَتْلُ قَبْلُ في بَنِي إسْرائِيلَ.
ويَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: ﴿بِالحَقِّ﴾، أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في: ﴿واتْلُ﴾؛ أيْ: مَصْحُوبًا بِالحَقِّ، وهو الصِّدْقُ الَّذِي لا شَكَّ في صِحَّتِهِ، أوْ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: تِلاوَةً مُلْتَبِسَةً بِالحَقِّ، والعامِلُ في ”إذْ“ ”نَبَأ“؛ أيْ: حَدِيثَهُما وقِصَّتَهُما في ذَلِكَ الوَقْتِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ النَّبَأِ؛ أيِ: اتْلُ عَلَيْهِمُ النَّبَأ نَبَأ ذَلِكَ الوَقْتِ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ. انْتَهى. ولا يَجُوزُ ما ذُكِرَ، لِأنَّ (إذْ) لا يُضافُ إلَيْها إلّا الزَّمانُ، و(نَبَأ) لَيْسَ بِزَمانٍ.
وقَدْ طَوَّلَ المُفَسِّرُونَ في سَبَبِ تَقْرِيبِ هَذا القُرْبانِ ومُلَخَّصُهُ: أنَّ حَوّاءَ كانَتْ تَلِدُ في كُلِّ بَطْنٍ ذَكَرًا وأُنْثى، وكانَ آدَمُ يُزَوِّجُ ذَكَرَ هَذا البَطْنِ أُنْثى ذَلِكَ البَطْنِ، وأُنْثى هَذا ذَكَرَ ذَلِكَ، ولا يَحِلُّ لِلذَّكَرِ نِكاحُ تَوْأمَتِهِ، فَوُلِدَ مَعَ قابِيلَ أُخْتٌ جَمِيلَةٌ اسْمُها إقْلِيمِيا، ووُلِدَ مَعَ هابِيلَ أُخْتٌ دُونَ تِلْكَ اسْمُها لِبُوذا، فَأبى قابِيلُ إلّا أنْ يَتَزَوَّجَ تَوْأمَتَهُ لا تَوْأمَةَ هابِيلَ وأنْ يُخالِفَ سُنَّةَ النِّكاحِ إيثارًا لِجَمالِها، ونازَعَ قابِيلُ هابِيلَ في ذَلِكَ، فَقِيلَ: أمَرَهُما آدَمُ بِتَقْرِيبِ القُرْبانِ. وقِيلَ: تَقَرَّبا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِما، إذْ كانَ آدَمُ غائِبًا تَوَجَّهَ إلى مَكَّةَ لِزِيارَةِ البَيْتِ بِإذْنِ رَبِّهِ. والقُرْبانُ الَّذِي قَرَّباهُ: هو زَرْعٌ لِقابِيلَ، وكانَ صاحِبَ زَرْعٍ، وكَبْشُ هابِيلَ وكانَ صاحِبَ غَنَمٍ، فَتُقُبِّلَ مِن أحَدِهِما وهو هابِيلُ، ولَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ وهو قابِيلُ؛ أيْ: فَتُقُبِّلَ القُرْبانُ، وكانَتْ عَلامَةُ التَّقَبُّلِ أكْلَ النّارِ النّازِلَةِ مِنَ السَّماءِ القُرْبانَ المُتَقَبَّلَ، وتَرْكَ غَيْرِ المُتَقَبَّلِ. وقالَ مُجاهِدٌ: كانَتِ النّارُ تَأْكُلُ المَرْدُودَ، وتَرْفَعُ المَقْبُولَ إلى السَّماءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُقالُ: قَرَّبَ صَدَقَةً وتَقَرَّبَ بِها، لِأنَّ تَقَرَّبَ مُطاوِعُ قَرَّبَ. انْتَهى. ولَيْسَ تَقَرَّبَ بِصَدَقَةٍ مُطاوِعُ قَرَّبَ صَدَقَةً، لِاتِّحادِ فاعِلِ الفِعْلَيْنِ، والمُطاوَعَةُ يَخْتَلِفُ فِيها الفاعِلُ، فَيَكُونُ مِن أحَدِهِما فِعْلٌ، ومِنَ الآخَرِ انْفِعالٌ نَحْوَ: كَسَرْتُهُ فانْكَسَرَ، وفَلَقْتُهُ فانْفَلَقَ، ولَيْسَ قَرَّبْتُ صَدَقَةً وتَقَرَّبْتُ بِها مِن هَذا البابِ فَهو غَلَطٌ فاحِشٌ.
﴿قالَ لَأقْتُلَنَّكَ﴾ هَذا وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ شَدِيدٌ، وقَدْ أُبْرِزَ هَذا الخَبَرُ مُؤَكَّدًا بِالقَسَمِ المَحْذُوفِ؛ أيْ: لَأقْتُلَنَّكَ حَسَدًا عَلى تَقَبُّلِ قُرْبانِكَ، وعَلى فَوْزِكَ بِاسْتِحْقاقِ الجَمِيلَةِ أُخْتِي. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: لَأقْتُلَنْكَ بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ.
﴿قالَ إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قَبْلَهُ كَلامٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لِمَ تَقْتُلُنِي وأنا لَمْ أجْنِ شَيْئًا ولا ذَنْبَ لِي في قَبُولِ اللَّهِ قُرْبانِي ؟ أما إنِّي أتَّقِيهِ، وكُنْتُ عَلى لاحِبِ الحَقِّ وإنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ، وخَطَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا فَقالَ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ كانَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾، جَوابًا لِقَوْلِهِ: ﴿لَأقْتُلَنَّكَ﴾ ؟ (قُلْتُ): لَمّا كانَ الحَسَدُ لِأخِيهِ عَلى تَقَبُّلِ قُرْبانِهِ هو الَّذِي حَمَلَهُ عَلى تَوَعُّدِهِ بِالقَتْلِ، قالَ لَهُ: إنَّما أُتِيتَ مِن قِبَلِ نَفْسِكَ لِانْسِلاخِها مِن لِباسِ التَّقْوى، لا مِن قِبَلِي، فَلِمَ تَقْتُلُنِي ؟ وما لَكَ لا تُعاقِبُ نَفْسَكَ ولا تَحْمِلُها عَلى تَقْوى اللَّهِ الَّتِي هي السَّبَبُ في القَبُولِ ؟ فَأجابَهُ بِكَلامٍ حَكِيمٍ مُخْتَصَرٍ جامِعٍ لِمَعانٍ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَقْبَلُ طاعَةً إلّا مِن مُؤْمِنٍ مُتَّقٍ، فَما أنْعاهُ عَلى أكْثَرِ العامِلِينَ أعْمالَهم. وعَنْ عامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أنَّهُ بَكى حِينَ حَضَرَتْهُ الوَفاةُ فَقِيلَ لَهُ: ما يُبْكِيكَ فَقَدْ كُنْتَ وكُنْتَ، قالَ: إنِّي أسْمَعُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ انْتَهى كَلامُهُ. ولَمْ يَخْلُ مِن دَسِيسَةِ الِاعْتِزالِ عَلى عادَتِهِ، يَحْتاجُ الكَلامُ في فَهْمِهِ إلى هَذِهِ التَّقْدِيراتِ، والَّذِي قَدَّرْناهُ أوَّلًا كافٍ وهو: أنَّ المَعْنى لَأقْتُلَنَّكَ حَسَدًا عَلى تَقَبُّلِ قُرْبانِكَ، فَعَرَّضَ لَهُ بِأنَّ سَبَبَ قَبُولِ القُرْبانِ هو التَّقْوى ولَيْسَ مُتَّقِيًا، وإنَّما عَرَّضَ لَهُ بِذَلِكَ لِأنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِسُنَّةِ النِّكاحِ الَّتِي قَرَّرَها اللَّهُ تَعالى، وقَصَدَ خِلافَها ونازَعَ، ثُمَّ كانَتْ نَتِيجَةَ ذَلِكَ أنْ بَرَزَتْ في أكْبَرِ الكَبائِرِ بَعْدَ الشِّرْكِ وهو قَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَها اللَّهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأجْمَعَ أهْلُ السُّنَّةِ في مَعْنى هَذِهِ الألْفاظِ أنَّها اتِّقاءُ الشِّرْكِ، فَمَنِ اتَّقاهُ وهو مُوَحِّدٌ فَأعْمالُهُ الَّتِي تَصْدُقُ فِيها نِيَّتُهُ مَقْبُولَةٌ (p-٤٦٢)وقالَ عَدِيُّ بْنُ ثابِتٍ وغَيْرُهُ: قُرْبانُ هَذِهِ الأُمَّةِ الصَّلاةُ. وقَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾؛ لَيْسَ مِن كَلامِ المَقْتُولِ، بَلْ هو مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى لِلرَّسُولِ اعْتِراضًا بَيْنَ كَلامِ القاتِلِ والمَقْتُولِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ في (قالَ) عَلى اللَّهِ - لَيْسَ بِظاهِرٍ.
5:28Страница 112
لَئِنۢ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقۡتُلَنِي مَآ أَنَا۠ بِبَاسِطٖ يَدِيَ إِلَيۡكَ لِأَقۡتُلَكَۖ إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٨
Если ты протянешь ко мне руку, чтобы убить меня, я все равно не протяну руки, чтобы убить тебя. Воистину, я боюсь Аллаха, Господа миров.
﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أنا بِباسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ لِأقْتُلَكَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى ما أنا بِمُنْتَصِرٍ لِنَفْسِي. وقالَ عِكْرِمَةُ: المَعْنى ما كُنْتُ لِأبْتَدِئَكَ بِالقَتْلِ. وقالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ: لَمْ يَكُنِ الدَّفْعُ عَنِ النَّفْسِ في ذَلِكَ الوَقْتِ جائِزًا. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو وابْنُ عَبّاسٍ والجُمْهُورُ: كانَ هابِيلُ أشَدَّ قُوَّةً مِن قابِيلَ، ولَكِنَّهُ تَحَرَّجَ مِنَ القَتْلِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ القاتِلَ لَيْسَ بِكافِرٍ وإنَّما هو عاصٍ، إذْ لَوْ كانَ كافِرًا لَما تَحَرَّجَ هابِيلُ مِن قَتْلِهِ، وإنَّما اسْتَسْلَمَ لَهُ كَما اسْتَسْلَمَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ. وقِيلَ: إنَّما تَرَكَ الدَّفْعَ عَنْ نَفْسِهِ لِأنَّهُ ظَهَرَتْ لَهُ مَخِيلَةُ انْقِضاءِ عُمْرِهِ فَبَنى عَلَيْها، أوْ بِإخْبارِ أبِيهِ، وكَما جَرى لِعُثْمانَ إذْ بَشَّرَهُ الرَّسُولُ بِالجَنَّةِ عَلى بَلْوى تُصِيبُهُ، «ورَآهُ في اليَوْمِ الَّذِي قُتِلَ فِيهِ في النَّوْمِ وهو يَقُولُ: ”إنَّكَ تُفْطِرُ اللَّيْلَةَ عِنْدَنا“» فَتَرَكَ الدَّفْعَ عَنْ نَفْسِهِ حَتّى قُتِلَ، «وقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: ”ألْقِ عَلى وجْهِكَ وكُنْ عَبْدَ اللَّهِ المَقْتُولَ ولا تَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ القاتِلَ“» . وقِيلَ: إنَّ هابِيلَ لاحَتْ لَهُ أماراتُ غَلَبَةِ الظَّنِّ مِن قابِيلَ عَلى قَتْلِهِ، ولَكِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ ذَلِكَ، فَذَكَرَ لَهُ هَذا الكَلامَ قَبْلَ الإقْدامِ عَلى القَتْلِ لِيَزْدَجِرَ عَنْهُ وتَقْبِيحًا لِهَذا الفِعْلِ، ولِهَذا يُرْوى أنَّ قابِيلَ صَبَرَ حَتّى نامَ هابِيلُ فَضَرَبَ رَأْسَهُ بِحَجَرٍ كَبِيرٍ فَقَتَلَهُ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: لَيْسَ في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَقْتُولَ عَلِمَ عَزْمَ القاتِلِ عَلى قَتْلِهِ، ثُمَّ تَرَكَ الدَّفْعَ عَنْ نَفْسِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ جاءَ الشَّرْطُ بِلَفْظِ الفِعْلِ، والجَزاءُ بِلَفْظِ اسْمِ الفاعِلِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ﴾ ﴿ما أنا بِباسِطٍ﴾ ؟ (قُلْتُ): لِيُفِيدَ أنَّهُ لا يَفْعَلُ ما يَكْتَسِبُ بِهِ هَذا الوَصْفَ الشَّنِيعَ، ولِذَلِكَ أكَّدَهُ بِالباءِ المُؤَكِّدَةِ لِلنَّفْيِ. انْتَهى. وأوْرَدَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ هَذا السُّؤالَ والجَوابَ ولَمْ يَنْسُبْهُ لِلزَّمَخْشَرِيِّ، وهو كَلامٌ فِيهِ انْتِقادٌ. وذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ما أنا بِباسِطٍ﴾، لَيْسَ جَزاءً بَلْ هو جَوابٌ لِلْقَسَمِ المَحْذُوفِ قَبْلَ ”اللّامِ“ في ”لَئِنْ“ المُؤْذِنَةِ بِالقَسَمِ والمُوَطِّئَةِ لِلْجَوابِ، لا لِلشَّرْطِ. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ جَوابِ القَسَمِ عَلَيْهِ، ولَوْ كانَ جَوابًا لِلشَّرْطِ لَكانَ بِالفاءِ، فَإنَّهُ إذا كانَ جَوابُ الشَّرْطِ مَنفِيًّا بِـ (ما) فَلا بُدَّ مِنَ الفاءِ كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهم إلّا أنْ قالُوا﴾ [الجاثية: ٢٥] ولَوْ كانَ أيْضًا جَوابًا لِلشَّرْطِ لَلَزِمَ مِن ذَلِكَ خَرْمُ القاعِدَةِ النَّحْوِيَّةِ مِن أنَّهُ إذا تَقَدَّمَ القَسَمُ عَلى الشَّرْطِ فالجَوابُ لِلْقَسَمِ لا لِلشَّرْطِ. وقَدْ خالَفَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَلامَهُ هَذا بِما ذَكَرَهُ في البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ [البقرة: ١٤٥] . فَقالَ: ما تَبِعُوا، جَوابُ القَسَمِ المَحْذُوفِ سَدَّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ (p-٤٦٣)وتَكَلَّمْنا مَعَهُ هُناكَ فَيُنْظَرُ.
﴿إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾ هَذا ذِكْرٌ لِعِلَّةِ الِامْتِناعِ في بَسْطِ يَدِهِ إلَيْهِ لِلْقَتْلِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ القاتِلَ لا يَخافُ اللَّهَ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии