Абу Хайян · Тафсир · на арабском
Аль-Анам 6:35–37
6:35Страница 131
وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيۡكَ إِعۡرَاضُهُمۡ فَإِنِ ٱسۡتَطَعۡتَ أَن تَبۡتَغِيَ نَفَقٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ أَوۡ سُلَّمٗا فِي ٱلسَّمَآءِ فَتَأۡتِيَهُم بِـَٔايَةٖۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمۡ عَلَى ٱلۡهُدَىٰۚ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ ٣٥
Если тебя тяготит их отвращение, то если ты сможешь отыскать проход в земле или лестницу на небо, то принеси им знамение. Если бы Аллах пожелал, то собрал бы их всех на прямом пути. Посему не будь одним из невежд.
﴿وإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهم فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ أوْ سُلَّمًا في السَّماءِ فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ﴾ . (كَبُرَ) أيْ عَظُمَ وشَقَّ إعْراضُهم عَنِ الإيمانِ والتَّصْدِيقِ بِما جِئْتَ بِهِ، وهو قَدْ كَبُرَ عَلَيْهِ إعْراضُهم، لَكِنْ جاءَ الشَّرْطُ مُعْتَبَرًا فِيهِ التَّبْيِينُ والظُّهُورُ، وهو مُسْتَقْبَلٌ، وعُطِفَ عَلَيْهِ الشَّرْطُ الَّذِي لَمْ يَقَعْ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَإنِ اسْتَطَعْتَ﴾ ولَيْسَ (p-١١٤)مَقْصُودًا وحْدَهُ بِالجَوابِ، فَمَجْمُوعُ الشَّرْطَيْنِ بِتَأْوِيلِ الأوَّلِ لَمْ يَقَعْ، بَلِ المَجْمُوعُ مُسْتَقْبَلٌ، وإنْ كانَ ظاهِرُ أحَدِهِما بِانْفِرادِهِ واقِعًا، ونَظِيرُهُ ﴿إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ﴾ [يوسف: ٢٦]، ﴿وإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ﴾ [يوسف: ٢٧] . ومَعْلُومٌ أنَّهُ قَدْ وقَعَ أحَدُهُما، لَكِنَّ المَعْنى أنْ يَتَبَيَّنَ ويَظْهَرَ كَوْنُهُ قُدَّ مِن كَذا، وكَذا يَتَأوَّلُ ما يَجِيءُ مِن دُخُولِ (إنْ) الشَّرْطِيَّةِ عَلى صِيغَةِ (كانَ) عَلى مَذْهَبِ جُمْهُورِ النُّحاةِ، خِلافًا لِأبِي العَبّاسِ المُبَرِّدِ، فَإنَّهُ زَعَمَ أنَّ (إنْ) إذا دَخَلَتْ عَلى كانَ، بَقِيَتْ عَلى مُضِيِّها بِلا تَأْوِيلٍ. والنَّفَقُ السِّرْبُ في داخِلِ الأرْضِ الَّذِي يُتَوارى فِيهِ. وقَرَأ نُبَيْحٌ الغَنَوِيُّ (أنْ تَبْتَغِيَ نافِقًا في الأرْضِ)، والنّافِقاءُ مَمْدُودٌ، وهو أحَدُ مَخارِجِ جُحْرِ اليَرْبُوعِ، وذَلِكَ أنَّ اليَرْبُوعَ يَخْرُجُ مِن باطِنِ الأرْضِ إلى وجْهِها، ويُرِقُّ ما واجَهَ الأرْضَ، ويَجْعَلُ لِلْجُحْرِ بابَيْنِ: أحَدُهُما؛ النّافِقاءُ، والآخَرُ؛ القاصِعاءُ، فَإذا رابَهُ أمْرٌ مِن أحَدِهِما، دَفَعَ ذَلِكَ الوَجْهَ الَّذِي أرَّقَهُ مِن أحَدِهِما، وخَرَجَ مِنهُ. وقِيلَ: لِجُحْرِهِ ثَلاثَةُ أبْوابٍ. قالَ السُّدِّيُّ: السُّلَّمُ: المِصْعَدُ. وقالَ قَتادَةُ: الدَّرَجُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السَّبَبُ، والمِرْقاةُ. تَقُولُ العَرَبُ: اتَّخِذْنِي سُلَّمًا لِحاجَتِكَ؛ أيْ سَبَبًا؛ ومِنهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:
؎ولا لَكُما مَنجًى مِنَ الأرْضِ فابْغِيا بِهِ نَفَقًا أوْ في السَّماواتِ سُلَّما
وقالَ الزَّجّاجُ: السُّلَّمُ مِنَ السَّلامَةِ، وهو الشَّيْءُ الَّذِي يُسَلِّمُكَ إلى مِصْعَدِكَ، والسُّلَّمُ الَّذِي يُصْعَدُ عَلَيْهِ، ويُرْتَقى، وهو مُذَكَّرٌ. وحَكى الفَرّاءُ فِيهِ التَّأْنِيثَ، قالَ بَعْضُهم: تَأْنِيثُهُ عَلى مَعْنى المِرْقاةِ، لا بِالوَضْعِ كَما أُنِّثَ الصَّوْتُ بِمَعْنى الصَّيْحَةِ والِاسْتِغاثَةِ في قَوْلِهِ: سائِلٌ بَنِي أسَدٍ ما هَذِهِ الصَّوْتُ. ومَعْنى الآيَةِ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، والمُرادُ بَيانُ حِرْصِهِ عَلى إسْلامِ قَوْمِهِ وتَهالُكِهِ عَلَيْهِ، وأنَّهُ لَوِ اسْتَطاعَ أنْ يَأْتِيَهم بِآيَةٍ مِن تَحْتِ الأرْضِ، أوْ مِن فَوْقِ السَّماءِ، لَأتى بِها رَجاءَ إيمانِهِمْ. وقِيلَ: كانُوا يَقْتَرِحُونَ الآياتِ، فَكانَ يَوَدُّ أنْ يُجابُوا إلَيْها لِتَمادِي حِرْصِهِ عَلى إيمانِهِمْ، فَقِيلَ لَهُ: إنِ اسْتَطَعْتَ كَذا فافْعَلْ دَلالَةً عَلى أنَّهُ بَلَغَ مِن حِرْصِهِ، أنَّهُ لَوِ اسْتَطاعَ ذَلِكَ لَفَعَلَهُ حَتّى يَأْتِيَهم بِما اقْتَرَحُوا لَعَلَّهم يُؤْمِنُونَ انْتَهى. والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ﴾ أنَّ الآيَةَ هي غَيْرُ ابْتِغاءِ النَّفَقِ في الأرْضِ، أوِ السُّلَّمِ في السَّماءِ، وأنَّ المَعْنى: أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ، فَتَدْخُلَ فِيهِ أوْ سُلَّمًا في السَّماءِ، فَتَصْعَدَ عَلَيْهِ إلَيْها ﴿فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ﴾ غَيْرَ الدُّخُولِ في السِّرْبِ، والصُّعُودِ إلى السَّماءِ مِمّا يُرْجى إيمانُهم بِسَبَبِها، أوْ مِمّا اقْتَرَحُوهُ رَجاءَ إيمانِهِمْ، وتِلْكَ الآيَةُ مِن إحْدى الجِهَتَيْنِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهُمْ﴾ إلْزامُ الحُجَّةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وتَقْسِيمُ الأحْوالِ عَلَيْهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ أنْ لا وجْهَ إلّا الصَّبْرُ والمُضِيُّ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، والمَعْنى إنْ كُنْتَ تُعَظِّمُ تَكْذِيبَهم وكُفْرَهم عَلى نَفْسِكَ، وتَلْتَزِمُ الحُزْنَ عَلَيْهِ، فَإنْ كُنْتَ تَقْدِرُ عَلى دُخُولِ سِرْبٍ في أعْماقِ الأرْضِ، أوْ عَلى ارْتِقاءِ سُلَّمٍ في السَّماءِ، فَدُونَكَ وشَأْنَكَ بِهِ؛ أيْ إنَّكَ لا تَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِن هَذا، ولا بُدَّ مِنَ التِزامِ الصَّبْرِ، واحْتِمالِ المَشَقَّةِ، ومُعارَضَتِهِمْ بِالآياتِ الَّتِي نَصَبَها اللَّهُ لِلنّاظِرِينَ المُتَأمِّلِينَ، إذْ هو لا إلَهَ إلّا هو، لَمْ يُرِدْ أنْ يَجْمَعَهم عَلى الهُدى، وإنَّما أرادَ أنْ يَنْصِبَ مِنَ الآياتِ ما يَهْتَدِي بِالنَّظَرِ فِيهِ قَوْمٌ بِحَقِّ مِلْكِهِ ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ أيْ في أنْ تَأْسَفَ وتَحْزَنَ عَلى أمْرٍ أرادَهُ اللَّهُ وأمْضاهُ وعَلِمَ المَصْلَحَةَ فِيهِ انْتَهى. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ أنْ تَكُونَ الآيَةُ الَّتِي يَأْتِي بِها، هي نَفْسُ الفِعْلِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ابْتِغاءَ النَّفَقِ في الأرْضِ، أوِ السُّلَّمِ في السَّماءِ، هو الإتْيانُ بِالآيَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَوِ اسْتَطَعْتَ النُّفُوذَ إلى ما تَحْتَ الأرْضِ، أوِ التَّرَقِّيَ في السَّماءِ، لَعَلَّ ذَلِكَ يَكُونُ آيَةً لَكَ يُؤْمِنُونَ بِها. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ﴾ بِعَلامَةٍ، ويُرِيدُ: إمّا في فِعْلِكَ ذَلِكَ؛ أيْ تَكُونُ الآيَةُ نَفْسَ دُخُولِكَ في الأرْضِ، وارْتِقائِكَ في السَّماءِ، وإمّا في أنْ تَأْتِيَهم بِالآيَةِ مِن إحْدى الجِهَتَيْنِ انْتَهى. وما جَوَّزُوا مِن ذَلِكَ لا يَظْهَرُ مِن دَلالَةِ اللَّفْظِ، إذْ لَوْ كانَ ذَلِكَ كَما جَوَّزاهُ، لَكانَ التَّرْكِيبُ فَتَأْتِيَهم بِذَلِكَ آيَةً، وأيْضًا فَأيُّ آيَةٍ في دُخُولِ سِرْبٍ في الأرْضِ. وأمّا (p-١١٥)الرُّقِيُّ في السَّماءِ، فَيَكُونُ آيَةً. وقِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِمْ ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] وقَوْلُهُ: ﴿أوْ سُلَّمًا في السَّماءِ﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِمْ: ﴿أوْ تَرْقى في السَّماءِ ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ﴾ [الإسراء: ٩٣] . وكانَ فِيها ضَمِيرُ الشَّأْنِ، والجُمْلَةُ المُصَدَّرَةُ بِـ (كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهم) في مَوْضِعِ خَبَرِ (كانَ)، وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ خَبَرَ (كانَ) وأخَواتِها يَكُونُ ماضِيًا، ولا يُحْتاجُ فِيهِ إلى تَقْدِيرِ (قَدْ)؛ لِكَثْرَةِ ما ورَدَ مِن ذَلِكَ في القُرْآنِ وكَلامِ العَرَبِ، خِلافًا لِمَن زَعَمَ أنَّهُ لا بُدَّ فِيهِ مِن (قَدْ) ظاهِرَةً، أوْ مُقَدَّرَةً، وخِلافًا لِمَن حَصَرَ ذَلِكَ بِـ (كانَ) دُونَ أخَواتِها، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ اسْمُها (إعْراضُهم)، فَلا يَكُونُ مَرْفُوعًا بِـ (كَبُرَ) كَما في القَوْلِ الأوَّلِ، وكَبُرَ فِيهِ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الإعْراضِ، وهو في مَوْضِعِ الخَبَرِ، وهي مَسْألَةُ خِلافٍ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ؛ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، وتَقْدِيرُهُ: فافْعَلْ كَما تَقُولُ: إنْ شِئْتَ تَقُومُ بِنا إلى فُلانٍ نَزُورُهُ؛ أيْ فافْعَلْ؛ ولِذَلِكَ جاءَ فِعْلُ الشَّرْطِ بِصِيغَةِ الماضِي، أوِ المُضارِعِ المَنفِيِّ بِـ (لَمْ)؛ لِأنَّهُ ماضٍ، ولا يَكُونُ بِصِيغَةِ المُضارِعِ إلّا في الشِّعْرِ.
* *
﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى﴾ أيْ إمّا يَخْلُقُ ذَلِكَ في قُلُوبِهِمْ أوَّلًا، فَلا يَضِلُّ أحَدٌ، وإمّا يَخْلُقُهُ فِيهِمْ بَعْدَ ضَلالِهِمْ، ودَلَّ هَذا التَّعْلِيقُ عَلى أنَّهُ تَعالى ما شاءَ مِنهم جَمِيعَهُمُ الهُدى، بَلْ أرادَ إبْقاءَ الكافِرِ عَلى كُفْرِهِ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: ويُقَرِّرُ، هَذا الظّاهِرُ. أنَّ قُدْرَةَ الكافِرِ عَلى الكُفْرِ إنْ لَمْ تَكُنْ صالِحَةً لِلْإيمانِ، فالقُدْرَةُ عَلى الكُفْرِ مُسْتَلْزِمَةٌ لَهُ غَيْرُ صالِحَةٍ لِلْإيمانِ، فَخالِقُ تِلْكَ القُدْرَةِ يَكُونُ قَدْ أرادَ الكُفْرَ لا مَحالَةَ، وإنْ كانَتْ صالِحَةً لَهُ كَما صَلَحَتْ لِلْكُفْرِ، اسْتَوَتْ نِسْبَةُ القُدْرَةِ إلَيْهِما، فامْتَنَعَ التَّرْجِيحُ، إلّا الدّاعِيَةُ مُرَجِّحَةٌ، ولَيْسَتْ مِنَ العَبْدِ، وإلّا وقَعَ التَّسَلْسُلُ، فَثَبَتَ أنَّ خالِقَ تِلْكَ الدّاعِيَةِ هو اللَّهُ، وثَبَتَ أنَّ مَجْمُوعَ الدّاعِيَةِ الصّالِحَةِ تُوجِبُ الفِعْلَ، وثَبَتَ أنَّ خالِقَ مَجْمُوعِ تِلْكَ الدّاعِيَةِ المُسْتَلْزِمَةِ لِذَلِكَ الكُفْرِ مُرِيدٌ لِذَلِكَ الكُفْرِ غَيْرَ مُرِيدٍ لِذَلِكَ الإيمانِ فَهَذا البُرْهانُ اليَقِينِيُّ قَوّى ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ، ولا بَيانَ أقْوى مِن تَطابُقِ البُرْهانِ مَعَ ظاهِرِ القُرْآنِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ الآيَةُ تَرُدُّ عَلى القَدَرِيَّةِ المُفَوِّضَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ القُدْرَةَ لا تَقْتَضِي أنْ يُؤْمِنَ الكافِرُ، وأنَّ ما يَأْتِيهِ الإنْسانُ مِن جَمِيعِ أفْعالِهِ، لا خَلْقَ فِيهِ، تَعالى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى﴾ بِآيَةٍ مُلْجِئَةٍ، ولَكِنَّهُ لا يَفْعَلُ لِخُرُوجِهِ عَنِ الحِكْمَةِ انْتَهى. وهَذا قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ. وقالَ القاضِي: والإلْجاءُ أنْ يُعْلِمَهم أنَّهم لَوْ حاوَلُوا غَيْرَ الإيمانِ، لَمَنَعَهم مِنهُ، وحِينَئِذٍ يَمْتَنِعُونَ مِن فِعْلِ شَيْءٍ غَيْرِ الإيمانِ، وهو تَعالى إنَّما تَرَكَ فِعْلَ هَذا الإلْجاءِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُزِيلُ تَكْلِيفَهم، فَيَكُونُ ما وقَعَ مِنهم، كَأنْ لَمْ يَقَعْ، وإنَّما أرادَ تَعالى أنْ يَنْتَفِعُوا بِما يَخْتارُونَهُ مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ مِن جِهَةِ الوَصْلَةِ بِهِ إلى الثَّوابِ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا اخْتِيارًا، وأجابَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ بِأنَّهُ تَعالى أرادَ مِنهُمُ الإقْدامَ عَلى الإيمانِ حالَ كَوْنِ الدّاعِي إلى الإيمانِ وإلى الكُفْرِ بِالسَّوِيَّةِ، أوْ حالَ حُصُولِ هَذا الرُّجْحانِ. والأوَّلُ تَكْلِيفُ ما لا يُطاقُ؛ لِأنَّ الأمْرَ بِتَحْصِيلِ الرُّجْحانِ حالَ حُصُولِ الِاسْتِواءِ، تَكْلِيفٌ بِالجَمْعِ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، وهو مُحالٌ، وإنْ كانَ الثّانِي فالطَّرَفُ الرّاجِحُ يَكُونُ واجِبَ الوُقُوعِ، والطَّرَفُ المَرْجُوحُ يَكُونُ مُمْتَنِعَ الوُقُوعِ، وكُلُّ هَذِهِ الأقْسامِ تُنافِي ما ذَكَرُوهُ مِنَ المِكْنَةِ والِاخْتِياراتِ، فَسَقَطَ قَوْلُهم بِالكُلِّيَّةِ.
* *
﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ . تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ في أنْ تَأْسَفَ وتَحْزَنَ عَلى أمْرٍ (p-١١٦)أرادَهُ اللَّهُ تَعالى، وأمْضاهُ، وعَلِمَ المَصْلَحَةَ فِيهِ.
وقالَ أيْضًا: و(مِنَ الجاهِلِينَ) يُحْتَمَلُ في أنْ لا تَعْلَمَ أنَّ اللَّهَ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى﴾ ويُحْتَمَلُ في أنْ تَهْتَمَّ بِوُجُودِ كُفْرِهِمُ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ وأرادَهُ، وتَذْهَبَ بِكَ نَفْسُكَ إلى ما لَمْ يُقَدِّرِ اللَّهُ انْتَهى. وضُعِّفَ الِاحْتِمالُ الأوَّلُ بِأنَّهُ مَعَ كَمالِ ذاتِهِ وتَوَفُّرِ مَعْلُوماتِهِ وعَظِيمِ اطِّلاعِهِ عَلى ما يَلِيقُ بِقُدْرَةِ الحَقِّ جَلَّ جَلالُهُ، واسْتِيلائِهِ عَلى جَمِيعِ مَقْدُوراتِهِ، لا يَنْبَغِي أنْ يُوصَفَ بِأنَّهُ جاهِلٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَوْ شاءَ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى؛ لِأنَّ هَذا مِن قَبِيلِ الدِّينِ والعَقائِدِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جاهِلًا بِها، وكَأنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ قَدْ فَسَّرَ قَوْلَهُ: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى﴾ بِأنْ تَأْتِيَهم آيَةٌ مُلْجِئَةٌ، ولَكِنَّهُ لا يَفْعَلُ لِخُرُوجِهِ عَنِ الحِكْمَةِ، فَقالَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ مِنَ الَّذِينَ يَجْهَلُونَ ذَلِكَ، ويَرُومُونَ ما هو خِلافُهُ. وأشارَ بِذَلِكَ إلى الإتْيانِ بِالآيَةِ المُلْجِئَةِ إلى الإيمانِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الإلْجاءِ. وقِيلَ: لا تَجْهَلْ أنَّهُ يُؤْمِنُ بِكَ بَعْضُهم ويَكْفُرُ بَعْضُهم، وضُعِّفَ بِأنَّ هَذا لَيْسَ مِمّا يَجْهَلُهُ ﷺ . وقِيلَ لا تَكُونَنَّ مِمَّنْ لا صَبْرَ لَهُ لِأنَّ قِلَّةَ الصَّبْرِ مِن أخْلاقِ الجاهِلِينَ، وضُعِّفَ بِأنَّهُ تَعالى قَدْ أمَرَهُ بِالصَّبْرِ في آياتٍ كَثِيرَةٍ ومَعَ أمْرِ اللَّهِ لَهُ بِالصَّبْرِ وبَيانِ أنَّهُ خَيْرٌ يَبْعُدُ أنْ يُوصَفَ بَعْدَ صَبْرِهِ بِقِلَّةِ الصَّبْرِ. وقِيلَ: لا يَشْتَدُّ حُزْنُكَ لِأجْلِ كُفْرِهِمْ فَتُقارِبَ حالَ الجاهِلِ بِأحْكامِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، وقَدْ صُرِّحَ بِهَذا في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ [فاطر: ٨] وقالَ قَوْمٌ: جازَ هَذا الخِطابُ لِأنَّهُ لِقُرْبِهِ مِنَ اللَّهِ ومَكانَتِهِ عِنْدَهُ كانَ ذَلِكَ حَمْلًا عَلَيْهِ كَما يَحْمِلُ العاقِلُ عَلى قَرِيبِهِ فَوْقَ ما يَحْمِلُهُ عَلى الأجانِبِ، خَشْيَةً عَلَيْهِ مِن تَخْصِيصِ الإذْلالِ. وقالَ مَكِّيٌّ والمَهْدَوِيُّ: الخِطابُ لَهُ والمُرادُ بِهِ أُمَّتُهُ، وتَمَّمَ هَذا القَوْلَ بِأنَّهُ كانَ يُحْزِنُهُ إصْرارُ بَعْضِهِمْ عَلى الكُفْرِ وحِرْمانُهم ثَمَراتِ الإيمانِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ لا يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ انْتَهى. وقِيلَ: الرَّسُولُ مَعْصُومٌ مِنَ الجَهْلِ والشَّكِّ بِلا خِلافٍ، ولَكِنَّ العِصْمَةَ لا تَمْنَعُ الِامْتِحانَ بِالأمْرِ والنَّهْيِ، أوْ لِأنَّ ضِيقَ صَدْرِهِ وكَثْرَةَ حُزْنِهِ مِنَ الجِبِلّاتِ البَشَرِيَّةِ، وهي لا تَرْفَعُها العِصْمَةُ بِدَلِيلِ: «اللَّهُمَّ إنِّي بَشَرٌ وإنِّي أغْضَبُ كَما يَغْضَبُ البَشَرُ»، الحَدِيثَ. وقَوْلِهِ: «إنَّما أنا بَشَرٌ فَإذا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي» . انْتَهى. والَّذِي أخْتارُهُ أنَّ هَذا الخِطابَ لَيْسَ لِلرَّسُولِ، وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى﴾ فَهَذا إخْبارٌ وعَقْدٌ كُلِّيٌّ أنَّهُ لا يَقَعُ في الوُجُودِ إلّا ما شاءَ وُقُوعَهُ، ولا يَخْتَصُّ هَذا الإخْبارُ بِهَذا الخِطابِ بِالرَّسُولِ بَلِ الرَّسُولُ عالِمٌ بِمَضْمُونِ هَذا الإخْبارِ، فَإنَّما ذَلِكَ لِلسّامِعِ فالخِطابُ والنَّهْيُ في (فَلا تَكُونَنَّ) لِلسّامِعِ دُونَ الرَّسُولِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولَوْ شاءَ اللَّهُ أيُّها السّامِعُ الَّذِي لا يَعْلَمُ أنَّ ما وقَعَ في الوُجُودِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ جَمْعَهم عَلى الهُدى لَجَمَعَهم عَلَيْهِ، فَلا تَكُونُنَّ أيُّها السّامِعُ مِنَ الجاهِلِينَ بِأنَّ ما شاءَ اللَّهُ إيقاعَهُ وقَعَ، وأنَّ الكائِناتِ مَعْذُوقَةٌ بِإرادَتِهِ.
6:36Страница 132
۞ إِنَّمَا يَسۡتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسۡمَعُونَۘ وَٱلۡمَوۡتَىٰ يَبۡعَثُهُمُ ٱللَّهُ ثُمَّ إِلَيۡهِ يُرۡجَعُونَ ٣٦
Отвечают только те, кто внимает. А мертвых Аллах воскресит, после чего они будут возвращены к Нему.
﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٣٧] ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلّا أُمَمٌ أمْثالُكم ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨] ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وبُكْمٌ في الظُّلُماتِ مَن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ ومَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٣٩] ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الأنعام: ٤٠] ﴿بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ إنْ شاءَ وتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٤١] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾ [الأنعام: ٤٢] ﴿فَلَوْلا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا ولَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهم وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٤٣] ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤] ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِ العالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٥] ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أخَذَ اللَّهُ سَمْعَكم وأبْصارَكم وخَتَمَ عَلى قُلُوبِكم مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِهِ انْظُرْ (p-١١٧)كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ ثُمَّ هم يَصْدِفُونَ﴾ [الأنعام: ٤٦] ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الظّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٤٧] ﴿وما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلّا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ فَمَن آمَنَ وأصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [الأنعام: ٤٨] ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ العَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأنعام: ٤٩] ﴿قُلْ لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ ولا أقُولُ لَكم إنِّي مَلَكٌ إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ أفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ٥٠] ﴿وأنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهم مِن دُونِهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ٥١] ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ وما مِن حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهم فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٢] . التَّضَرُّعُ: تَفَعُّلٌ مِنَ الضَّراعَةِ، وهي الذِّلَّةُ، يُقالُ: ضَرَعَ يَضْرَعُ ضَراعَةً؛ قالَ الشّاعِرُ:
؎لِيَبْكِ يَزِيدَ ضارِعٌ لِخُصُومَةٍ ومُخْتَبِطٌ مِمّا تُطِيحُ الطَّوائِحُ
أيْ ذَلِيلٌ ضَعِيفٌ. صَدَفَ عَنِ الشَّيْءِ أعْرَضَ عَنْهُ صَدْفًا وصُدُوفًا وصادَفْتُهُ؛ لَقِيتُهُ عَنْ إعْراضٍ عَنْ جِهَتِهِ؛ قالَ ابْنُ الرِّقاعِ:
؎إذا ذَكَرْنَ حَدِيثًا قُلْنَ أحْسَنَهُ ∗∗∗ وهُنَّ عَنْ كُلِّ سُوءٍ يُتَّقى صُدُفُ
صُدُفٌ جَمْعُ صَدُوفٍ، كَصَبُورٍ وصُبُرٍ. وقِيلَ: صَدَفٌ مالٌ مَأْخُوذٌ مِنَ الصَّدَفِ في البَعِيرِ، وهو أنْ يَمِيلَ خُفُّهُ مِنَ اليَدِ إلى الرِّجْلِ مِنَ الجانِبِ الوَحْشِيِّ. والصَّدَفَةُ واحِدَةُ الصَّدَفِ، وهي المَحارَةُ الَّتِي يَكُونُ فِيها الدُّرُّ؛ قالَ الشّاعِرُ:
؎وزادَها عَجَبًا أنْ رُحْتُ في سَمَكٍ ∗∗∗ وما دُرْتُ دَوَرانَ الدُّرِّ في الصَّدَفِ
الخَزانَةُ ما يُحْفَظُ فِيهِ الشَّيْءُ مَخافَةَ أنْ يُنالَ، ومِنهُ فَإنَّما يَخْزُنُ لَهم ضُرُوعُ مَواشِيهِمْ أطَعِماتِهِمْ، أيُحِبُّ أحَدُكم أنْ تُؤْتى مَشْرَبَتُهُ، فَتُكْسِرَ خَزانَتُهُ، وهي بِفَتْحِ الخاءِ؛ وقالَ الشّاعِرُ:
؎إذا المَرْءُ لَمْ يَخْزُنْ عَلَيْهِ لِسانَهُ ∗∗∗ فَلَيْسَ عَلى شَيْءٍ سِواهُ بِخَزّانِ
الطَّرْدُ؛ الإبْعادُ بِإهانَةٍ، والطَّرِيدُ؛ المَطْرُودُ، وبَنُو مَطْرُودٍ وبَنُو طِرادٍ؛ فَخْذانِ مِن إيادٍ.
﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ إنَّما يَسْتَجِيبُ لِلْإيمانِ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ سَماعَ قَبُولٍ وإصْغاءٍ، كَما قالَ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ أوْ ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧] . ويَسْتَجِيبُ بِمَعْنى يُجِيبُ. وفَرَّقَ الرُّمّانِيُّ بَيْنَ (أجابَ) و(اسْتَجابَ) بِأنِ (اسْتَجابَ) فِيهِ قَبُولٌ لِما دُعِيَ إلَيْهِ. قالَ: ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥]، ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ ونَجَّيْناهُ مِنَ الغَمِّ﴾ [الأنبياء: ٨٨]، ولَيْسَ كَذَلِكَ (أجابَ)؛ لِأنَّهُ قَدْ يُجِيبُ بِالمُخالَفَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنَّ الَّذِينَ تَحْرِصُ عَلى أنْ يُصَدِّقُوكَ، بِمَنزِلَةِ المَوْتى الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ، وإنَّما يَسْتَجِيبُ مَن يَسْمَعُ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ [النمل: ٨٠] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا مِنَ النَّمَطِ المُتَقَدِّمِ في التَّسْلِيَةِ؛ أيْ لا تَحْفُلُ بِمَن أعْرَضَ، فَإنَّما يَسْتَجِيبُ لِداعِي الإيمانِ الَّذِينَ يَفْهَمُونَ الآياتِ، ويَتَلَقَّوْنَ البَراهِينَ بِالقَبُولِ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بِيَسْمَعُونَ، إذْ هو طَرِيقُ العِلْمِ بِالنُّبُوَّةِ والآياتِ المُعْجِزَةِ. وهَذِهِ لَفْظَةٌ تَسْتَعْمِلُها الصُّوفِيَّةُ إذا بَلَغَتِ المَوْعِظَةُ مِن أحَدٍ مَبْلَغًا شافِيًا، قالُوا: اسْتَمَعَ ﴿والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ الظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ. والظّاهِرُ أنَّ المَوْتَ هُنا والبَعْثَ حَقِيقَةٌ، وذَلِكَ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنَّ المَوْتى عَلى العُمُومِ مِن مُسْتَجِيبٍ وغَيْرِ مُسْتَجِيبٍ، يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ فَيُجازِيهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ، وجاءَ لَفْظُ المَوْتى عامًّا لِإشْعارِ ما قَبْلَهُ بِالعُمُومِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾، إذِ الحَصْرُ يُشْعِرُ بِالقِسْمِ الآخَرِ، وهو أنَّ مَن لا يَسْمَعُ سَماعَ قَبُولٍ، لا يَسْتَجِيبُ لِلْإيمانِ، وهُمُ الكُفّارُ. وصارَ في الإخْبارِ عَنِ الجَمِيعِ بِالبَعْثِ والرُّجُوعِ إلى جَزاءِ اللَّهِ تَعالى تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ شَدِيدٌ لِمَن لَمْ يَسْتَجِبْ. وتَظافَرَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ أنَّ قَوْلَهُ والمَوْتى؛ يُرادُ بِهِ الكُفّارُ. سُمُّوا بِالمَوْتى كَما سُمُّوا بِالصُّمِّ والبُكْمِ والعُمْيِ (p-١١٨)وتَشْبِيهُ الكافِرِ بِالمَيِّتِ مِن حَيْثُ إنَّ المَيِّتَ جَسَدُهُ خالٍ عَنِ الرُّوحِ، فَيَظْهَرُ مِنهُ النَّتَنُ والصَّدِيدُ والقَيْحُ، وأنْواعُ العُفُوناتِ. وأصْلَحُ أحْوالِهِ دَفْنُهُ تَحْتَ التُّرابِ. والكافِرُ رُوحُهُ خالِيَةٌ عَنِ العَقْلِ، فَيَظْهَرُ مِنهُ جَهْلُهُ بِاللَّهِ تَعالى، ومُخالَفاتُهُ لِأمْرِهِ، وعَدَمُ قَبُولِهِ لِمُعْجِزاتِ الرُّسُلِ. وإذا كانَتْ رُوحُهُ خالِيَةً مِنَ العَقْلِ كانَ مَجْنُونًا، فَأحْسَنُ أحْوالِهِ أنْ يُقَيَّدَ ويُحْبَسَ. فالعَقْلُ بِالنِّسْبَةِ إلى الرُّوحِ كالرُّوحِ بِالنِّسْبَةِ إلى الجَسَدِ. وإذا كانَ المُرادُ بِالمَوْتى هُنا الكُفّارَ، فَقِيلَ: البَعْثُ يُرادُ بِهِ حَقِيقَتُهُ مِنَ الحَشْرِ يَوْمَ القِيامَةِ. والرُّجُوعُ هو رُجُوعُهم إلى سَطْوَتِهِ وعِقابِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ. وعَلى هَذا تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُتَضَمِّنَةً الوَعِيدَ لِلْكُفّارِ. وقِيلَ: المَوْتُ والبَعْثُ حَقِيقَةٌ، والجُمْلَةُ مَثَلٌ لِقُدْرَتِهِ عَلى إلْجائِهِمْ إلى الِاسْتِجابَةِ بِأنَّهُ هو الَّذِي يَبْعَثُ المَوْتى مِنَ القُبُورِ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿ثُمَّ إلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ لِلْجَزاءِ، فَكانَ قادِرًا عَلى هَؤُلاءِ المَوْتى بِالكُفْرِ أنْ يُحْيِيَهم بِالإيمانِ، وأنْتَ لا تَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقِيلَ: المَوْتُ والبَعْثُ مَجازانِ، اسْتُعِيرَ المَوْتُ لِلْكُفْرِ، والبَعْثُ لِلْإيمانِ. فَقِيلَ: الجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ أيْ والمَوْتى بِالكُفْرِ يُحْيِيهِمُ اللَّهُ بِالإيمانِ. وقِيلَ: لَيْسَ جُمْلَةً، بَلِ المَوْتى مَعْطُوفٌ عَلى الَّذِينَ يَسْمَعُونَ، ويَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ. والمَعْنى إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ سَماعَ قَبُولٍ، فَيُؤْمِنُونَ بِأوَّلِ وهْلَةٍ، والكُفّارُ حَتّى يُرْشِدَهُمُ اللَّهُ تَعالى، ويُوَفِّقَهم لِلْإيمانِ، فَلا تَتَأسَّفْ أنْتَ، ولا تَسْتَعْجِلْ ما لَمْ يُقَدَّرْ. وقُرِئَ، ثُمَّ إلَيْهِ يَرْجِعُونَ، بِفَتْحِ الياءِ مِن (رَجَعَ) اللّازِمِ.
6:37Страница 132
وَقَالُواْ لَوۡلَا نُزِّلَ عَلَيۡهِ ءَايَةٞ مِّن رَّبِّهِۦۚ قُلۡ إِنَّ ٱللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰٓ أَن يُنَزِّلَ ءَايَةٗ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٧
Они говорят: «Почему ему не ниспослано знамение от его Господа?». Скажи: «Аллах способен ниспослать знамение». Но большинство их не обладает знанием.
﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في رُؤَساءِ قُرَيْشٍ، سَألُوا الرَّسُولَ آيَةً تَعَنُّتًا مِنهم، وإلّا فَقَدْ جاءَهم بِآياتٍ كَثِيرَةٍ فِيها مُقْنِعٌ انْتَهى. والضَّمِيرُ في وقالُوا عائِدٌ عَلى الكُفّارِ، و(لَوْلا) تَحْضِيضٌ بِمَعْنى (هَلّا) .
﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾ أيْ مَهْما سَألْتُمُوهُ مِن إنْزالِ آيَةٍ، اللَّهُ قادِرٌ عَلى ذَلِكَ، كَما أنْزَلَ الآياتِ السّابِقَةَ، فَلا فَرْقَ في تَعَلُّقِ القُدْرَةِ بِالآياتِ المُقْتَرَحَةِ عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ، والآياتِ الَّتِي لَمْ تُقْتَرَحْ، وقَدِ اقْتَرَحْتُمْ آياتٍ، كانْشِقاقِ القَمَرِ، فَلَمْ تُجْدِ عَلَيْكم، ولا أثَّرَتْ فِيكم، وقُلْتُمْ: هَذا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ، ولَمْ تَعْتَدُّوا بِما أُنْزِلَ مَعَ كَثْرَتِهِ، حَتّى كَأنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ شَيْءٌ مِنَ الآياتِ؛ لِأنَّ دَأْبَكُمُ العِنادُ في آياتِ اللَّهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً تَضْطَرُّهم إلى الإيمانِ، كَنَتْقِ الجَبَلِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، أوْ آيَةً إنْ يَجْحَدُوها جاءَهُمُ العَذابُ.
﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ تِلْكَ الآيَةَ، وإنْ صارَ فَمِنَ الحِكْمَةِ صَرْفُهُ عَنْ إنْزالِها. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لا يَعْلَمُونَ أنَّها لَوْ أُنْزِلَتْ، ولَمْ يُؤْمِنُوا لَعُوجِلُوا بِالعَذابِ، ويُحْتَمَلُ لا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما جَعَلَ المَصْلَحَةَ في آياتٍ مُعَرَّضَةٍ لِلنَّظَرِ والتَّأمُّلِ؛ لِيَهْتَدِيَ قَوْمٌ، ويَضِلَّ آخَرُونَ انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ (لا يَعْلَمُونَ) نَفى عَنْهُمُ العِلْمَ حَيْثُ فَرَّقُوا بَيْنَ تَعَلُّقِ القُدْرَةِ بِالآياتِ الَّتِي نَزَلَتْ، وبَيْنَ تَعَلُّقِها بِالآياتِ المُقْتَرَحَةِ، وتُعَلِّقُ القُدْرَةِ بِهِما سَواءٌ لِاجْتِماعِ المُقْتَرَحِ وغَيْرِ المُقْتَرَحِ في الإمْكانِ، فَمَن فَرَّقَ بَيْنَ المُتَماثِلاتِ، ولَمْ يَقْنَعْ بِما ورَدَ مِنها، فَهو لا شَكَّ جاهِلٌ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии