Абу Хайян · Тафсир · на арабском
Аль-Маида 5:54–58
5:54Страница 117
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرۡتَدَّ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَسَوۡفَ يَأۡتِي ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ يُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوۡمَةَ لَآئِمٖۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ ٥٤
О те, которые уверовали! Если кто-нибудь из вас отступит от своей религии, то Аллах приведет других людей, которых Он будет любить и которые будут любить Его. Они будут смиренны перед верующими и непреклонны перед неверующими, будут сражаться на пути Аллаха и не будут бояться порицания порицающих. Такова милость Аллаха, которую Он дарует, кому пожелает. Аллах - Объемлющий, Знающий.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ﴾ وابْنُ كَعْبٍ والضَّحّاكُ الحَسَنُ وقَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهم: نَزَلَتْ خِطابًا (p-٥١١)لِلْمُؤْمِنِينَ عامَّةً إلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ ومَن يَرْتَدَّ جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، وهي إخْبارٌ عَنِ الغَيْبِ.
وتَعَرَّضَ المُفَسِّرُونَ هُنا لِمَنِ ارْتَدَّ في قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ نَخْتَصِرُها فَنَقُولُ: ارْتَدَّ في زَمانِ الرَّسُولِ، ﷺ، مَذْحِجٌ ورَئِيسُهم عَبْهَلَةُ بْنُ كَعْبٍ ذُو الخِمارِ، وهو الأسْوَدُ العَنْسِيُّ قَتَلَهُ فَيْرُوزٌ عَلى فِراشِهِ، وأخْبَرَ الرَّسُولُ، ﷺ، بِقَتْلِهِ، وسَمّى قاتِلَهُ لَيْلَةَ قُتِلَ. وماتَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، مِنَ الغَدِ، وأتى خَبَرُ قَتْلِهِ في آخِرِ رَبِيعٍ الأوَّلِ وبَنُو حَنِيفَةَ رَئِيسُهم مُسَيْلِمَةُ قَتَلَهُ وحْشِيٌّ، وبَنُو أسَدٍ رَئِيسُهم طُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ هَزَمَهُ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ، وأفْلَتَ ثُمَّ أسْلَمَ وحَسُنَ إسْلامُهُ. هَذِهِ ثَلاثُ فِرَقٍ ارْتَدَّتْ في حَياةِ الرَّسُولِ، وتَنَبَّأ رُؤَساؤُهم. وارْتَدَّ في خِلافَةِأبِي بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، سَبْعُ فِرَقٍ. فَزارَةُ: قَوْمُ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ، وغَطَفانُ: قَوْمُ قُرَّةَ بْنِ سَلَمَةَ القُشَيْرِيِّ، وسُلَيْمٌ: قَوْمُ الفُجاءَةِ بْنِ عَبْدِ يالِيلَ، ويَرْبُوعٌ: قَوْمُ مالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ، وبَعْضُ تَمِيمٍ: قَوْمُ سَجاحِ بِنْتِ المُنْذِرِ وقَدْ تَنَبَّأتْ وتَزَوَّجَها مُسَيْلِمَةُ وقالَ: الشّاعِرُ:
؎أضْحَتْ نَبِيَّتُنا أُنْثى نَطِيفُ بِها وأصْبَحَتْ أنْبِياءُ اللَّهِ ذُكْرانا
وقالَ أبُو العَلاءِ المَعَرِّيُّ:
؎أمَّتْ سَجاحِ ووالاها مُسَيْلِمَةُ ∗∗∗ كَذّابَةٌ في بَنِي الدُّنْيا وكَذّابُ
وكِنْدَةُ: قَوْمُ الأشْعَثِ، وبَكْرُ بْنُ وائِلٍ بِالبَحْرَيْنِ: قَوْمُ الحُطَمِ بْنِ يَزِيدَ. وكَفى اللَّهُ أمْرَهم عَلى يَدَيْ أبِي بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ وفِرْقَةٌ في عَهْدِ عُمَرَ: غَسّانُ: قَوْمُ جَبَلَةَ بْنِ الأيْهَمِ نَصَّرَتْهُ اللَّطْمَةُ وسَيَّرَتْهُ إلى بَلَدِ الرُّومِ بَعْدَ إسْلامِهِ.
وفِي القَوْمِ الَّذِينَ يَأْتِي اللَّهُ بِهِمْ: أبُو بَكْرٍ وأصْحابُهُ، أوْ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وأصْحابُهُما، أوْ قَوْمُ أبِي مُوسى، أوْ أهْلُ اليَمَنِ ألْفانِ مِنَ البَحْرِ وخَمْسَةُ آلافٍ مِن كِنْدَةَ وبَجِيلَةَ، وثَلاثَةُ آلافٍ مِن أخْلاطِ النّاسِ جاهَدُوا أيّامَ القادِسِيَّةِ أيّامَ عُمَرَ. أوِ الأنْصارُ، أوْ هُمُ المُهاجِرُونَ، أوْ أحْياءٌ مِنَ اليَمَنِ مِن كِنْدَةَ وبَجِيلَةَ وأشْجَعَ لَمْ يَكُونُوا وقْتَ النُّزُولِ قاتَلَ بِهِمْ أبُو بَكْرٍ في الرِّدَّةِ، أوِ القُرْبى، أوْ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ قاتَلَ الخَوارِجَ؛ أقْوالٌ تِسْعَةٌ. وفي المُسْتَدْرَكِ لِأبِي عَبْدِ اللَّهِ الحاكِمِ بِإسْنادٍ: أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ أشارَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، إلى أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ فَقالَ قَوْمٌ: هَذا، وهَذا أصَحُّ الأقْوالِ، وكانَ لَهم بَلاءٌ في الإسْلامِ زَمانَ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، وعامَّةُ فَتُوحِ عُمَرَ عَلى أيْدِيهِمْ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: مَن يَرْتَدِدْ؛ بِدالَيْنِ مَفْكُوكًا، وهي لُغَةُ الحِجازِ. والباقُونَ بِواحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ. والعائِدُ عَلى اسْمِ الشَّرْطِ مِن جُمْلَةِ الجَزاءِ مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى، تَقْدِيرُهُ: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ غَيْرِهِمْ، أوْ مَكانَهم. ويُحِبُّونَهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: يُحِبُّهم، فَهو في مَوْضِعِ جَرٍّ. وقالَ أبُو البَقاءِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ، تَقْدِيرُهُ: وهم يُحِبُّونَهُ. انْتَهى. وهَذا ضَعِيفٌ لا يُسَوَّغُ مِثْلُهُ في القُرْآنِ. ووَصَفَ تَعالى هَؤُلاءِ القَوْمَ بِأنَّهُ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ، مَحَبَّةُ اللَّهِ لَهم هي تَوْفِيقُهم لِلْإيمانِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ﴾ [الحجرات: ٧] وإثابَتُهُ عَلى ذَلِكَ وعَلى سائِرِ الطّاعاتِ، وتَعْظِيمُهُ إيّاهم، وثَناؤُهُ عَلَيْهِمْ، ومَحَبَّتُهم لَهُ وطاعَتُهُ واجْتِنابُ نَواهِيهِ، وامْتِثالُ مَأْمُوراتِهِ. وقَدَّمَ مَحَبَّتَهُ عَلى مَحَبَّتِهِمْ إذْ هي أشْرَفُ وأسْبَقُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأمّا ما يَعْتَقِدُهُ أجْهَلُ النّاسِ وأعْداهم لِلْعِلْمِ وأهْلِهِ، وأمْقُتُهم لِلشَّرْعِ، وأسْوَأُهم طَرِيقَةً، وإنْ كانَتْ طَرِيقَتُهُ عِنْدَ أمْثالِهِ مِنَ السُّفَهاءِ والجَهَلَةِ شَيْئًا، وهُمُ: الفِرْقَةُ المُنْفَعِلَةُ والمُتَفَعِّلَةُ مِنَ الصُّوفِ وما يَدِينُونَ بِهِ مِنَ المَحَبَّةِ والعِشْقِ والتَّغَنِّي عَلى كَراسِيِّهِمْ، خَرَّبَها اللَّهُ، وفي مَراقِصِهِمْ، عَطَّلَها اللَّهُ، بِأبْياتِ الغَزَلِ المَقُولَةِ في المُرْدانِ الَّذِينَ يُسَمُّونَهم شُهَداءَ اللَّهِ وصَعَقاتِهِمُ الَّتِي تُشْبِهُ صَعْقَةَ مُوسى عِنْدَ دَكِّ الطُّورِ، فَتَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا. ومِن كَلِماتِهِ كَما أنَّهُ بِذاتِهِ يُحِبُّهم، كَذَلِكَ يُحِبُّونَ ذاتَهُ، فَإنَّ الهاءَ راجِعَةٌ إلى الذّاتِ دُونَ النُّعُوتِ والصِّفاتِ. ومِنها الحُبُّ، شَرْطُهُ أنْ تَلْحَقَهُ سَكَراتُ المَحَبَّةِ، فَإذا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَقِيقَةً. انْتَهى كَلامُ (p-٥١٢)الزَّمَخْشَرِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى. وقالَ بَعْضُ المُعاصِرِينَ: قَدْ عَظُمَ أمْرُ هَؤُلاءِ المُنْفَعِلَةِ عِنْدَ العامَّةِ وكَثُرَ القَوْلُ فِيهِمْ بِالحُلُولِ والوَحْدَةِ، وسِرِّ الحُرُوفِ، وتَفْسِيرِ القُرْآنِ عَلى طَرِيقِ القَرامِطَةِ الكُفّارِ الباطِنِيَّةِ، وادِّعاءِ أعْظَمِ الخَوارِقِ لِأفْسَقِ الفُسّاقِ، وبُغْضِهِمْ في العِلْمِ وأهْلِهِ، حَتّى إنَّ طائِفَةً مِنَ المُحَدِّثِينَ قَصَدُوا قِراءَةَ الحَدِيثِ عَلى شَيْخٍ في خانِقاتِهِمْ يَرْوِي الحَدِيثَ فَبِنَفْسِ ما قَرَءُوا شَيْئًا مِن حَدِيثِ الرَّسُولِ خَرَجَ شَيْخُ الشُّيُوخِ الَّذِينَ هم يَقْتَدُونَ بِهِ، وقَطَعَ قِراءَةَ الحَدِيثِ، وأخْرَجَ الشَّيْخَ المُسَمِّعَ والمُحَدِّثِينَ وقالَ: رُوحُوا إلى المَدارِسِ شَوَّشْتُمْ عَلَيْنا. ولا يُمَكِّنُونَ أحَدًا مِن قِراءَةِ القُرْآنِ جَهْرًا، ولا مِنَ الدَّرْسِ لِلْعِلْمِ. وقَدْ صَحَّ أنَّ بَعْضَهم مِمَّنْ يَتَكَلَّمُ بِالدَّهْرِ عَلى طَرِيقَتِهِمْ، سَمِعَ ناسًا في جامِعٍ يَقْرَءُونَ القُرْآنَ فَصَعِدَ كُرْسِيَّهُ الَّذِي يَهْدِرُ عَلَيْهِ فَقالَ: يا أصْحابَنا شَوَّشُوا عَلَيْنا، وقامَ نافِضًا ثَوْبَهُ، فَقامَ أصْحابُهُ وهو يَدُلُّهم لِقُرّاءِ القُرْآنِ، فَضَرَبُوهم أشَدَّ الضَّرْبِ، وسُلَّ عَلَيْهِمُ السَّيْفُ مِنَ أتْباعِ ذَلِكَ الهادِرِ وهو لا يَنْهاهم عَنْ ذَلِكَ. وقَدْ عَلَّمَ أصْحابَهُ كَلامًا افْتَعَلُوهُ عَلى بَعْضِ الصّالِحِينَ حَفَّظَهم إيّاهُ يَسْرُدُونَهُ حِفْظًا كالسُّورَةِ مِنَ القُرْآنِ، وهو مَعَ ذَلِكَ لا يُعَلِّمُهم فَرائِضَ الوُضُوءِ، ولا سُنَنَهُ، فَضْلًا عَنْ غَيْرِها مِن تَكالِيفِ الإسْلامِ. والعَجَبُ أنَّ كُلًّا مِن هَؤُلاءِ الرُّءُوسِ يُحْدِثُ كَلامًا جَدِيدًا يُعَلِّمُهُ أصْحابَهُ حَتّى يَصِيرَ لَهم شِعارًا، ويَتْرُكُ ما صَحَّ عَنِ الرَّسُولِ، ﷺ، مِنَ الأدْعِيَةِ المَأْثُورَةِ المَأْمُورِ بِها وفي كِتابِ اللَّهِ تَعالى عَلى غَثاثَةِ كَلامِهِمْ، وعامِّيَّتِهِ، وعَدَمِ فَصاحَتِهِ، وقِلَّةِ مَحْصُولِهِ، وهم مُسْتَمْسِكُونَ بِهِ كَأنَّهُ جاءَهم بِهِ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ. ولَنْ تَرى أطْوَعَ مِنَ العَوامِّ لِهَؤُلاءِ يَبْنُونَ لَهُمُ الخَوانِقَ والرُّبُطَ، ويَرْصُدُونَ لَهُمُ الأوْقافَ، وهم أبْغَضُ النّاسِ في العِلْمِ والعُلَماءِ، وأحَبُّهم لِهَذِهِ الطَّوائِفِ. والجاهِلُونَ لِأهْلِ العِلْمِ أعْداءٌ.
﴿أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ هو جَمْعُ ذَلِيلٍ لا جَمْعُ ذَلُولٍ الَّذِي هو نَقِيضُ الضَّعْفِ، لِأنَّ ذَلُولًا لا يُجْمَعُ عَلى أذِلَّةٍ بَلْ ذَلَلٍ، وعُدِّيَ أذِلَّةٍ بِعَلى وإنْ كانَ الأصْلُ بِاللّامِ، لِأنَّهُ ضَمَّنَهُ مَعْنى الحُنُوِّ والعَطْفِ كَأنَّهُ قالَ: عاطِفِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ عَلى وجْهِ التَّذَلُّلِ والتَّواضُعِ. قِيلَ: أوْ لِأنَّهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، التَّقْدِيرُ: عَلى فَضْلِهِمْ عَلى المُؤْمِنِينَ عَلى وجْهِ التَّذَلُّلِ والتَّواضُعِ. قِيلَ: أوْ لِأنَّهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، التَّقْدِيرُ: عَلى فَضْلِهِمْ عَلى المُؤْمِنِينَ، والمَعْنى أنَّهم يَذِلُّونَ ويَخْضَعُونَ لِمَن فُضِّلُوا عَلَيْهِ مَعَ شَرَفِهِمْ وعُلُوِّ مَكانِهِمْ، وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] وجاءَتْ هَذِهِ الصِّفَةُ بِالِاسْمِ الَّذِي فِيهِ المُبالَغَةُ، لِأنَّ أذِلَّةً جَمْعُ ذَلِيلٍ وأعِزَّةً جَمْعُ عَزِيزٍ، وهُما صِفَتا مُبالَغَةٍ، وجاءَتِ الصِّفَةُ قَبْلَ هَذا بِالفِعْلِ في قَوْلِهِ: ﴿يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ﴾ لِأنَّ الِاسْمَ يَدُلُّ عَلى الثُّبُوتِ، فَلَمّا كانَتْ صِفَةَ مُبالَغَةٍ، وكانَتْ لا تَتَجَدَّدُ بَلْ هي كالغَرِيزَةِ، جاءَ الوَصْفُ بِالِاسْمِ؛ ولَمّا كانَتْ قَبْلُ تَتَجَدَّدُ، لِأنَّها عِبارَةٌ عَنْ أفْعالِ الطّاعَةِ والثَّوابِ المُتَرَتِّبِ عَلَيْها، جاءَ الوَصْفُ بِالفِعْلِ الَّذِي يَقْتَضِي التَّجَدُّدَ. ولَمّا كانَ الوَصْفُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالمُؤْمِنِ أوْكَدَ، ولِمَوْصُوفِهِ الَّذِي قُدِّمَ عَلى الوَصْفِ المُتَعَلِّقِ بِالكافِرِ، ولِشَرَفِ المُؤْمِنِ أيْضًا، ولَمّا كانَ الوَصْفُ الَّذِي بَيْنَ المُؤْمِنِ ورَبِّهِ أشْرَفَ مِنَ الوَصْفِ الَّذِي بَيْنَ المُؤْمِنِ والمُؤْمِنِ، قُدِّمَ قَوْلُهُ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ عَلى قَوْلِهِ: أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الوَصْفَ إذا كانَ بِالِاسْمِ وبِالفِعْلِ لا يَتَقَدَّمُ الوَصْفُ بِالفِعْلِ عَلى الوَصْفِ بِالِاسْمِ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ نَحْوَ قَوْلِهِ:
؎وفَـرْعٍ يُغَشِّـي المَتْـنَ أسْـوَدَ فَـاحِـمٍ
إذْ جاءَ ما ادَّعى أنَّهُ يَكُونُ في الضَّرُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقُدِّمَ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ، وهو فِعْلٌ، عَلى قَوْلِهِ: أذِلَّةٍ؛ وهو اسْمٌ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ [الأنعام: ٩٢] وقُرِئَ شاذًّا أذِلَّةً، وهو اسْمٌ وكَذا أعِزَّةً نَصْبًا عَلى الحالِ مِنَ النَّكِرَةِ إذا قُرِّبَتْ مِنَ المَعْرِفَةِ بِوَصْفِها. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: غُلَظاءَ عَلى الكافِرِينَ مَكانَ أعِزَّةٍ.
(p-٥١٣)﴿يُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: في نُصْرَةِ دِينِهِ. وظاهِرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ أنَّها صِفَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافَ أخْبارٍ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في أعِزَّةٍ.
﴿ولا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ أيْ: هم صِلابٌ في دِينِهِ، لا يُبالُونَ بِمَن لامَ فِيهِ. فَمَتى شَرَعُوا في أمْرٍ بِمَعْرُوفٍ أوْ نَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ، أمْضَوْهُ لا يَمْنَعُهُمُ اعْتِراضُ مُعْتَرِضٍ، ولا قَوْلُ قائِلٍ؛ هَذانِ الوَصْفانِ أعْنِي: الجِهادَ والصَّلابَةَ في الدِّينِ، هُما نَتِيجَةُ الأوْصافِ السّابِقَةِ؛ لِأنَّ مَن أحَبَّ اللَّهَ لا يَخْشى إلّا إيّاهُ، ومَن كانَ عَزِيزًا عَلى الكافِرِ جاهِدًا في إخْمادِهِ واسْتِئْصالِهِ؛ وناسَبَ تَقْدِيمُ الجِهادِ عَلى انْتِفاءِ الخَوْفِ مِنَ اللّائِمِينَ لِمُجاوَرَتِهِ ﴿أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾، ولِأنَّ الخَوْفَ أعْظَمُ مِنَ الجِهادِ، فَكانَ ذَلِكَ تَرَقِّيًا مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى. ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الواوُ في: ولا يَخافُونَ واوَ الحالِ؛ أيْ: يُجاهِدُونَ، وحالُهم في المُجاهَدَةِ غَيْرُ حالِ المُنافِقِينَ، فَإنَّهم كانُوا مُوالِينَ لِلْيَهُودِ، فَإذا خَرَجُوا في جَيْشِ المُؤْمِنِينَ خافُوا أوْلِياءَهُمُ اليَهُودَ وتَخاذَلُوا وخَذَلُوا حَتّى لا يَلْحَقُهم لَوْمٌ مِن جِهَتِهِمْ. وأمّا المُؤْمِنُونَ فَكانُوا يُجاهِدُونَ لِوَجْهِ اللَّهِ، لا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ. ولَوْمَةٌ لِلْمَرَّةِ الواحِدَةِ؛ وهي نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ. فَتَعُمُّ؛ أيْ: لا يَخافُونَ شَيْئًا قَطُّ مِنَ اللَّوْمِ.
﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾ الظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الأوْصافِ الَّتِي تَحَلّى بِها المُؤْمِنُ. ذَكَرَ أنَّ ذَلِكَ هو فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن أرادَ، لَيْسَ ذَلِكَ بِسابِقَةٍ مِمَّنْ أعْطاهُ إيّاهُ، بَلْ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الإحْسانِ مِنهُ تَعالى لِمَن أرادَ الإحْسانَ إلَيْهِ. وقِيلَ: ذَلِكَ إشارَةٌ إلى حُبِّ اللَّهِ لَهم وحُبِّهِمْ لَهُ. وقِيلَ: إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾، وهو: لِينُ الجانِبِ، وتَرْكُ التَّرَفُّعِ عَلى المُؤْمِنِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ مِمَّنْ يَعْلَمُ أنَّ لَهُ لُطْفًا. انْتَهى. وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. ويُؤْتِيهِ اسْتِئْنافٌ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ أوْ حالٌ.
﴿واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ: واسْعُ الإحْسانِ والإفْضالِ عَلِيمٌ بِمَن يَضَعُ ذَلِكَ فِيهِ.
5:55Страница 117
إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُمۡ رَٰكِعُونَ ٥٥
Вашим Покровителем является только Аллах, Его Посланник и верующие, которые совершают намаз, выплачивают закят и преклоняются.
﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ لَمّا نَهاهم عَنِ اتِّخاذِ اليَهُودِ والنَّصارى أوْلِياءَ، بَيَّنَ هُنا مَن هو ولِيُّهم، وهو اللَّهُ ورَسُولُهُ. وفُسِّرَ الوَلِيُّ هُنا بِالنّاصِرِ، أوِ المُتَوَلِّي الأمْرَ، أوِ المُحِبِّ. ثَلاثَةُ أقْوالٍ؛ والمَعْنى: لا ولِيَّ لَكم إلّا اللَّهُ. وقالَ: ولِيُّكم بِالإفْرادِ، ولَمْ يَقُلْ أوْلِياؤُكم؛ وإنْ كانَ المُخْبَرُ بِهِ مُتَعَدِّدًا، لِأنَّ ولِيًّا اسْمُ جِنْسٍ. أوْ لِأنَّ الوَلايَةَ حَقِيقَةً هي لِلَّهِ تَعالى عَلى سَبِيلِ التَّأصُّلِ، ثُمَّ نَظَمَ في سِلْكِهِ مَن ذُكِرَ عَلى سَبِيلِ التَّبَعِ، ولَوْ جاءَ جَمْعًا لَمْ يُتَبَيَّنْ هَذا المَعْنى مِنَ الأصالَةِ والتَّبَعِيَّةِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: مَوْلاكُمُ اللَّهُ؛ وظاهِرُ قَوْلِهِ: والَّذِينَ آمَنُوا، عُمُومُ مَن آمَنَ مَن مَضى مِنهم ومَن بَقِيَ، قالَهُ الحَسَنُ. وسُئِلَ الباقِرُ عَمَّنْ نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ، أهوَ عَلِيٌّ ؟ فَقالَ: عَلِيٌّ مِنَ المُؤْمِنِينَ. وقِيلَ: الَّذِينَ آمَنُوا هوَ عَلِيٌّ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ، ويَكُونُ مِن إطْلاقِ الجَمْعِ عَلى الواحِدِ مَجازًا. وقِيلَ (p-٥١٤)ابْنُ سَلامٍ وأصْحابُهُ. وقِيلَ: عُبادَةُ، لَمّا تَبَرَّأ مِن حُلَفائِهِ اليَهُودِ. وقِيلَ: أبُو بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم راكِعُونَ﴾ هَذِهِ أوْصافٌ مُيِّزَ بِها المُؤْمِنُ الخالِصُ الإيمانِ مِنَ المُنافِقِ، لِأنَّ المُنافِقَ لا يَدُومُ عَلى الصَّلاةِ ولا عَلى الزَّكاةِ. قالَ تَعالى: ﴿وإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى﴾ [النساء: ١٤٢] وقالَ تَعالى: ﴿أشِحَّةً عَلى الخَيْرِ﴾ [الأحزاب: ١٩] ولَمّا كانَتِ الصَّحابَةُ وقْتَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ مِن مُقِيمِي صَلاةٍ ومُؤْتِي زَكاةٍ، وفي كِلْتا الحالَتَيْنِ كانُوا مُتَّصِفِينَ بِالخُضُوعِ لِلَّهِ تَعالى والتَّذَلُّلِ لَهُ، نَزَلَتِ الآيَةُ بِهَذِهِ الأوْصافِ الجَلِيلَةِ؛ والرُّكُوعُ هُنا ظاهِرُهُ الخُضُوعُ، لا الهَيْئَةُ الَّتِي في الصَّلاةِ. وقِيلَ: المُرادُ الهَيْئَةُ، وخُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِأنَّها مِن أعْظَمِ أرْكانِ الصَّلاةِ، فَعَبَّرَ بِها عَنْ جَمِيعِ الصَّلاةِ، إلّا أنَّهُ يَلْزَمُ في هَذا القَوْلِ تَكْرِيرُ الصَّلاةِ لِقَوْلِهِ: ﴿يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾؛ ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ التَّكْرارُ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ لِشَرَفِ الصَّلاةِ وعِظَمِها في التَّكالِيفِ الإسْلامِيَّةِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالصَّلاةِ هُنا الفَرائِضُ، وبِالرُّكُوعِ التَّنَفُّلُ. يُقالُ: فُلانٌ يَرْكَعُ إذا تَنَفَّلَ بِالصَّلاةِ؛ ورُوِيَ أنَّ عَلِيًّا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، تَصَدَّقَ بِخاتَمِهِ وهو راكِعٌ في الصَّلاةِ. والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وهم راكِعُونَ﴾، أنَّها جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمَلِ قَبْلَها، مُنْتَظِمَةٌ في سِلْكِ الصَّلاةِ. وقِيلَ: الواوُ لِلْحالِ؛ أيْ: يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم خاضِعُونَ لا يَشْتَغِلُونَ عَلى مَن يُعْطُونَهم إيّاها؛ أيْ: يُؤْتُونَها فَيَتَصَدَّقُونَ وهم مُلْتَبِسُونَ بِالصَّلاةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ. (فَإنْ قُلْتَ): الَّذِينَ يُقِيمُونَ ما مَحَلُّهُ ؟ (قُلْتُ): الرَّفْعُ عَلى البَدَلِ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا، أوْ عَلى هُمُ الَّذِينَ يُقِيمُونَ. انْتَهى. ولا أدْرِي ما الَّذِي مَنَعَهُ مِنَ الصِّفَةِ إذْ هو المُتَبادِرُ إلى الذِّهْنِ، لِأنَّ المُبْدَلَ مِنهُ في نِيَّةِ الطَّرْحِ، وهو لا يَصِحُّ هُنا طَرْحُ الَّذِينَ آمَنُوا لِأنَّهُ هو الوَصْفُ المُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ صِحَّةُ ما بَعْدَهُ مِنَ الأوْصافِ.
5:56Страница 117
وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَإِنَّ حِزۡبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَ ٥٦
Если они считают Аллаха, Его Посланника и верующих своими покровителями и помощниками, то ведь поборники Аллаха непременно окажутся победителями.
﴿ومَن يَتَوَلَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ والَّذِينَ آمَنُوا فَإنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغالِبُونَ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ جَوابُ مَن مَحْذُوفًا لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ؛ أيْ: يَكُنْ مِن حِزْبِ اللَّهِ ويَغْلِبْ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الجَوابُ: فَإنَّ حِزْبَ اللَّهِ، ويَكُونَ مِن وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ؛ أيْ: فَإنَّهم هُمُ الغالِبُونَ. وفائِدَةُ وضْعِ الظّاهِرِ هُنا مَوْضِعَ المُضْمَرِ: الإضافَةُ إلى اللَّهِ تَعالى فَيَشْرُفُونَ بِذَلِكَ، وصارُوا بِذَلِكَ أعْلامًا؛ وأصْلُ الحِزْبِ القَوْمُ، يَجْتَمِعُونَ لِأمْرِ حِزْبِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ حِزْبَ اللَّهِ والرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ، ويَكُونُ المَعْنى: ومَن يَتَوَلَّهم فَقَدْ تَوَلّى حِزْبَ اللَّهِ، واعْتَضَدَ بِمَن لا يُغالَبُ. انْتَهى. وهو قَلَقٌ في التَّرْكِيبِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْ: فَإنَّهُ غالِبُ كُلِّ مَن ناوَأهُ، وجاءَتِ العِبارَةُ عامَّةً أنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغالِبُونَ اخْتِصارًا، لِأنَّ هَذا المُتَوَلِّيَ هو مِن حِزْبِ اللَّهِ، وحِزْبُ اللَّهِ غالِبٌ، فَهَذا الَّذِي تَوَلّى اللَّهَ ورَسُولَهُ غالِبٌ. ومَن يُرادُ بِها الجِنْسُ لا مُفْرَدٌ، وهم هُنا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ فَصْلًا، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً.
5:57Страница 117
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمۡ هُزُوٗا وَلَعِبٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَٱلۡكُفَّارَ أَوۡلِيَآءَۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٥٧
О те, которые уверовали! Не считайте тех, которым Писание было даровано до вас и которые глумятся над вашей религией и считают ее развлечением, и неверующих своими помощниками и друзьями. Бойтесь Аллаха, если вы являетесь верующими.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكم هُزُؤًا ولَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم والكُفّارَ أوْلِياءَ﴾ (p-٥١٥)قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ رِفاعَةُ بْنُ زَيْدٍ وسُوَيْدُ بْنُ الحارِثِ قَدْ أظْهَرا الإسْلامَ ثُمَّ نافَقا، وكانَ رِجالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يُوادُّونَهُما فَنَزَلَتْ. ولَمّا نَهى تَعالى المُؤْمِنِينَ عَنِ اتِّخاذِ الكُفّارِ والنَّصارى أوْلِياءَ، نَهى عَنِ اتِّخاذِ الكُفّارِ أوْلِياءَ يَهُودًا كانُوا أوْ نَصارى، أوْ غَيْرَهُما. وكَرَّرَ ذِكْرَ اليَهُودِ والنَّصارى بُقُولِهِ: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾، وإنْ كانُوا مُنْدَرِجِينَ في عُمُومِ الكُفّارِ عَلى سَبِيلِ النَّصِّ عَلى بَعْضِ أفْرادِ العامِّ لِسَبْقِهِمْ في الذِّكْرِ في الآياتِ قَبْلُ، ولِأنَّهُ أوْغَلُ في الِاسْتِهْزاءِ، وأبْعَدُ انْقِيادًا لِلْإسْلامِ، إذْ يَزْعُمُونَ أنَّهم عَلى شَرِيعَةٍ إلَهِيَّةٍ. ولِذَلِكَ كانَ المُؤْمِنُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ في غايَةِ الكَثْرَةِ، والمُؤْمِنُونَ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى في غايَةِ القِلَّةِ. وقِيلَ: أُرِيدَ بِالكُفّارِ: المُشْرِكُونَ خاصَّةً؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفَرَّقَتِ الآيَةُ بَيْنَ الكُفّارِ وبَيْنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ، مِن حَيْثُ الغالِبُ في اسْمِ الكُفْرِ أنْ يَقَعَ عَلى المُشْرِكِينَ بِاللَّهِ إشْراكَ عِبادَةِ الأوْثانِ، لِأنَّهم أبْعَدُ شَأْوًا في الكُفْرِ. وقَدْ قالَ: ﴿جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ﴾ [التوبة: ٧٣] فَفَرَّقَ بَيْنَهم إرادَةَ البَيانِ. والجَمِيعُ كَفّارٌ، وكانُوا عَبَدَةَ الأوْثانِ، هم كُفّارٌ مِن كُلِّ جِهَةٍ. وهَذِهِ الفِرَقُ تَلْحَقُ بِهِمْ في حَدِّ الكُفْرِ، وتُخالِفُهم في رُتَبٍ، فَأهْلُ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وبِبَعْضِ الأنْبِياءِ، والمُنافِقُونَ يُؤْمِنُونَ بِألْسِنَتِهِمْ. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفَصَّلَ المُسْتَهْزِئِينَ بِأهْلِ الكِتابِ عَلى المُشْرِكِينَ خاصَّةً. انْتَهى. ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ مَنِ اتَّخَذَ دِينَكم هُزُوًا ولَعِبًا لا يُناسِبُ أنْ يُتَّخَذَ ولِيًّا، بَلْ يُعادى ويُبْغَضُ ويُجانَبُ. واسْتِهْزاؤُهم، قِيلَ: بِإظْهارِ الإسْلامِ، وإخْفاءِ الكُفْرِ. وقِيلَ: بِقَوْلِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ: احْفَظُوا دِينَكم ودُومُوا عَلَيْهِ فَإنَّهُ الحَقُّ، وقَوْلُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ: لَعِبْنا بِعُقُولِهِمْ وضَحِكْنا عَلَيْهِمْ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ضَحِكُوا مِنَ المُسْلِمِينَ وقْتَ سُجُودِهِمْ، وتَقَدَّمَ القَوْلُ في القِراءَةِ في هُزُؤًا. وقَرَأ النَّحْوِيّانِ: والكُفّارِ خَفْضًا؛ وقَرَأ أُبَيٌّ: ومِنَ الكُفّارِ، بِزِيادَةِ مِن. وقَرَأ الباقُونَ: نَصْبًا، وهي رِوايَةُ الحُسَيْنِ الجُعْفِيِّ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وإعْرابُ الجَرِّ والنَّصْبِ واضِحٌ.
﴿واتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ لَمّا نُهِيَ المُؤْمِنُونَ عَنِ اتِّخاذِهِمْ أوْلِياءَ، أمَرَهم بِتَقْوى اللَّهِ، فَإنَّها هي الحامِلَةُ عَلى امْتِثالِ الأوامِرِ واجْتِنابِ النَّواهِي؛ أيِ: اتَّقَوُا اللَّهَ في مُوالاةِ الكُفّارِ، ثُمَّ نَبَّهَ عَلى الوَصْفِ الحامِلِ عَلى التَّقْوى وهو الإيمانُ؛ أيْ: مَن كانَ مُؤْمِنًا حَقًّا يَأْبى مُوالاةَ أعْداءِ الدِّينِ.
5:58Страница 118
وَإِذَا نَادَيۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُوٗا وَلَعِبٗاۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَعۡقِلُونَ ٥٨
Когда вы призываете на намаз, они насмехаются над ним и считают его развлечением. Это потому, что они - люди неразумные.
﴿وإذا نادَيْتُمْ إلى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُوًا ولَعِبًا﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: كانُوا إذا نُودِيَ بِالصَّلاةِ قامَ المُسْلِمُونَ إلَيْها فَتَقُولُ اليَهُودُ: قامُوا لا قامُوا، صَلَّوْا لا صَلَّوْا، رَكَعُوا لا رَكَعُوا، عَلى طَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ والضَّحِكِ فَنَزَلَتْ. وقالَ السُّدِّيُّ: كانَ نَصْرانِيٌّ بِالمَدِينَةِ يَقُولُ إذا سَمِعَ المُؤَذِّنَ يَقُولُ: أشْهَدُ أنْ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أُحْرِقَ الكاذِبُ، فَطارَتْ شَرارَةٌ في بَيْتِهِ فاحْتَرَقَ هو وأهْلُهُ، فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: حَسَدَ اليَهُودُ الرَّسُولَ حِينَ سَمِعُوا الآذانَ وقالُوا: ابْتَدَعْتَ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ لِلْأنْبِياءِ، فَمِن أيْنَ لَكَ الصِّياحُ كَصِياحِ العِيرِ ؟ فَما أقْبَحَهُ مِن صَوْتٍ. فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ. وأنْزَلَ: ﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ﴾ [فصلت: ٣٣] الآيَةَ. انْتَهى؛ والمَعْنى: إذا نادى بَعْضُكم إلى الصَّلاةِ، لِأنَّ الجَمِيعَ لا يُنادُونَ. ولَمّا قَدَّمَ أنَّهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الدِّينَ هُزُوًا ولَعِبًا انْدَرَجَ في ذَلِكَ جَمِيعُ ما انْطَوى عَلَيْهِ الدِّينُ، فَجَرَّدَ مِن ذَلِكَ أعْظَمَ أرْكانِ الدِّينِ (p-٥١٦)ونَصَّ عَلَيْهِ بِخُصُوصِهِ وهي الصَّلاةُ الَّتِي هي صِلَةٌ بَيْنَ العَبْدِ ورَبِّهِ، فَنَبَّهَ عَلى أنَّ مَنِ اسْتَهْزَأ بِالصَّلاةِ يَنْبَغِي أنْ لا يُتَّخَذَ ولِيًّا ويُطْرَدَ، فَهَذِهِ الآيَةُ جاءَتْ كالتَّوْكِيدِ لِلْآيَةِ قَبْلَها. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: في هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى ثُبُوتِ الأذانِ بِنَصِّ الكِتابِ، لا بِالمَنامِ وحْدَهُ. انْتَهى. ولا دَلِيلَ في ذَلِكَ عَلى مَشْرُوعِيَّتِهِ لِأنَّهُ قالَ وإذا نادَيْتُمْ، ولَمْ يَقُلْ نادُوا عَلى سَبِيلِ الأمْرِ، وإنَّما هَذِهِ جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ دَلَّتْ عَلى سَبْقِ المَشْرُوعِيَّةِ لا عَلى إنْشائِها بِالشَّرْطِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في اتَّخَذُوها عائِدٌ عَلى الصَّلاةِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُعُودَ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن نادَيْتُمْ؛ أيِ: اتَّخَذُوا المُناداةَ والهُزْءَ والسُّخْرِيَةَ واللَّعِبَ الأخْذَ في غَيْرِ طَرِيقٍ.
﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ أيْ: ذَلِكَ الفِعْلُ مِنهم، ونَفى العَقْلَ عَنْهم لَمّا لَمْ يَنْتَفِعُوا بِهِ في الدِّينِ، واتَّخَذُوا دِينَ اللَّهِ هُزُوًا ولَعِبًا فِعْلَ مَن لا عَقْلَ لَهُ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии