Абу Хайян · Тафсир · на арабском
Аль-Анам 6:151–153
6:151–152Страница 148
۞ قُلۡ تَعَالَوۡاْ أَتۡلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمۡ عَلَيۡكُمۡۖ أَلَّا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗاۖ وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُم مِّنۡ إِمۡلَٰقٖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكُمۡ وَإِيَّاهُمۡۖ وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلۡفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَۖ وَلَا تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ١٥١
Скажи: «Придите, и я прочту то, что запретил вам ваш Господь». Никого не приобщайте к Нему в сотоварищи и делайте добро родителям. И не убивайте своих детей, опасаясь нищеты, ведь Мы обеспечиваем пропитанием вас вместе с ними. И не приближайтесь к мерзким поступкам, явным или сокрытым. Не убивайте душу, которую Аллах запретил убивать, если только у вас нет на это права. Это заповедал вам Аллах, - быть может, вы уразумеете.
وَلَا تَقۡرَبُواْ مَالَ ٱلۡيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ أَشُدَّهُۥۚ وَأَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ وَٱلۡمِيزَانَ بِٱلۡقِسۡطِۖ لَا نُكَلِّفُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۖ وَإِذَا قُلۡتُمۡ فَٱعۡدِلُواْ وَلَوۡ كَانَ ذَا قُرۡبَىٰۖ وَبِعَهۡدِ ٱللَّهِ أَوۡفُواْۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ١٥٢
Не приближайтесь к имуществу сироты, кроме как во благо ему, пока он не достигнет зрелого возраста. Наполняйте меру и весы по справедливости. Мы не возлагаем на человека сверх его возможностей. Когда вы произносите слово, будьте справедливы, даже если это касается родственника. Будьте верны договору с Аллахом. Это заповедал вам Аллах, - быть может, вы помяните назидание.
﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى ما حَرَّمُوهُ افْتِراءً عَلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَرَ ما أباحَهُ تَعالى لَهم مِنَ الحُبُوبِ والفَواكِهِ والحَيَوانِ، ذَكَرَ ما حَرَّمَهُ تَعالى عَلَيْهِمْ مِن أشْياءَ نَهاهم عَنْها وما أوْجَبَ عَلَيْهِمْ مِن أشْياءَ أمَرَهم بِها. وتَقَدَّمَ (p-٢٤٩)شَرْحُ ﴿تَعالَوْا﴾ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلى كَلِمَةٍ﴾ [آل عمران: ٦٤]، والخِطابُ في قُلْ لِلرَّسُولِ، وفي تَعالَوْا قِيلَ لِلْمُشْرِكِينَ، وقِيلَ: لِمَن بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ مِن مُؤْمِنٍ وكِتابِيٍّ ومُشْرِكٍ. وسِياقُ الآياتِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لِلْمُشْرِكِينَ، وإنْ كانَ حُكْمُ غَيْرِهِمْ في ذَلِكَ حُكْمَهم، أمَرَهُ تَعالى أنْ يَدْعُوَ جَمِيعَ الخَلْقِ إلى سَماعِ ما حَرَّمَ اللَّهُ بِشَرْعِ الإسْلامِ المَبْعُوثِ بِهِ إلى الأسْوَدِ والأحْمَرِ. وأتْلُ: أسْرُدُ وأقُصُّ مِنَ التِّلاوَةِ، وهي إتْباعُ بَعْضِ الحُرُوفِ بَعْضًا. وقالَ كَعْبُ الأحْبارِ: هَذِهِ الآياتُ مُفْتَتَحُ التَّوْراةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم ألّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ﴾ إلى آخَرِ الآيَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذِهِ الآياتُ هي المُحْكَماتُ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، أجْمَعَتْ عَلَيْها شَرائِعُ الخَلْقِ ولَمْ تُنْسَخْ قَطُّ في مِلَّةٍ. وقَدْ قِيلَ: إنَّها العَشْرُ كَلِماتٍ المُنَزَّلَةُ عَلى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - و(ما) بِمَعْنى الَّذِي وهي مُفَعْوِلَةٌ بِأتْلُ، أيْ: أقْرَأُ الَّذِي حَرَّمَهُ رَبُّكم عَلَيْكم. وقِيلَ: مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: تَحْرِيمَ رَبِّكم. وقِيلَ: اسْتِفْهامِيَّةٌ مَنصُوبَةٌ بِحَرَّمَ، أيْ: أيَّ شَيْءٍ حَرَّمَ رَبُّكم، ويَكُونُ قَدْ عَلَّقَ أتْلُ، وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ أتْلُ لَيْسَ مِن أفْعالِ القُلُوبِ فَلا تَعَلُّقَ. و﴿عَلَيْكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِحَرَّمَ لا بِأتْلُ، فَهو مِن إعْمالِ الثّانِي. وقالَ ابْنُ الشَّجَرِيِّ: إنْ عَلَّقْتَهُ بِأتْلُ فَهو جَيِّدٌ لِأنَّهُ أسْبَقُ، وهو اخْتِيارُ الكُوفِيِّينَ، فالتَّقْدِيرُ: أتْلُ عَلَيْكُمُ الَّذِي حَرَّمَ رَبُّكم.
* *
﴿أنْ لا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ الظّاهِرُ أنَّ (أنْ) تَفْسِيرِيَّةٌ، و(لا) ناهِيَةٌ؛ (p-٢٥٠)لِأنَّ (أتْلُ) فِعْلٌ بِمَعْنى القَوْلِ، وما بَعْدَ (أنْ) جُمْلَةٌ، فاجْتَمَعَ في أنْ شَرْطا التَّفْسِيرِيَّةِ وهي أنْ يَتَقَدَّمَها مَعْنى القَوْلِ وأنْ يَكُونَ بَعْدَها جُمْلَةٌ، وذَلِكَ بِخِلافِ أيْ فَإنَّها حَرْفُ تَفْسِيرٍ يَكُونُ قَبْلَها مُفْرَدٌ وجُمْلَةٌ يَكُونُ فِيها مَعْنى القَوْلِ وغَيْرُها، وبَعْدَها مُفْرَدٌ وجُمْلَةٌ، وجَعْلُها تَفْسِيرِيَّةً هو اخْتِيارُ الزَّمَخْشَرِيِّ، (فَإنْ قُلْتَ): إذا جَعَلْتَ أنْ مُفَسِّرَةً لِفِعْلِ التِّلاوَةِ وهو مُعَلَّقٌ بِـ ﴿ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ وجَبَ أنْ يَكُونَ ما بَعْدَهُ مَنهِيًّا عَنْهُ مُحَرَّمًا كُلُّهُ، كالشِّرْكِ، وما بَعْدَهُ مِمّا دَخَلَ عَلَيْهِ حَرْفُ النَّهْيِ، فَما يُصْنَعُ بِالأوامِرِ ؟ (قُلْتُ): لَمّا ورَدَتْ هَذِهِ الأوامِرُ مَعَ النَّواهِي وتَقَدَّمَهُنَّ جَمِيعًا فِعْلُ التَّحْرِيمِ واشْتَرَكْنَ في الدُّخُولِ تَحْتَ حُكْمِهِ، عُلِمَ أنَّ التَّحْرِيمَ راجِعٌ إلى أضْدادِها، وهي الإشارَةُ إلى الوالِدَيْنِ وبِخَسِ الكَيْلِ والمِيزانِ وتَرْكِ العَدْلِ في القَوْلِ ونَكْثِ عَهْدِ اللَّهِ. انْتَهى. وكَوْنُ هَذِهِ الأشْياءِ اشْتَرَكَتْ في الدُّخُولِ تَحْتَ حُكْمِ التَّحْرِيمِ، وكَوْنُ التَّحْرِيمِ راجِعًا إلى أضْدادِ الأوامِرِ بِعِيدٌ جِدًّا وألْغازٌ في المَعانِي ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى ذَلِكَ، وأمّا عَطْفُ هَذِهِ الأوامِرِ فَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ، أحَدُهُما أنَّها مَعْطُوفَةٌ عَلى المَناهِي قَبْلَها، فَيَلْزَمُ انْسِحابُ التَّحْرِيمِ عَلَيْها حَيْثُ كانَتْ في حَيِّزِ أنِ التَّفْسِيرِيَّةِ، بَلْ هي مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ﴾، أمَرَهم أوَّلًا بِأمْرٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ذِكْرُ مُناهُ، ثُمَّ أمَرَهم ثانِيًا بِأوامِرَ، وهَذا مَعْنًى واضِحٌ، والثّانِي أنْ تَكُونَ الأوامِرُ مَعْطُوفَةً عَلى المَناهِي وداخِلَةً تَحْتَ أنِ التَّفْسِيرِيَّةِ، ويَصِحُّ ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ تَكُونُ أنْ مُفَسِّرَةً لَهُ ولِلْمَنطُوقِ قَبْلَهُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ حَذْفُهُ، والتَّقْدِيرُ: وما أمَرَكم بِهِ، فَحَذَفَ وما أمَرَكم بِهِ لِدَلالَةِ ما حَرَّمَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ مَعْنى ﴿ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾ ما نَهاكم رَبُّكم عَنْهُ، فالمَعْنى قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما نَهاكم رَبُّكم عَنْهُ، وإذا كانَ التَّقْدِيرُ هَكَذا صَحَّ أنْ تَكُونَ أنْ تَفْسِيرِيَّةً لِفِعْلِ النَّهْيِ الدّالِّ عَلَيْهِ التَّحْرِيمُ وفِعْلِ الأمْرِ المَحْذُوفِ، ألا تَرى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: أمَرْتُكَ أنْ لا تُكْرِمَ جاهِلًا وأكْرِمْ عالِمًا، إذْ يَجُوزُ عَطْفُ الأمْرِ عَلى النَّهْيِ والنَّهْيِ عَلى الأمْرِ، كَما قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎يَقُولُونَ لا تَهْلِكْ أسًى وتَجَمَّلِ
وهَذا لا نَعْلَمُ فِيهِ خِلافًا، بِخِلافِ الجُمَلِ المُتَبايِنَةِ بِالخَبَرِ والِاسْتِفْهامِ والإنْشاءِ، فَإنَّ في جَوازِ العَطْفِ فِيها خِلافًا، وقَدْ جَوَّزُوا في (أنْ) أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً لا تَفْسِيرِيَّةَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ وفي مَوْضِعِ نَصْبٍ. فَأمّا الرَّفْعُ فَعَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى، والتَّقْدِيرُ: المَتْلُوُّ (أنْ لا تُشْرِكُوا) . وأمّا النَّصْبُ فَمِن وُجُوهٍ، أحَدُها: أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِقَوْلِهِ: (عَلَيْكم)، ويَكُونُ مِن بابِ الإغْراءِ، وتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾، أيِ: التَزِمُوا انْتِفاءَ الإشْراكِ، وهَذا بَعِيدٌ لِتَفْكِيكِ الكَلامِ عَنْ ظاهِرِهِ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ، أيْ: ﴿أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾ (p-٢٥١)(أنْ لا تُشْرِكُوا)، وهَذا بَعِيدٌ لِأنَّ ما جاءَ بَعْدَهُ أمْرٌ مَعْطُوفٌ بِالواوِ، ومُناهُ هي مَعْطُوفَةٌ بِالواوِ، فَلا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ تَبْيِينًا لِما حَرَّمَ، أمّا الأوامِرُ فَمِن حَيْثُ المَعْنى، وأمّا المَناهِي فَمِن حَيْثُ العَطْفِ. الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: أُوصِيكم أنْ لا تُشْرِكُوا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ مَحْمُولٌ عَلى أُوصِيكم ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾، وهَذا بَعِيدٌ لِأنَّ الإضْمارَ عَلى خِلافِ الأصْلِ. وهَذِهِ الأوْجُهُ الثَّلاثَةُ ”لا“ فِيها باقِيَةٌ عَلى أصْلِ وضْعِها مِنَ النَّفْيِ، وهو مُرادٌ. الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى البَدَلِ مِن ﴿ما حَرَّمَ﴾ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ المَحْذُوفِ مِن ﴿ما حَرَّمَ﴾، إذْ تَقْدِيرُهُ ما حَرَّمَهُ، وهَذانِ الوَجْهانِ ”لا“ فِيهِما زائِدَةٌ كَهي في قَوْلِهِ: (ما مَنَعَكَ أنْ لا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ)، وهَذا ضَعِيفٌ لِانْحِصارِ عُمُومِ المُحَرَّمِ في الإشْراكِ، إذْ ما بَعْدَهُ مِنَ الأمْرِ لَيْسَ داخِلًا مِنَ المُحَرَّمِ، ولا بَعْدَ الأمْرِ مِمّا فِيهِ لا يُمْكِنُ ادِّعاءُ زِيادَةٍ لا فِيهِ لِظُهُورِ ”أنْ لا“ فِيها لِلنَّهْيِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): هَلّا قُلْتَ هي الَّتِي تَنْصِبُ الفِعْلَ، وجَعَلْتَ (أنْ لا تُشْرِكُوا) بَدَلًا مِن ﴿ما حَرَّمَ﴾، (قُلْتُ): وجَبَ أنْ يَكُونَ لا تُشْرِكُوا ولا تَقْرَبُوا ولا تَقْتُلُوا ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ نَواهِيَ لِانْعِطافِ الأوامِرِ عَلَيْها، وهي قَوْلُهُ: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: وأحْسِنُوا ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾، ”وأوْفُوا“، ”وإذا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا“، ”وبِعَهْدِ اللَّهِ أوْفَوْا“ . انْتَهى. ولا يَتَعَيَّنُ أنْ تَكُونَ جَمِيعُ الأوامِرِ مَعْطُوفَةً عَلى جَمِيعِ ما دَخَلَ عَلَيْهِ ”لا“؛ لِأنّا بَيَّنّا جَوازَ عَطْفِ ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ عَلى (تَعالَوْا)، وما بَعْدَهُ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، ولا يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ مَعْطُوفًا عَلى (أنْ تُشْرِكُوا)، و(أنْ لا تُشْرِكُوا) شامِلٌ لِمَن أشْرَكَ بِاللَّهِ الأصْنامَ كَقَوْمِ إبْراهِيمَ، ومَن أشْرَكَ بِاللَّهِ الجِنَّ، ومَن أشْرَكَ بَنِينَ وبَناتٍ. وقالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: قِيلَ ادِّعاءَ شَرِيكٍ لِلَّهِ. وقِيلَ: طاعَةَ غَيْرِ اللَّهِ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
* *
﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم مِن إمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكم وإيّاهُمْ﴾: (مِن) هُنا سَبَبِيَّةٌ، أيْ: مِن فَقْرٍ، لِقَوْلِهِ ﴿خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١]، وقَتْلُ الوَلَدِ حَرامٌ إلّا بِحَقِّهِ، وإنَّما ذُكِرَ هَذا السَّبَبُ لِأنَّهُ كانَ العِلَّةَ في قَتْلِ الوَلَدِ عِنْدَهم، وبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ هو الرّازِقُ لَهم ولِأوْلادِهِمْ، وإذا كانَ هو الرّازِقَ فَكَما لا تَقْتُلْ نَفْسَكَ كَذَلِكَ لا تَقْتُلْ ولَدَكَ. ولَمّا أمَرَ تَعالى بِالإحْسانِ إلى الوالِدَيْنِ نَهى عَنِ الإساءَةِ إلى الأوْلادِ، ونَبِّهَ عَلى أعْظَمِ الإساءَةِ لِلْأوْلادِ هو إعْدامُ حَياتِهِمْ بِالقَتْلِ خَوْفَ الفَقْرِ، كَما قالَ في الحَدِيثِ وقَدْ سُئِلَ عَنْ أكْبَرِ الكَبائِرِ فَذَكَرَ الشِّرْكَ بِاللَّهِ، وهو قَوْلُهُ: «أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ» ثُمَّ قالَ: «وأنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ مَخافَةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ» وقالَ: «وأنَّ تُزانِيَ حَلِيلَةَ جارِكَ»، وجاءَ هَذا الحَدِيثُ مُنْتَزَعًا مِن هَذِهِ الآيَةِ، وجاءَ التَّرْكِيبُ هُنا ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكم وإيّاهُمْ﴾، وفي الإسْراءِ ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهم وإيّاكُمْ﴾ [الإسراء: ٣١]، فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنَ التَّفَنُّنِ في الكَلامِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ في هَذِهِ الآيَةِ: جاءَ ﴿مِن إمْلاقٍ﴾، فَظاهِرُهُ حُصُولُ الإمْلاقِ لِلْوالِدِ لا تَوَقُّعُهُ وخَشْيَتُهُ، وإنْ كانَ واجِدًا لِلْمالِ، فَبَدَأ أوَّلًا بِقَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ﴾ خِطابًا لِلْآباءِ وتَبْشِيرًا لَهم بِزَوالِ الإمْلاقِ وإحالَةِ الرِّزْقِ عَلى الخَلّاقِ الرَّزّاقِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِمُ الأوْلادَ. وأمّا في الإسْراءِ فَظاهِرُ التَّرْكِيبِ أنَّهم مُوسِرُونَ، وأنَّ قَتْلَهم إيّاهم إنَّما هو لِتَوَقُّعِ حُصُولِ الإمْلاقِ والخَشْيَةِ مِنهُ، فَبُدِئَ فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ﴾ [الإسراء: ٣١] إخْبارًا بِتَكَفُّلِهِ تَعالى بِرِزْقِهِمْ، فَلَسْتُمْ أنْتُمْ رازِقِيهِمْ، وعَطَفَ عَلَيْهِمُ الآباءَ، وصارَتِ الآيَتانِ مُفِيدَتَيْنِ مَعْنَيَيْنِ. أحَدُهُما أنَّ الآباءَ نُهُوا عَنْ قَتْلِ الأوْلادِ مَعَ وُجُودِ إمْلاقِهِمْ. والآخَرُ أنَّهم نُهُوا عَنْ قَتْلِهِمْ وإنْ كانُوا مُوسِرِينَ لِتَوَقُّعِ الإمْلاقِ وخَشْيَتِهِ، وحَمْلُ (p-٢٥٢)الآيَتَيْنِ عَلى ما يُفِيدُ مَعْنَيَيْنِ أوْلى مِنَ التَّأْكِيدِ.
﴿ولا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ المَنقُولُ فِيما ﴿مِنها وما بَطَنَ﴾ كالمَنقُولِ في ﴿وذَرُوا ظاهِرَ الإثْمِ وباطِنَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٠] وتَقَدَّمَ فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ.
﴿ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ﴾ هَذا مُنْدَرِجٌ تَحْتَ عُمُومِ الفَواحِشِ إذِ الأجْوَدُ أنْ لا يَخُصَّ الفَواحِشَ بِنَوْعٍ ما، وإنَّما جَرَّدَ مِنها قَتْلَ النَّفْسِ تَعْظِيمًا لِهَذِهِ الفاحِشَةِ واسْتِهْوالًا لِوُقُوعِها ولِأنَّهُ لا يَتَأتّى الِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا بِالحَقِّ﴾ إلّا مِنَ القَتْلِ لا مِن عُمُومِ الفَواحِشِ، وقَوْلُهُ: ﴿الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ حَوالَةٌ عَلى سَبْقِ العَهْدِ في تَحْرِيمِها فَلِذَلِكَ وُصِفَتْ بِالَّتِي، والنَّفْسُ المُحَرَّمَةُ هي المُؤْمِنَةُ والذِّمِّيَّةُ والمُعاهَدَةُ و﴿بِالحَقِّ﴾ بِالسَّبَبِ المُوجِبِ لِقَتْلِها كالرِّدَّةِ والقِصاصِ والزِّنا بَعْدَ الإحْصانِ والمُحارَبَةِ.
﴿ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ أشارَ إلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ وفي لَفْظِ ﴿وصّاكُمْ﴾ مِنَ اللُّطْفِ والرَّأْفَةِ وجَعْلِهِمْ أوْصِياءَ لَهُ تَعالى ما لا يَخْفى مِنَ الإحْسانِ، ولَمّا كانَ العَقْلُ مَناطَ التَّكْلِيفِ قالَ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ أيْ فَوائِدَ هَذَهِ التَّكالِيفِ ومَنافِعَها في الدِّينِ والدُّنْيا والوَصاةِ الأمْرِ المُؤَكَّدِ المُقَرَّرِ. وقالَ الأعْشى:
؎أجِدَّكَ لَمْ تَسْمَعْ وصاةَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الإلَهِ حِينَ أوْصى وأشْهَدا
﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ﴾ هَذا نَهْيٌ عَنِ القُرْبِ الَّذِي يَعُمُّ جَمِيعَ وُجُوهِ التَّصَرُّفِ، وفِيهِ سَدُ الذَّرِيعَةِ ﴿إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ أيْ بِالخَصْلَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ في حَقِّ اليَتِيمِ ولَمْ يَأْتِ إلّا ”بِالَّتِي هي حَسَنَةٌ“، بَلْ جاءَ بِأفْعَلَ التَّفْضِيلِ مُراعاةً لِمالِ اليَتِيمِ وأنَّهُ لا يَكْفِي فِيهِ الحالَةُ الحَسَنَةُ بَلِ الخَصْلَةُ الحُسْنى وأمْوالُ النّاسِ مَمْنُوعٌ مِن قُرْبانِها، ونَصَّ عَلى ﴿اليَتِيمِ﴾ لِأنَّ الطَّمَعَ فِيهِ أكْثَرُ لِضَعْفِهِ وقِلَّةِ مُراعاتِهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ زَيْدٍ ﴿الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣] هو أنْ يَعْمَلَ لَهُ عَمَلًا مُصْلِحًا فَيَأْكُلُ مِنهُ بِالمَعْرُوفِ وقْتَ الحاجَةِ، وقالَ الزَّجّاجُ: حِفْظُهُ وزِيادَتُهُ، وقالَ الضَّحّاكُ: حِفْظُ رِبْحِهِ بِالتِّجارَةِ ولا يَأْخُذُ مِنهُ شَيْئًا، وقالَ مُجاهِدٌ: الَّتِي هي أحْسَنُ التِّجارَةُ فَمَن كانَ مِنَ النّاظِرِينَ لَهُ مالٌ يَعِيشُ بِهِ فالأحْسَنُ إذا أثْمَرَ مالُ اليَتِيمِ أنْ لا يَأْخُذَ مِنهُ نَفَقَةً ولا أُجْرَةً ولا غَيْرَها، ومَن كانَ مِنَ النّاظِرِينَ لا مالَ لَهُ ولا يَتَّفِقُ لَهُ نَظَرٌ إلّا بِأنْ يُنْفِقَ عَلى نَفْسِهِ أنْفَقَ مِن رِبْحِ نَظَرِهِ. وقِيلَ: الِانْتِفاعُ بِدَوابِّهِ واسْتِخْدامُ جَوارِيهِ لِئَلّا يَخْرُجَ الأوْلِياءُ بِالمُخالَطَةِ. ذَكَرَهُ المَرْوَزِيُّ. وقِيلَ لا يَأْكُلُ مِنهُ إلّا قَرْضًا وهَذا بِعِيدٌ وأيُّ أحْسَنِيَّةٍ في هَذا.
﴿حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ هَذِهِ غايَةٌ مِن حَيْثُ المَعْنى لا مِن حَيْثُ هَذا التَّرْكِيبِ اللَّفْظِيِّ، ومَعْناهُ احْفَظُوا عَلى اليَتِيمِ مالَهُ إلى بُلُوغِ أشُدِّهِ فادْفَعُوهُ إلَيْهِ. وبُلُوغُ الأشُدِّ هُنا لِلْيَتِيمِ هو بُلُوغُ الحُلُمِ. قالَهُ الشَّعْبِيُّ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ ورَبِيعَةُ ومالِكٌ. وحَكى ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ ورَبِيعَةَ ومالِكٍ وأبِي حَنِيفَةَ إنَّهُ البُلُوغُ مَعَ أنَّهُ لا يَثْبُتُ فِسْقُهُ وقَدْ نُقِلَ في تَفْسِيرِ الأشُدِّ أقْوالٌ لا يُمْكِنُ أنْ تَجِيءَ هُنا وكَأنَّها نُقِلَتْ في قَوْلِهِ ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ [يوسف: ٢٢] فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ما بَيْنَ ثَمانِيَ عَشْرَةَ إلى ثَلاثِينَ، وعَنْهُ ثَلاثٌ وثَلاثُونَ، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ ومُقاتِلٍ: ثَمانِيَ عَشْرَةَ، وعَنِ السُّدِّيِّ: ثَلاثُونَ، وعَنِ الثَّوْرِيِّ: أرْبَعٌ وثَلاثُونَ، وعَنْ عِكْرِمَةَ: خَمْسٌ وعِشْرُونَ، وعَنْ عائِشَةَ: أرْبَعُونَ، وعَنْ أبِي العالِيَةِ: عَقْلُهُ واجْتِماعُ قُوَّتِهِ، وعَنْ بَعْضِهِمْ: مِن خَمْسَةَ عَشَرَ إلى ثَلاثِينَ، وعَنْ بَعْضِهِمْ: سِتُّونَ سَنَةً (p-٢٥٣)ذَكَرَهُ البَغَوِيُّ. وأشُدُّ جَمْعُ شِدَّةٍ أوْ شَدٍّ أوْ شُدٍّ أوْ جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ أوْ مُفْرَدٌ لا جَمْعَ لَهُ، أقْوالٌ خَمْسَةٌ، اخْتارَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في آخَرِينَ الأخِيرَ ولَيْسَ بِمُخْتارٍ لِفِقْدانِ أفْعَلَ في المُفْرَداتِ وضْعًا وأشُدُّ مُشْتَقٌّ مِنَ الشِّدَّةِ وهي القُوَّةُ والجَلّادَةُ. وقِيلَ: أصْلُهُ الِارْتِفاعُ مَن شَدَّ النَّهارُ إذا ارْتَفَعَ. قالَ عَنْتَرَةُ:
؎عَهْدِي بِهِ شَدَّ النَّهارِ كَأنَّما ∗∗∗ خُضِبَ اللَّبانُ ورَأسُهُ بِالعِظْلِمِ
﴿وأوْفَوُا الكَيْلَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ﴾ أيْ بِالعَدْلِ والتَّسْوِيَةِ. وقِيلَ: القِسْطُ هُنا أدْنى زِيادَةٍ لِيَخْرُجَ بِها عَنِ العُهْدَةِ بِيَقِينٍ لِما رُوِيَ: إذا وزَنْتُمْ فَأرْجِحُوا ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ أيْ إلّا ما يَسَعُها ولا تَعْجِزُ عَنْهُ، ولَمّا كانَتْ مُراعاةُ الحَدِّ مِنَ القِسْطِ الَّذِي لا زِيادَةَ فِيهِ ولا نُقْصانَ يَجْرِي فِيها الحَرَجُ ذَكَرَ بُلُوغَ الوُسْعِ وأنَّ ما وراءَهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، فالواجِبُ في إيفاءِ الكَيْلِ والمِيزانِ هو القَدْرُ المُمْكِنُ وأمّا التَّحْقِيقُ فَغَيْرُ واجِبٍ قالَ مَعْناهُ الطَّبَرِيُّ. وقِيلَ: المَعْنى لا نُكَلِّفُ ما فِيهِ تَلَفُهُ وإنْ جازَ كَقَوْلِهِ: ﴿أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٦٦] فَعَلى هَذا لا يَكُونُ راجِعًا إلى إيفاءِ الكَيْلِ والمِيزانِ، ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَقْتَضِي أنَّ هَذِهِ الأوامِرَ إنَّما هي فِيما يَقَعُ تَحْتَ قُدْرَةِ البَشَرِ مِنَ التَّحَفُّظِ والتَّحَرُّزِ لا أنَّهُ مُطالَبٌ بِغايَةِ العَدْلِ في نَفْسِ الشَّيْءِ المُتَصَرِّفِ فِيهِ.
﴿وإذا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ أيْ ولَوْ كانَ المَقُولُ لَهُ أوْ عَلَيْهِ ذا قَرابَةٍ لِلْقائِلِ فَلا يَنْبَغِي أنْ يَزِيدَ ولا يُنْقِصَ، ويَدْخُلُ في ذِي القُرْبى نَفْسُ القائِلِ ووالِداهُ وأقْرَبُوهُ، فَهو يَنْظُرُ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ عَلى أنْفُسِكم أوِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥] وعَنى بِالقَوْلِ هُنا ما لا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ إلّا بِالقَوْلِ مِن أمْرٍ وحُكْمٍ وشَهادَةِ زَجْرٍ ووَساطَةٍ بَيْنَ النّاسِ وغَيْرِ ذَلِكَ لِكَوْنِها مَنُوطَةً بِالقَوْلِ، وتَخْصِيصُهُ بِالحُكْمِ أوْ بِالأمْرِ أوْ بِالشَّهادَةِ، أقْوالٌ لا دَلِيلَ عَلَيْها عَلى التَّخْصِيصِ.
﴿وبِعَهْدِ اللَّهِ أوْفُوا﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُضافًا إلى الفاعِلِ أيْ بِما عَهِدَكُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ أوْفُوا، وأنْ يَكُونَ مُضافًا إلى المَفْعُولِ أيْ بِما عَهِدْتُمُ اللَّهَ عَلَيْهِ. وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ العَهْدُ بَيْنَ الإنْسانَيْنِ وتَكُونُ إضافَتُهُ إلى اللَّهِ تَعالى مِن حَيْثُ أمَرَ بِحِفْظِهِ والوَفاءِ بِهِ. قالَ الماتُرِيدِيُّ: أمْرُهُ ونَهْيُهُ في التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ. وقالَ التِّبْرِيزِيُّ: بِعَهْدِهِ يَوْمَ المِيثاقِ. وقالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: يَشْمَلُ ما عَهِدَهُ إلى الخَلْقِ وأوْصاهم بِهِ وعَلى ما أوْجَبَهُ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ مِن نَذْرٍ وغَيْرِهِ.
﴿ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَذَّكَّرُونَ﴾ ولَمّا كانَتِ الخَمْسَةُ المَذْكُورَةُ قَبْلَ هَذا مِنَ الأُمُورِ الظّاهِرَةِ الجَلِيَّةِ وجَبَ تَعَلُّقُها وتَفَهُّمُها فَخُتِمَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ وهَذِهِ الأرْبَعَةُ خَفِيَّةٌ غامِضَةٌ لا بُدَّ فِيها مِن الِاجْتِهادِ والذِّكْرِ الكَثِيرِ حَتّى يَقِفَ عَلى مَوْضِعِ الِاعْتِدالِ خُتِمَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ . وقَرَأ حَفْصٌ والأخَوانِ (تَذَكَّرُونَ) حَيْثُ وقَعَ بِتَخْفِيفِ الذّالِ حُذِفَتِ التّاءُ إذْ أصْلُهُ تَتَذَكَّرُونَ، وفي المَحْذُوفِ خِلافٌ أهِيَ تاءُ المُضارَعَةِ أوْ تاءُ تَفَعَّلَ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ (تَذَّكَّرُونَ) بِتَشْدِيدِهِ أُدْغِمَ تاءُ تَفْعَلُ في الذّالِ.
6:153Страница 149
وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِي مُسۡتَقِيمٗا فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِيلِهِۦۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ١٥٣
Таков Мой прямой путь. Следуйте по нему и не следуйте другими путями, поскольку они собьют вас с Его пути. Он заповедал вам это, - быть может, вы устрашитесь.
﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ﴾ قَرَأ الأخَوانِ: (وإنَّ هَذا) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وتَشْدِيدِ النُّونِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، ﴿فاتَّبِعُوهُ﴾ جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ المُسْتَأْنَفَةِ. وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها، وخَفَّفَ ابْنُ عامِرٍ النُّونَ، وشَدَّدَها الباقُونَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي إسْحاقَ: (وإنَّ) (p-٢٥٤)كَقِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ، فَأمّا تَخْفِيفُ النُّونِ فَعَلى أنَّهُ حُذِفَ اسْمُ إنَّ وهو ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وخَرَجَتْ قِراءَةُ فَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا حُذِفَ مِنها اللّامُ، تَقْدِيرُهُ: ولِأنَّ هَذا ﴿صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ﴾، كَقَوْلِهِ: ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا﴾ [الجن: ١٨]، وقَدْ صَرَّحَ بِاللّامِ في قَوْلِهِ: ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ [قريش: ١] ﴿إيلافِهِمْ﴾ [قريش: ٢]، (فَلْيَعْبُدُوا) . قالَ الفارِسِيَّ: قِياسُ قَوْلِ سِيبَوَيْهِ في فَتْحِ الهَمْزَةِ أنْ تَكُونَ الفاءُ زائِدَةً بِمَنزِلَتِها في زَيْدٌ فَقامَ. الوَجْهُ الثّانِي: أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى (أنْ لا تُشْرِكُوا)، أيْ: أتْلُ عَلَيْكم نَفْيَ الإشْراكِ والتَّوْحِيدَ وأتْلُ عَلَيْكم أنَّ هَذا صِراطِي، وهَذا عَلى تَقْدِيرِ أنَّ (أنْ) في (أنْ لا تُشْرِكُوا) مَصْدَرِيَّةٌ، قالَهُ الحَوْفِيُّ، هَكَذا قَرَّرُوا هَذا الوَجْهَ فَجَعَلُوهُ مَعْطُوفًا عَلى البَدَلِ مِمّا حَرَّمَ، وهو ”أنْ لا تُشْرِكُوا“ . وقالَ أبُو البَقاءِ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى المُبْدَلِ مِنهُ، أيْ: أتْلُ الَّذِي حَرَّمَ وأتْلُ أنَّ هَذا ﴿صِراطِي مُسْتَقِيمًا﴾، وهو تَخْرِيجٌ سائِغٌ في الكَلامِ، وعَلى هَذا فالصِّراطُ مُضافٌ لِلْمُتَكَلِّمِ وهو الرَّسُولُ ﷺ وصِراطُهُ هو صِراطُ اللَّهِ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ جَرٍّ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ في بِهِ، قالَهُ الفَرّاءُ، أيْ: وصّاكم بِهِ، وبِأنَّ حُذِفَتِ الباءُ لِطُولِ أنَّ بِالصِّلَةِ. قالَ الحَوْفِيُّ: وهي مُرادَّةٌ، ولا يَكُونُ في هَذا عَطْفُ مُظْهَرٍ عَلى مُضْمَرٍ لِإرادَتِها. وقالَ أبُو البَقاءِ: هَذا فاسِدٌ لِوَجْهَيْنِ، أحَدُهُما عَطْفُ المُظْهَرِ عَلى المُضْمَرِ مِن غَيْرِ إعادَةِ الجارِّ، والثّانِي أنَّهُ يَصِيرُ المَعْنى: وصّاكم بِاسْتِقامَةِ الصِّراطِ. وقَرَأ الأعْمَشُ: و﴿هَذا صِراطِي﴾، وكَذا في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ، ولَمّا فَصَلَ في الآيَتَيْنِ قَبْلُ أجْمَلَ في هَذِهِ إجْمالًا يَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ ما تَقَدَّمَ وجَمِيعُ شَرِيعَتِهِ، والإشارَةُ بِهَذا إلى الإسْلامِ أوِ القُرْآنِ أوْ ما ورَدَ في هَذِهِ السُّورَةِ؛ لِأنَّها كُلَّها في التَّوْحِيدِ وأدِلَّةِ النُّبُوَّةِ وإثْباتِ الدِّينِ وإلى هَذِهِ الآياتِ الَّتِي أعْقَبَتْها هَذِهِ الآيَةُ؛ لِأنَّها المُحْكَماتُ الَّتِي لَمْ تُنْسَخْ في مِلَّةٍ مِنَ المِلَلِ، أقْوالٌ أرْبَعَةٌ. (فاتَّبِعُوهُ) أمْرٌ بِاتِّباعِهِ كُلِّهِ، والمَعْنى: فاعْمَلُوا بِمُقْتَضاهُ مِن تَحْرِيمٍ وتَحْلِيلٍ وأمْرٍ ونَهْيٍ وإباحَةٍ.
﴿ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي الضَّلالاتُ، قالَ مُجاهِدٌ: البِدَعُ والأهْواءُ والشُّبَهاتُ. وقالَ مُقاتِلٌ: ما حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ مِنَ الأنْعامِ والحَرْثِ. وقِيلَ: سُبُلُ الكُفْرِ كاليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ والمَجُوسِيَّةِ وما يَجْرِي مُجْراهم في الكُفْرِ والشِّرْكِ، وفي مُسْنَدِ الدّارِمِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «خَطَّ لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا خَطًّا ثُمَّ قالَ: ”هَذا سَبِيلُ اللَّهِ“، ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ ويَسارِهِ ثُمَّ قالَ: ”هَذِهِ سُبُلٌ عَلى كُلِّ سَبِيلٍ مِنها شَيْطانٌ يَدْعُو إلَيْها“، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ»، وعَنْ جابِرٍ نَحْوٌ مِنهُ في سُنَنِ ابْنِ ماجَهْ. وانْتَصَبَ ”فَتَفَرَّقَ“ لِأجْلِ النَّهْيِ جَوابًا لَهُ، أيْ: فَتَفَرَّقَ، فَحَذَفَ التّاءَ. وقُرِئَ: (فَتَّفَرَقَ) بِتَشْدِيدِ التّاءِ.
﴿ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ كَرَّرَ التَّوْصِيَةَ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، ولَمّا كانَ الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ هو الجامِعَ لِلتَّكالِيفِ، وأمَرَ تَعالى بِاتِّباعِهِ ونَهى عَنْ بُنَيّاتِ الطُّرُقِ، خَتَمَ ذَلِكَ بِالتَّقْوى الَّتِي هي اتِّقاءُ النّارِ، إذْ مَنِ اتَّبَعَ صِراطَهُ نَجّاهُ النَّجاةَ الأبَدِيَّةَ وحَصَلَ عَلى السَّعادَةِ السَّرْمَدِيَّةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومِن حَيْثُ كانَتِ المُحَرَّماتُ الأُوَلُ لا يَقَعُ فِيها عاقِلٌ قَدْ نَظَرَ بِعَقْلِهِ، جاءَتِ العِبادَةُ ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥١]، والمُحَرَّماتُ الأُخَرُ شَهَواتٌ وقَدْ يَقَعُ فِيها مِنَ العُقَلاءِ مَن لَمْ يَتَذَكَّرْ، ورُكُوبُ الجادَّةِ الكامِلَةِ تَتَضَمَّنُ فِعْلَ الفَضائِلِ وتِلْكَ دَرَجَةُ التَّقْوى.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии