Абу Хайян · Тафсир · на арабском
Аль-Маида 5:32–36
5:32Страница 113
مِنۡ أَجۡلِ ذَٰلِكَ كَتَبۡنَا عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفۡسَۢا بِغَيۡرِ نَفۡسٍ أَوۡ فَسَادٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعٗا وَمَنۡ أَحۡيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحۡيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعٗاۚ وَلَقَدۡ جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم بَعۡدَ ذَٰلِكَ فِي ٱلۡأَرۡضِ لَمُسۡرِفُونَ ٣٢
По этой причине Мы предписали сынам Исраила (Израиля): кто убьет человека не за убийство или распространение нечестия на земле, тот словно убил всех людей, а кто сохранит жизнь человеку, тот словно сохранит жизнь всем людям. Наши посланники уже явились к ним с ясными знамениями, но многие из них после этого излишествуют на земле.
﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ في الأرْضِ فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا ومَن أحْياها فَكَأنَّما أحْيا النّاسَ جَمِيعًا﴾ الجُمْهُورُ عَلى أنَّ ﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: كَتَبْنا. وقالَ قَوْمٌ بِقَوْلِهِ: مِنَ النّادِمِينَ؛ أيْ: نَدِمَ مِن أجْلِ ما وقَعَ. ويُقالُ: أجَلَ الأمْرَ أجَلًا وآجِلًا إذا اجْتَناهُ وحْدَهُ؛ قالَ زُهَيْرٌ:
؎وأهْلُ خِباءٍ صالِحٌ ذاتُ بَيْنِهِمْ قَدِ احْتَرَبُوا في عاجِلٍ أنا آجِلُهْ
أيْ جانِيهِ، ونَسَبَ هَذا البَيْتَ ابْنُ عَطِيَّةَ إلى جَوابٍ، وهو في دِيوانِ زُهَيْرٍ؛ والمَعْنى: بِسَبَبِ ذَلِكَ. وإذا قُلْتَ: فَعَلْتُ ذَلِكَ مِن أجْلِكَ، أرَدْتُ أنَّكَ جَنَيْتَ ذَلِكَ وأوْجَبْتَهُ. ومَعْناهُ ومَعْنى ”مِن جَرّاكَ“ واحِدٌ؛ أيْ: مِن جَرِيرَتِكَ. وذَلِكَ إشارَةٌ إلى القَتْلِ؛ أيْ: مِن جَنْيِ ذَلِكَ القَتْلِ كَتَبْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ. ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ؛ أيِ: ابْتِداءِ الكَتْبِ، ونَشَأ مِن أجْلِ القَتْلِ، ويَدْخُلُ عَلى أجْلِ اللّامِ لِدُخُولِ مِن، ويَجُوزُ حَذْفُ حَرْفِ الجَرِّ واتِّصالِ الفِعْلِ إلَيْهِ بِشَرْطِهِ في المَفْعُولِ لَهُ. ويُقالُ: فَعَلْتُ ذَلِكَ مِن أجْلِكَ ولِأجْلِكَ، وتُفْتَحُ الهَمْزَةُ أوْ تُكْسَرُ. وقَرَأ ابْنُ القَعْقاعِ: بِكَسْرِها وحَذْفِها ونَقْلِ حَرَكَتِها إلى السّاكِنِ قَبْلَها، كَما قَرَأ ورْشٌ بِحَذْفِها وفَتْحِها ونَقْلِ الحَرَكَةِ إلى النُّونِ. ومَعْنى ﴿كَتَبْنا﴾؛ أيْ: كُتِبَ بِأمْرِنا في كُتُبٍ مُنَزَّلَةٍ عَلَيْهِمْ تَضَمَّنَتْ فَرْضَ ذَلِكَ، وخُصَّ بَنُو إسْرائِيلَ بِالذِّكْرِ، وإنْ كانَ قَبْلَهم أُمَمٌ حُرِّمَ عَلَيْهِمْ قَتْلُ النَّفْسِ وكانَ القِصاصُ فِيهِمْ، لِأنَّهم عَلى ما رُوِيَ أوَّلُ أُمَّةٍ نَزَلَ الوَعِيدُ عَلَيْهِمْ في قَتْلِ النَّفْسِ، وغِلَظُ الأمْرِ عَلَيْهِمْ بِحَسَبِ طُغْيانِهِمْ وسَفْكِهِمُ الدِّماءَ، ولِتَظْهَرَ مَذَمَّتُهم في أنْ كُتِبَ عَلَيْهِمْ هَذا، وهم مَعَ ذَلِكَ لا يَرْعَوُونَ ولا يَفْقَهُونَ، بَلْ هَمُّوا بِقَتْلِ النَّبِيِّ، ﷺ، ظُلْمًا. ومَعْنى بِغَيْرِ نَفْسٍ: أيْ بِغَيْرِ قَتْلِ نَفْسٍ فَيَسْتَحِقُّ القَتْلَ. وقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ نَفْسَ المُؤْمِنِ إلّا بِإحْدى مُوجِباتِ قَتْلِهِ. وقَوْلُهُ: أوْ فَسادٍ، هو مَعْطُوفٌ عَلى نَفْسٍ؛ أيْ: وبِغَيْرِ فَسادٍ، والفَسادُ قِيلَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ. وقِيلَ: قَطْعُ الطَّرِيقِ، وقَطْعُ الأشْجارِ، وقَتْلُ الدَّوابِّ إلّا لِضَرُورَةٍ، وحَرْقُ الزَّرْعِ وما يَجْرِي مَجْراهُ، وهو الفَسادُ المُشارُ إلَيْهِ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمْ يَتَخَلَّصِ التَّشْبِيهُ إلى طَرَفَيْ شَيْءٍ مِن هَذِهِ الأقْوالِ، والَّذِي أقُولُ: إنَّ التَّشْبِيهَ بَيْنَ قاتِلِ النَّفْسِ وقاتِلِ الكُلِّ لا يُطَرَّفُ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ، لَكِنَّ الشَّبَهَ قَدْ يَحْصُلُ مِن ثَلاثِ جِهاتٍ. إحْداها: القَوَدُ فَإنَّهُ واحِدٌ. والثّانِيَةُ: الوَعِيدُ، فَقَدْ وعَدَ اللَّهُ قاتِلَ النَّفْسِ بِالخُلُودِ في النّارِ، وتِلْكَ غايَةُ العَذابِ. فَإنْ تَرَقَّبْناهُ يَخْرُجُ مِنَ النّارِ بَعْدَ ذَلِكَ بِسَبَبِ التَّوْحِيدِ، فَكَذَلِكَ قاتِلُ الجَمِيعِ أنْ لَوِ اتَّفَقَ ذَلِكَ. والثّالِثَةُ: انْتِهاكُ الحُرْمَةِ؛ فَإنَّ نَفْسًا واحِدَةً في ذَلِكَ وجَمِيعَ الأنْفُسِ سَواءٌ، والمُنْتَهِكُ في واحِدَةٍ مَلْحُوظٌ بِعَيْنِ مُنْتَهِكِ الجَمِيعِ. ومِثالُ ذَلِكَ رَجُلانِ حَلَفا عَلى شَجَرَتَيْنِ أنْ لا يَطْعَما مِن ثَمَرَتَيْهِما شَيْئًا، فَطَعِمَ أحَدُهُما واحِدَةً مِن ثَمَرَةِ (p-٤٦٩)شَجَرَتِهِ، وطَعِمَ الآخَرُ ثَمَرَ شَجَرَتَيْهِ كُلَّهُ، فَقَدِ اسْتَوَيا في الحِنْثِ. انْتَهى. وقالَ غَيْرُهُ: قِيلَ المُشابَهَةُ في الإثْمِ؛ والمَعْنى: أنَّ عَلَيْهِ إثْمَ مَن قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا؛ قالَهُ: الحَسَنُ والزَّجّاجُ. وقِيلَ: التَّشْبِيهُ في العَذابِ ومَعْناهُ أنَّهُ يَصْلى النّارَ بِقَتْلِ المُسْلِمِ، كَما لَوْ قَتَلَ النّاسَ؛ قالَهُ: مُجاهِدٌ وعَطاءٌ، وهَذا فِيهِ نَظَرٌ. لِأنَّ العَذابَ يُخَفَّفُ ويُثَقَّلُ بِحَسَبِ الجَرائِمِ. وقِيلَ: التَّشْبِيهُ مِن حَيْثُ القِصاصُ؛ قالَهُ: ابْنُ زَيْدٍ. وتَقَدَّمَ. وقِيلَ: التَّشْبِيهُ مِن جِهَةِ الإنْكارِ عَلى قُبْحِ الفِعْلِ؛ والمَعْنى: أنَّهُ يَنْبَغِي لِجَمِيعِ النّاسِ أنْ يُعِينُوا ولِيَّ المَقْتُولِ حَتّى يُقِيدُوهُ مِنهُ، كَما لَوْ قَتَلَ أوْلِياءَهم جَمِيعًا؛ ذَكَرَهُ: القاضِي أبُو يَعْلى. وهَذا الأمْرُ كانَ مُخْتَصًّا بِبَنِي إسْرائِيلَ، غُلِّظَ عَلَيْهِمْ كَما غُلِّظَ عَلَيْهِمْ بِقَتْلِ أنْفُسِهِمْ؛ قالَهُ بَعْضُ العُلَماءِ. وقالَ قَوْمٌ: هَذا عامٌّ فِيهِمْ وفي غَيْرِهِمْ. قالَ سُلَيْمانُ بْنُ عَلِيٍّ قُلْتُ لِلْحَسَنِ: يا أبا سَعِيدٍ هي لَنا كَما كانَتْ لِبَنِي إسْرائِيلَ، قالَ: أيْ والَّذِي لا إلَهَ غَيْرُهُ، ما كانَ دِماءُ بَنِي إسْرائِيلَ أكْرَمَ عَلى اللَّهِ مِن دِمائِنا. وقِيلَ في قَوْلِهِ: ومَن أحْياها؛ أيِ: اسْتَنْقَذَها مِنَ الهَلَكَةِ. قالَ عَبْدُ اللَّهِ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ: أيْ: مَن غَرَقٍ أوْ حَرْقٍ أوْ هَلاكٍ. وقِيلَ مَن عَضَّدَ نَبِيًّا أوْ إمامًا عادِلًا، لِأنَّ نَفْعَهُ عائِدٌ عَلى النّاسِ جَمِيعًا. وقِيلَ: مَن تَرَكَ قَتْلَ النَّفْسِ المُحَرَّمَةِ فَكَأنَّما أحْيا النّاسَ بِكَفِّهِ أذاهُ عَنْهم. وقِيلَ: مَن زَجَرَ عَنْ قَتْلِ النَّفْسِ ونَهى عَنْهُ. وقِيلَ: مَن أعانَ عَلى اسْتِيفاءِ القِصاصِ لِأنَّهُ قالَ: ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] . قالَ الحَسَنُ: وأعْظَمُ إحْيائِها أنْ يُحْيِيَها مِن كُفْرِها، ودَلِيلُهُ: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا﴾ [الأنعام: ١٢٢] . انْتَهى؛ والإحْياءُ هُنا مَجازٌ، لِأنَّ الإحْياءَ حَقِيقَةً هو لِلَّهِ تَعالى، وإنَّما المَعْنى: ومَنِ اسْتَسْقاها ولَمْ يُتْلِفْها، ومِثْلُ هَذا المَجازِ قَوْلُ مُحاجِّ إبْراهِيمَ: أنا أُحْيِي. سَمّى التَّرْكَ إحْياءً.
﴿ولَقَدْ جاءَتْهم رُسُلُنا بِالبَيِّناتِ ثُمَّ إنَّ كَثِيرًا مِنهم بَعْدَ ذَلِكَ في الأرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ أخْبَرَ تَعالى أنَّ الإسْرافَ والفَسادَ فِيهِمْ هَذا مَعَ مَجِيءِ الرُّسُلِ بِالبَيِّناتِ مِنَ اللَّهِ، وكانَ مُقْتَضى مَجِيءِ رُسُلِ اللَّهِ بِالحُجَجِ الواضِحَةِ أنْ لا يَقَعَ مِنهم إسْرافٌ وهو المُجاوَزَةُ في الحَدِّ، فَخالَفُوا هَذا المُقْتَضى؛ والعامِلُ في بَعْدَ والمُتَعَلِّقُ بِهِ ﴿فِي الأرْضِ﴾ خَبَرُ إنَّ، ولَمْ تَمْنَعْ لامُ الِابْتِداءِ مِنَ العَمَلِ في ذَلِكَ وإنْ كانَ مَتْقَدِّمًا، لِأنَّ دُخُولَها عَلى الخَبَرِ لَيْسَ بِحَقِّ التَّأصُّلِ، والإشارَةُ بـ ذَلِكَ إلى مَجِيءِ الرُّسُلِ بِالبَيِّناتِ، والمُرادُ بِالأرْضِ؛ أيْ: حَيْثُما حَلُّوا أسْرَفُوا. وظاهِرُ الإسْرافِ أنَّهُ لا يَتَقَيَّدُ. وقِيلَ لَمُسْرِفُونَ؛ أيْ: قاتِلُونَ بِغَيْرِ حَقٍّ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣] . وقِيلَ: هو طَلَبُهُمُ الكَفاءَةَ في الحَسَبِ حَتّى يُقْتَلَ بِواحِدٍ عِدَّةٌ مِن قَتَلَتِهِمْ.
5:33Страница 113
إِنَّمَا جَزَٰٓؤُاْ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓاْ أَوۡ يُصَلَّبُوٓاْ أَوۡ تُقَطَّعَ أَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم مِّنۡ خِلَٰفٍ أَوۡ يُنفَوۡاْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِۚ ذَٰلِكَ لَهُمۡ خِزۡيٞ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ٣٣
Воистину, те, которые сражаются против Аллаха и Его Посланника и стремятся сотворить на земле нечестие, в воздаяние должны быть убиты или распяты, или у них должны быть отсечены накрест руки и ноги, или они должны быть изгнаны из страны. Это будет для них позором в этом мире, а в Последней жизни для них уготованы великие мучения.
﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا أنْ يُقَتَّلُوا أوْ يُصَلَّبُوا أوْ تُقَطَّعَ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم مِن خِلافٍ أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ﴾ قالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، وجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعُرْوَةُ: نَزَلَتْ في عُكْلٍ وعُرَيْنَةَ، وحَدِيثُهُ مَشْهُورٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنْهُ: نَزَلَتْ في المُشْرِكِينَ، وبِهِ قالَ: الحَسَنُ وعَطاءٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ والضَّحّاكُ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن أهْلِ (p-٤٧٠)الكِتابِ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ الرَّسُولِ عَهْدٌ فَنَقَضُوهُ، وأفْسَدُوا في الدِّينِ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في قَوْمِ أبِي بُرْدَةَ هِلالِ بْنِ عامِرٍ قَتَلُوا قَوْمًا مَرُّوا بِهِمْ مِن بَنِي كِنانَةَ يُرِيدُونَ الإسْلامَ، وأخَذُوا أمْوالَهم، وكانَ بَيْنَ الرَّسُولِ، ﷺ، وبَيْنَ أبِي بُرْدَةَ مُوادَعَةٌ أنْ لا يُعِينَ عَلَيْهِ، ولا يُهَيِّجَ مَن أتاهُ مُسْلِمًا فَفَعَلَ ذَلِكَ قَوْمُهُ ولَمْ يَكُنْ حاضِرًا، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَيْسَتْ ناسِخَةً ولا مَنسُوخَةً. وقِيلَ: نَسَخَتْ ما فَعَلَ النَّبِيُّ، ﷺ، بالعُرَنِيِّينَ مِنَ المُثْلَةِ، ووَقَفَ الحُكْمُ عَلى هَذِهِ الحُدُودِ.
ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ، لَمّا ذَكَرَ في الآيَةِ قَبْلَها تَغْلِيظَ الإثْمِ في قَتْلِ النَّفْسِ بِغَيْرِ نَفْسٍ ولا فَسادٍ في الأرْضِ، أتْبَعَهُ بِبَيانِ الفَسادِ في الأرْضِ الَّذِي يُوجِبُ القَتْلَ ما هو، فَإنَّ بَعْضَ ما يَكُونُ فَسادًا في الأرْضِ لا يُوجِبُ القَتْلَ، ولا خِلافَ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ أنَّ حُكْمَ هَذِهِ الآيَةِ مُتَرَتِّبٌ في المُحارِبِينَ مِن أهْلِ الإسْلامِ؛ ومَذْهَبُ مالِكٍ وجَماعَةٍ: أنَّ المُحارِبَ هو مَن حَمَلَ السِّلاحَ عَلى النّاسِ في مِصْرٍ أوْ بَرِيَّةٍ، فَكادَهم عَنْ أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ دُونَ ثائِرَةٍ، ولا دَخَلٍ ولا عَداوَةٍ. ومَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ وجَماعَةٍ: أنَّ المُحارِبِينَ هم قُطّاعُ الطَّرِيقِ خارِجَ المِصْرِ، وأمّا في المِصْرِ فَيَلْزَمُهُ حَدُّ ما اجْتَرَحَ مِن قَتْلٍ أوْ سَرِقَةٍ أوْ غَصْبٍ ونَحْوِ ذَلِكَ، وأدْنى الحِرابَةِ إخافَةُ الطَّرِيقِ، ثُمَّ أخْذُ المالِ مَعَ الإخافَةِ، ثُمَّ الجَمْعُ بَيْنَ الإخافَةِ وأخْذِ المالِ والقَتْلِ؛ ومُحارَبَةُ اللَّهِ تَعالى غَيْرُ مُمْكِنَةٍ، فَيُحْمَلُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: مُحارِبُونَ أوْلِياءَ اللَّهِ ورَسُولِهِ، وإلّا لَزِمَ أنْ يَكُونَ مُحارَبَةُ اللَّهِ ورَسُولِهِ جَمْعًا بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ. فَإذا جَعَلَ ذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أوْ حَمْلًا عَلى قَدْرٍ مُشْتَرَكٍ انْدَفَعَ ذَلِكَ، وقَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ: المُحارَبَةُ هَنا: الشِّرْكُ، وقَوْلُ عُرْوَةَ: الِارْتِدادُ غَيْرُ صَحِيحٍ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وقَدْ أوْرَدَ ما يُبْطِلُ قَوْلَهُما.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾؛ تَغْلِيظٌ شَدِيدٌ لِأمْرِ الحِرابَةِ، والسَّعْيُ في الأرْضِ فَسادًا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى بِمُحارَبَتِهِمْ، أوْ يُضِيفُونَ فَسادًا إلى المُحارَبَةِ؛ وانْتَصَبَ فَسادًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، أوْ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، أوْ مَصْدَرٌ مِن مَعْنى يَسْعَوْنَ في الأرْضِ مَعْناهُ: يُفْسِدُونَ، لَمّا كانَ السَّعْيُ لِلْفَسادِ جُعِلَ فَسادًا؛ أيْ: إفْسادًا. والظّاهِرُ في قَوْلِهِ: العُقُوباتُ الأرْبَعُ؛ أنَّ الإمامَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ إيقاعِ ما شاءَ مِنها بِالمُحارِبِ في أيِّ رُتْبَةٍ كانَ المُحارِبُ مِنَ الرُّتَبِ الَّتِي قَدَّمْناها، وبِهِ قالَ: النَّخَعِيُّ والحَسَنُ في رِوايَةٍ، وابْنُ المُسَيَّبِ ومُجاهِدٌ وعَطاءٌ؛ وهو مَذْهَبُ مالِكٍ، وجَماعَةٍ. وقالَ مالِكٌ: أسْتَحْسِنُ أنْ يَأْخُذَ في الَّذِي لَمْ يَقْتُلْ بِأيْسَرِ العِقابِ، ولا سِيَّما إنْ لَمْ يَكُنْ ذا شُرُورٍ مَعْرُوفَةٍ، وأمّا إنْ قَتَلَ فَلا بُدَّ مِن قَتْلِهِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ أيْضًا وجَماعَةٌ: لِكُلِّ رُتْبَةٍ مِنَ الحِرابَةِ رُتْبَةٌ مِنَ العِقابِ، فَمَن قَتَلَ قُتِلَ، ومَن أخَذَ المالَ ولَمْ يَقْتُلْ فالقَطْعُ مِن خِلافٍ، ومَن أخافَ فَقَطْ فالنَّفْيُ، ومَن جَمَعَها قُتِلَ وصُلِبَ. والقائِلُونَ بِهَذا التَّرْتِيبِ اخْتَلَفُوا، فَقالَ: أبُو حَنِيفَةَ، ومُحَمَّدٌ، والشّافِعِيُّ، وجَماعَةٌ، ورُوِيَ عَنْ مالِكٍ: يُصْلَبُ حَيًّا ويُطْعَنُ حَتّى يَمُوتَ. وقالَ جَماعَةٌ: يُقْتَلُ ثُمَّ يُصْلَبُ، نَكالًا لِغَيْرِهِ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ. والقَتْلُ إمّا ضَرْبًا بِالسَّيْفِ لِلْعُنُقِ، وقِيلَ: ضَرْبًا بِالسَّيْفِ أوْ طَعْنًا بِالرُّمْحِ أوِ الخِنْجَرِ، ولا يُشْتَرَطُ في قَتْلِهِ مُكافَأةٌ لِمَن قَتَلَ. وقالَ الشّافِعِيُّ: تُعْتَبَرُ فِيهِ المُكافَأةُ في القِصاصِ. ومُدَّةُ الصَّلْبِ: يَوْمٌ أوْ ثَلاثَةُ أيّامٍ، أوْ حَتّى يَسِيلَ صَدِيدُهُ، أوْ مِقْدارُ ما يَسْتَبِينُ صَلْبُهُ. وأمّا القَطْعُ: فاليَدُ اليُمْنى مِنَ الرُّسْغِ، والرِّجْلُ الشِّمالُ مِنَ المِفْصَلِ. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ: أنَّهُ مِنَ الأصابِعِ ويَبْقى الكَفُّ، ومِن نِصْفِ القَدَمِ ويَبْقى العَقِبُ. وهَذا خِلافُ الظّاهِرِ، لِأنَّ الأصابِعَ لا تُسَمّى يَدًا، ونِصْفُ الرِّجْلِ لا يُسَمّى رِجْلًا. وقالَ مالِكٌ: قَلِيلُ المالِ وكَثِيرُهُ سَواءٌ، فَيُقْطَعُ المُحارِبُ إذا أخَذَهُ. وقالَ أصْحابُ الرَّأْيِ والشّافِعِيُّ لا يُقْطَعُ إلّا مَن أخَذَ ما يُقْطَعُ فِيهِ السّارِقُ. وأمّا النَّفْيُ فَقالَ السُّدِّيُّ: هو أنْ يُطالِبَ أبَدًا بِالخَيْلِ والرَّجِلِ حَتّى يُؤْخَذَ فَيُقامَ عَلَيْهِ حَدُّ اللَّهِ ويُخْرَجَ مِن دارِ الإسْلامِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأنَسٍ: نَفْيُهُ أنْ يُطْلَبَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ اللَّيْثِ ومالِكٍ، إلّا أنَّ مالِكًا قالَ: لا يُضْطَرُّ مُسْلِمٌ إلى دُخُولِ دارِ الشِّرْكِ. وقالَ (p-٤٧١)ابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، والزُّهْرِيُّ، والضَّحّاكُ: النَّفْيُ مِن دارِ الإسْلامِ إلى دارِ الشِّرْكِ. وقالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ وجَماعَةٌ: يُنْفى مِن بَلَدٍ إلى غَيْرِهِ مِمّا هو قاصٍ بَعِيدٌ. وقالَ أبُو الزِّنادِ: كانَ النَّفْيُ قَدِيمًا إلى دَهْلَكٍ وناصِعٍ، وهُما مِن أقْصى اليَمَنِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: دَهْلَكٌ في أقْصى تِهامَةَ، وناصِعٌ مِن بِلادِ الحَبَشَةِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: النَّفْيُ: السَّجْنُ، وذَلِكَ إخْراجُهُ مِنَ الأرْضِ. قالَ الشّاعِرُ، قالَ ذَلِكَ وهو مَسْجُونٌ:
؎خَرَجْنا مِنَ الدُّنْيا ونَحْنُ مِن أهْلِها فَلَسْنا مِنَ الأمْواتِ فِيها ولا الأحْيا
؎إذا جاءَنا السَّجّانُ يَوْمًا لِحاجَةٍ ∗∗∗ عَجِبْنا وقُلْنا جاءَ هَذا مِنَ الدُّنْيا
؎وتُعْجِبُنا الرُّؤْيا يَحُلُّ حَدِيثَنا ∗∗∗ إذا نَحْنُ أصْبَحَنا الحَدِيثُ عَنِ الرُّؤْيا
والظّاهِرُ أنَّ نَفْيَهُ مِنَ الأرْضِ هو إخْراجُهُ مِنَ الأرْضِ الَّتِي حارَبَ فِيها، إنْ كانَتِ الألِفُ واللّامُ لِلْعَهْدِ فَيُنْفى مِن ذَلِكَ العَمَلِ، وإنْ كانَتْ لِلْجِنْسِ فَلا يَزالُ يُطْلَبُ ويُزْعَجُ وهو هارِبٌ فَزِعٌ، إلى أنْ يَلْحَقَ بِغَيْرِ عَمَلِ الإسْلامِ. وصَرِيحُ مَذْهَبِ مالِكٍ أنَّهُ إذا كانَ مَخُوفَ الجانِبِ: غُرِّبَ وسُجِنَ حَيْثُ غُرِّبَ، والتَّشْدِيدُ في أنْ يُقَتَّلُوا أوْ يُصَلَّبُوا أوْ تُقَطَّعَ قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وهو لِلتَّكْثِيرِ بِالنِّسْبَةِ إلى الَّذِينَ يُوقِعُ بِهِمُ الفِعْلَ، والتَّخْفِيفُ في ثَلاثَتِها قِراءَةُ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ وابْنِ مُحَيْصِنٍ.
﴿ذَلِكَ لَهم خِزْيٌ في الدُّنْيا﴾ أيْ ذَلِكَ الجَزاءُ مِنَ القَطْعِ والقَتْلِ والصَّلْبِ والنَّفْيِ. والخِزْيُ هُنا: الهَوانُ والذُّلُّ والِافْتِضاحُ. والخِزْيُ: الحَياءُ، عَبَّرَ بِهِ عَنِ الِافْتِضاحِ لَمّا كانَ سَبَبًا لَهُ، افْتَضَحَ فاسْتَحْيا.
﴿ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ظاهِرُهُ أنَّ مَعْصِيَةَ الحِرابَةِ مُخالِفَةٌ لِلْمَعاصِي غَيْرَها، إذْ جَمَعَ فِيها بَيْنَ العِقابِ في الدُّنْيا والعِقابِ في الآخِرَةِ تَغْلِيظًا لِذَنْبِ الحِرابَةِ، وهو مُخالِفٌ لِظاهِرِ قَوْلِهِ، ﷺ، في حَدِيثِ عُبادَةَ: «فَمَن أصابَ مِن ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ في الدُّنْيا فَهو كَفّارَةٌ لَهُ» ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى حَسَبِ التَّوْزِيعِ، فَيَكُونَ الخِزْيُ في الدُّنْيا إنْ عُوقِبَ، والعِقابُ في الآخِرَةِ إنْ سَلِمَ في الدُّنْيا مِنَ العِقابِ، فَتَجْرِيَ مَعْصِيَةُ الحِرابَةِ مَجْرى سائِرِ المَعاصِي؛ وهَذا الوَعِيدُ كَغَيْرِهِ مُقَيَّدٌ بِالمَشِيئَةِ، ولَهُ تَعالى أنْ يَغْفِرَ هَذا الذَّنْبَ، ولَكِنْ في الوَعِيدِ خَوْفٌ عَلى المُتَوَعَّدِ عَلَيْهِ نَفاذَ الوَعِيدِ.
5:34Страница 113
إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبۡلِ أَن تَقۡدِرُواْ عَلَيۡهِمۡۖ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣٤
Исключением являются те, которые раскаялись и вернулись до того, как вы получили власть над ними. Знайте же, что Аллах - Прощающий, Милосердный.
﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ظاهِرُهُ أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِنَ المُعاقَبِينَ عِقابَ قاطِعِ الطَّرِيقِ، فَإذا تابُوا قَبْلَ القُدْرَةِ عَلى أخْذِهِمْ سَقَطَ عَنْهم ما تَرَتَّبَ عَلى الحِرابَةِ، وهَذا فِعْلُ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، بِحارِثَةَ بْنِ بَدْرٍ العُرانِيِّ فَإنَّهُ كانَ مُحارِبًا ثُمَّ تابَ قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ، فَكَتَبَ لَهُ سُقُوطَ الأمْوالِ والدَّمِ عَنْهُ كِتابًا مَنشُورًا. وقالُوا: لا نَظَرَ لِلْإمامِ فِيهِ إلّا كَما يَنْظُرُ في سائِرِ المُسْلِمِينَ، فَإنْ طُولِبَ بِدَمٍ نُظِرَ فِيهِ وأُقِيدَ مِنهُ بِطَلَبِ الوَلِيِّ، وإنْ طُولِبَ بِمالٍ، فَمَذْهَبُ مالِكٍ والشّافِعِيِّ وأصْحابِ الرَّأْيِ: يُؤْخَذُ ما وُجِدَ عِنْدَهُ مِن مالِ غَيْرِهِ، ويُطالَبُ بِقِيمَةِ ما اسْتَهْلَكَ. وقالَ قَوْمٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ: لا يُطالَبُ بِما اسْتَهْلَكَ، ويُؤْخَذُ ما وُجِدَ عِنْدَهُ بِعَيْنِهِ. وحَكى الطَّبَرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ: أنَّهُ لا تُقْبَلُ تَوْبَةُ المُحارِبِ، ولَكِنْ لَوْ فَرَّ إلى العَدُوِّ ثُمَّ جاءَنا تائِبًا لَمْ أرَ عَلَيْهِ عُقُوبَةً. قالَ الطَّبَرِيُّ: ولا أدْرِي هَلْ أرادَ ارْتَدَّ أمْ لا ؟ وقالَ الأوْزاعِيُّ نَحْوَهُ؛ إلّا أنَّهُ قالَ: إذا لَحِقَ بِدارِ الحَرْبِ فارْتَدَّ عَنِ الإسْلامِ، أوْ بَقِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ جاءَنا تائِبًا مِن قَبْلِ أنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ.
5:35Страница 113
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱبۡتَغُوٓاْ إِلَيۡهِ ٱلۡوَسِيلَةَ وَجَٰهِدُواْ فِي سَبِيلِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٣٥
О те, которые уверовали! Бойтесь Аллаха, ищите близости к Нему и сражайтесь на Его пути, - быть может, вы преуспеете.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ وجاهِدُوا في سَبِيلِهِ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ مُناسَبَةُ هَذِهِ (p-٤٧٢)الآيَةِ لِما قَبْلَها، أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ جَزاءَ مَن حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ وسَعى في الأرْضِ فَسادًا مِنَ العُقُوباتِ الأرْبَعِ، والعَذابِ العَظِيمِ المُعَدِّ لَهم في الآخِرَةِ، أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِتَقْوى اللَّهِ، وابْتِغاءِ القُرُباتِ إلَيْهِ، فَإنَّ ذَلِكَ هو المُنَجِّي مِنَ المُحارَبَةِ والعِقابِ المُعَدِّ لِلْمُحارِبِينَ. ولَمّا كانَتِ الآيَةُ نَزَلَتْ في العُرَنِيِّينَ والكَلْبِيِّينَ، أوْ في أهْلِ الكِتابِ اليَهُودِ، أوْ في المُشْرِكِينَ عَلى الخِلافِ في سَبَبِ النُّزُولِ، وكُلُّ هَؤُلاءِ سَعى في الأرْضِ فَسادًا - نَصَّ عَلى الجِهادِ، وإنْ كانَ مُنْدَرِجًا تَحْتَ ابْتِغاءِ الوَسِيلَةِ لِأنَّ بِهِ صَلاحَ الأرْضِ، وبِهِ قِوامَ الدِّينِ، وحِفْظَ الشَّرِيعَةِ، فَهو مُغايِرٌ لِأمْرِ المُحارَبَةِ، إذِ الجِهادُ مُحارَبَةٌ مَأْذُونٌ فِيها، وبِالجِهادِ يُدْفَعُ المُحارِبُونَ. وأيْضًا فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ يَجِبُ أنْ تَكُونَ القُوَّةُ والبَأْسُ الَّذِي لِلْمُحارِبِ مَقْصُورًا عَلى الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، وأنْ لا يَضَعَ تِلْكَ النَّجْدَةَ الَّتِي وهَبَها اللَّهُ لَهُ لِلْمُحارَبَةِ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى، وهَلِ الوَسِيلَةُ القُرْبَةُ الَّتِي يَنْبَغِي أنْ يَطْلُبَ بِها، أوِ الحاجَةُ، أوِ الطّاعَةُ، أوِ الجَنَّةُ، أوْ أفْضَلُ دَرَجاتِها؛ أقْوالٌ لِلْمُفَسِّرِينَ. وذَكَرَ رَجاءٌ الفَلاحَ عَلى تَقْدِيرِ حُصُولِ ما أمَرَ بِهِ قَبْلُ مِنَ التَّقْوى وابْتِغاءِ الوَسِيلَةِ والجِهادِ في سَبِيلِهِ. والفَلاحُ: اسْمٌ جامِعٌ لِلْخَلاصِ عَنِ المَكْرُوهِ، والفَوْزِ بِالمَرْجُوِّ.
5:36Страница 113
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡ أَنَّ لَهُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا وَمِثۡلَهُۥ مَعَهُۥ لِيَفۡتَدُواْ بِهِۦ مِنۡ عَذَابِ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنۡهُمۡۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٣٦
Воистину, если бы у неверующих было все, что есть на земле, и еще столько же, чтобы откупиться от мучений в День воскресения, то это не было бы принято от них. Им уготованы мучительные страдания.
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنهُمْ﴾ لَمّا أرْشَدَ المُؤْمِنِينَ إلى مَعاقِدِ الخَيْرِ ومَفاتِحِ السَّعادَةِ، وذَكَرَ فَوْزَهم في الآخِرَةِ وما آلُوا مِنَ الفَلاحِ، شَرَحَ حالَ الكُفّارِ وعاقِبَةَ كُفْرِهِمْ، وما أعَدَّ لَهم مِنَ العَذابِ. والجُمْلَةُ مِن لَوْ وجَوابِها في مَوْضِعِ خَبَرِ إنَّ، ومَعْنى ما في الأرْضِ: مِن صُنُوفِ الأمْوالِ الَّتِي يُفْتَدى بِها، ومِثْلَهُ مَعْطُوفٌ عَلى اسْمِ إنَّ، ولامُ كَيْ تَتَعَلَّقَ بِما تَعَلَّقَ بِهِ خَبَرُ إنَّ وهو لَهم؛ والمَعْنى: لَوْ أنَّ ما في الأرْضِ ومِثْلَهُ مَعَهُ مُسْتَقِرٌّ لَهم عَلى سَبِيلِ المِلْكِ لِيَجْعَلُوهُ فَدِيَةً لَهم ما تُقُبِّلَ، وهَذا عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ ولُزُومِ العَذابِ لَهم، وأنَّهُ لا سَبِيلَ إلى نَجاتِهِمْ مِنهُ. وفي الحَدِيثِ «يُقالُ لِلْكافِرِ أرَأيْتَ لَوْ كانَ لَكَ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا أكُنْتَ تَفْتَدِي بِهِ فَيَقُولُ نَعَمْ. فَيُقالُ لَهُ قَدْ سُئِلْتَ أيْسَرَ مِن ذَلِكَ» ووَحَّدَ الضَّمِيرَ في بِهِ، وإنْ كانَ قَدْ تَقَدَّمَ شَيْئانِ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ ومَعْطُوفٌ، وهو ما في الأرْضِ ومِثْلَهُ مَعَهُ، إمّا لِفَرْضِ تَلازُمِهِما فَأُجْرِيا مُجْرى الواحِدِ كَما قالُوا: رُبَّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ مَرَّ بِي، وإمّا لِإجْراءِ الضَّمِيرِ (p-٤٧٣)مُجْرى اسْمِ الإشارَةِ كَأنَّهُ قالَ: لِيَفْتَدُوا بِذَلِكَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ في: ﴿ومِثْلَهُ﴾، بِمَعْنى مَعَ، فَيُوَحَّدُ المَرْجُوعُ إلَيْهِ. (فَإنْ قُلْتَ): فَبِمَ يَنْتَصِبُ المَفْعُولُ مَعَهُ ؟ (قُلْتُ): بِما تَسْتَدْعِيهِ لَوْ مِنَ الفِعْلِ، لِأنَّ لَوْ ثَبَتَ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ. انْتَهى. وإنَّما يُوَحَّدُ الضَّمِيرُ لِأنَّ حُكْمَ ما قَبْلَ المَفْعُولِ مَعَهُ في الخَبَرِ والحالِ وعَوْدِ الضَّمِيرِ مُتَأخِّرًا حُكْمُهُ مُتَقَدِّمًا، تَقُولُ: الماءُ والخَشَبَةُ اسْتَوى، كَما تَقُولُ: الماءُ اسْتَوى والخَشَبَةُ (p-٤٧٤)وقَدْ أجازَ الأخْفَشِ في ذَلِكَ أنْ يُعْطى حُكْمَ المَعْطُوفِ فَتَقُولَ: الماءُ مَعَ الخَشَبَةِ اسْتَوَيا، ومَنَعَ ذَلِكَ ابْنُ كَيْسانَ. وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: تَكُونُ الواوُ في: ﴿ومِثْلَهُ﴾، بِمَعْنى مَعَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ مَعَ مِثْلِهِ مَعَهُ؛ أيْ: مَعَ مِثْلِ ما في الأرْضِ مَعَ ما في الأرْضِ، إنْ جَعَلْتَ الضَّمِيرَ في مَعَهُ عائِدًا عَلى مِثْلَهُ؛ أيْ: مَعَ مِثْلِهِ مَعَ ذَلِكَ المِثْلِ، فَيَكُونُ المَعْنى مَعَ مِثْلَيْنِ. فالتَّعْبِيرُ عَنْ هَذا المَعْنى بِتِلْكَ العِبارَةِ عَيٌّ، إذِ الكَلامُ المُنْتَظِمُ أنْ يَكُونَ التَّرْكِيبُ إذا أُرِيدَ ذَلِكَ المَعْنى مَعَ مِثْلَيْهِ. وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ إلى آخَرِ السُّؤالِ، وهَذا السُّؤالُ لا يُرَدُّ، لِأنّا قَدْ بَيَّنّا فَسادَ أنْ تَكُونَ الواوُ واوَ مَعَ، وعَلى تَقْدِيرِ وُرُودِهِ فَهَذا بِناءٌ مِنهُ عَلى أنَّ الواوَ إذا جاءَتْ بَعْدَ لَوْ كانَتْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الفاعِلِيَّةِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ عَلى هَذا: لَوْ ثَبَتَ كَيْنُونَةُ ما في الأرْضِ مَعَ مِثْلِهِ لَهم لِيَفْتَدُوا بِهِ، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى ما فَقَطْ. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ هو تَفْرِيعٌ مِنهُ عَلى مَذْهَبِ المُبَرِّدِ في أنَّ أنَّ بَعْدَ لَوْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الفاعِلِيَّةِ، وهو مَذْهَبٌ مَرْجُوحٌ. ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّ أنَّ بَعْدَ لَوْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ. والزَّمَخْشَرِيُّ لا يَظْهَرُ مِن كَلامِهِ في هَذا الكِتابِ وفي تَصانِيفِهِ أنَّهُ وقَفَ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ في هَذِهِ المَسْألَةِ، وعَلى التَّفْرِيعِ عَلى مَذْهَبِ المُبَرِّدِ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ومِثْلَهُ مَفْعُولًا مَعَهُ، ويَكُونُ العامِلُ فِيهِ ما ذَكَرَ مِنَ الفِعْلِ - وهو ثَبَتَ - بِوَساطَةِ الواوِ لِما تَقَدَّمَ مِن وُجُودِ لَفْظِ مَعَهُ. وعَلى تَقْدِيرِ سُقُوطِها لا يَصِحُّ، لِأنَّ ”ثَبَتَ“ لَيْسَتْ رافِعَةً لِما العائِدِ عَلَيْها الضَّمِيرُ، وإنَّما هي رافِعَةٌ مَصْدَرًا مُنْسَبِكًا مِن أنْ وما بَعْدَها وهو كَوْنُ، إذِ التَّقْدِيرُ: لَوْ ثَبَتَ كَوْنُ ما في الأرْضِ جَمِيعًا لَهم ومِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى ما دُونُ الكَوْنِ. فالرّافِعُ لِلْفاعِلِ غَيْرُ النّاصِبِ لِلْمَفْعُولِ مَعَهُ، إذْ لَوْ كانَ إيّاهُ لَلَزِمَ مِن ذَلِكَ وُجُودُ الثُّبُوتِ مُصاحِبًا لِلْمِثْلِ؛ والمَعْنى: عَلى كَيْنُونَةِ ما في الأرْضِ مُصاحِبًا لِلْمِثْلِ، لا عَلى ثُبُوتِ ذَلِكَ مُصاحِبًا لِلْمِثْلِ، وهَذا فِيهِ غُمُوضٌ، وبَيانُهُ، أنَّكَ إذا قُلْتَ: يُعْجِبُنِي قِيامُ زَيْدٍ وعَمْرٍو، أوْ جَعَلْتَ عَمْرًا مَفْعُولًا مَعَهُ، والعامِلُ فِيهِ يُعْجِبُنِي، لَزِمَ مِن ذَلِكَ أنَّ عَمْرًا لَمْ يَقُمْ، وأنَّهُ أعْجَبَكَ القِيامُ وعَمْرٌو، وإنْ جَعَلْتَ العامِلَ فِيهِ القِيامَ كانَ عَمْرٌو قائِمًا، وكانَ الإعْجابُ قَدْ تَعَلَّقَ بِالقِيامِ مُصاحِبًا لِقِيامِ عَمْرٍو. (فَإنْ قُلْتَ): هَلّا كانَ ومِثْلَهُ مَعَهُ، مَفْعُولًا مَعَهُ والعامِلُ فِيهِ هو العامِلُ في لَهم، إذِ المَعْنى عَلَيْهِ. (قُلْتُ): لا يَصِحُّ ذَلِكَ لِما ذَكَرْناهُ مِن وُجُودِ مَعَهُ في الجُمْلَةِ، وعَلى تَقْدِيرِ سُقُوطِها لا يَصِحُّ لِأنَّهم نَصُّوا عَلى أنَّ قَوْلَكَ: هَذا لَكَ وأباكَ، مَمْنُوعٌ في الِاخْتِيارِ. وقالَ سِيبَوَيْهِ: وأمّا هَذا لَكَ وأباكَ، فَقَبِيحٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِعْلًا ولا حَرْفًا فِيهِ مَعْنى فِعْلٍ؛ حَتّى يَصِيرَ كَأنَّهُ قَدْ تَكَلَّمَ بِالفِعْلِ، فَأفْصَحَ سِيبَوَيْهِ بِأنَّ اسْمَ الإشارَةِ وحَرْفَ الجَرِّ المُتَضَمِّنِ مَعْنى الِاسْتِقْرارِ لا يَعْمَلانِ في المَفْعُولِ مَعَهُ، ولَوْ كانَ أحَدُهُما يَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ المَفْعُولُ مَعَهُ لَخُيِّرَ بَيْنَ أنْ يَنْسُبَ العَمَلَ لِاسْمِ الإشارَةِ أوْ لِحَرْفِ الجَرِّ. وقَدْ أجازَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أنْ يَعْمَلَ في المَفْعُولِ مَعَهُ الظَّرْفُ وحَرْفُ الجَرِّ، فَعَلى هَذا المَذْهَبِ يَجُوزُ لَوْ كانَتِ الجُمْلَةُ خالِيَةً مِن قَوْلِهِ: مَعَهُ، أنْ يَكُونَ ومِثْلَهُ مَفْعُولًا مَعَهُ عَلى أنَّ العامِلَ فِيهِ هو العامِلُ في لَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ما تُقُبِّلَ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ قُطَيْبٍ: ما تَقَبَّلَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ؛ أيْ: ما تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنهم. وفي الكَلامِ جُمْلَةٌ مَحْذُوفَةٌ، التَّقْدِيرُ: وبَذَلُوهُ وافْتَدَوْا بِهِ ما تُقُبِّلَ مِنهم، إذْ لا يَتَرَتَّبُ انْتِفاءُ التَّقَبُّلِ عَلى كَيْنُونَةِ ما في الأرْضِ ومِثْلَهُ مَعَهُ، إنَّما يَتَرَتَّبُ عَلى بَذْلِ ذَلِكَ أوِ الِافْتِداءِ بِهِ.
﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ هَذا الوَعِيدُ هو لِمَن وافى عَلى الكُفْرِ، وتُبَيِّنُهُ آيَةُ آلِ عِمْرانَ ﴿وماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ﴾ [آل عمران: ٩١] الآيَةَ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَطْفًا عَلى خَبَرِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَطْفًا عَلى ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وجَوَّزُوا أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ ولَيْسَ بِقَوِيٍّ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии