Абу ХайянАль‑Маида · 5:44–47

Абу Хайян · Тафсир · на арабском

Аль-Маида 5:44–47, продолжение

والأُذُنَ بِالأُذُنِ؛ يَقْتَضِي وُجُوبَ القِصاصِ إذا اسْتَوْعَبَ، فَإنْ قُطِعَ بَعْضُها فَفِيهِ القِصاصُ إذا عُرِفَ قَدْرُهُ. وقالَ الشّافِعِيُّ: في الأُذُنَيْنِ الدِّيَةُ، وفي إحْداهُما نِصْفُها. وقالَ مالِكٌ: في الأُذُنَيْنِ حُكُومَةٌ، وإنَّما الدِّيَةُ في السَّمْعِ، ويُقاسُ نُقْصانُهُ كَما يُقاسُ في البَصَرِ. وفي إبْطالِهِ مِن إحْداهُما نِصْفُ الدِّيَةِ ولَوْ لَمْ يَكُنْ يَسْمَعُ إلّا بِها. والسِّنَّ بِالسِّنِّ؛ يَقْتَضِي أنَّ القَلْعَ قِصاصٌ، وهَذا لا خِلافَ فِيهِ، ولَوْ كُسِرَ بَعْضُها. والأسْنانُ كُلُّها سَواءٌ: ثَناياها، وأنْيابُها، وأضْراسُها، ورُباعِيّاتُها، في كُلِّ واحِدَةٍ خَمْسٌ مِنَ الإبِلِ مِن غَيْرِ فَضْلٍ؛ وبِهِ قالَ: عُرْوَةُ، وطاوُسُ، وقَتادَةُ، والزُّهْرِيُّ، والثَّوْرِيُّ، ورَبِيعَةُ، والأوْزاعِيُّ، وعُثْمانُ البَتِّيُّ، ومالِكٌ، وأبُو حَنِيفَةَ، وأصْحابُهُ، والشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ، وإسْحاقُ. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، ومُعاوِيَةَ. ورَوى ابْنُ المُسَيَّبِ عَنْ عُمَرَ: أنَّهُ قَضى فِيما أقْبَلَ مِنَ الفَمِ بِخَمْسِ فَرائِضَ، وذَلِكَ: خَمْسُونَ دِينارًا، كُلُّ فَرِيضَةٍ عَشْرُ دَنانِيرَ، وفي الأضْراسِ بَعِيرٌ بَعِيرٌ. قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: فَلَوْ أُصِيبَ الفَمُ كُلُّهُ في قَضاءِ عُمَرَ نَقَصَتِ الدِّيَةُ، أوْ في قَضاءِ مُعاوِيَةَ زادَتْ، ولَوْ كُنْتُ أنا لَجَعَلْتُها في الأضْراسِ بَعِيرَيْنِ بَعِيرَيْنِ. قالَ عُمَرُ: الأضْراسُ عِشْرُونَ، والأسْنانُ اثْنا عَشَرَ: أرْبَعُ ثَنايا، وأرْبَعُ رُباعِيّاتٍ، وأرْبَعُ أنْيابٍ. والخِلافُ إنَّما هو في الأضْراسِ لا في الأسْنانِ، فَفي قَضاءِ عُمَرَ: الدِّيَةُ ثَمانُونَ، وفي قَضاءِ مُعاوِيَةَ: مِائَةٌ وسِتُّونَ. وعَلى قَوْلِ ابْنِ المُسَيَّبِ: مِائَةٌ، وهي الدِّيَةُ كامِلَةً مِنَ الإبِلِ. وقالَ عَطاءُ في الثَّنِيَّتَيْنِ والرُّباعِيَّتَيْنِ والنّابَيْنِ: خَمْسٌ خَمْسٌ، وفِيما بَقِيَ بَعِيرانِ بَعِيرانِ، أعْلى الفَمِ وأسْفَلُهُ سَواءٌ؛ ولَوْ قُلِعَتْ سِنُّ صَبِيٍّ لَمْ يُثْغَرْ فَنَبَتَتْ فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ، ومالِكٌ، والشّافِعِيُّ: لا شَيْءَ عَلى القالِعِ. إلّا أنَّ مالِكًا والشّافِعِيَّ قالا: إذا نَبَتَتْ ناقِصَةَ الطُّولِ عَنِ الَّتِي تُقارِبُها أُخِذَ لَهُ مِن أرْشِها بِقَدْرِ نَقْصِها. وقالَتْ طائِفَةٌ: فِيها حُكُومَةٌ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الشَّعْبِيِّ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ؛ ولَوْ قُلِعَتْ سِنُّ كَبِيرٍ فَأخَذَ دِيَتَها ثُمَّ نَبَتَتْ فَقالَ مالِكٌ: لا يَرُدُّ ما أخَذَ. وقالَ (p-٤٩٧)أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ: يَرُدُّ، والقَوْلانِ عَنِ الشّافِعِيِّ. ولَوْ قُلِعَتْ سِنٌّ قَوَدًا فَرَدَّها صاحِبُها فالتَحَمَتْ فَلا يَجِبُ قَلْعُها عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ، وبِهِ قالَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ. وقالَ الشّافِعِيُّ وأحْمَدُ وإسْحاقُ: يُجْبَرُ عَلى القَلْعِ، بِهِ قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ، ويُعِيدُ كُلَّ صَلاةٍ صَلّاها بِها. وكَذا لَوْ قُطِعَتْ أُذُنُهُ فَرَدَّها في حَرارَةِ الدَّمِ فالتَزَقَتْ، ورُوِيَ هَذا القَوْلُ عَنْ عَطاءٍ، وأبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ قالَ: وهو غَلَطٌ. ولَوْ قَلَعَ سِنًّا زائِدَةً فَقالَ الجُمْهُورُ: فِيها حُكُومَةٌ، فَإنْ كُسِرَ بَعْضُها أعْطى بِحِسابِ ما نَقَصَ مِنها، وبِهِ قالَ: مالِكٌ، وأبُو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ. قالَ الأُدْفُوِيُّ: وما عَلِمْتُ فِيهِ خِلافًا. وقالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: في السِّنِّ الزّائِدَةِ ثُلُثُ السِّنِّ، ولَوْ جَنى عَلى سِنٍّ فاسْوَدَّتْ ثُمَّ عَقَلَها، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ زَيْدٍ، وابْنِ المُسَيَّبِ، وبِهِ قالَ: الزُّهْرِيُّ، والحَسَنُ، وابْنُ سِيرِينَ، وشُرَيْحٌ، والنَّخَعِيُّ، وعَبْدُ المَلِكِ بْنُ مَرْوانَ، وأبُو حَنِيفَةَ، ومالِكٌ، والثَّوْرِيُّ. ورُوِيَ عَنْ عِمْرانَ: فِيها ثُلُثُ دِيَتِها، وبِهِ قالَ: أحْمَدُ وإسْحاقُ. وقالَ النَّخَعِيُّ والشّافِعِيُّ وأبُو ثَوْرٍ: فِيها حُكُومَةٌ، فَإنْ طُرِحَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَفِيها عَقْلُها، وبِهِ قالَ اللَّيْثُ وعَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أبِي سَلَمَةَ، وإنِ اسْوَدَّ بَعْضُها كانَ بِالحِسابِ؛ قالَهُ: الثَّوْرِيُّ.

والجُرُوحُ قِصاصٌ؛ أيْ: ذاتُ قِصاصٍ. ولَفْظُ الجُرُوحِ عامٌّ، والمُرادُ بِهِ الخُصُوصُ، وهو ما يُمْكِنُ فِيهِ القِصاصُ. وتُعْرَفُ المُماثَلَةُ ولا يُخافُ فِيها عَلى النَّقْصِ، فَإنْ خِيفَ كالمَأْمُومَةِ وكَسْرِ الفَخِذِ ونَحْوِ ذَلِكَ فَلا قِصاصَ فِيها. ومَدْلُولُ والجُرُوحَ قِصاصٌ؛ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الجُرْحُ بِمِثْلِهِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ بِمِثْلِهِ فَلَيْسَ بِقِصاصٍ. واخْتَلَفُوا في القِصاصِ بَيْنَ الرِّجالِ والنِّساءِ، وبَيْنَ العَبْدِ والحُرِّ. وجَمِيعُ ما عَدا النَّفْسَ هو مِنَ الجِراحاتِ الَّتِي أشارَ إلَيْها بِقَوْلِهِ: والجُرُوحَ قِصاصٌ، لَكِنَّهُ فَصَّلَ أوَّلَ الآيَةِ وأجْمَلَ آخِرَها لِيَتَناوَلَ ما نُصَّ عَلَيْهِ وما لَمْ يُنَصَّ، فَيَحْصُلَ العُمُومُ. مَعْنى وإنْ لَمْ يَحْصُلْ لَفْظًا. ومِن جُمْلَةِ الجُرُوحِ الشِّجاجِ فِيما يُمْكِنُ فِيهِ القِصاصُ، فَلا خِلافَ في وُجُوبِها فِيهِ، وما لا فَلا قِصاصَ فِيهِ كالمَأْمُومَةِ؛ وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: فَلَيْسَ في شَيْءٍ مِنَ الشِّجاجِ قِصاصٌ إلّا في المُوضِحَةِ خاصَّةً، لِأنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنها لَهُ حَدٌّ يُنْتَهى إلَيْهِ سِواها، وأمّا غَيْرُها مِنَ الشِّجاجِ فَفِيهِ دِيَتُهُ. انْتَهى. وقالَ غَيْرُهُ: في الخارِصَةِ القِصاصُ بِمِقْدارِها إذا لَمْ يَخْشَ مِنها سَرايَةً، وأقادَ ابْنُ الزُّبَيْرِ مِنَ المَأْمُومَةِ، وأنْكَرَ النّاسُ عَلَيْهِ. قالَ عَطاءٌ: ما عَلِمْنا أحَدًا أقادَ مِنها قَبْلَهُ. وأمّا الجُرُوحُ في اللَّحْمِ فَقالَ: فَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ أنَّ القِصاصَ فِيها مُمْكِنٌ بِأنْ يُقاسَ بِمِثْلٍ، ويُوضَعَ بِمِقْدارِ ذَلِكَ الجُرْحِ.

5:45Страница 115

وَكَتَبۡنَا عَلَيۡهِمۡ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفۡسَ بِٱلنَّفۡسِ وَٱلۡعَيۡنَ بِٱلۡعَيۡنِ وَٱلۡأَنفَ بِٱلۡأَنفِ وَٱلۡأُذُنَ بِٱلۡأُذُنِ وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ وَٱلۡجُرُوحَ قِصَاصٞۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِۦ فَهُوَ كَفَّارَةٞ لَّهُۥۚ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٤٥

Мы предписали им в нем: душа - за душу, око - за око, нос - за нос, ухо - за ухо, зуб - за зуб, а за раны - возмездие. Но если кто-нибудь пожертвует этим, то это станет для него искуплением. Те же, которые не принимают решений в соответствии с тем, что ниспослал Аллах, являются беззаконниками.

﴿فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهو كَفّارَةٌ لَهُ﴾ المُتَصَدِّقُ صاحِبُ الحَقِّ. ومُسْتَوْفِي القِصاصِ الشّامِلِ لِلنَّفْسِ والأعْضاءِ ولِلْجُرُوحِ الَّتِي فِيها القِصاصُ، وهو ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى التَّصَدُّقِ؛ أيْ: فالتَّصَدُّقُ كَفّارَةٌ لِلتَّصَدُّقِ؛ والمَعْنى: أنَّ مَن تَصَدَّقَ بِجُرْحِهِ يُكَفِّرُ عَنْهُ، قالَهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وجابِرٌ، وأبُو الدَّرْداءِ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ. وذَكَرَ أبُو الدَّرْداءِ أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ، ﷺ، يَقُولُ: «ما مِن مُسْلِمٍ يُصابُ بِشَيْءٍ مِن جَسَدِهِ فَيَهَبُهُ إلّا رَفَعَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ دَرَجَةً وحَطَّ عَنْهُ خَطِيئَةً» وذَكَرَ مَكِّيٌّ حَدِيثًا مِن طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ: «أنَّهُ يَحُطُّ عَنْهُ مِن ذُنُوبِهِ ما عَفى عَنْهُ مِنَ الدِّيَةِ» وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: يَهْدِمُ عَنْهُ ذُنُوبَهُ بِقَدْرِ ما تَصَدَّقَ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في لَهُ عائِدٌ عَلى الجانِي وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ، لَكِنَّهُ يُفْهَمُ مِن سِياقِ الكَلامِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى؛ والمَعْنى: فَذَلِكَ العَفْوُ والتَّصَدُّقُ كَفّارَةٌ لِلْجانِي يَسْقُطُ عَنْهُ ما لَزِمَهُ مِنَ القِصاصِ. وكَما أنَّ القِصاصَ كَفّارَةٌ كَذَلِكَ العَفْوُ كَفّارَةٌ، وأجْرُ العافِي عَلى اللَّهِ تَعالى قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ، والسَّبِيعِيُّ، ومُجاهِدٌ، وإبْراهِيمُ، والشَّعْبِيُّ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، ومُقاتِلٌ. وقِيلَ: المُتَصَدِّقُ هو الجانِي، والضَّمِيرُ في لَهُ يَعُودُ عَلَيْهِ؛ والمَعْنى: إذا جَنى جانٍ فَجُهِلَ وخَفِيَ أمْرُهُ فَتَصَدَّقَ هو بِأنْ عَرَّفَ بِذَلِكَ ومَكَّنَ مِن نَفْسِهِ، فَذَلِكَ الفِعْلُ كَفّارَةٌ لِذَنْبِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ: إذا أصابَ رَجُلٌ رَجُلًا ولَمْ يَعْلَمِ المُصابُ مَن أصابَهُ فاعْتَرَفَ لَهُ المُصِيبُ فَهو كَفّارَةٌ لِلْمُصِيبِ. وأصابَ عُرْوَةُ عِنْدَ الرُّكْنِ إنْسانًا وهم يَسْتَلِمُونَ فَلَمْ (p-٤٩٨)يَدْرِ المُصابُ مَن أصابَهُ فَقالَ لَهُ عُرْوَةُ: أنا أصَبْتُكَ، وأنا عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، فَإنْ كانَ يَلْحَقُكَ بِها بَأْسٌ فَأنا بِها. وعَلى هَذا القَوْلِ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ تَصَدَّقَ تَفَعَّلَ مِنَ الصَّدَقَةِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الصِّدْقِ.

وقَرَأ أُبَيٌّ: فَهو كَفّارَةٌ لَهُ يَعْنِي: فالتَّصَدُّقُ كَفّارَتُهُ؛ أيِ: الكَفّارَةُ الَّتِي يَسْتَحِقُّها لَهُ لا يُنْقَصُ مِنها، وهو تَعْظِيمٌ لِما فَعَلَ لِقَوْلِهِ: ﴿فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] وتَرْغِيبٌ في العَفْوِ. وتَأوَّلَ قَوْمٌ الآيَةَ عَلى مَعْنى: والجُرُوحَ قِصاصٌ، فَمَن أُعْطِيَ دِيَةَ الجُرْحِ وتَصَدَّقَ بِهِ فَهو كَفّارَةٌ لَهُ إذا رُضِيَتْ مِنهُ وقُبِلَتْ. وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: ومَن يَتَصَدَّقْ بِهِ فَإنَّهُ كَفّارَةٌ لَهُ.

* *

﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ ناسَبَ فِيما تَقَدَّمَ ذِكْرُ الكافِرِينَ، لِأنَّهُ جاءَ عَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤] الآيَةَ فَفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَحْكُمُ بِجَمِيعِها، بَلْ يُخالِفُ رَأْسًا. ولِذَلِكَ جاءَ: ﴿ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [المائدة: ٤٤] وهَذا كُفْرٌ، فَناسَبَ ذِكْرُ الكافِرِينَ. وهُنا جاءَ عَقِيبَ أشْياءَ مَخْصُوصَةٍ مِن أمْرِ القَتْلِ والجُرُوحِ، فَناسَبَ ذِكْرُ الظُّلْمِ المُنافِي لِلْقِصاصِ وعَدَمِ التَّسْوِيَةِ، وإشارَةً إلى ما كانُوا قَرَّرُوهُ مِن عَدَمِ التَّساوِي بَيْنَ بَنِي النَّضِيرِ وبَنِي قُرَيْظَةَ.

﴿وقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ﴾ [المائدة: ٤٦] مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّ التَّوْراةَ يَحْكُمُ بِها النَّبِيُّونَ، ذَكَرَ أنَّهُ قَفّاهم بِعِيسى تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ مِن جُمْلَةِ الأنْبِياءِ، وتَنْوِيهًا بِاسْمِهِ، وتَنْزِيهًا لَهُ عَمّا يَدَّعِيهِ اليَهُودُ فِيهِ، وأنَّهُ مِن جُمْلَةِ مُصَدِّقِي التَّوْراةِ.

ومَعْنى: قَفَّيْنا، أتَيْنا بِهِ، يَقْفُو آثارَهم؛ أيْ: يَتْبَعُها. والضَّمِيرُ في آثارِهِمْ يَعُودُ عَلى التَّبْيِينِ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَحْكُمُ بِها النَّبِيُّونَ﴾ [المائدة: ٤٤] وقِيلَ: عَلى الَّذِينَ كُتِبَتْ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الأحْكامُ. وعَلى آثارِهِمْ، مُتَعَلِّقٌ بِقَفَّيْنا، وبِعِيسى مُتَعَلِّقٌ بِهِ أيْضًا. وهَذا عَلى سَبِيلِ التَّضْمِينِ؛ أيْ: ثُمَّ جِئْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ قافِيًا لَهم، ولَيْسَ التَّضْعِيفُ في قَفَّيْنا لِلتَّعْدِيَةِ، إذْ لَوْ كانَ لِلتَّعْدِيَةِ ما جاءَ مَعَ الباءِ المُعَدِّيَةِ، ولا تَعَدّى (بِعَلى) . وذَلِكَ أنَّ قَفا يَتَعَدّى لِواحِدٍ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] وتَقُولُ: قَفا فُلانٌ الأثَرَ إذا اتَّبَعَهُ، فَلَوْ كانَ التَّضْعِيفُ لِلتَّعَدِّي لَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ مَنصُوبَيْنِ، وكانَ يَكُونُ التَّرْكِيبُ: ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ، وكانَ يَكُونُ عِيسى هو المَفْعُولُ الأوَّلُ، وآثارِهِمْ المَفْعُولَ الثّانِيَ، لَكِنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنى جاءَ وعُدِّيَ بِالياءِ، وتَعَدّى إلى آثارِهِمْ بِعَلى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَفَّيْتُهُ مِثْلَ عَقِبْتُهُ إذا اتَّبَعْتَهُ، ثُمَّ يُقالُ: قَفَّيْتُهُ بِفُلانٍ وعَقِبْتُهُ بِهِ، فَتُعَدِّيهِ إلى الثّانِي بِزِيادَةِ الباءِ.

(فَإنْ قُلْتَ): فَأيْنَ المَفْعُولُ الأوَّلُ في الآيَةِ ؟ (قُلْتُ): هو مَحْذُوفٌ، والظَّرْفُ الَّذِي هو عَلى آثارِهِمْ كالسّادِّ مَسَدَّهُ، لِأنَّهُ إذا قُفِّيَ بِهِ عَلى أثَرِهِ فَقَدْ قُفِّيَ بِهِ إيّاهُ. انْتَهى. وكَلامُهُ يَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ، وذَلِكَ أنَّهُ جَعَلَ قَفَّيْتُهُ المُضَعَّفَ بِمَعْنى قَفَوْتُهُ، فَيَكُونُ فَعَّلَ بِمَعْنى فَعَلَ نَحْوَ: قَدَّرَ اللَّهُ، وقَدَرَ اللَّهُ، وهو أحَدُ المَعانِي الَّتِي جاءَتْ لَها فَعَلَ، ثُمَّ عَدّاهُ بِالباءِ، وتَعْدِيَةُ المُتَعَدِّي لِمَفْعُولٍ، بِالباءِ، لِثانٍ قَلَّ أنْ يُوجَدَ، حَتّى زَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ لا يُوجَدُ. ولا يَجُوزُ فَلا يُقالُ: في طَعِمَ زَيْدٌ اللَّحْمَ، أطْعَمْتُ (p-٤٩٩)زَيْدًا بِاللَّحْمِ، والصَّحِيحُ أنَّهُ جاءَ عَلى قِلَّةٍ تَقُولُ: دَفَعَ زَيْدٌ عَمْرًا، ثُمَّ تُعَدِّيهِ بِالباءِ فَتَقُولُ: دَفَعْتُ زَيْدًا بِعَمْرٍو أيْ: جَعَلْتُ زَيْدًا يَدْفَعُ عَمْرًا، وكَذَلِكَ صَكَّ الحَجَرُ الحَجَرَ. ثُمَّ تَقُولُ: صَكَكْتُ الحَجَرَ بِالحَجَرِ؛ أيْ: جَعَلْتُهُ يَصُكُّهُ. وأمّا قَوْلُهُ: المَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفُ الظَّرْفِ كالسّادِّ مَسَدَّهُ، فَلا يَتَّجِهُ؛ لِأنَّ المَفْعُولَ هو مَفْعُولٌ بِهِ صَرِيحٌ، ولا يَسُدُّ الظَّرْفُ مَسَدَّهُ، وكَلامُهُ مُفْهِمُ التَّضْمِينِ وإنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: لِأنَّهُ إذا قَفّى بِهِ أثَرَهُ فَقَدْ قَفّى بِهِ إيّاهُ ؟ وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: فَقَدْ قَفّى بِهِ إيّاهُ، فَصَلَ الضَّمِيرَ، وحَقُّهُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا، ولَيْسَ مِن مَواضِعِ فَصْلٍ، لَوْ قُلْتَ: زَيْدٌ ضَرَبْتُ بِسَوْطٍ إيّاهُ لَمْ يَجُزْ إلّا في ضَرُورَةِ شِعْرٍ، فَإصْلاحُهُ زَيْدٌ ضَرَبْتُهُ بِسَوْطٍ، وانْتَصَبَ مُصَدِّقًا عَلى الحالِ مِن عِيسى. ومَعْنى: لِما بَيْنَ يَدَيْهِ، لِما تَقَدَّمَهُ مِنَ التَّوْراةِ لِأنَّها جاءَتْ قَبْلَهُ، كَما أنَّ الرَّسُولَ بَيْنَ يَدَيِ السّاعَةِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذا. وتَصْدِيقُهُ إيّاها هو بِكَوْنِهِ مُقِرًّا أنَّها كِتابٌ مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ حَقًّا واجِبٌ العَمَلُ بِهِ قَبْلَ وُرُودِ النَّسْخِ، إذْ شَرِيعَتُهُ مُغايِرَةٌ لِبَعْضِ ما فِيها.

5:46Страница 116

وَقَفَّيۡنَا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم بِعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡإِنجِيلَ فِيهِ هُدٗى وَنُورٞ وَمُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَهُدٗى وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ ٤٦

Вслед за ними Мы отправили Ису (Иисуса), сына Марьям (Марии), с подтверждением истинности того, что было прежде ниспослано в Таурате (Торе). Мы даровали ему Инджил (Евангелие), в котором было верное руководство и свет, которое подтверждало то, что прежде было ниспослано в Таурате (Торе). Он был верным руководством и увещеванием для богобоязненных.

﴿وآتَيْناهُ الإنْجِيلَ فِيهِ هُدًى ونُورٌ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: وقَفَّيْنا. وفِيهِ تَعْظِيمُ عِيسى، عَلَيْهِ السَّلامُ، بِأنَّ اللَّهَ آتاهُ كِتابًا إلَهِيًّا. وتَقَدَّمَتْ قِراءَةُ الحَسَنِ، الأنْجِيلَ، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ؛ وما ذَكَرُوهُ في اشْتِقاقِهِ إنْ كانَ عَرَبِيًّا. وقَوْلُهُ: فِيهِ هُدًى ونُورٌ، في مَوْضِعِ الحالِ، وارْتِفاعُ هُدًى عَلى الفاعِلِيَّةِ بِالجارِّ والمَجْرُورِ، إذْ قَدِ اعْتَمَدَ بِأنْ وقَعَ حالًا لِذِي حالٍ؛ أيْ: كائِنًا فِيهِ هُدًى. ولِذَلِكَ عَطَفَ عَلَيْهِ ﴿ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ﴾ والضَّمِيرُ في يَدَيْهِ عائِدٌ عَلى الإنْجِيلِ؛ والمَعْنى: أنَّ عِيسى وكِتابَهُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ هُما مُصَدِّقانِ لِما تَقَدَّمَهُما مِنَ التَّوْراةِ، فَتَظافَرَ عَلى تَصْدِيقِهِ الكَتابُ الإلَهِيُّ المُنَزَّلُ، والنَّبِيُّ المُرْسَلُ المُنَزَّلُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الكِتابُ. ومَعْنى كَوْنِهِ فِيهِ هُدًى أنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلى دَلائِلِ التَّوْحِيدِ، وتَنْزِيهِ اللَّهِ عَنِ الوَلَدِ والصّاحِبَةِ والمِثْلِ والضِّدِّ، وعَلى الإرْشادِ والدُّعاءِ إلى اللَّهِ تَعالى، وإلى إحْياءِ أحْكامِ التَّوْراةِ، والنُّورُ هو ما فِيهِ مِمّا يُسْتَضاءُ بِهِ إذْ فِيهِ بَيانُ أحْكامِ الشَّرِيعَةِ وتَفاصِيلِها. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومُصَدِّقًا: حالٌ مُؤَكِّدَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى مَوْضِعِ الجُمْلَةِ الَّتِي هي فِيهِ هُدًى، فَإنَّها جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ. انْتَهى. وإنَّما قالَ إنَّ مُصَدِّقًا: حالٌ مُؤَكِّدَةٌ مِن حَيْثُ المَعْنى، لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِن كَوْنِ الإنْجِيلِ كِتابًا إلاهِيًّا أنْ يَكُونَ مُصَدِّقًا لِلْكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، لَكِنَّ قَوْلَهُ: مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي هي فِيهِ هُدًى، فَإنَّها جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ - قَوْلٌ مَرْجُوحٌ، لِأنّا قَدْ بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ: فِيهِ هُدًى ونُورٌ مِن قَبِيلِ المُفْرَدِ لا مِن قَبِيلِ الجُمْلَةِ، إذْ قَدَّرْناهُ كائِنًا فِيهِ هُدًى ونُورٌ، ومَتى دارَ الأمْرُ بَيْنَ أنْ يَكُونَ الحالُ مُفْرَدًا أوْ جُمْلَةً، كانَ تَقْدِيرُ المُفْرَدِ أجْوَدَ، عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ جُمْلَةٌ يَكُونُ ذَلِكَ مِنَ القَلِيلِ، لِأنَّها جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ، ولَمْ تَأْتِ بِالواوِ، وإنْ كانَ يُغْنِي عَنِ الرّابِطِ الَّذِي هو الضَّمِيرُ، لَكِنَّ الأسَنَّ والأكْثَرَ أنْ يَأْتِيَ بِالواوِ، حَتّى إنَّ الفَرّاءَ زَعَمَ أنَّ عَدَمَ الواوِ شاذٌّ وإنْ كانَ ثَمَّ ضَمِيرٌ، وتَبِعَهُ عَلى ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ. قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: ومُصَدِّقًا مَعْطُوفٌ عَلى مُصَدِّقًا الأوَّلِ. انْتَهى. ويَكُونُ إذْ ذاكَ حالًا مِن عِيسى، كَرَّرَهُ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ مِن جِهَةِ التَّرْكِيبِ واتِّساقِ المَعانِي، وتَكَلُّفُهُ أنْ يَكُونَ وآتَيْناهُ الإنْجِيلَ جُمْلَةً حالِيَّةً مَعْطُوفَةً عَلى مُصَدِّقًا.

* *

﴿وهُدًى ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ قَرَأ الضَّحّاكُ: وهُدًى ومَوْعِظَةٌ بِالرَّفْعِ، وهو هُدًى ومَوْعِظَةٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِالنَّصْبِ حالًا مَعْطُوفَةً عَلى قَوْلِهِ: ومُصَدِّقًا، جَعَلَهُ أوَّلًا فِيهِ هُدًى ونُورٌ، وجَعَلَهُ ثانِيًا هُدًى ومَوْعِظَةً. فَهو في نَفْسِهِ هُدًى، وهو مُشْتَمِلٌ عَلى الهُدى، وجَعَلَهُ هُدًى مُبالَغَةً فِيهِ إذْ كانَ كِتابُ الإنْجِيلِ مُبَشِّرًا بِرَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، والدَّلالَةُ مِنهُ عَلى نُبُوَّتِهِ (p-٥٠٠)ظاهِرَةٌ؛ ولَمّا كانَتْ أشَدُّ وُجُوهِ المُنازَعَةِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ واليَهُودِ والنَّصارى ذَلِكَ، أعادَ اللَّهُ ذِكْرَ الهُدى تَقْرِيرًا وبَيانًا لِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ، ﷺ، ووَصَفَهُ بِالمَوْعِظَةِ لِاشْتِمالِهِ عَلى نَصائِحَ وزَواجِرَ بَلِيغَةٍ، وخَصَّصَها بِالمُتَّقِينَ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِها، كَما قالَ تَعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] فَهُمُ المَقْصُودُونَ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، وإنْ كانَ الجَمِيعُ يُدْعى ويُوعَظُ، ولَكِنَّهُ عَلى غَيْرِ المُتَّقِينَ عَمًى وحَسْرَةٌ، وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَنْتَصِبَ هُدًى ومَوْعِظَةً عَلى أنَّهُما مَفْعُولٌ لَهُما لِقَوْلِهِ: ولْيَحْكم؛ قالَ: كَأنَّهُ قِيلَ: ولِلْهُدى والمَوْعِظَةِ آتَيْناهُ الإنْجِيلَ، ولِلْحُكْمِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ مِنَ الأحْكامِ. ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الهُدى والمَوْعِظَةُ مُسْنَدَيْنِ في المَعْنى إلى اللَّهِ، لا إلى الإنْجِيلِ، لِيَتَّحِدَ المَفْعُولُ مِن أجْلِهِ مَعَ العامِلِ في الفاعِلِ، ولِذَلِكَ جاءَ مَنصُوبًا. ولَمّا كانَ: ولْيَحْكُمَ، فاعِلُهُ غَيْرُ اللَّهِ، أتى مُعَدًّى إلَيْهِ بِلامِ العِلَّةِ. ولِاخْتِلافِ الزَّمانِ أيْضًا، لِأنَّ الإيتاءَ قارَنَ الهِدايَةَ والمَوْعِظَةَ في الزَّمانِ، والحُكْمَ خالَفَ فِيهِ لِاسْتِقْبالِهِ ومُضِيِّهِ في الإيتاءِ، فَعُدِيَّ أيْضًا لِذَلِكَ بِاللّامِ، وهَذا الَّذِي أجازَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ خِلافُ الظّاهِرِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ نَظَمْتَ هُدًى ومَوْعِظَةً في سِلْكِ مُصَدِّقًا فَما تَصْنَعُ بِقَوْلِهِ: ولْيَحْكُمَ ؟ (قُلْتُ): أصْنَعُ بِهِ كَما صَنَعْتُ بِهُدًى ومَوْعِظَةً، حِينَ جَعَلْتُهُما مَفْعُولًا لَهُما، فَأُقَدِّرُ: لِيَحْكُمَ أهْلُ الإنْجِيلِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ آتَيْناهُ إيّاهُ. انْتَهى. وهو جَوابٌ واضِحٌ.

5:47Страница 116

وَلۡيَحۡكُمۡ أَهۡلُ ٱلۡإِنجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِۚ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٤٧

Пусть люди Инджила (Евангелия) судят согласно тому, что Аллах ниспослал в нем. Те же, которые не принимают решений в соответствии с тем, что ниспослал Аллах, являются нечестивцами.

﴿ولْيَحْكم أهْلُ الإنْجِيلِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ أمَرَ تَعالى أهْلَ الإنْجِيلِ أنْ يَحْكُمُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ مِنَ الأحْكامِ ويَكُونُ هَذا الأمْرُ عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ، وقُلْنا لَهُمُ: احْكُمُوا؛ أيْ: حِينَ إيتائِهِ عِيسى أمَرْناهم بِالحُكْمِ بِما فِيهِ إذْ لا يُمْكِنُ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ بَعْدَ بَعْثَةِ مُحَمَّدٍ، ﷺ، إذْ شَرِيعَتُهُ ناسِخَةٌ لِجَمِيعِ الشَّرائِعِ، أوْ بِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ مَخْصُوصًا بِالدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، وهو قَوْلُ الأصَمِّ، أوْ بِخُصُوصِ الزَّمانِ إلى بَعْثَةِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، أوْ عَبَّرَ بِالحُكْمِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ عَنْ عَدَمِ تَحْرِيفِهِ وتَغْيِيرِهِ. فالمَعْنى: ولْيَقْرَأْهُ أهْلُ الإنْجِيلِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي أُنْزِلَ، لا يُغَيِّرُونَهُ ولا يُبَدِّلُونَهُ، وهَذا بَعِيدٌ. وظاهِرُ الأمْرِ يَرُدُّ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّ عِيسى كانَ مُتَعَبِّدًا بِأحْكامِ التَّوْراةِ. وقالَ تَعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] ولِهَذا القائِلِ أنْ يَقُولَ: بِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ مِن إيجابِ العَمَلِ بِأحْكامِ التَّوْراةِ؛ والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ الأحْكامَ في الإنْجِيلِ قَلِيلَةٌ، وإنَّما أكْثَرُهُ زَواجِرُ؛ وتِلْكَ الأحْكامُ المُخالِفَةُ لِأحْكامِ التَّوْراةِ أُمِرُوا بِالعَمَلِ بِها، ولِهَذا جاءَ: ﴿ولِأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠] .

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولْيَحْكُمْ﴾؛ بِلامِ الأمْرِ ساكِنَةً، وبَعْضُ القُرّاءِ يَكْسِرُها. وقَرَأ أُبَيٌّ: وأنْ لِيَحْكُمَ؛ بِزِيادَةِ أنْ قَبْلَ لامِ كَيْ، وتَقَدَمَ كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ فِيما يَتَعَلَّقُ بِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والمَعْنى وآتَيْناهُ الإنْجِيلَ لِيَتَضَمَّنَ الهُدى والنُّورَ والتَّصْدِيقَ، ولِيَحْكُمَ أهْلُ الإنْجِيلِ بِما أنْزَلُ اللَّهُ فِيهِ. انْتَهى. فَعَطَفَ ولِيَحْكُمَ عَلى تَوَهُّمِ عِلَّةٍ ولِذَلِكَ قالَ: لِيَتَضَمَّنَ الهُدى. والزَّمَخْشَرِيُّ جَعَلَهُ مَعْطُوفًا عَلى هُدًى ومَوْعِظَةً، عَلى تَوَهُّمِ النُّطْقِ بِاللّامِ فِيهِما كَأنَّهُ قالَ: ولِلْهُدى والمَوْعِظَةِ ولِلْحُكْمِ؛ أيْ: جَعَلَهُ مَقْطُوعًا مِمّا قَبْلَهُ، وقُدِّرَ العامِلُ مُؤَخَّرًا؛ أيْ: ولْيَحْكُمَ أهْلُ الإنْجِيلِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ آتَيْناهُ إيّاهُ. وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ أقْرَبُ إلى الصَّوابِ، لِأنَّ الهُدى الأوَّلَ والنُّورَ والتَّصْدِيقَ لَمْ يُؤْتَ بِها عَلى سَبِيلِ العِلَّةِ، إنَّما جِيءَ بِقَوْلِهِ: فِيهِ هُدًى ونُورٌ، عَلى مَعْنى كائِنًا فِيهِ ذَلِكَ ومُصَدِّقًا، وهَذا مَعْنى الحالِ، والحالُ لا يَكُونُ عِلَّةً. فَقَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ: لِيَتَضَمَّنَ كَيْتَ وكَيْتَ، ولْيَحْكُمَ، بَعِيدٌ.

﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ ناسَبَ هُنا ذِكْرُ الفِسْقَ، لِأنَّهُ خَرَجَ عَنْ أمْرِ اللَّهِ تَعالى إذْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ولْيَحْكم، وهو أمْرٌ. كَما قالَ تَعالى: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] (p-٥٠١)أيْ: خَرَجَ عَنْ طاعَةِ أمْرِهِ تَعالى؛ فَقَدِ اتَّضَحَ مُناسَبَةُ خَتْمِ الجُمْلَةِ الأُولى بِالكافِرِينَ، والثّانِيَةِ بِالظّالِمِينَ، والثّالِثَةِ بِالفاسِقِينَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وتَكْرِيرُ هَذِهِ الصِّفاتِ لِمَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ هو عَلى جِهَةِ التَّوْكِيدِ، وأصْوَبُ ما يُقالُ فِيها: إنَّها تَعُمُّ كُلَّ مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، فَيَجِيءُ كُلُّ ذَلِكَ في الكافِرِ عَلى أتَمِّ وُجُوهِهِ، وفي المُؤْمِنِ عَلى مَعْنى كُفْرِ المَعْصِيَةِ وظُلْمِها وفِسْقِها. وقالَ القَفّالُ: هي لِمَوْصُوفٍ واحِدٍ كَما تَقُولُ: مَن أطاعَ اللَّهَ فَهو البَرُّ، ومَن أطاعَ فَهو المُؤْمِنُ، ومَن أطاعَ فَهو المُتَّقِي. وقِيلَ: الأوَّلُ في الجاحِدِ، والثّانِي والثّالِثُ في المُقِرِّ التّارِكِ. وقالَ الأصَمُّ: الأوَّلُ والثّانِي في اليَهُودِ، والثّالِثُ في النَّصارى. وعَلى قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ يَعُمُّ كُلَّ كافِرٍ ومُؤْمِنٍ، يَكُونُ إطْلاقُ الكافِرِينَ والظّالِمِينَ والفاسِقِينَ عَلَيْهِمْ لِلِاشْتِراكِ في قَدْرٍ مُشْتَرَكٍ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English