Абу ХайянАль‑Маида · 5:8–12

Абу Хайян · Тафсир · на арабском

Аль-Маида 5:8–12

5:8–9Страница 108

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَـَٔانُ قَوۡمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعۡدِلُواْۚ ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ٨

О те, которые уверовали! Будьте стойки ради Аллаха, свидетельствуя беспристрастно, и пусть ненависть людей не подтолкнет вас к несправедливости. Будьте справедливы, ибо это ближе к богобоязненности. Бойтесь Аллаха, ведь Аллах ведает о том, что вы совершаете.

وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٌ عَظِيمٞ ٩

Аллах обещал тем, которые уверовали и совершали праведные деяния, прощение и великую награду.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالقِسْطِ ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أنْ لا تَعْدِلُوا﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ الأُولى في النِّساءِ، إلّا أنَّ هُناكَ بُدِئَ بِالقِسْطِ، وهُنا أُخِّرَ. وهَذا مِنَ التَّوَسُّعِ في الكَلامِ والتَّفَنُّنِ في الفَصاحَةِ. ويَلْزَمُ مَن كانَ قائِمًا لِلَّهِ أنْ يَكُونَ شاهِدًا بِالقِسْطِ، ومَن كانَ قائِمًا بِالقِسْطِ أنْ يَكُونَ قائِمًا لِلَّهِ، إلّا أنَّ الَّتِي في النِّساءِ جاءَتْ في مَعْرِضِ الِاعْتِرافِ عَلى نَفْسِهِ وعَلى الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ، فَبُدِئَ فِيها بِالقِسْطِ الَّذِي هو العَدْلُ والسَّواءِ مِن غَيْرِ مُحاباةِ نَفْسٍ ولا والِدٍ ولا قَرابَةٍ، وهُنا جاءَتْ في مَعْرِضِ تَرْكِ العَداواتِ والإحَنِ، فَبُدِئَ فِيها بِالقِيامِ لِلَّهِ تَعالى أوَّلًا لِأنَّهُ أرْدَعُ لِلْمُؤْمِنِينَ، ثُمَّ أرْدَفَ بِالشَّهادَةِ بِالعَدْلِ، فالَّتِي في مَعْرِضِ المَحَبَّةِ والمُحاباةِ بُدِئَ فِيهِ بِما هو آكَدُ وهو القِسْطُ، وفي مَعْرِضِ العَداوَةِ والشَّنَآنِ بُدِئَ فِيها بِالقِيامِ لِلَّهِ، فَناسَبَ كُلَّ مَعْرِضٍ بِما جِيءَ بِهِ إلَيْهِ. وأيْضًا فَتَقَدَّمَ هُناكَ حَدِيثُ النُّشُوزِ والإعْراضِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا﴾ [النساء: ١٢٩] وقَوْلُهُ: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يُصْلِحا﴾ [النساء: ١٢٨] فَناسَبَ ذِكْرَ تَقْدِيمِ القِسْطِ، وهُنا تَأخَّرَ ذِكْرُ العَداوَةِ فَناسَبَ أنْ يُجاوِرَها ذِكْرُ القِسْطِ، وتَعْدِيَةُ يَجْرِمَنَّكم بِـ (عَلى) إلّا أنْ يُضَمَّنَ مَعْنى ما يَتَعَدّى بِها، وهو خِلافُ الأصْلِ.

﴿اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ أيْ: العَدْلُ، نَهاهم أوَّلًا أنْ تَحْمِلَهُمُ الضَّغائِنُ عَلى تَرْكِ العَدْلِ ثُمَّ أمَرَهم ثانِيًا تَأْكِيدًا، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَذَكَرَ لَهم وجْهَ الأمْرِ بِالعَدْلِ وهو قَوْلُهُ: ﴿هُوَ أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾، أيْ: أدْخَلُ في مُناسَبَتِها، أوْ أقْرَبُ لِكَوْنِهِ لُطْفًا فِيها. وفي الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى مُراعاةِ حَقِّ المُؤْمِنِينَ في العَدْلِ، إذْ كانَ تَعالى قَدْ أمَرَ بِالعَدْلِ مَعَ الكافِرِينَ.

﴿واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ لَمّا كانَ الشَّنَآنُ مَحَلُّهُ القَلْبُ وهو الحامِلُ (p-٤٤١)عَلى تَرْكِ العَدْلِ أمَرَ بِالتَّقْوى، وأتى بِصِفَةِ (خَبِيرٌ) ومَعْناها: عَلِيمٌ، ولَكِنَّها تَخْتَصُّ بِما لَطُفَ إدْراكُهُ، فَناسَبَ هَذِهِ الصِّفَةَ أنْ يُنَبَّهَ بِها عَلى الصِّفَةِ القَلْبِيَّةِ.

﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى أوامِرَ ونَواهِيَ، ذَكَرَ وعْدَ مَنِ اتَّبَعَ أوامِرَهُ واجْتَنَبَ نَواهِيَهُ؛ و(وعَدَ) تَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ والثّانِي مَحْذُوفٌ؛ تَقْدِيرُهُ: الجَنَّةَ؛ وقَدْ صَرَّحَ بِها في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ لَهم مَغْفِرَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِذَلِكَ المَحْذُوفِ تَفْسِيرَ السَّبَبِ لِلْمُسَبَّبِ لِأنَّ الجَنَّةَ مُتَرَتِّبَةٌ عَلى الغُفْرانِ وحُصُولِ الأجْرِ، وإذا كانَتِ الجُمْلَةُ مُفَسِّرَةً فَلا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، والكَلامُ قَبْلَها تامٌّ؛ وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلَهُ ”﴿لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾“ بَيانًا لِلْوَعْدِ؛ قالَ: كَأنَّهُ قالَ قَدَّمَ لَهم وعْدًا فَقِيلَ: أيُّ شَيْءٍ وعْدُهُ، فَقالَ: لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ؛ أوْ يَكُونُ عَلى إرادَةِ القَوْلِ؛ وعَدَهم وقالَ: لَهم مَغْفِرَةٌ؛ أوْ عَلى إجْراءِ (وعَدَ) مَجْرى (قالَ) لِأنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ القَوْلِ أوْ يَجْعَلُ (وعَدَ) واقِعًا عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي هي مَغْفِرَةٌ كَما وقَعَ (تَرَكْنا) عَلى قَوْلِهِ: ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ﴾ [الصافات: ٧٩] كَأنَّهُ قِيلَ: وعَدَهم هَذا القَوْلَ، وإذا وعَدَهم مَن لا يُخْلِفُ المِيعادَ فَقَدْ وعَدَهم مَضْمُونَهُ مِنَ المَغْفِرَةِ والأجْرِ العَظِيمِ، وهَذا القَوْلُ يَتَلَقَّوْنَهُ عِنْدَ المَوْتِ ويَوْمَ القِيامَةِ، فَيُسَرُّونَ ويَسْتَرِيحُونَ إلَيْهِ، وتُهَوَّنُ عَلَيْهِمُ السَّكَراتُ والأهْوالُ قَبْلَ الوُصُولِ إلى التُّرابِ. انْتَهى. وهي تَقادِيرُ مُحْتَمَلَةٌ، والأوَّلُ أوْجَهُها.

5:10Страница 109

وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ ١٠

А те, которые не уверовали и сочли ложью Наши знамения, окажутся обитателями Ада.

﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِـآيَـاتِنا أُولَـئِكَ أصْحَـابُ الجَحِيمِ﴾ لَمّا ذَكَرَ ما لِمَن آمَنَ، ذَكَرَ ما لِمَن كَفَرَ. وفي المُؤْمِنِينَ جاءَتِ الجُمْلَةُ فِعْلِيَّةً مُتَضَمِّنَةً الوَعْدَ بِالماضِي الَّذِي هو دَلِيلٌ عَلى الوُقُوعِ، فَأنْفُسُهم مُتَشَوِّقَةٌ لِما وُعِدُوا بِهِ، مُتَشَوِّقَةٌ إلَيْهِ مُبْتَهِجَةٌ طُولَ الحَياةِ بِهَذا الوَعْدِ الصّادِقِ. وفي الكافِرِينَ جاءَتِ الجُمْلَةُ اسْمِيَّةً دالَّةً عَلى ثُبُوتِ هَذا الحُكْمِ لَهم، وأنَّهم أصْحابُ النّارِ، فَهم دائِمُونَ في عَذابٍ، إذْ حَتَّمَ لَهم أنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ، ولَمْ يَأْتِ بِصُورَةِ الوَعِيدِ، فَكانَ يَكُونُ الرَّجاءُ لَهم في ذَلِكَ.

5:11Страница 109

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ هَمَّ قَوۡمٌ أَن يَبۡسُطُوٓاْ إِلَيۡكُمۡ أَيۡدِيَهُمۡ فَكَفَّ أَيۡدِيَهُمۡ عَنكُمۡۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١١

О те, которые уверовали! Помните о милости, которую Аллах оказал вам, когда люди вознамерились протянуть к вам свои руки, но Он убрал от вас их руки. Бойтесь Аллаха, и пусть на Аллаха уповают верующие!

﴿يَـأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ الِلَّهِ عَلَيْكم إذْ هَمَّ قَوْمٌ أنْ يَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهم فَكَفَّ أيْدِيَهم عَنْكم واتَّقُوا الَلَّهَ وعَلى الِلَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّها نَزَلَتْ مِن أجْلِ كُفّارِ قُرَيْشٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ [المائدة: ٨]، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ. وقالَ الحَسَنُ: بَعَثَتْ قُرَيْشٌ رَجُلًا لِيَقْتُلَ الرَّسُولَ، ﷺ، فَأطْلَعَهُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ. وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: إنَّهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ، ذَهَبَ إلى يَهُودِ بَنِي النَّضِيرِ يَسْتَعِينُهم في دِيَةٍ فَهَمُّوا بِقَتْلِهِ. وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: أتى بَنِي قُرَيْظَةَ ومَعَهُ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وعَلِيٌّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، يَسْتَقْرِضُهم دِيَةَ مُسْلِمَيْنِ قَتَلَهُما عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ خَطَأً حَسِبَهُما مُشْرِكَيْنِ، فَقالُوا: نَعَمْ يا أبا القاسِمِ اجْلِسْ حَتّى نُطْعِمَكَ ونُقْرِضَكَ، فَأجْلَسُوهُ في صُفَّةٍ وهَمُّوا بِالقَتْلِ بِهِ، وعَمَدَ عَمْرُو بْنُ جَحّاشٍ إلى رَحًى عَظِيمَةٍ يَطْرَحُها عَلَيْهِ، فَأمْسَكَ اللَّهُ يَدَهُ، ونَزَلَ جِبْرِيلُ، عَلَيْهِ السَّلامُ، فَأخْبَرَهُ فَخَرَجَ. وقِيلَ: نَزَلَ مَنزِلًا في غَزْوَةِ ذاتِ الرِّقاعِ بَنِي مُحارِبِ بْنِ خَفْصَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ غَيْلانَ، وتَفَرَّقَ النّاسُ في العِضاهِ يَسْتَظِلُّونَ بِها، فَعَلَّقَ الرَّسُولُ سِلاحَهُ بِشَجَرَةٍ، فَجاءَ أعْرابِيٌّ فَسَلَّ سَيْفَ الرَّسُولِ، ﷺ، واسْمُهُ غَوْرَثٌ، وقِيلَ: دَعْثُورُ بْنُ الحارِثِ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلَيْهِ فَقالَ: مَن يَمْنَعُكَ مِنِّي ؟ قالَ: اللَّهُ؛ قالَها ثَلاثًا، وقالَ: أتَخافُنِي ؟ قالَ: لا، فَشامَ السَّيْفَ وحُبِسَ. وفي البُخارِيِّ: أنَّ النَّبِيَّ، ﷺ، دَعا النّاسَ فاجْتَمَعُوا وهو جالِسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ، ﷺ، لَمْ يُعاقِبْهُ. قِيلَ: أسْلَمَ. وقِيلَ: ضَرَبَ بِرَأْسِهِ ساقَ الشَّجَرَةِ حَتّى ماتَ. ورُوِيَ أنَّ المُشْرِكِينَ رَأوُا المُسْلِمِينَ قامُوا إلى صَلاةِ الظُّهْرِ يُصَلُّونَ مَعًا بِعُسْفانَ في غَزْوَةِ ذِي أنْمارٍ، فَلَمّا صَلَّوْا نَدِمُوا أنْ لا كانُوا أكَبُّوا عَلَيْهِمْ فَقالُوا: إنَّ لَهم صَلاةً بَعْدَها هي أحَبُّ إلَيْهِمْ مِن آبائِهِمْ وأبْنائِهِمْ، وهي صَلاةُ العَصْرِ، وهَمُّوا أنْ يُوقِعُوا بِهِمْ إذا قامُوا إلَيْها، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ، عَلَيْهِ السَّلامُ، بِصَلاةِ الخَوْفِ. وقَدْ (p-٤٤٢)طَوَّلُوا بِذِكْرِ أسْبابٍ أُخَرَ. ومُلَخَّصُ ما ذَكَرُوهُ أنَّ قُرَيْشًا، أوْ بَنِي النَّضِيرِ، أوْ قُرَيْظَةَ، أوْ غَوْرَثًا، هَمُّوا بِالقَتْلِ بِالرَّسُولِ، أوِ المُشْرِكِينَ هَمُّوا بِالقَتْلِ بِالمُسْلِمِينَ، أوْ نَزَلَتْ في مَعْنى ﴿اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، قالَهُ الزَّجّاجُ، أوْ عَقِيبَ الخَنْدَقِ حِينَ هَزَمَ اللَّهُ الأحْزابَ وكَفى الَلَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ. والَّذِي تَقْتَضِيهِ الآيَةُ أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَّرَ المُؤْمِنِينَ بِنِعَمِهِ إذْ أرادَ قَوْمٌ مِنَ الكُفّارِ لَمْ يُعَيِّنْهُمُ اللَّهُ بَلْ أبْهَمَهم أنْ يَنالُوا المُسْلِمِينَ بِشَرٍّ، فَمَنَعَهُمُ اللَّهُ، ثُمَّ أمَرَهم بِالتَّقْوى والتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ. ويُقالُ: بَسَطَ إلَيْهِ لِسانَهُ؛ أيْ: شَتَمَهُ، وبَسَطَ إلَيْهِ يَدَهُ: مَدَّها لِيَبْطِشَ بِهِ. وقالَ تَعالى: ﴿ويَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهم وألْسِنَتَهم بِالسُّوءِ﴾ [الممتحنة: ٢] ويُقالُ: فُلانٌ بَسِيطُ الباعِ ومَدَّ يَدَ الباعِ بِمَعْنًى، وكَفُّ الأيْدِيَ مَنعُها وحَبْسُها. وجاءَ الأمْرُ بِالتَّقْوى أمْرَ مُواجَهَةٍ مُناسِبًا لِقَوْلِهِ اذْكُرُوا. وجاءَ الأمْرُ بِالتَّوَكُّلِ أمْرَ غائِبٍ لِأجْلِ الفاصِلَةِ، وإشْعارًا بِالغَلَبَةِ، وإفادَةً لِعُمُومِ وصْفِ الإيمانِ، أيْ: لِأجْلِ تَصْدِيقِهِ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ يُؤْمَرُ بِالتَّوَكُّلِ كُلُّ مُؤْمِنٍ، ولِابْتِداءِ الآيَةِ بِمُؤْمِنِينَ عَلى جِهَةِ الِاخْتِصاصِ وخَتْمِها بِمُؤْمِنِينَ عَلى جِهَةِ التَّقْرِيبِ.

5:12Страница 109

۞ وَلَقَدۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَبَعَثۡنَا مِنۡهُمُ ٱثۡنَيۡ عَشَرَ نَقِيبٗاۖ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمۡۖ لَئِنۡ أَقَمۡتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَيۡتُمُ ٱلزَّكَوٰةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرۡتُمُوهُمۡ وَأَقۡرَضۡتُمُ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَلَأُدۡخِلَنَّكُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ فَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ مِنكُمۡ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ١٢

Аллах взял завет с сынов Исраила (Израиля). Мы создали среди них двенадцать вождей. Аллах сказал: «Я - с вами. Если вы будете совершать намаз и выплачивать закят, уверуете в Моих посланников, поможете им и одолжите Аллаху прекрасный заем, то Я отпущу вам ваши прегрешения и введу вас в сады, в которых текут реки. А если кто-либо из вас после этого станет неверующим, то он сойдет с прямого пути».

﴿ولَقَدْ أخَذَ الَلَّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ وبَعَثْنا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وقالَ الَلَّهُ إنِّي مَعَكم لَئِنْ أقَمْتُمُ الصَّلاةَ وآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وآمَنتُمْ بِرُسُلِي وعَزَّرْتُمُوهم وأقْرَضْتُمُ الَلَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكم سَيِّئاتِكم ولَأُدْخِلَنَّكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الَأنْهارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكم فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم لَعَنّاهم وجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ ونَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ ولا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنهم إلّا قَلِيلًا مِنهم فاعْفُ عَنْهم واصْفَحْ إنَّ الَلَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ١٣] ﴿ومِنَ الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى أخَذْنا مِيثاقَهم فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأغْرَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ الَلَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: ١٤] ﴿ياأهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكم مِنَ اللَّهِ نُورٌ وكِتابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥] ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ ويُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإذْنِهِ ويَهْدِيهِمْ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٦] ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما يخْلُقُ ما يَشاءُ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٧] ﴿وقالَتِ اليَهُودُ والنَّصارى نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكم بِذُنُوبِكم بَلْ أنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ [المائدة: ١٨] ﴿يا أهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكم بَشِيرٌ ونَذِيرٌ والَلَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٩] ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ ياقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ الِلَّهِ عَلَيْكم إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ وجَعَلَكم مُلُوكًا وآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٠] ﴿ياقَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكم ولا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٢١] ﴿قالُوا يا مُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ وإنّا لَنْ نَدْخُلَها حَتّى يَخْرُجُوا مِنها فَإنْ يَخْرُجُوا مِنها فَإنّا داخِلُونَ﴾ [المائدة: ٢٢] ﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ الَلَّهُ عَلَيْهِما ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ فَإذا دَخَلْتُمُوهُ فَإنَّكم غالِبُونَ وعَلى الِلَّهِ فَتَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣] ﴿قالُوا يامُوسى إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا ما دامُوا فِيها فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] ﴿قالَ رَبِّ إنِّي لا أمْلِكُ إلّا نَفْسِي وأخِي فافْرُقْ بَيْنَنا وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٥] ﴿قالَ فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ في الأرْضِ فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٦] .

نَقَّبَ في الجَبَلِ والحائِطِ فَتَحَ فِيهِ ما كانَ مُنْسَدًّا، والتَّنْقِيبُ التَّفْتِيشُ، ومِنهُ ﴿فَنَقَّبُوا في البِلادِ﴾ [ق: ٣٦] ونَقُبَ عَلى القَوْمِ يَنْقُبُ إذا صارَ نَقِيبًا؛ أيْ: يُفَتِّشُ عَنْ أحْوالِهِمْ وأسْرارِهِمْ، وهي النِّقابَةُ. والنِّقابُ الرَّجُلُ العَظِيمُ، والنُّقَبُ الجَرَبُ واحِدُهُ النُّقْبَةُ، ويُجْمَعُ أيْضًا عَلى نُقْبٍ عَلى وزْنِ ظُلْمٍ، (p-٤٤٣)وهُوَ القِياسُ. وقالَ الشّاعِرُ:

؎مُتَبَذِّلًا تَبْدُو مَحاسِنُهُ يَضَعُ الهِناءَ مَواضِعَ النُّقْبِ

أيِ الجَرَبِ. والنُّقْبَةُ سَراوِيلُ بِلا رِجْلَيْنِ، والمَناقِبُ الفَضائِلُ الَّتِي تَظْهَرُ بِالتَّنْقِيبِ. وفُلانَةٌ حَسَنَةُ النُّقْبَةِ والنِّقابِ: أيْ جَمِيلَةٌ، والظّاهِرُ أنَّ النَّقِيبَ فَعِيلٌ لِلْمُبالَغَةِ كَعَلِيمٍ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: بِمَعْنى مَفْعُولٍ، يَعْنِي أنَّهُمُ اخْتارُوهُ عَلى عِلْمٍ مِنهم. وقالَ الأصَمُّ: هو المَنظُورُ إلَيْهِ المُسْنَدُ إلَيْهِ الأمْرُ والتَّدْبِيرُ. عَزَّرَ الرَّجُلَ، قالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ: أثْنى عَلَيْهِ بِخَيْرٍ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: عَظَّمَهُ. وقالَ الفَرّاءُ: رَدَّهُ عَنِ الظُّلْمِ: ومِنهُ التَّعْزِيرُ لِأنَّهُ يَمْنَعُ مِن مُعاوَدَةِ القَبِيحِ. قالَ القَطامِيُّ:

؎ألا بَكَرَتْ مَيٌّ بِغَيْرِ سَفاهَةٍ ∗∗∗ تُعاتِبُ والمَوْدُودُ يَنْفَعُهُ العَزْرُ

أيِ: المَنعُ. وقالَ آخَرُ في مَعْنى التَّعْظِيمِ:

؎وكَمْ مِن ماجِدٍ لَهُمُ كَرِيمٍ ∗∗∗ ومِن لَيْثٍ يُعَزَّرُ في النَّدِيِّ

وعَلى هَذِهِ النُّقُولُ يَكُونُ مِن بابِ المُشْتَرَكِ. وجَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن بابِ المُتَواطِئِ قالَ: عَزَّرْتُمُوهُ نَصَرْتُمُوهُ ومَنَعْتُمُوهُ مِن أيْدِي العَدُوِّ، ومِنهُ التَّعْزِيرُ وهو التَّنْكِيلُ والمَنعُ مِن مُعاوَدَةِ الفَسادِ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ، قالَ: التَّعْزِيرُ الرَّدْعُ، عَزَّرْتُ فُلانًا: فَعَلْتُ بِهِ ما يَرْدَعُهُ عَنِ القَبِيحِ، مِثْلَ نَكَّلْتُ بِهِ. فَعَلى هَذا يَكُونُ تَأْوِيلُ عَزَّرْتُمُوهم رَدَدْتُمْ عَنْهم أعْداءَهم. انْتَهى. ولا يَصِحُّ إلّا إنْ كانَ الأصْلُ في عَزَّرْتُمُوهم؛ أيْ: عَزَّرْتُمْ بِهِمْ.

طَلَعَ الشَّيْءُ: بَرَزَ وظَهَرَ، واطَّلَعَ: افْتَعَلَ مِنهُ. غَرا بِالشَّيْءِ غِراءً وغِرًا: لَصِقَ بِهِ وهو الغِرى الَّذِي يُلْصَقُ بِهِ. وأغْرى فُلانٌ زَيْدًا بِعَمْرٍو ولَّعَهُ بِهِ، وأغْرَيْتُ الكَلْبَ بِالصَّيْدِ: أشْلَيْتُهُ. وقالَ النَّضْرُ: أغْرى بَيْنَهم: هَيَّجَ. وقالَ مُوَرِّجٌ: حَرَّشَ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: ألْصَقَ بِهِمُ. الصُّنْعُ: العَمَلُ. الفَتْرَةُ: هي الِانْقِطاعُ، فَتَرَ الوَحْيُ: أيِ انْقَطَعَ. والفَتْرَةُ السُّكُونُ بَعْدَ الحَرَكَةِ في الأجْرامِ، ويُسْتَعارُ لِلْمَعانِي؛ قالَ الشّاعِرُ:

؎وإنِّـي لَتَعْـرُونِـي لِـذِكْـراكَ فَـتْـرَةٌ

والهاءُ فِيهِ لَيْسَتْ لِلْمَرَّةِ الواحِدَةِ، بَلْ فَتْرَةٌ مُرادِفٌ لِلْفُتُورِ. ويُقالُ: طَرْفٌ فاتِرٌ إذا كانَ ساجِيًا. الجَبّارُ: فَعّالٌ مِنَ الجَبْرِ، كَأنَّهُ لِقُوَّتِهِ وبَطْشِهِ يُجْبِرُ النّاسَ عَلى ما يَخْتارُونَهُ. والجَبّارَةُ النَّخْلَةُ العالِيَةُ الَّتِي لا تُنالُ بِيَدٍ، واسْمُ الجِنْسِ جَبّارٌ؛ قالَ الشّاعِرُ:

؎سَوابِقُ جَبّارٍ أثِيثٍ فُرُوعُهُ ∗∗∗ وعالَيْنَ قِنْوانًا مِنَ البُسْرِ أحْمَرا

التِّيهُ في اللُّغَةِ: الحَيْرَةُ، يُقالُ مِنهُ: تاهَ، يَتِيهُ، ويَتُوهُ، وتَوَّهْتُهُ، والتّاءُ أكْثَرُ، والأرْضُ التَّوْهاءُ: الَّتِي لا يُهْتَدى فِيها، وأرْضٌ تِيهٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: التِّيهُ الذَّهابُ في الأرْضِ إلى غَيْرِ مَقْصُودٍ. الأسى: الحُزْنُ، يُقالُ مِنهُ: أسى يَأْسى.

﴿ولَقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ وبَعَثْنا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ أمَرَ بِذِكْرِ المِيثاقِ الَّذِي أخَذَهُ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ في قَوْلِهِ: ﴿ومِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكم بِهِ﴾ [المائدة: ٧] ثُمَّ ذَكَرَ وعْدَهُ إيّاهم، ثُمَّ أمَرَهم بِذِكْرِ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ إذْ كَفَّ أيْدِيَ الكُفّارِ عَنْهم، ذَكَّرَهم بِقِصَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ في أخْذِ المِيثاقِ عَلَيْهِمْ، ووَعْدِهِ لَهم بِتَكْفِيرِ السَّيِّئاتِ، وإدْخالِهِمُ الجَنَّةَ، فَنَقَضُوا المِيثاقَ وهَمُّوا بِقَتْلِ الرَّسُولِ، وحَذَّرَهم بِهَذِهِ القِصَّةِ أنْ يَسْلُكُوا سَبِيلَ بَنِي إسْرائِيلَ هو بِالإيمانِ والتَّوْحِيدِ. وبَعْثُ النُّقَباءِ، قِيلَ: هُمُ المُلُوكُ بُعِثُوا فِيهِمْ يُقِيمُونَ العَدْلَ، ويَأْمُرُونَهم بِالمَعْرُوفِ، ويَنْهَوْنَهم عَنِ المُنْكَرِ. والنَّقِيبُ: كَبِيرُ القَوْمِ، القائِمُ بِأُمُورِهِمْ. والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّهُ عَدَّدَ عَلَيْهِمْ نِعَمَهُ في أنْ بَعَثَ لِأعْدائِهِمْ هَذا العَدَدَ مِنَ المُلُوكِ قالَهُ النَّقّاشُ. وقالَ: ما وفّى مِنهم إلّا خَمْسَةٌ: داوُدُ وسُلَيْمانُ ابْنُهُ، وطالُوتُ، وحَزْقِيلُ وابْنُهُ، وكَفَرَ السَّبْعَةُ وبَدَّلُوا وقَتَلُوا الأنْبِياءَ، وخَرَجَ خِلالَ الِاثْنَيْ عَشَرَ اثْنانِ وثَلاثُونَ جَبّارًا كُلُّهم يَأْخُذُ المُلْكَ بِالسَّيْفِ، ويَعْبَثُ فِيهِمْ، والبَعْثُ: مِن بَعْثِ الجُيُوشِ. وقِيلَ: هو مِن بَعْثِ الرُّسُلِ، وهو إرْسالُهم (p-٤٤٤)والنُّقَباءُ الرُّسُلُ جَعَلَهُمُ اللَّهُ رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ، كُلُّ نَبِيٍّ مِنهم إلى سِبْطٍ.

وقِيلَ: المِيثاقُ هُنا والنُّقَباءُ هو ما جَرى لِمُوسى مَعَ قَوْمِهِ في جِهادِ الجَبّارِينَ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا اسْتَقَرَّ بَنُو إسْرائِيلَ بِمِصْرَ بَعْدَ هَلاكِ فِرْعَوْنَ أمَرَهُمُ اللَّهُ بِالمَسِيرِ إلى أرِيحا أرْضِ الشّامِ، وكانَ يَسْكُنُها الكُفّارُ الكَنْعانِيُّونَ الجَبابِرَةُ، وقالَ لَهم: إنِّي كَتَبْتُها لَكم دارًا وقَرارًا فاخْرُجُوا إلَيْها، وجاهِدُوا مَن فِيها، وإنِّي ناصِرُكم. وأمَرَ مُوسى أنْ يَأْخُذَ مِن كُلِّ سِبْطٍ نَقِيبًا يَكُونُ كَفِيلًا عَلى قَوْمِهِ بِالوَفاءِ بِما أُمِرُوا بِهِ تَوْثِقَةً عَلَيْهِمْ، فاخْتارَ النُّقَباءَ، وأخَذَ المِيثاقَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، وتَكَفَّلَ لَهم بِهِ النُّقَباءُ، وسارَ بِهِمْ فَلَمّا دَنا مِن أرْضِ كَنْعانَ بَعَثَ النُّقَباءَ يَتَجَسَّسُونَ فَرَأوْا أجْرامًا عِظامًا وقُوَّةً وشَوْكَةً، فَهابُوا ورَجَعُوا وحَدَّثُوا قَوْمَهم، وقَدْ نَهاهم مُوسى أنْ يُحَدِّثُوهم، فَنَكَثُوا المِيثاقَ، إلّا كالَبَ بْنَ يُوقَنّا مِن سِبْطِ يُهُودا، ويُوشِعَ بْنِ نُونَ مِن سِبْطِ أفْراثِيمَ بْنِ يُوسُفَ وكانا مِنَ النُّقَباءِ. وذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ حَبِيبٍ في المُحَبَّرِ أسْماءَ هَؤُلاءِ النُّقَباءِ الَّذِينَ اخْتارَهم مُوسى في هَذِهِ القِصَّةِ بِألْفاظٍ لا تَنْضَبِطُ حُرُوفُها ولا شَكْلُها، وذَكَرَها غَيْرُهُ مُخالِفَةً في أكْثَرِها لِما ذَكَرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ لا تَنْضَبِطُ أيْضًا. وذَكَرُوا مِن خَلْقِ هَؤُلاءِ الجَبّارِينَ وعِظَمِ أجْسامِهِمْ وكِبَرِ قَوالِبِهِمْ ما لا يَثْبُتُ بِوَجْهٍ، قالُوا وعَدَدُ هَؤُلاءِ النُّقَباءِ كانَ بِعَدَدِ النُّقَباءِ الَّذِينَ اخْتارَهم رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، مِنَ السَّبْعِينَ رُجُلًا والمَرْأتَيْنِ الَّذِينَ بايَعُوهُ في العَقَبَةِ الثّانِيَةِ، وسَمّاهم: النُّقَباءَ.

﴿وقالَ اللَّهُ إنِّي مَعَكُمْ﴾ أيْ: بِالنَّصْرِ والحِياطَةِ. وفي هَذِهِ المَعِيَّةِ دَلالَةٌ عَلى عِظَمِ الِاعْتِناءِ والنُّصْرَةِ، وتَحْلِيلِ ما شَرَطَهُ عَلَيْهِمْ مِمّا يَأْتِي بَعْدُ، وضَمِيرُ الخِطابِ هو لِبَنِي إسْرائِيلَ جَمِيعًا. وقالَ الرَّبِيعُ: هو خِطابٌ لِلنُّقَباءِ، والأوَّلُ هو الرّاجِحُ؛ لِانْسِحابِ الأحْكامِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى جَمِيعِ بَنِي إسْرائِيلَ.

﴿لَئِنْ أقَمْتُمُ الصَّلاةَ وآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وآمَنتُمْ بِرُسُلِي وعَزَّرْتُمُوهم وأقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكم سَيِّئاتِكم ولَأُدْخِلَنَّكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ اللّامُ في لَئِنْ أقَمْتُمْ هي المُؤْذِنَةُ بِالقَسَمِ والمُوَطِّئَةُ بِما بَعْدَها وبَعْدَ أداةِ الشَّرْطِ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِلْقَسَمِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ القَسَمُ مَحْذُوفًا، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ لَأُكَفِّرَنَّ جَوابًا لِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾، ويَكُونَ قَوْلُهُ: وبَعَثْنا والجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَهُ في مَوْضِعِ الحالِ، أوْ يَكُونانِ جُمْلَتَيِ اعْتِراضٍ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ جَوابِ القَسَمِ عَلَيْهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا الجَوابُ، يَعْنِي لَأُكَفِّرَنَّ، سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ القَسَمِ والشَّرْطِ جَمِيعًا. انْتَهى. ولَيْسَ كَما ذَكَرَ، لا يَسُدُّ لَأُكَفِّرَنَّ مَسَدَّهُما، بَلْ هو جَوابُ القَسَمِ فَقَطْ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ كَما ذَكَرْنا. والزَّكاةُ هُنا مَفْرُوضٌ مِنَ المالِ كانَ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وأعْطَيْتُمْ مِن أنْفُسِكم كُلَّ ما فِيهِ زَكاةٌ لَكم حَسْبَما نُدِبْتُمْ إلَيْهِ قالَهُ: ابْنُ عَطِيَّةَ. والأوَّلُ وهو الرّاجِحُ.

﴿وآمَنتُمْ بِرُسُلِي﴾، الإيمانُ بِالرُّسُلِ هو التَّصْدِيقُ بِجَمِيعِ ما جاءُوا بِهِ عَنِ اللَّهِ تَعالى. وقَدَّمَ الصَّلاةَ والزَّكاةَ عَلى الإيمانِ تَشْرِيفًا لَهُما، وقَدْ عُلِمَ وتَقَرَّرَ أنَّهُ لا يَنْفَعُ عَمَلٌ إلّا بِالإيمانِ قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: كانَ اليَهُودُ مُقِرِّينَ بِحُصُولِ الإيمانِ مَعَ إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ، وكانُوا مُكَذِّبِينَ بَعْضَ الرُّسُلِ، فَذَكَرَ بَعْدَهُما الإيمانَ بِجَمِيعِ الرُّسُلِ، وأنَّهُ لا تَحْصُلُ نَجاةٌ إلّا بِالإيمانِ بِجَمِيعِهِمْ. انْتَهى مُلَخَّصًا. وقَرَأ الحَسَنُ: بِرُسْلِي، بِسُكُونِ السِّينِ، في جَمِيعِ القُرْآنِ؛ وعَزَّرْتُمُوهم. وقَرَأ عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: وعَزَرْتُمُوهم، خَفِيفَةَ الزّايِ. وقَرَأ في الفَتْحِ: (وتَعْزُرُوهُ) بِفَتْحِ التّاءِ وسُكُونِ العَيْنِ وضَمِّ الزّايِ، ومَصْدَرُهُ العَزْرُ.

﴿وأقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾: إيتاءُ الزَّكاةِ هو في الواجِبِ، وهَذا القَرْضُ هو في المَندُوبِ. ونَبَّهَ عَلى الصَّدَقاتِ المَندُوبَةِ بِذِكْرِها فِيما يَتَرَتَّبُ عَلى المَجْمُوعِ تَشْرِيفًا وتَعْظِيمًا لِمَوْقِعِها مِنَ النَّفْعِ المُتَعَدِّي. قالَ الفَرّاءُ: ولَوْ جاءَ إقْراضًا لَكانَ صَوابًا، أُقِيمَ الِاسْمُ هُنا مَقامَ المَصْدَرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: (p-٤٤٥)﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ [آل عمران: ٣٧] لَمْ يَقُلْ بِتَقْبِيلٍ ولا إنْباتًا. انْتَهى. وقَدْ فُسِّرَ هَذا الإقْراضُ بِالنَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وبِالنَّفَقَةِ عَلى الأهْلِ، وبِالزَّكاةِ. وفِيهِ بُعْدٌ، لِأنَّهُ تَكْرارٌ. ووَصَفَهُ بِحَسَنٍ إمّا لِأنَّهُ لا يُتْبَعُ بِمَنٍّ ولا أذًى، وإمّا لِأنَّهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ.

﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكم سَيِّئاتِكم ولَأُدْخِلَنَّكم جَنّاتٍ﴾: رَتَّبَ عَلى هَذِهِ الخَمْسَةِ المَشْرُوطَةِ تَكْفِيرَ السَّيِّئاتِ، وذَلِكَ إشارَةً إلى إزالَةِ العِقابِ، وإدْخالِ الجَنّاتِ، وذَلِكَ إشارَةً إلى إيصالِ الثَّوابِ.

﴿فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكم فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ أيْ: بَعْدَ ذَلِكَ المِيثاقِ المَأْخُوذِ والشَّرْطِ المُؤَكَّدِ فَقَدْ أخْطَأ الطَّرِيقَ المُسْتَقِيمَ. وسَواءُ السَّبِيلِ وسَطُهُ وقَصْدُهُ المُؤَدِّي إلى القَصْدِ، وهو الَّذِي شَرَعَهُ اللَّهُ. وتَخْصِيصُ الكُفْرِ بِتَعْدِيَةِ أخْذِ المِيثاقِ وإنْ كانَ قَبْلَهُ ضَلالًا عَنِ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ، لِأنَّهُ بَعْدَ الشَّرْطِ المُؤَكَّدِ بِالوَعْدِ الصّادِقِ الأمِينِ العَظِيمِ أفْحَشُ وأعْظَمُ، إذْ يُوجِبُ أخْذُ المِيثاقِ الإيفاءَ بِهِ، لا سِيَّما بَعْدَ هَذا الوَعِيدِ عِظَمُ الكُفْرِ هو بِعِظَمِ النِّعْمَةِ المَكْفُورَةِ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English