Абу Хайян · Тафсир · на арабском
Аль-Маида 5:48–50
5:48Страница 116
وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمُهَيۡمِنًا عَلَيۡهِۖ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُۖ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡحَقِّۚ لِكُلّٖ جَعَلۡنَا مِنكُمۡ شِرۡعَةٗ وَمِنۡهَاجٗاۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَلَٰكِن لِّيَبۡلُوَكُمۡ فِي مَآ ءَاتَىٰكُمۡۖ فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ ٤٨
Мы ниспослали тебе Писание с истиной в подтверждение прежних Писаний, и для того, чтобы оно предохраняло их (или свидетельствовало о них; или возвысилось над ними). Суди же их согласно тому, что ниспослал Аллах, и не потакай их желаниям, уклоняясь от явившейся к тебе истины. Каждому из вас Мы установили закон и путь. Если бы Аллах пожелал, то сделал бы вас одной общиной, однако Он разделил вас, чтобы испытать вас тем, что Он даровал вам. Состязайтесь же в добрых делах. Всем вам предстоит вернуться к Аллаху, и Он поведает вам о том, в чем вы расходились во мнениях.
﴿وأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ أنْزَلَ التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ، ولَمْ يَذْكُرْ مَن أنْزَلَها عَلَيْهِ لِاشْتِراكِ كُلِّهِمْ في أنَّها نَزَلَتْ عَلى مُوسى، فَتَرَكَ ذِكْرَهُ لِلْمَعْرِفَةِ بِذَلِكَ، ثُمَّ ذَكَرَ عِيسى وأنَّهُ آتاهُ الإنْجِيلَ، فَذَكَرَهُ لِيُقِرُّوا أنَّهُ مِن جُمْلَةِ الأنْبِياءِ، إذِ اليَهُودُ تُنْكِرُ نُبُوَّتَهُ، وإذا أنْكَرَتْهُ أنْكَرَتْ كِتابَهُ، فَنَصَّ تَعالى عَلَيْهِ وعَلى كِتابِهِ؛ ثُمَّ ذَكَرَ إنْزالَ القُرْآنِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، فَذَكَرَ الكِتابَ ومَن أنْزَلَهُ مُقَرِّرًا لِنُبُوَّتِهِ وكِتابِهِ، لِأنَّ الطّائِفَتَيْنِ يُنْكِرُونَ نُبُوَّتَهُ وكِتابَهُ. وجاءَ هُنا ذِكْرُ المُنَزَّلِ إلَيْهِ بِكافِ الخِطابِ، لِأنَّهُ أنَصُّ عَلى المَقْصُودِ؛ وكَثِيرًا ما جاءَ ذَلِكَ بِلَفْظِ الخِطابِ لِأنَّهُ لا يُلْبِسُ البَتَّةَ. و(بِالحَقِّ): مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ ومُصاحِبًا لَهُ لا يُفارِقُهُ، لَمّا كانَ مُتَضَمِّنًا حَقائِقَ الأُمُورِ، فَكَأنَّهُ نَزَلَ بِها. ويَحْتَمِلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِأنْزَلْنا؛ أيْ: أنْزَلْناهُ بِأنْ حَقَّ ذَلِكَ، لا أنَّهُ وجَبَ عَلى اللَّهِ، لَكِنَّهُ حَقٌّ في نَفْسِهِ. والألِفُ واللّامُ في الكِتابِ لِلْعَهْدِ وهو القُرْآنُ بِلا خِلافٍ؛ وانْتَصَبَ مُصَدِّقًا عَلى الحالِ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ؛ أيْ: لِما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكِتابِ. الألِفُ واللّامُ فِيهِ لِلْجِنْسِ، لِأنَّهُ عَنى بِهِ جِنْسَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ لِلْعَهْدِ، لِأنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ ما يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الكِتابِ عَلى الإطْلاقِ، وإنَّما أُرِيدَ نَوْعٌ مَعْلُومٌ مِنهُ، وهو ما أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ سِوى القُرْآنِ. والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّهُ في الأوَّلِ يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ الصِّفَةِ، وأنَّها حُذِفَتْ، والتَّقْدِيرُ: مِنَ الكِتابِ الإلَهِيِّ. وفي الثّانِي لا يَحْتاجُ إلى هَذا التَّقْدِيرِ، لِأنَّ العَهْدَ في الِاسْمِ يَتَضَمَّنُ الِاسْمُ بِهِ جَمِيعَ الصِّفاتِ الَّتِي لِلِاسْمِ، فَلا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ حَذْفٍ.
ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ؛ أيْ: أمِينًا عَلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ التَّيْمِيِّ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، والضَّحّاكِ، والحَسَنِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: القُرْآنُ أمِينٌ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ الكُتُبِ، فَما أخْبَرَ أهْلُ الكِتابِ عَنْ كِتابِهِمْ فَإنْ كانَ في القُرْآنِ فَصَدِّقُوا، وإلّا فَكَذِّبُوا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ أبِي صالِحٍ: شاهِدًا. وبِهِ قالَ الحَسَنُ أيْضًا وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مُصَدِّقًا عَلى ما أخْبَرَ مِنَ الكُتُبِ، وهَذا قَرِيبٌ مِنَ القَوْلِ الأوَّلِ. وقالَ الخَلِيلُ: المُهَيْمِنُ هو الرَّقِيبُ الحافِظُ. ومِنهُ قَوْلُهُ:
؎إنَّ الكِتابَ مُهَيْمِنٌ لِنَبِيِّنا والحَقُّ يَعْرِفُهُ ذَوُو الألْبابِ
وحَكاهُ الزَّجّاجُ، وبِهِ فَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: ومُهَيْمِنًا رَقِيبًا عَلى سائِرِ الكُتُبِ، لِأنَّهُ يَشْهَدُ لَها بِالصِّحَّةِ والبَيانِ. انْتَهى. وقالَ الشّاعِرُ:
؎مَلِيكٌ عَلى عَرْشِ السَّماءِ مُهَيْمِنٌ ∗∗∗ لِعِزَّتِهِ تَعْنُو الوُجُوهُ وتَسْجُدُ
فُسِّرَ بِالحافِظِ، وهَذا في صِفاتِ اللَّهِ؛ وأمّا في القُرْآنِ فَمَعْناهُ أنَّهُ حافِظٌ لِلدِّينِ والأحْكامِ. وقالَ الضَّحّاكُ أيْضًا: مَعْناهُ قاضِيًا. وقالَ عِكْرِمَةُ أيْضًا: مَعْناهُ دالًّا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَدْ ذَكَرَ أقْوالًا أنَّهُ شاهِدٌ، وأنَّهُ مُؤْتَمَنٌ، وأنَّهُ مُصَدِّقٌ، وأنَّهُ أمِينٌ، وأنَّهُ رَقِيبٌ، قالَ: ولَفْظَةُ المُهَيْمِنِ أخَصُّ مِن هَذِهِ الألْفاظِ، لِأنَّ المُهَيْمِنَ عَلى (p-٥٠٢)الشَّيْءِ هو المَعْنِيُّ بِأمْرِهِ الشّاهِدُ عَلى حَقائِقِهِ الحافِظُ لِحامِلِهِ، فَلا يُدْخِلُ فِيهِ ما لَيْسَ مِنهُ، والقُرْآنُ جَعَلَهُ اللَّهُ مُهَيْمِنًا عَلى الكُتُبِ يَشْهَدُ بِما فِيها مِنَ الحَقائِقِ وعَلى ما نَسَبَهُ المُحَرِّفُونَ إلَيْها، فَيُصَحِّحُ الحَقائِقَ ويُبْطِلُ التَّحْرِيفَ. وقَرَأ مُجاهِدٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: (ومُهَيْمَنًا) بِفَتْحِ المِيمِ الثّانِيَةِ، جَعَلَهُ اسْمَ مَفْعُولٍ؛ أيْ: مُؤَمَّنٌ عَلَيْهِ؛ أيْ: حُفِظَ مِنَ التَّبْدِيلِ والتَّغْيِيرِ. والفاعِلُ المَحْذُوفُ هو اللَّهُ أوِ الحافِظُ في كُلِّ بَلَدٍ، لَوْ حُذِفَ مِنهُ حَرْفٌ أوْ حَرَكَةٌ أوْ سُكُونٌ لَتَنَبَّهَ لَهُ وأنْكَرَ ذَلِكَ ورَدَّ، فَفي قِراءَةِ اسْمِ الفاعِلِ الضَّمِيرُ في عَلَيْهِ عائِدٌ عَلى الكِتابِ الثّانِي. وفي قِراءَةِ اسْمِ المَفْعُولِ عائِدٌ عَلى الكِتابِ الأوَّلِ، وفي كِلا الحالَيْنِ هو حالٌ مِنَ الكِتابِ الأوَّلِ لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مُصَدِّقًا والمَعْطُوفُ عَلى الحالِ حالٌ. ورَوى ابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ قِراءَتَهُ بِالفَتْحِ وقالَ: مَعْناهُ مُحَمَّدٌ مُؤْتَمَنٌ عَلى القُرْآنِ. قالَ الطَّبَرِيُّ: فَعَلى هَذا يَكُونُ (مُهَيْمِنًا) حالًا مِنَ الكافِ في إلَيْكَ. وطُعِنَ في هَذا القَوْلِ لِوُجُودِ الواوِ في (ومُهَيْمِنًا)، لِأنَّها عَطْفٌ عَلى مُصَدِّقًا، ومُصَدِّقًا حالٌ مِنَ الكِتابِ لا حالٌ مِنَ الكافِ، إذْ لَوْ كانَ حالًا مِنها لَكانَ التَّرْكِيبُ: لِما بَيْنَ يَدَيْكَ، بِكافِ الخِطابِ، وتَأْوِيلُهُ عَلى أنَّهُ مِنَ الِالتِفاتِ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ بَعِيدٌ عَنْ نَظْمِ القُرْآنِ؛ وتَقْدِيرُهُ: وجَعَلْناكَ يا مُحَمَّدُ مُهَيْمِنًا عَلَيْهِ - أبْعَدُ. وأنْكَرَ ثَعْلَبٌ قَوْلَ المُبَرِّدِ وابْنِ قُتَيْبَةَ أنَّ أصْلَهُ مُؤْتَمَنٌ.
﴿فاحْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ ظاهِرُهُ أنَّهُ أُمِرَ أنْ يَحْكُمَ بِما أنْزَلَ اللَّهُ، وتَقَدَّمَ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّها ناسِخَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢] وقَوْلُ الجُمْهُورِ: إنِ اخْتَرْتَ أنْ تَحْكُمَ بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ، وهَذا عَلى قَوْلِ مَن جَعَلَ الضَّمِيرَ في بَيْنَهم عائِدًا عَلى اليَهُودِ، ويَكُونُ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ أمْرَ نَدْبٍ، وإنْ كانَ الضَّمِيرُ لِلْمُتَحاكِمِينَ عُمُومًا، فالخِطابُ لِلْوُجُوبِ ولا نَسْخَ.
﴿ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ﴾ أيْ لا تُوافِقْهم في أغْراضِهِمُ الفاسِدَةِ مِنَ التَّفْرِيقِ في القِصاصِ بَيْنَ الشَّرِيفِ والوَضِيعِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أهْوائِهِمُ الَّتِي هي راجِعَةٌ لِغَيْرِ الدِّينِ والشَّرْعِ.
﴿عَمّا جاءَكَ مِنَ الحَقِّ﴾ الَّذِي هو القُرْآنُ. وضُمِّنَ: تَتَّبِعْ مَعْنى تَنْحَرِفْ، أوْ تَنْصَرِفْ، فَلِذَلِكَ عُدِّيَ بِعَنْ؛ أيْ: لا تَنْحَرِفْ أوْ تَتَزَحْزَحْ عَمّا جاءَكَ مُتَّبِعًا أهْواءَهم، أوْ بِسَبَبِ أهْوائِهِمْ. وقالَ أبُو البَقاءِ: عَمّا جاءَكَ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: عادِلًا عَمّا جاءَكَ. ولَمْ يُضَمِّنْ تَتَّبِعْ مَعْنى ما تَعَدّى بِعَنْ، وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ عَنْ حَرْفٌ ناقِصٌ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الجَنَّةِ، كَما لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا، وإذا كانَ ناقِصًا فَإنَّهُ يَتَعَدّى بِكَوْنٍ مُقَيَّدٍ لا بِكَوْنٍ مُطْلَقٍ، والكَوْنُ المُقَيَّدُ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ.
﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ الظّاهِرُ أنَّ المُضافَ إلَيْهِ ”كُلٍّ“ المَحْذُوفَ هو: أُمَّةٌ؛ أيْ: لِكُلِّ أُمَّةٍ. والخِطابُ في مِنكم لِلنّاسِ؛ أيْ: أيُّها النّاسُ، لِلْيَهُودِ شِرْعَةٌ ومِنهاجٌ، ولِلنَّصارى كَذَلِكَ، قالَهُ: عَلِيٌّ، وقَتادَةُ والجُمْهُورُ، ويَعْنُونَ في الأحْكامِ. وأمّا المُعْتَقَدُ: فَواحِدٌ لِجَمِيعِ العالَمِ؛ تَوْحِيدٌ، وإيمانٌ بِالرُّسُلِ وكُتُبِها وما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ المَعادِ، والجَزاءِ الأُخْرَوِيِّ. وقَدْ ذَكَرَ تَعالى جَماعَةً مِنَ الأنْبِياءِ شَرائِعُهم مُخْتَلِفَةٌ ثُمَّ قالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] والمَعْنى: في المُعْتَقَداتِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الأنْبِياءَ، لا سِيَّما وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم وذِكْرُ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ، وتَجِيءُ الآيَةُ مَعَ هَذا الِاحْتِمالِ تَنْبِيهًا لِمُحَمَّدٍ، ﷺ، أيْ: فاحْفَظْ شَرْعَكَ ومِنهاجَكَ لِئَلّا تَسْتَزِلَّكَ اليَهُودُ وغَيْرُهم في شَيْءٍ مِنهُ. انْتَهى. فَيَكُونُ المَحْذُوفُ المُضافَ إلَيْهِ لِكُلِّ نَبِيٍّ؛ أيْ: لِكُلِّ نَبِيٍّ مِنكم أيُّها الأنْبِياءُ. والشِّرْعَةُ والمِنهاجُ: لَفْظانِ لِمَعْنًى واحِدٍ؛ أيْ: طَرِيقًا، وكَرَّرَ لِلتَّوْكِيدِ؛ كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎وهِـنْدٌ أتَـى مِـنْ دُونِهَـا النَّـأْيُ والبُعْـدُ
وقالَ ابْنُ (p-٥٠٣)عَبّاسٍ والحَسَنُ وغَيْرُهُما: سَبِيلًا وسُنَّةً. وقالَ مُجاهِدٌ: الشِّرْعَةُ والمِنهاجُ دِينُ مُحَمَّدٍ، ﷺ، فَيَكُونُ المَعْنى: لِكُلٍّ مِنكم أيُّها النّاسُ جَعَلْنا هَذا الدِّينَ الخالِصَ فاتَّبِعُوهُ، والمُرادُ بِذَلِكَ إنّا أمَرْناكم بِاتِّباعِ دِينِ مُحَمَّدٍ إذْ هو ناسِخٌ لِلْأدْيانِ كُلِّها. وقالَ المُبَرِّدُ: الشِّرْعَةُ: ابْتِداءُ الطَّرِيقِ، والمِنهاجُ: الطَّرِيقُ المُسْتَمِرُّ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الشِّرْعَةُ: الطَّرِيقُ الَّذِي رُبَّما كانَ واضِحًا وغَيْرَ واضِحٍ، والمِنهاجُ لا يَكُونُ إلّا واضِحًا. وقِيلَ: الشِّرْعَةُ: الدِّينُ، والمِنهاجُ: الدَّلِيلُ. وقِيلَ الشِّرْعَةُ: النَّبِيُّ، والمِنهاجُ: الكِتابُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والمِنهاجُ بِناءُ مُبالَغَةٍ مِنَ النَّهْجِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِالشِّرْعَةِ: الأحْكامُ، وبِالمِنهاجِ: المُعْتَقَدُ؛ أيْ هو واحِدٌ في جَمِيعِكم، وفي هَذا الِاحْتِمالِ بُعْدٌ. انْتَهى. قِيلَ: وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنّا غَيْرُ مُتَعَبَّدِينَ بِشَرائِعِ مَن قَبْلَنا. وقَرَأ النَّخَعِيُّ وابْنُ وثّابٍ: شَرْعَةً؛ بِفَتْحِ الشِّينِ، والظّاهِرُ أنَّ جَعَلْنا بِمَعْنى صَيَّرْنا، ومَفْعُولُها الثّانِي هو لِكُلٍّ، ومِنكم مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ؛ تَقْدِيرُهُ: أعْنِي مِنكم. قالَ أبُو البَقاءِ: ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنكم صِفَةً لِكُلٍّ، لِأنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ الفَصْلَ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ بِالأجْنَبِيِّ الَّذِي لا تَشْدِيدَ فِيهِ لِلْكَلامِ، ويُوجِبُ أيْضًا أنْ يُفْصَلَ بَيْنَ جَعَلْنا وبَيْنَ مَعْمُولِها وهو شِرْعَةٌ. انْتَهى. فَيَكُونُ في التَّرْكِيبِ كَقَوْلِكَ: مِن كُلٍّ ضَرَبْتُ تَمِيمِيٍّ رَجُلًا، وهو لا يَجُوزُ.
﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً﴾ أيْ ولَوْ شاءَ اللَّهُ أنْ يَجْعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلَكُمُوها أيْ جَماعَةً مُتَّفِقَةً عَلى شَرِيعَةٍ واحِدَةٍ في الضَّلالِ. وقِيلَ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً عَلى الحَقِّ.
﴿ولَكِنْ لِيَبْلُوَكم فِيما آتاكُمْ﴾ أيْ: ولَكِنْ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ لِيَخْتَبِرَكم فِيما آتاكم مِنَ الكُتُبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِنَ الشَّرائِعِ المُخْتَلِفَةِ، هَلْ تَعْمَلُونَ بِها مُذْعِنِينَ مُعْتَقِدِينَ أنَّها مَصالِحُ قَدِ اخْتَلَفَتْ عَلى حَسَبِ الأحْوالِ والأوْقاتِ، مُعْتَرِفِينَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَقْصِدْ بِاخْتِلافِها إلّا ما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ، أمْ تَتَّبِعُونَ الشُّبَهَ وتُفَرِّطُونَ في العَمَلِ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهُ: ولَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ، لِأنَّهُ أرادَ اخْتِبارَهم وابْتِلاءَهم فِيما آتاهم مِنَ الكُتُبِ والشَّرائِعِ، فَلَيْسَ لَهم إلّا أنْ يَجِدُوا في امْتِثالِ الأوامِرِ.
﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ أيِ: ابْتَدِرُوا الأعْمالَ الصّالِحَةَ؛ قالَهُ: مُقاتِلٌ. وهي الَّتِي عاقِبَتُها أحْسَنُ الأشْياءِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ: الخَيْراتُ: الإيمانُ بِالرَّسُولِ.
﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا﴾ هو اسْتِئْنافٌ في مَعْنى التَّعْلِيلِ لِأمْرِهِ تَعالى بِاسْتِباقِ الخَيْراتِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: يُظْهِرُ ثَمَرَةَ اسْتِباقِ الخَيْراتِ والمُبادَرَةِ إلَيْها في وقْتِ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَعالى ومُجازاتِهِ.
﴿فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ أيْ: فَيُخْبِرُكم بِأعْمالِكم، وهي كِنايَةٌ عَنِ المُجازاةِ بِالثَّوابِ والعِقابِ، وهو إخْبارُ إيقاعٍ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: قَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ في الدُّنْيا بِالدَّلالَةِ والحُجَجِ، وغَدًا يُبَيِّنُهُ بِالمُجازاةِ. انْتَهى. وبِهَذا التَّنْبِيهِ يَظْهَرُ الفَضْلُ بَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ، والمُسْبِقِ والمُقَصِّرِ في العَمَلِ. ونَبَّأ: هُنا جاءَتْ عَلى وضْعِها الأصْلِيِّ مِن تَعْدِيَتِها إلى واحِدٍ بِنَفْسِها، وإلى آخَرَ بِحَرْفِ الجَرِّ، ولَمْ يُضَمِّنْها مَعْنى أعْلَمَ فَيُعَدِّيَها إلى ثَلاثَةٍ.
5:49Страница 116
وَأَنِ ٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ وَٱحۡذَرۡهُمۡ أَن يَفۡتِنُوكَ عَنۢ بَعۡضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَٱعۡلَمۡ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعۡضِ ذُنُوبِهِمۡۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَٰسِقُونَ ٤٩
Суди между ними согласно тому, что ниспослал Аллах, не потакай их желаниям и остерегайся их, дабы они не отвратили тебя от части того, что ниспослал тебе Аллах. Если же они отвернутся, то знай, что Аллах желает покарать их за некоторые из их грехов. Воистину, многие люди являются нечестивцами.
﴿وأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ «قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَ بَعْضُ اليَهُودِ لِبَعْضٍ مِنهم، ابْنُ صُورِيّا وشاسُ بْنُ قَيْسٍ وكَعْبُ بْنُ أُسَيْدٍ: اذْهَبُوا بِنا إلى مُحَمَّدٍ لَعَلَّنا نَفْتِنُهُ عَنْ دِينِهِ، فَأتَوْهُ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ قَدْ عَرَفْتَ أنّا أحْبارُ يَهُودَ وأشْرافُهم، وإنِ اتَّبَعْناكَ اتَّبَعَكَ كُلُّ اليَهُودِ، وبَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمٍ خُصُومَةٌ فَنُحاكِمُهم إلَيْكَ فَتَقْضِي لَنا عَلَيْهِمْ ونُؤْمِنُ بِكَ، فَأبى ذَلِكَ الرَّسُولُ، ﷺ، (p-٥٠٤)فَنَزَلَتْ» . وقالَ مُقاتِلٌ: قالَ جَماعَةٌ مِن بَنِي النَّضِيرِ لَهُ: هَلْ لَكَ أنْ تَحْكُمَ لَنا عَلى أصْحابِنا بَنِي قُرَيْظَةَ في أمْرِ الدِّماءِ كَما كُنّا عَلَيْهِ مِن قَبْلُ، ونُبايِعَكَ ؟ فَنَزَلَتْ. قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: ولَيْسَ هَذِهِ الآيَةُ تَكْرارًا لِما تَقَدَّمَ، وإنَّما نَزَلَتْ في شَيْئَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ: أحَدُهُما: شَأْنُ الرَّجْمِ، والآخَرُ التَّسْوِيَةُ. انْتَهى. وهَذِهِ الآيَةُ ناسِخَةٌ عِنْدَ قَوْمٍ لِلتَّخْيِيرِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢] وتَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ وأجازُوا في: وأنِ احْكم، أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى الكِتابِ؛ أيْ: والحُكْمَ. وفي مَوْضِعِ جَرٍّ عَطْفًا عَلى بِالحَقِّ، وفي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ مُؤَخَّرًا، والتَّقْدِيرُ: وحُكْمُكَ بِما أنْزَلَ؛ أنْزَلَ اللَّهُ أمْرَنا وقَوْلَنا. أوْ مُقَدَّمًا والتَّقْدِيرُ: ومِنَ الواجِبِ حُكْمُكَ بِما أنْزَلَ اللَّهُ. وقِيلَ: أنْ تَفْسِيرِيَّةٌ، وأُبْعِدَ ذَلِكَ مِن أجْلِ الواوِ، ولا يَصِحُّ ذَلِكَ بِأنْ يُقَدَّرَ قَبْلَ فِعْلِ الأمْرِ فِعْلًا مَحْذُوفًا فِيهِ مَعْنى القَوْلِ؛ أيْ: وأمَرْناكَ أنِ احْكم، لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ حَذْفُ الجُمْلَةِ المُفَسِّرَةِ بِأنْ وما بَعْدَها، وذَلِكَ لا يُحْفَظُ مِن كَلامِ العَرَبِ. وقُرِئَ بِضَمِّ النُّونِ مِن: وأنِ احْكم، إتْباعًا لِحَرَكَةِ الكافِ، وبِكَسْرِها عَلى أصْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ. والضَّمِيرُ في بَيْنَهم عائِدٌ عَلى اليَهُودِ. وقِيلَ: عَلى جَمِيعِ المُتَحاكِمِينَ.
﴿ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ﴾ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذِهِ الجُمْلَةِ.
﴿واحْذَرْهم أنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ أيْ: يَسْتَزِلُّوكَ. وحَذَّرَهُ عَنْ ذَلِكَ، وإنْ كانَ مَأْيُوسًا مِن فِتْنَتِهِمْ إيّاهُ لِقَطْعِ أطْماعِهِمْ، وقالَ: عَنْ بَعْضٍ، لِأنَّ الَّذِي سَألُوهُ هو أمْرٌ جُزْئِيٌّ، سَألُوهُ أنْ يَقْضِيَ لَهم فِيهِ عَلى خُصُومِهِمْ فَأبى مِنهُ. ومَوْضِعُ أنْ يَفْتِنُوكَ نَصْبٌ عَلى البَدَلِ، ويَكُونُ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ.
﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فاعْلَمْ أنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُصِيبَهم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ أيْ: فَإنْ تَوَلَّوْا عَنِ الحُكْمِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ وأرادُوا غَيْرَهُ؛ ومَعْنى: أنْ يُصِيبَهم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ، أنْ يُعَذِّبَهم بِبَعْضِ آثامِهِمْ. وأبْهَمَ بَعْضًا هُنا ويَعْنِي بِهِ؛ واللَّهُ أعْلَمُ؛ التَّوَلِّيَ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ وإرادَةَ خِلافِهِ، فَوَضَعَ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ مَوْضِعَ ذَلِكَ، وأرادَ أنَّهم ذَوُو ذُنُوبٍ جَمَّةٍ كَثِيرَةٍ لا العَدَدَ، وهَذا الذَّنْبُ مَعَ عِظَمِهِ وهَذا الإبْهامُ فِيهِ تَعْظِيمُ التَّوَلِّي وفَرْطُ إسْرافِهِمْ في ارْتِكابِهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ لَبِيدٍ:
؎أوْ يَرْتَبِطْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمامُها
أرادَ نَفْسَهُ وقَصَدَ تَفْخِيمَ شَأْنِها بِهَذا الإبْهامِ، كَأنَّهُ قالَ: نَفْسًا كَبِيرَةً أوْ نَفْسًا أيَّ نَفْسٍ، وهَذا الوَعْدُ بِالمُصِيبَةِ قَدْ أنْجَزَهُ لَهُ تَعالى بِقِصَّةِ بَنِي قَيْنُقاعَ وقِصَّةِ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وإجْلاءِ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أهْلَ خَيْبَرَ وفَدَكَ وغَيْرَهم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وخَصَّصَ إصابَتَهم بِبَعْضِ الذُّنُوبِ، لِأنَّ هَذا الوَعِيدَ إنَّما هو في الدُّنْيا؛ وذُنُوبُهم فِيها نَوْعانِ: نَوْعٌ يَخُصُّهم، كَشُرْبِ الخَمْرِ وزِناهم ورِشاهم؛ ونَوْعٌ يَتَعَدّى إلى النَّبِيِّ والمُؤْمِنِينَ كَمُمالَأتِهِمْ لِلْكُفّارِ، وأقْوالِهِمْ في الدِّينِ، فَهَذا النَّوْعُ هو الَّذِي تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ بِهِ في الدُّنْيا، وإنَّما يُعَذَّبُونَ بِكُلِّ الذُّنُوبِ في الآخِرَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْضًا: فَإنْ تَوَلَّوْا، قَبْلَهُ مَحْذُوفٌ مِنَ الكَلامِ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظّاهِرُ، تَقْدِيرُهُ: لا تَتَّبِعْ واحْذَرْ، فَإنْ حَكَّمُوكَ مَعَ ذَلِكَ واسْتَقامُوا فَنِعِمّا ذَلِكَ، وإنْ تَوَلَّوْا فاعْلَمْ. ويَحْسُنُ أنْ يُقَدَّرَ هَذا المَحْذُوفُ المُعادِلُ لِقَوْلِهِ: لَفاسِقُونَ. انْتَهى. ولا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ هَذا.
﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ لَفاسِقُونَ﴾ أيْ: مُتَمَرِّدُونَ مُبالِغُونَ في الخُرُوجِ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ بِالفِسْقِ هُنا: الكُفْرُ. وقالَ مُقاتِلٌ: المَعاصِي. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الكَذِبُ؛ وظاهِرُ النّاسِ العُمُومُ، وإنْ كانَ السِّياقُ في اليَهُودِ، وجاءَ بِلَفْظِ العُمُومِ لِيُنَبِّهَ مَن سِواهم. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ النّاسُ لِلْعَهْدِ، وهُمُ اليَهُودُ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم.
5:50Страница 116
أَفَحُكۡمَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ يَبۡغُونَۚ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكۡمٗا لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ ٥٠
Неужели они ищут суда времен невежества? Чьи решения могут быть лучше решений Аллаха для людей убежденных?
﴿أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ هَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإنْكارُ عَلى اليَهُودِ، حَيْثُ هم أهْلُ كِتابٍ وتَحْلِيلٍ وتَحْرِيمٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ومَعَ ذَلِكَ يُعْرِضُونَ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ ويَخْتارُونَ عَلَيْهِ حُكْمَ الجاهِلِيَّةِ، وهو بِمُجَرَّدِ الهَوى مِن مُراعاةِ الأشْرَفِ عِنْدَهم، وتَرْجِيحِ الفاضِلِ عِنْدَهم في الدُّنْيا عَلى المَفْضُولِ، وفي هَذا أشَدُّ النَّعْيِ عَلَيْهِمْ حَيْثُ تَرَكُوا الحُكْمَ الإلَهِيَّ بِحُكْمِ الهَوى والجَهْلِ. وقالَ الحَسَنُ: هو عامٌّ في كُلِّ مَن يَبْتَغِي غَيْرَ حُكْمِ (p-٥٠٥)اللَّهِ.
والحُكْمُ حُكْمانِ: حُكْمٌ بِعِلْمٍ، فَهو حُكْمُ اللَّهِ؛ وحُكْمٌ بِجَهْلٍ، فَهو حُكْمُ الشَّيْطانِ؛ وسُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يُفَضِّلُ بَعْضَ ولَدِهِ عَلى بَعْضٍ: فَقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أفَحُكْمَ﴾؛ بِنَصْبِ المِيمِ، وهو مَفْعُولُ يَبْغُونَ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، وأبُو رَجاءٍ، والأعْرَجُ: أفَحُكْمُ الجاهِلِيَّةِ؛ بِرَفْعِ المِيمِ عَلى الِابْتِداءِ. والظّاهِرُ أنَّ الخَبَرَ هو قَوْلُهُ: (يَبْغُونَ)، وحَسَّنَ حَذْفَ الضَّمِيرِ قَلِيلًا في هَذِهِ القِراءَةِ كَوْنُ الجُمْلَةِ فاصِلَةً. وقالَ ابْنُ مُجاهِدٍ: هَذا خَطَأٌ. قالَ ابْنُ جِنِّي: ولَيْسَ كَذَلِكَ، وُجِدَ غَيْرُهُ أقْوى مِنهُ وقَدْ جاءَ في الشِّعْرِ. انْتَهى.
وفِي هَذِهِ المَسْألَةِ خِلافٌ بَيْنِ النَّحْوِيِّينَ. وبَعْضُهم يُجِيزُ حَذْفَ هَذا الضَّمِيرِ في الكَلامِ، وبَعْضُهم يَخُصُّهُ بِالشِّعْرِ، وبَعْضُهم يُفَصِّلُ. وهَذِهِ المَذاهِبُ ودَلائِلُها مَذْكُورَةٌ في عِلْمِ النَّحْوِ؛ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإسْقاطُ الرّاجِعِ عَنْهُ كَإسْقاطِهِ عَنِ الصِّلَةِ في: أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا وعَنِ الصِّفَةِ في: النّاسُ رَجُلانِ، رَجُلٌ أهَنْتَ ورَجُلٌ أكْرَمْتَ. وعَنِ الحالِ في: مَرَرْتُ بِهِنْدٍ تَضْرِبُ زَيْدًا. انْتَهى. فَإنْ كانَ جَعْلُ الإسْقاطِ فِيهِ مِثْلَ الإسْقاطِ في الجَوازِ والحُسْنِ، فَلَيْسَ كَما ذُكِرَ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، بَلْ حَذْفُهُ مِنَ الصِّلَةِ بِشُرُوطِ الحَذْفِ: فَصِيحٌ، وحَذْفُهُ مِنَ الصِّفَةِ: قَلِيلٌ، وحَذْفُهُ مِنَ الخَبَرِ: مَخْصُوصٌ بِالشِّعْرِ، أوْ في نادِرٍ. وإنْ كانَ شَبَهُهُ بِهِ مِن حَيْثُ مُطْلَقُ الإسْقاطِ فَهو صَحِيحٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإنَّما تَتَّجِهُ القِراءَةُ عَلى أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: أفَحُكْمُ الجاهِلِيَّةِ حُكْمٌ تَبْغُونَ، فَلا تُجْعَلُ تَبْغُونَ خَبَرًا بَلْ تُجْعَلُ صِفَةَ خَبَرٍ مَحْذُوفٍ، ونَظِيرُهُ: (مِنَ الَّذِينَ يُحَرِّفُونَ) تَقْدِيرُهُ: قَوْمٌ يُحَرِّفُونَ. انْتَهى. وهو تَوْجِيهٌ مُمْكِنٌ. وقَرَأ قَتادَةُ والأعْمَشُ: (أفَحَكَمَ)؛ بِفَتْحِ الحاءِ والكافِ والمِيمِ، وهو جِنْسٌ لا يُرادُ بِهِ واحِدٌ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: أحُكّامَ الجاهِلِيَّةِ؛ وهي إشارَةٌ إلى الكُهّانِ الَّذِينَ كانُوا يَأْخُذُونَ الحُلْوانَ وهي رَشا الكُهّانِ، ويَحْكُمُونَ لَهم بِحَسَبِهِ وبِحَسَبِ الشَّهَواتِ، أرادُوا بِسَفَهِهِمْ أنْ يَكُونَ خاتَمُ النَّبِيِّينَ حَكَمًا كَأُولَئِكَ الحُكّامِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَبْغُونَ)؛ بِالياءِ عَلى نَسَقِ الغَيْبَةِ المُتَقَدِّمَةِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، وفِيهِ مُواجَهَتُهم بِالإنْكارِ والرَّدْعِ والزَّجْرِ، ولَيْسَ ذَلِكَ في الغَيْبَةِ، فَهَذِهِ حِكْمَةُ الِالتِفاتِ والخِطابِ لِيَهُودِ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ.
﴿ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ أيْ لا أحَدَ أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا وتَقَدَّمَ أنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَجاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُشِيرَةً إلى هَذا المَعْنى؛ والمَعْنى: أنَّ حُكْمَ اللَّهِ هو الغايَةُ في الحُسْنِ وفي العَدْلِ وهو اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَّقْرِيرُ ويَتَضَمَّنُ شَيْئًا مِنَ التَّكَبُّرِ عَلَيْهِمْ، واللّامُ في لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ: لِلْبَيانِ؛ فَتَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ؛ أيْ في هَيْتَ لَكَ وسُقْيًا لَكَ؛ أيْ: هَذا الخِطابُ وهَذا الِاسْتِفْهامُ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ؛ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وحُسْنُ دُخُولِ اللّامِ في لِقَوْمٍ مِن حَيْثُ المَعْنى يُبَيِّنُ لَكَ ذَلِكَ، ويَظْهَرُ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ. وقِيلَ اللّامُ بِمَعْنى عِنْدَ؛ أيْ: عِنْدَ قَوْمٍ يُوقِنُونَ؛ وهَذا ضَعِيفٌ. وقِيلَ تَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ حُكْمًا؛ أيْ: أنَّ حُكْمَ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِ عَلى الكافِرِ، ومُتَعَلِّقُ يُوقِنُونَ مَحْذُوفٌ؛ وتَقْدِيرُهُ: يُوقِنُونَ بِاللَّهِ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: يُوقِنُونَ بِاللَّهِ تَعالى؛ قالَهُ مُقاتِلٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: يُوقِنُونَ: يُثْبِتُونَ عَهْدَ اللَّهِ تَعالى في حُكْمِهِ وخُصُّوا بِالذِّكْرِ لِسُرْعَةِ إذْعانِهِمْ لِحُكْمِ اللَّهِ وأنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ أنْ لا أعْدَلَ مِنهُ ولا أحْسَنَ حُكْمًا.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии