Абу ХайянАль‑Хадид · 57:16–25

Абу Хайян · Тафсир · на арабском

Аль-Хадид 57:16–25

57:16–20Страница 539

۞ أَلَمۡ يَأۡنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن تَخۡشَعَ قُلُوبُهُمۡ لِذِكۡرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلۡحَقِّ وَلَا يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلُ فَطَالَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَمَدُ فَقَسَتۡ قُلُوبُهُمۡۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ ١٦

Разве не пришло время для того, чтобы сердца верующих смирились при упоминании Аллаха и того, что ниспослано из истины, и чтобы не уподоблялись они тем, которым Писание было даровано прежде, чьи сердца почерствели по прошествии долгого времени и многие из которых являются нечестивцами?

ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يُحۡيِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۚ قَدۡ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ١٧

Знайте, что Аллах оживляет землю после ее смерти. Мы уже разъяснили вам знамения, - может быть, вы уразумеете.

إِنَّ ٱلۡمُصَّدِّقِينَ وَٱلۡمُصَّدِّقَٰتِ وَأَقۡرَضُواْ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا يُضَٰعَفُ لَهُمۡ وَلَهُمۡ أَجۡرٞ كَرِيمٞ ١٨

Воистину, для мужчин и женщин, которые раздавали милостыню и одолжили Аллаху прекрасный заем, он будет увеличен. Им уготована щедрая награда.

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَۖ وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمۡ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ وَنُورُهُمۡۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ ١٩

Уверовавшие в Аллаха и Его посланников - это правдивейшие люди. А павшие мученики находятся возле своего Господа, и им уготованы их награда и их свет. А те, которые не уверовали и сочли ложью Наши знамения, являются обитателями Ада.

ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا لَعِبٞ وَلَهۡوٞ وَزِينَةٞ وَتَفَاخُرُۢ بَيۡنَكُمۡ وَتَكَاثُرٞ فِي ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَوۡلَٰدِۖ كَمَثَلِ غَيۡثٍ أَعۡجَبَ ٱلۡكُفَّارَ نَبَاتُهُۥ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَىٰهُ مُصۡفَرّٗا ثُمَّ يَكُونُ حُطَٰمٗاۖ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٞ شَدِيدٞ وَمَغۡفِرَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٞۚ وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ ٢٠

Знайте, что мирская жизнь - всего лишь игра и потеха, украшение и похвальба между вами, а также стремление обрести побольше богатства и детей. Она подобна дождю, растения после которого восхищают земледельцев, но потом они высыхают, и ты видишь их пожелтевшими, после чего они превращаются в труху. А в Последней жизни есть тяжкие мучения и прощение от Аллаха и довольство. Мирская жизнь - всего лишь предмет обольщения.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ وما نَزَلَ مِنَ الحَقِّ ولا يَكُونُوا كالَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهم وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ ﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ ﴿إنَّ المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقاتِ وأقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعَفُ لَهم ولَهم أجْرٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهم أجْرُهم ونُورُهم والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ ﴿اعْلَمُوا أنَّما الحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ وزِينَةٌ وتَفاخُرٌ بَيْنَكم وتَكاثُرٌ في الأمْوالِ والأوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أعْجَبَ الكُفّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطامًا وفي الآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ ومَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٌ وما الحَياةُ الدُّنْيا إلّا مَتاعُ الغُرُورِ﴾ .

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: مَلَّتِ الصَّحابَةُ مَلَّةً، فَنَزَلَتْ ﴿ألَمْ يَأْنِ﴾ . وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: عُوتِبُوا بَعْدَ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً. وقِيلَ: كَثُرَ المِزاحُ في بَعْضِ شَبابِ الصَّحابَةِ فَنَزَلَتْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ألَمْ)؛ والحَسَنُ وأبُو السَّمّالِ: ألَمّا. والجُمْهُورُ: (يَأْنِ) مُضارِعُ أنى حانَ؛ والحَسَنُ: يَئِنْ مُضارِعُ آنَ حانَ أيْضًا، والمَعْنى: قَرُبَ وقْتُ الشَّيْءِ.

﴿أنْ تَخْشَعَ﴾: تَطْمَئِنَّ وتَخْبُتَ، وهو مِن عَمَلِ القَلْبِ، ويَظْهَرُ في الجَوارِحِ. وفي الحَدِيثِ: «أوَّلُ (p-٢٢٣)ما يُرْفَعُ مِنَ النّاسِ الخُشُوعُ» .

﴿لِذِكْرِ اللَّهِ﴾: أيْ لِأجْلِ ذِكْرِ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢] . قِيلَ: أوْ لِتَذْكِيرِ اللَّهِ إيّاهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وما نَزَّلَ مُشَدَّدًا؛ ونافِعٌ وحَفْصٌ: مُخَفَّفًا؛ والجَحْدَرِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ والأعْمَشُ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ يُونُسَ وعَبّاسٍ عَنْهُ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدًا؛ وعَبْدُ اللَّهِ: أنْزَلَ بِهَمْزَةِ النَّقْلِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. والجُمْهُورُ: ﴿ولا يَكُونُوا﴾ بِياءِ الغَيْبَةِ، عَطْفًا عَلى ﴿أنْ تَخْشَعَ﴾؛ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وإسْماعِيلُ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ، وعَنْ شَيْبَةَ ويَعْقُوبَ وحَمْزَةَ في رِوايَةٍ عَنْ سُلَيْمٍ عَنْهُ: ولا تَكُونُوا عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ، إمّا نَهْيًا، وإمّا عَطْفًا عَلى ﴿أنْ تَخْشَعَ﴾ .

﴿كالَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلُ﴾، وهم مُعاصِرُو مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ. حُذِّرَ المُؤْمِنُونَ أنْ يَكُونُوا مِثْلَهم في قَساوَةِ القُلُوبِ، إذْ كانُوا إذا سَمِعُوا التَّوْراةَ رَقُّوا وخَشَعُوا، ﴿فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ﴾: أيِ انْتِظارُ الفَتْحِ، أوِ انْتِظارُ القِيامَةِ. وقِيلَ: أمَدُ الحَياةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: الأمَدُ مُخَفَّفُ الدّالِ، وهي الغايَةُ مِنَ الزَّمانِ؛ وابْنُ كَثِيرٍ: بِشَدِّها، وهو الزَّمانُ بِعَيْنِهِ الأطْوَلُ.

﴿فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾: صَلُبَتْ بِحَيْثُ لا تَنْفَعِلُ لِلْخَيْرِ والطّاعَةِ.

﴿يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾: يَظْهَرُ أنَّهُ تَمْثِيلٌ لِتَلْيِينِ القُلُوبِ بَعْدَ قَسْوَتِها، ولِتَأْثِيرِ ذِكْرِ اللَّهِ فِيها. كَما يُؤَثِّرُ الغَيْثُ في الأرْضِ فَتَعُودُ بَعْدَ إجْدابِها مُخْصِبَةً، كَذَلِكَ تَعُودُ القُلُوبُ النّافِرَةُ مُقْبِلَةً، يَظْهَرُ فِيها أثَرُ الطّاعاتِ والخُشُوعِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقاتِ﴾، بِشَدِّ صادَيْهِما؛ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ وأبانُ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ هارُونَ: بِخَفِّهِما؛ وأُبَيٌّ: بِتاءٍ قَبْلَ الصّادِ فِيهِما، فَهَذِهِ وقِراءَةُ الجُمْهُورِ مِنَ الصَّدَقَةِ، والخَفُّ مِنَ التَّصْدِيقِ، صَدَّقُوا رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، فِيما بَلَّغَ عَنِ اللَّهِ تَعالى. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: عَلامَ عَطَفَ قَوْلَهُ: (وأقْرَضُوا) ؟ قُلْتُ: عَلى مَعْنى الفِعْلِ في المُصَّدِّقِينَ، لِأنَّ اللّامَ بِمَعْنى الَّذِينَ، واسْمُ الفاعِلِ بِمَعْنى اصَّدَّقُوا، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ الَّذِينَ اصَّدَّقُوا وأقْرَضُوا. انْتَهى. واتَّبَعَ في ذَلِكَ أبا عَلِيٍّ الفارِسِيَّ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى المُصَّدِّقِينَ، لِأنَّ المَعْطُوفَ عَلى الصِّلَةِ صِلَةٌ، وقَدْ فُصِلَ بَيْنَهُما بِمَعْطُوفٍ، وهو قَوْلُهُ: (والمُصَّدِّقاتِ) . ولا يَصِحُّ أيْضًا أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى صِلَةِ ألْ في المُصَّدِّقاتِ لِاخْتِلافِ الضَّمائِرِ، إذْ ضَمِيرُ المُتَصَدِّقاتِ مُؤَنَّثٌ، وضَمِيرُ وأقْرَضُوا مُذَكَّرٌ، فَيَتَخَرَّجُ هُنا عَلى حَذْفِ المَوْصُولِ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ قِيلَ: والَّذِينَ أقْرَضُوا، فَيَكُونُ مِثْلَ قَوْلِهِ:

؎فَمَن يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ مِنكم ويَمْدَحُهُ ويَنْصُرُهُ سَواءٌ

يُرِيدُ: ومَن يَمْدَحُهُ، وصِدِّيقٌ مِن أبْنِيَةِ المُبالَغَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: ولا يَكُونُ فِيما أحْفَظُ إلّا مِن ثُلاثِيٍّ. وقِيلَ: يَجِيءُ مِن غَيْرِ الثُّلاثِيِّ كَمِسِّيكٍ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّهُ يُقالُ: مَسَّكَ وأمْسَكَ، فَمِسِّيكٌ مِن مَسَّكَ. (والشُّهَداءُ): الظّاهِرُ أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، فَيَقِفُ عَلى (الصِّدِّيقُونَ)، وإنْ شِئْتَ فَهو مِن عَطْفِ الجُمَلِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومَسْرُوقٍ والضَّحّاكِ. إنَّ الكَلامَ تامٌّ في قَوْلِهِ: (الصِّدِّيقُونَ)، واخْتَلَفَ هَؤُلاءِ، فَبَعْضٌ قالَ: الشُّهَداءُ هُمُ الأنْبِياءُ، يَشْهَدُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالصِّدِّيقِيَّةِ لِقَوْلِهِ: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١] الآيَةَ؛ وبَعْضٌ قالَ: هُمُ الشُّهَداءُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، اسْتَأْنَفَ الخَبَرَ عَنْهم، فَكَأنَّهُ جَعَلَهم صِنْفًا مَذْكُورًا وحْدَهُ لِعِظَمِ أجْرِهِمْ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ومُجاهِدٌ وجَماعَةٌ: والشُّهَداءُ مَعْطُوفٌ عَلى (الصِّدِّيقُونَ)، والكَلامُ مُتَّصِلٌ، يَعْنُونَ مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ، فَبَعْضٌ قالَ: جَعَلَ اللَّهُ كُلَّ مُؤْمِنٍ صِدِّيقًا وشَهِيدًا، قالَهُ مُجاهِدٌ. وفي الحَدِيثِ، مِن رِوايَةِ البَراءِ: «مُؤْمِنُو أُمَّتِي شُهَداءُ»، وإنَّما ذُكِرَ الشُّهَداءُ السَّبْعَةُ تَشْرِيفًا لَهم لِأنَّهم في أعْلى رُتَبِ الشَّهادَةِ، كَما خُصَّ المَقْتُولُ في سَبِيلِ اللَّهِ مِنَ السَّبْعَةِ بِتَشْرِيفٍ تَفَرَّدَ بِهِ، وبَعْضٌ قالَ: وصَفَهم بِالصِّدِّيقِيَّةِ والشَّهادَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] .

﴿لَهم أجْرُهُمْ﴾: خَبَرٌ عَنِ الشُّهَداءِ فَقَطْ، أوْ عَنْ مَن جَمَعَ بَيْنَ الوَصْفَيْنِ عَلى اخْتِلافِ القَوْلَيْنِ. والظّاهِرُ في نُورِهِمْ أنَّهُ حَقِيقَةٌ. وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: عِبارَةٌ عَنْ (p-٢٢٤)الهُدى والكَرامَةِ والبُشْرى.

﴿اعْلَمُوا أنَّما الحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ﴾: أخْبَرَ تَعالى بِغالِبِ أمْرِها مِنِ اشْتِمالِها عَلى أشْياءَ لا تَدُومُ ولا تُجْدِي، وأمّا ما كانَ مِنَ الطّاعاتِ وضَرُورِيِّ ما يَقُومُ بِهِ الأوْدُ، فَلَيْسَ مُنْدَرِجًا في هَذِهِ الآيَةِ.

﴿لَعِبٌ ولَهْوٌ﴾، كَحالَةِ المُتْرَفِينَ مِنَ المُلُوكِ. (وزِينَةٌ): تَحْسِينٌ لِما هو خارِجٌ عَنْ ذاتِ الشَّيْءِ.

﴿وتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ﴾: قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِالتَّنْوِينِ ونَصْبِ بَيْنَكم، والسُّلَمِيُّ بِالإضافَةِ. (وتَكاثُرٌ) بِالعَدَدِ والعُدِدِ عَلى عادَةِ الجاهِلِيَّةِ، وهَذِهِ كُلُّها مُحَقَّراتٌ، بِخِلافِ أمْرِ الآخِرَةِ، فَإنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى أُمُورٍ حَقِيقِيَّةٍ عِظامٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وشَبَّهَ تَعالى حالَ الدُّنْيا وسُرْعَةَ تَقَصِّيها، مَعَ قِلَّةِ جَدْواها، بِنَباتٍ أنْبَتَهُ الغَيْثُ فاسْتَوى واكْتَهَلَ، وأُعْجِبَ بِهِ الكُفّارُ الجاحِدُونَ لِنِعْمَةِ اللَّهِ فِيما رَزَقَهم مِنَ الغَيْثِ والنَّباتِ، فَبَعَثَ عَلَيْهِمُ العاهَةَ، فَهاجَ واصْفَرَّ وصارَ حُطامًا، عُقُوبَةً لَهم عَلى جُحُودِهِمْ، كَما فَعَلَ بِأصْحابِ الجَنَّةِ وصاحِبِ الجَنَّتَيْنِ. انْتَهى.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (كَمَثَلِ) في مَوْضِعِ رَفْعٍ صِفَةً لِما تَقَدَّمَ. وصُورَةُ هَذا المِثالِ أنَّ الإنْسانَ يَنْشَأُ في حِجْرِ مَمْلَكَةٍ فَما دُونَ ذَلِكَ، فَيَشِبُّ ويَقْوى ويَكْسِبُ المالَ والوَلَدَ ويَغْشاهُ النّاسُ، ثُمَّ يَأْخُذُ بَعْدَ ذَلِكَ في انْحِطاطٍ، فَيَنْشِفُ ويَضْعُفُ ويَسْقَمُ، وتُصِيبُهُ النَّوائِبُ في مالِهِ ودِينِهِ، ويَمُوتُ ويَضْمَحِلُّ أمْرُهُ، وتَصِيرُ أمْوالُهُ لِغَيْرِهِ، وتُغَيَّرُ رُسُومُهُ، فَأمْرُهُ مِثْلُ مَطَرٍ أصابَ أرْضًا فَنَبَتَ عَنْ ذَلِكَ الغَيْثِ نَباتٌ مُعْجِبٌ أنِيقٌ، ثُمَّ هاجَ، أيْ يَبِسَ واصْفَرَّ، ثُمَّ تَحَطَّمَ، ثُمَّ تَفَرَّقَ بِالرِّياحِ واضْمَحَلَّ. انْتَهى. قِيلَ: الكُفّارُ: الزُّرّاعُ، مِن كَفَرَ الحَبَّ، أيْ سَتَرَهُ في الأرْضِ، وخُصُّوا بِالذِّكْرِ لِأنَّهم أهْلُ البَصَرِ بِالنَّباتِ والفِلاحَةِ، فَلا يُعْجِبُهم إلّا المُعْجِبُ حَقِيقَةً. وقِيلَ: مِنَ الكُفْرِ بِاللَّهِ، لِأنَّهم أشَدُّ تَعْظِيمًا لِلدُّنْيا وإعْجابًا بِمَحاسِنِها؛ وحُطامٌ: بِناءُ مُبالَغَةٍ كَعُجابٍ. وقُرِئَ: مُصْفارًّا. ولَمّا ذَكَرَ ما يَئُولُ إلَيْهِ أمْرُ الدُّنْيا مِنَ الفَناءِ، ذَكَرَ ما هو ثابِتٌ دائِمٌ مِن أمْرِ الآخِرَةِ مِنَ العَذابِ الشَّدِيدِ، ومِن رِضاهُ الَّذِي هو سَبَبُ النَّعِيمِ.

57:21–25Страница 540

سَابِقُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا كَعَرۡضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ أُعِدَّتۡ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ٢١

Стремитесь же к прощению от вашего Господа и Раю, ширина которого подобна ширине неба и земли. Он уготован для тех, которые уверовали в Аллаха и Его посланников. Такова милость Аллаха, которую Он дарует тем, кому пожелает. Аллах обладает великой милостью.

مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مِّن قَبۡلِ أَن نَّبۡرَأَهَآۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ ٢٢

Любое несчастье, которое происходит на земле и с вами самими, записано в Писании еще до того, как Мы сотворили его. Воистину, это для Аллаха легко.

لِّكَيۡلَا تَأۡسَوۡاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا تَفۡرَحُواْ بِمَآ ءَاتَىٰكُمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخۡتَالٖ فَخُورٍ ٢٣

Мы поведали об этом для того, чтобы вы не печалились о том, что вы упустили, и не радовались тому, что Он вам даровал. Аллах не любит всяких надменных бахвалов,

ٱلَّذِينَ يَبۡخَلُونَ وَيَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبُخۡلِۗ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ ٢٤

которые скупятся и велят людям скупиться. А если кто отвернется, то ведь Аллах - Богатый, Достохвальный.

لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَنزَلۡنَا مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَأَنزَلۡنَا ٱلۡحَدِيدَ فِيهِ بَأۡسٞ شَدِيدٞ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥ وَرُسُلَهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٞ ٢٥

Мы уже отправили Наших посланников с ясными знамениями и ниспослали с ними Писание и Весы, чтобы люди придерживались справедливости. Мы также ниспослали железо, в котором заключается могучая сила и польза для людей, для того, чтобы Аллах узнал тех, кто помогает Ему и Его посланникам, хотя и не видит Его воочию. Воистину, Аллах - Всесильный, Могущественный.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿سابِقُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ والأرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ في الأرْضِ ولا في أنْفُسِكم إلّا في كِتابٍ مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ﴿لِكَيْ لا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكم ولا تَفْرَحُوا بِما آتاكم واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ ومَن يَتَوَلَّ فَإنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ وأنْزَلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ ولِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ ورُسُلَهُ بِالغَيْبِ إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ .

(p-٢٢٥)ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما في الآخِرَةِ مِنَ المَغْفِرَةِ، أمَرَ بِالمُسابَقَةِ إلَيْها، والمَعْنى: سابِقُوا إلى سَبَبِ مَغْفِرَةٍ، وهو الإيمانُ وعَمَلُ الطّاعاتِ. وقَدْ مَثَّلَ بَعْضُهُمُ المُسابَقَةَ في أنْواعٍ؛ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: كُونُوا في أوَّلِ صَفٍّ في القِتالِ. وقالَ أنَسٌ: اشْهَدُوا تَكْبِيرَةَ الإحْرامِ مَعَ الإمامِ. وقالَ عَلِيٌّ: كُنْ أوَّلَ داخِلٍ في المَسْجِدِ وآخِرَ خارِجٍ. واسْتَدَلَّ بِهَذا السَّبْقِ عَلى أنَّ أوَّلَ أوْقاتِ الصَّلَواتِ أفْضَلُ، وجاءَ لَفْظُ سابِقُوا كَأنَّهم في مِضْمارٍ يَجْرُونَ إلى غايَةٍ مُسابِقِينَ إلَيْهِمْ. (عَرْضُها): أيْ مِساحَتُها في السِّعَةِ، كَما قالَ: فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ، أوِ العَرْضُ خِلافُ الطُّولِ. فَإذا وُصِفَ العَرْضُ بِالبَسْطَةِ، عُرِفَ أنَّ الطُّولَ أبْسَطُ وأمَدُّ. (أُعِدَّتْ): يَدُلُّ عَلى أنَّها مَخْلُوقَةٌ، وتَكَرُّرُ ذَلِكَ في القُرْآنِ يُقَوِّي ذَلِكَ، والسُّنَّةُ ناصَّةٌ عَلى ذَلِكَ، وذَلِكَ يَرُدُّ عَلى المُعْتَزِلَةِ في قَوْلِهِمْ: إنَّها الآنَ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ وسَتُخْلَقُ. (ذَلِكَ): أيِ المَوْعُودُ مِنَ المَغْفِرَةِ والجَنَّةِ، ﴿فَضْلُ اللَّهِ﴾: عَطاؤُهُ، ﴿يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾: وهُمُ المُؤْمِنُونَ.

﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ﴾: أيْ مُصِيبَةٍ، وذَكَرَ فِعْلَها، وهو جائِزُ التَّذْكِيرِ والتَّأْنِيثِ، ومِنَ التَّأْنِيثِ ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها﴾ [الحجر: ٥] . ولَفْظُ مُصِيبَةٍ يَدُلُّ عَلى الشَّرِّ، لِأنَّ عُرْفَها ذَلِكَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ما مَعْناهُ: أنَّهُ أرادَ عُرْفَ المُصِيبَةِ، وهو اسْتِعْمالُها في الشَّرِّ، وخَصَّصَها بِالذِّكْرِ لِأنَّها أهَمُّ عَلى البَشَرِ. والمُصِيبَةُ في الأرْضِ مِثْلُ القَحْطِ والزَّلْزَلَةِ وعاهَةِ الزَّرْعِ، وفي الأنْفُسِ: الأسْقامُ والمَوْتُ. وقِيلَ: المُرادُ بِالمُصِيبَةِ الحَوادِثُ كُلُّها مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، ﴿إلّا في كِتابٍ﴾: هو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، أيْ مَكْتُوبَةٍ فِيهِ، ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها﴾: أيْ نَخْلُقَها. بَرَأ: خَلَقَ، والضَّمِيرُ في نَبْرَأها الظّاهِرُ أنَّهُ يَعُودُ عَلى المُصِيبَةِ، لِأنَّها هي المُحَدَّثُ عَنْها، وذِكْرُ الأرْضِ والأنْفُسِ هو عَلى سَبِيلِ مَحَلِّ المُصِيبَةِ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الأرْضِ. وقِيلَ: عَلى الأنْفُسِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وجَماعَةٌ. وذَكَرَ المَهْدَوِيُّ جَوازَ عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلى جَمِيعِ ما ذُكِرَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي كُلُّها مَعارِفُ صِحاحٌ، لِأنَّ الكِتابَ السّابِقَ أزَلِيٌّ قَبْلَ هَذِهِ كُلِّها. انْتَهى. (إنَّ ذَلِكَ): أيْ يَحْصُلُ كُلُّ ما ذُكِرَ في كِتابٍ وتَقْدِيرُهُ، ﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾: أيْ سَهْلٌ، وإنْ كانَ عَسِيرًا عَلى العِبادِ.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى الحِكْمَةَ في إعْلامِنا بِذَلِكَ الَّذِي فَعَلَهُ مِن تَقْدِيرِ ذَلِكَ وسَبْقِ قَضائِهِ بِهِ فَقالَ: ﴿لِكَيْ لا تَأْسَوْا﴾: أيْ تَحْزَنُوا، ﴿عَلى ما فاتَكُمْ﴾، لِأنَّ العَبْدَ إنْ أُعْلِمَ ذَلِكَ سَلِمَ، وعَلِمَ أنَّ ما فاتَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ، وما أصابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، فَلِذَلِكَ لا يَحْزَنُ عَلى فائِتٍ، لِأنَّهُ لَيْسَ بِصَدَدِ أنْ يُفَوِّتَهُ، فَهَوَّنَ عَلَيْهِ أمْرَ حَوادِثِ الدُّنْيا بِذَلِكَ، إذْ قَدْ وطَّنَ نَفْسَهُ عَلى هَذِهِ العَقِيدَةِ. ويَظْهَرُ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٣]: أنْ يُلْحِقَ الحُزْنَ الشَّدِيدَ عَلى ما فاتَ مِنَ الخَيْرِ فَيَحْدُثَ عَنْهُ التَّسَخُّطُ وعَدَمُ الرِّضا بِالمَقْدُورِ.

﴿ولا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ﴾: أنْ يَفْرَحَ الفَرَحَ المُؤَدِّيَ إلى البَطَرِ المَنهِيِّ عَنْهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦]، فَإنَّ الحُزْنَ قَدْ يَنْشَأُ عَنْهُ البَطَرُ، ولِذَلِكَ خَتَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ . فالفَرَحُ بِما نالَهُ مِن حُطامِ الدُّنْيا يَلْحَقُهُ في نَفْسِهِ الخُيَلاءُ والِافْتِخارُ والتَّكَبُّرُ عَلى النّاسِ، فَمِثْلُ هَذا هو المَنهِيُّ عَنْهُ. وأمّا الحُزْنُ عَلى ما فاتَ مِن طاعَةِ اللَّهِ والفَرَحُ بِنِعَمِ اللَّهِ والشُّكْرُ عَلَيْها والتَّواضُعُ فَهو مَندُوبٌ إلَيْهِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَيْسَ أحَدٌ إلّا يَحْزَنُ ويَفْرَحُ، ولَكِنْ مَن أصابَتْهُ مُصِيبَةٌ فَجَعَلَها صَبْرًا، ومَن أصابَ خَيْرًا جَعَلَهُ شُكْرًا. انْتَهى، يَعْنِي هو المَحْمُودُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: فَلا أحَدَ يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ مَضَرَّةٍ تَنْزِلُ بِهِ، ولا عِنْدَ مَنفَعَةٍ يَنالُها أنْ لا يَحْزَنَ ولا يَفْرَحَ. قُلْتُ: المُرادُ: الحُزْنُ المُخْرِجُ إلى ما يُذْهِلُ صاحِبَهُ عَنِ الصَّبْرِ والتَّسْلِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى ورَجاءِ ثَوابِ الصّابِرِينَ، والفَرَحُ المُطْغِي المُلْهِي عَنِ الشُّكْرِ. فَأمّا الحُزْنُ الَّذِي لا يَكادُ الإنْسانُ يَخْلُو مِنهُ مَعَ الِاسْتِسْلامِ والسُّرُورِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ والِاعْتِدادِ بِها مَعَ الشُّكْرِ، فَلا بَأْسَ بِهِ. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِما آتاكم: أيْ أعْطاكم؛ وعَبْدُ اللَّهِ: أُوتِيتُمْ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ: أيْ أُعْطِيتُمْ؛ وأبُو عَمْرٍو: آتاكم: أيْ جاءَكم.

﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾: أيْ هُمُ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ، أوْ يَكُونُ الَّذِينَ مُبْتَدَأً مَحْذُوفَ الخَبَرِ عَلى جِهَةِ (p-٢٢٦)الإبْهامِ تَقْدِيرُهُ: مَذْمُومُونَ، أوْ مَوْعُودُونَ بِالعَذابِ، أوْ مُسْتَغْنًى عَنْهم، أوْ عَلى إضْمارِ أعْنِي فَهو في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أوْ في مَوْضِعِ نَصْبِ صِفَةٍ لِكُلِّ مُخْتالٍ، وإنْ كانَ نَكِرَةً، فَهو مُخَصِّصٌ نَوْعًا ما، فَيَسُوغُ لِذَلِكَ وصْفُهُ بِالمَعْرِفَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا مَذْهَبُ الأخْفَشِ. انْتَهى.

عَظُمَتِ الدُّنْيا في أعْيُنِهِمْ، فَبَخِلُوا أنْ يُؤَدُّوا مِنها حُقُوقَ اللَّهِ تَعالى، وما كَفاهم ذَلِكَ حَتّى أمَرُوا النّاسَ بِالبُخْلِ ورَغَّبُوهم في الإمْساكِ، والظّاهِرُ أنَّهم أمَرُوا النّاسَ حَقِيقَةً. وقِيلَ: كانُوا قُدْوَةً فِيهِ، فَكَأنَّهم يَأْمُرُونَ بِهِ.

﴿ومَن يَتَوَلَّ﴾ عَنْ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ هُوَ﴾؛ وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: بِإسْقاطِ هو، وكَذا في مَصاحِفِ المَدِينَةِ والشّامِ، وكِلْتا القِراءَتَيْنِ مُتَواتِرَةٌ. فَمَن أثْبَتَ هو، فَقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: يَحْسُنُ أنْ يَكُونَ فَصْلًا، قالَ: ولا يَحْسُنُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءً، لِأنَّ حَذْفَ الِابْتِداءِ غَيْرُ سائِغٍ. انْتَهى. يَعْنِي أنَّهُ في القِراءَةِ الأُخْرى حُذِفَ، ولَوْ كانَ مُبْتَدَأً لَمْ يَجُزْ حَذْفُهُ، لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: إنَّ زَيْدًا هو الفاضِلُ، فَأعْرَبْتَ هو مُبْتَدَأً، لَمْ يَجُزْ حَذْفُهُ، لِأنَّ ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِكَ الفاضِلُ صالِحٌ أنْ يَكُونَ خَبَرًا لِأنَّ، فَلا يَبْقى دَلِيلٌ عَلى حَذْفِ هو الرّابِطِ. ونَظِيرُهُ: ﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ [الماعون: ٦]، لا يَجُوزُ حَذْفُ هم، لِأنَّ ما بَعْدَهُ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ صِلَةً، فَلا يَبْقى دَلِيلٌ عَلى المَحْذُوفِ. وما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو عَلِيٍّ لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّهُ بَنى ذَلِكَ عَلى تَوافُقِ القِراءَتَيْنِ وتَرْكِيبِ إحْداهُما عَلى الأُخْرى، ولَيْسَ كَذَلِكَ. ألا تَرى أنَّهُ يَكُونُ قِراءَتانِ في لَفْظٍ واحِدٍ، ولِكُلٍّ مِنهُما تَوْجِيهٌ يُخالِفُ الآخَرَ، كَقِراءَةِ مَن قَرَأ: واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعْتُ. بِضَمِّ التّاءِ، والقِراءَةُ الأُخْرى: ﴿بِما وضَعَتْ﴾ [آل عمران: ٣٦] بِتاءِ التَّأْنِيثِ فَضَمُّ التّاءِ يَقْتَضِي أنَّ الجُمْلَةَ مِن كَلامِ أُمِّ مَرْيَمَ، وتاءُ التَّأْنِيثِ تَقْتَضِي أنَّها مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا كَثِيرٌ في القِراءاتِ المُتَواتِرَةِ. فَكَذَلِكَ هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هو مُبْتَدَأً في قِراءَةِ مَن أثْبَتَهُ، وإنْ كانَ لَمْ يُرِدْ في القِراءَةِ الأُخْرى، ولِكُلٍّ مِنَ التَّرْكِيبَيْنِ في الإعْرابِ حُكْمٌ يَخُصُّهُ.

﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ﴾: الظّاهِرُ أنَّ الرُّسُلَ هُنا هم مِن بَنِي آدَمَ، والبَيِّناتُ: الحُجَجُ والمُعْجِزاتُ.

﴿وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ﴾: ”الكِتابَ“ اسْمُ جِنْسٍ، ومَعَهم حالٌ مُقَدَّرَةٌ، أيْ وأنْزَلْنا الكِتابَ صائِرًا مَعَهم، أيْ مُقَدِّرًا صُحْبَتَهُ لَهم، لِأنَّ الرُّسُلَ مُنْزَلِينَ هم والكِتابُ. ولَمّا أشْكَلَ لَفْظُ مَعَهم عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ، فَسَّرَ الرُّسُلَ بِغَيْرِ ما فَسَّرْناهُ، فَقالَ: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا﴾، يَعْنِي: المَلائِكَةَ، إلى الأنْبِياءِ بِالحُجَجِ والمُعْجِزاتِ، ﴿وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ﴾: أيِ الوَحْيَ، (والمِيزانَ) . ورُوِيَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ نَزَلَ بِالمِيزانِ، فَدَفَعَهُ إلى نُوحٍ وقالَ: مُرْ قَوْمَكَ يَزِنُوا بِهِ.

﴿وأنْزَلْنا الحَدِيدَ﴾، قِيلَ: نَزَلَ آدَمُ مِنَ الجَنَّةِ ومَعَهُ خَمْسَةُ أشْياءَ مِن حَدِيدٍ السِّنْدانُ والكَلْبَتانِ والمِيقَعَةُ والمِطْرَقَةُ والإبْرَةُ. ورُوِيَ: ومَعَهُ المِسَنُّ والمِسْحاةُ. وعَنِ النَّبِيِّ، ﷺ، «أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ أرْبَعَ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ، أنْزَلَ الحَدِيدَ والنّارَ والماءَ والمِلْحَ» . انْتَهى. وأكْثَرُ المُتَأوِّلِينَ عَلى أنَّ المُرادَ بِالمِيزانِ: العَدْلُ، فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: أرادَ بِالمَوازِينِ: المَعْرِفَةَ بَيْنَ النّاسِ، وهَذا جُزْءٌ مِنَ العَدْلِ.

﴿لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ﴾: الظّاهِرُ أنَّهُ عِلَّةٌ لِإنْزالِ المِيزانِ فَقَطْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِلَّةً لِإنْزالِ الكِتابِ والمِيزانِ مَعًا، لِأنَّ القِسْطَ هو العَدْلُ في جَمِيعِ الأشْياءِ مِن سائِرِ التَّكالِيفِ، فَإنَّهُ لا يَجُورُ في شَيْءٍ مِنها، ولِذَلِكَ جاءَ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو والمَلائِكَةُ وأُولُوا العِلْمِ قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] .

﴿وأنْزَلْنا الحَدِيدَ﴾: عَبَّرَ عَنْ إيجادِهِ بِالإنْزالِ، كَما قالَ: ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ﴾ [الزمر: ٦] . وأيْضًا فَإنَّ الأوامِرَ وجَمِيعَ القَضايا والأحْكامِ لَمّا كانَتْ تُلْقى مِنَ السَّماءِ، جُعِلَ الكُلُّ نُزُولًا مِنها، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ الجُمْهُورُ: أرادَ بِالحَدِيدِ جِنْسَهُ مِنَ المَعادِنِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَ آدَمُ مِنَ الجَنَّةِ ومَعَهُ السِّنْدانِ والكَلْبَتانِ والمِيقَعَةُ.

﴿فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾: أيِ السِّلاحُ الَّذِي (p-٢٢٧)يُباشَرُ بِهِ القِتالُ، ﴿ومَنافِعُ لِلنّاسِ﴾: في مَصالِحِهِمْ ومَعايِشِهِمْ وصَنائِعِهِمْ؛ فَما مِن صِناعَةٍ إلّا والحَدِيدُ آلَةٌ فِيها.

﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ﴾ عِلَّةٌ لِإنْزالِ الكِتابِ والمِيزانِ والحَدِيدِ.

﴿مَن يَنْصُرُهُ ورُسُلَهُ﴾ بِالحُجَجِ والبَراهِينِ المُنْتَزَعَةِ مِنَ الكِتابِ المُنَزَّلِ، وبِإقامَةِ العَدْلِ، وبِما يُعْمَلُ مِن آلَةِ الحَرْبِ لِلْجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أيْ لِيَعْلَمَهُ مَوْجُودًا، فالتَّغَيُّرُ لَيْسَ في عِلْمِ اللَّهِ، بَلْ في هَذا الحَدَثِ الَّذِي خَرَجَ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ. وقَوْلُهُ: (بِالغَيْبِ) مَعْناهُ: بِما سَمِعَ مِنَ الأوْصافِ الغائِبَةِ عَنْهُ، فَآمَنَ بِها لِقِيامِ الأدِلَّةِ عَلَيْها.

ولَمّا قالَ تَعالى: ﴿مَن يَنْصُرُهُ ورُسُلَهُ﴾، ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ نُصْرَتِهِ بِقُدْرَتِهِ وعِزَّتِهِ، وأنَّهُ إنَّما كَلَّفَهُمُ الجِهادَ لِمَنفَعَةِ أنْفُسِهِمْ، وتَحْصِيلِ ما يَتَرَتَّبُ لَهم مِنَ الثَّوابِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَتَرَتَّبُ مَعْنى الآيَةِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ بِأنَّهُ أرْسَلَ رُسُلَهُ، وأنْزَلَ كُتُبًا وعَدْلًا مَشْرُوعًا، وسِلاحًا يُحارَبُ بِهِ مَن عانَدَ ولَمْ يَهْتَدِ بِهَدْيِ اللَّهِ، فَلَمْ يَبْقَ عُذْرٌ. وفي الآيَةِ، عَلى هَذا التَّأْوِيلِ، حَثٌّ عَلى القِتالِ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English