Абу Хайян · Тафсир · на арабском
Аль-Анам 6:91–96, продолжение
﴿وما نَرى مَعَكم شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنَّهم فِيكم شُرَكاءُ﴾ وقَّفَهم عَلى الخَطَأِ في عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ وتَعْظِيمِها، وقالَ مُقاتِلٌ: كانُوا يَعْتَقِدُونَ شَفاعَةَ المَلائِكَةِ ويَقُولُونَ: ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣]، و(فِيكم) مُتَعَلِّقٌ بِـ (شُرَكاءَ) والمَعْنى: في اسْتِعْبادِكم؛ لِأنَّهم حِينَ دَعَوْهم آلِهَةً وعَبَدُوها فَقَدْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ فِيهِمْ وفي اسْتِعْبادِهِمْ، وقِيلَ: جَعَلُوهم شُرَكاءَ لِلَّهِ بِاعْتِبارِ أنَّهم يَشْفَعُونَ فِيهِمْ عِنْدَهُ، فَهم شُرَكاءُ بِهَذا الِاعْتِبارِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: شُرَكاءَ لِلَّهِ في تَخْلِيصِكم مِنَ العَذابِ وأنَّ عِبادَتَهم تَنْفَعُكم كَما تَنْفَعُكم عِبادَتُهُ، وقِيلَ: (فِيكم) بِمَعْنى عِنْدَكم، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّهم لِي في خَلْقِكم شُرَكاءُ، وقِيلَ: مُتَحَمِّلُونَ عَنْكم نَصِيبًا مِنَ العَذابِ.
﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكم وضَلَّ عَنْكم ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ قَرَأ جُمْهُورُ السَّبْعَةِ: (بَيْنُكم) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ اتَّسَعَ في الظَّرْفِ، وأُسْنِدَ الفِعْلُ إلَيْهِ فَصارَ اسْمًا، كَما اسْتَعْمَلُوهُ اسْمًا في قَوْلِهِ: ﴿ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ [فصلت: ٥]، وكَما حَكى سِيبَوَيْهِ: هو أحْمَرُ بَيْنَ العَيْنَيْنِ، ورَجَّحَهُ الفارِسِيُّ، أوْ عَلى أنَّهُ أُرِيدَ بِالبَيْنِ الوَصْلُ، أيْ: لَقَدْ تَقَطَّعَ وصْلُكم، قالَهُ أبُو الفَتْحِ والزَّهْراوِيُّ والمَهْدَوِيُّ، وقَطَعَ فِيهِ ابْنُ عَطِيَّةَ وزَعَمَ أنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ مِنَ العَرَبِ البَيْنُ بِمَعْنى الوَصْلِ، وإنَّما انْتُزِعَ ذَلِكَ مِن هَذِهِ الآيَةِ، أوْ عَلى أنَّهُ أُرِيدَ بِالبَيْنِ الِافْتِراقُ، وذَلِكَ مَجازٌ عَنِ الأمْرِ البَعِيدِ، والمَعْنى: لَقَدْ تَقَطَّعَتِ المَسافَةُ بَيْنَكم لِطُولِها، فَعُبِّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالبَيْنِ، وقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ: (بَيْنَكم) بِفَتْحِ النُّونِ، وخَرَّجَهُ الأخْفَشُ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ، ولَكِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ حَمْلًا عَلى أكْثَرِ أحْوالِ هَذا الظَّرْفِ، وقَدْ يُقالُ: لِإضافَتِهِ إلى مَبْنِيٍّ، كَقَوْلِهِ: ﴿ومِنّا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الجن: ١١]، وخَرَّجَهُ غَيْرُهُ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ، وفاعِلُ (تَقَطَّعَ) التَّقَطُّعُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَعَ التَّقَطُّعُ بَيْنَكم، كَما تَقُولُ: جَمَعَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، (p-١٨٣)تُرِيدُ: أوْقَعَ الجَمْعَ بَيْنَهُما عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى مَصْدَرِهِ بِهَذا التَّأْوِيلِ. انْتَهى. وظاهِرُهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، وتَحْرِيرُهُ أنَّهُ أسْنَدَ الفِعْلَ إلى ضَمِيرِ مَصْدَرِهِ، فَأضْمَرَهُ فِيهِ؛ لِأنَّهُ إنْ أسْنَدَهُ إلى صَرِيحِ المَصْدَرِ فَهو مَحْذُوفٌ، فَلا يَجُوزُ حَذْفُ الفاعِلِ، وهو مَعَ هَذا التَّقْدِيرِ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأنَّ شَرْطَ الإسْنادِ مَفْقُودٌ فِيهِ وهو تَغايُرُ الحُكْمِ والمَحْكُومِ عَلَيْهِ؛ ولِذَلِكَ لا يَجُوزُ: قامَ ولا جَلَسَ، وأنْتَ تُرِيدُ قامَ هو أيِ القِيامَ، وقِيلَ: الفاعِلُ مُضْمَرٌ يَعُودُ عَلى الِاتِّصالِ الدّالِّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (شُرَكاءَ) ولا يُقَدَّرُ الفاعِلُ صَرِيحُ المَصَدَرِ كَما قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، قالَ: ويَكُونُ الفِعْلُ مُسْتَنِدًا إلى شَيْءٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: لَقَدْ تَقَطَّعَ الِاتِّصالُ والِارْتِباطُ بَيْنَكم، أوْ نَحْوَ هَذا، وهَذا وجْهٌ واضِحٌ، وعَلَيْهِ فَسَّرَهُ النّاسُ، مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ وغَيْرُهُما. انْتَهى. وقَوْلُهُ: إلى شَيْءٍ مَحْذُوفٍ، لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأنَّ الفاعِلَ لا يُحْذَفُ، وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ (بَيْنَكم) صِفَةً لِفاعِلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: لَقَدْ تَقَطَّعَ شَيْءٌ بَيْنَكم، أوْ وصْلٌ، ولَيْسَ بِصَحِيحٍ أيْضًا لِأنَّ الفاعِلَ لا يُحْذَفُ، والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ المَسْألَةَ مِن بابِ الإعْمالِ: تَسَلَّطَ عَلى ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ تَقَطُّعٌ وضَلَّ، فَأُعْمِلَ الثّانِي وهو ضَلَّ، وأُضْمِرَ في (تَقَطَّعَ) ضَمِيرُ (ما) وهُمُ الأصْنامُ، فالمَعْنى: لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكم ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ وضَلُّوا عَنْكم، كَما قالَ تَعالى: ﴿وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ [البقرة: ١٦٦] أيْ: لَمْ يَبْقَ اتِّصالٌ بَيْنَكم وبَيْنَ ﴿ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أنَّهم شُرَكاءُ فَعَبَدْتُمُوهم، وهَذا إعْرابٌ سَهْلٌ لَمْ يَتَنَبَّهْ لَهُ أحَدٌ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ومُجاهِدٌ والأعْمَشُ: (ما بَيْنَكم)، والمَعْنى: تَلِفَ وذَهَبَ ما (بَيْنَكم) وبَيْنَ ﴿ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾، ومَفْعُولا (تَزْعُمُونَ) مَحْذُوفانِ، التَّقْدِيرُ: تَزْعُمُونَهم شُفَعاءَ، حُذِفا لِلدَّلالَةِ عَلَيْهِما، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎تَرى حُبَّهم عارًا عَلَيَّ وتَحَسِبُ
أيْ وتَحْسِبُهُ عارًا، ولِأبِي عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيِّ في هَذِهِ الآيَةِ كَلامٌ يُشْبِهُ آراءَ الفَلاسِفَةِ، قالَ في آخِرِهِ: وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ”لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكم“، والمَعْنى أنَّ الوَصْلَةَ الحاصِلَةَ بَيْنَ النَّفْسِ والجَسَدِ قَدِ انْقَطَعَتْ ولا سَبِيلَ إلى تَحْصِيلِها مَرَّةً أُخْرى. انْتَهى. ولَيْسَ مَفْهُومًا مِنَ الآيَةِ.
6:95Страница 140
۞ إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلۡحَبِّ وَٱلنَّوَىٰۖ يُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَمُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتِ مِنَ ٱلۡحَيِّۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُۖ فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ ٩٥
Аллах раскрывает зерно и косточку. Он извлекает живое из мертвого и извлекает мертвое из живого. Таков Аллах! До чего же вы отвращены от истины!
﴿إنَّ اللَّهَ فالِقُ الحَبِّ والنَّوى يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ومُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ ﴿فالِقُ الإصْباحِ وجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا والشَّمْسَ والقَمَرَ حُسْبانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ [الأنعام: ٩٦] ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٩٧] ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام: ٩٨] ﴿وهُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأخْرَجْنا مِنهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنهُ حَبًّا مُتَراكِبًا ومِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وجَنّاتٍ مِن أعْنابٍ والزَّيْتُونَ والرُّمّانَ مُشْتَبِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ انْظُرُوا إلى ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ ويَنْعِهِ إنَّ في ذَلِكم لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٩٩] ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ وخَلَقَهم وخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٠] ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ ولَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠١] ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لا إلَهَ إلّا هو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فاعْبُدُوهُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ [الأنعام: ١٠٢] ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ وهو يُدْرِكُ الأبْصارَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] ﴿قَدْ جاءَكم بَصائِرُ مِن رَبِّكم فَمَن أبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ومَن عَمِيَ فَعَلَيْها وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ [الأنعام: ١٠٤] ﴿وكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ ولِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٥] ﴿اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ لا إلَهَ إلّا هو وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٠٦] ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكُوا وما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الأنعام: ١٠٧] ﴿ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهم ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهم فَيُنَبِّئُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٨] ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩] ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ ونَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠]
فَلَقَ الشَّيْءَ: شَقَّهُ. النَّواةُ مَعْرُوفَةٌ، والنَّوى اسْمُ جِنْسٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُفْرَدِهِ (p-١٨٤)تاءُ التَّأْنِيثِ. النَّجْمُ مَعْرُوفٌ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِطُلُوعِهِ، يُقالُ نَجَمَ النَّبْتُ: إذا طَلَعَ. الإنْشاءُ: الإيجادُ، لا يُفِيدُ الِابْتِداءَ بَلْ عَلى وجْهِ النُّمُوِّ، كَما يُقالُ في النَّباتِ: أنْشَأهُ، بِمَعْنى النُّمُوِّ والزِّيادَةِ إلى وقْتِ الِانْتِهاءِ. مُسْتَوْدَعٌ مُسْتَفْعَلٌ مِنَ الوَدِيعَةِ يَكُونُ مَصْدَرًا وزَمانًا ومَكانًا، والوَدِيعَةُ مَعْرُوفَةٌ. الخَضِرُ: الغَضُّ، وهو الرَّطْبُ مِنَ البُقُولِ وغَيْرِها، قالَ الزَّجّاجُ: الخَضِرُ بِمَعْنى الأخْضَرِ، اخْضَرَّ فَهو أخْضَرُ وخَضِرٌ، كاعْوَرَّ فَهو أعْوَرُ وعَوِرٌ، وقالَ غَيْرُهُ: الخَضِرُ النَّضارَةُ، ولا مَدْخَلَ لِلَّوْنِ فِيهِ، ومِنهُ الدُّنْيا خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، والأخْضَرُ يَغْلِبُ في اللَّوْنِ، وهو في النَّضارَةِ تَجَوُّزٌ، وقالَ اللَّيْثُ: الخَضِرُ في كِتابِ اللَّهِ الزَّرْعُ، وفي الكَلامِ كُلُّ نَباتٍ مِنَ الخُضْرَةِ. تَراكُبُ الشَّيْءِ رَكِبَ بَعْضُهُ بَعْضًا. الطَّلْعُ: أوَّلُ ما يَخْرُجُ مِنَ النَّخْلَةِ في أكْمامِهِ، أطْلَعَتِ النَّخْلَةُ أخْرَجَتْ طَلْعَها، قالَ أبُو عُبَيْدٍ: وطَلْعُها كَعُراها قَبْلَ أنْ يَنْشَقَّ عَنِ الإغْرِيضِ، والإغْرِيضُ يُسَمّى طَلْعًا، ويُقالُ طَلَعَ يَطْلُعُ طُلُوعًا. القِنْوُ بِكَسْرِ القافِ وضَمِّها: العِذْقُ بِكَسْرِ العَيْنِ وهو الكِباسَةُ وهو عُنْقُودُ النَّخْلَةِ، وقِيلَ: الجُمّارُ، حَكاهُ القُرْطُبِيُّ، وجَمْعُهُ في القِلَّةِ أقْناءٌ، وفي الكَثْرَةِ قِنْوانٌ بِكَسْرِ القافِ في لُغَةِ الحِجازِ وضَمِّها في لُغَةِ قَيْسٍ، وبِالياءِ بَدَلَ الواوِ في لُغَةِ رَبِيعَةَ وتَمِيمٍ بِكَسْرِ القافِ وضَمِّها، ويَجْتَمِعُونَ في المُفْرَدِ عَلى قِنْوٍ، وقُنْوٍ بِالواوِ، ولا يَقُولُونَ فِيهِ قِنْيٌ ولا قُنْيٌ. الزَّيْتُونُ شَجَرٌ مَعْرُوفٌ، ووَزْنُهُ فَيْعُولٌ، كَقَيْصُومٍ، لِقَوْلِهِمْ أرْضٌ زَتِنَةٌ، ولِعَدَمِ فَعْلُولٍ أوْ قِلَّتِهِ، فَمادَّتُهُ مُغايِرَةٌ لِمادَّةِ الزَّيْتِ. الرُّمّانُ فُعّالٌ كالحُمّاضِ والعُنّابِ، ولَيْسَ بِفُعْلانَ لِقَوْلِهِمْ أرْضٌ رَمِنَةٌ. اليَنْعُ مَصْدَرُ يَنَعَ بِفَتْحِ الياءِ في لُغَةِ الحِجازِ، وبِضَمِّها في لُغَةِ بَعْضِ نَجْدٍ، وكَذا اللَّيُنُعُ بِضَمِّ الياءِ والنُّونِ، واليُنُوعُ بِواوٍ بَعْدَ الضَّمَّتَيْنِ، يُقالُ: يَنْعَتِ الثَّمَرَةُ إذا أدْرَكَتْ ونَضِجَتْ وأيْنَعَتْ أيْضًا، ومِنهُ قَوْلُ الحَجّاجِ: أرى رُءُوسًا قَدْ أيْنَعَتْ وحانَ قِطافُها. قالَ الفَرّاءُ: يَنَعَ الثَّمَرُ واحْمَرَّ، ومِنهُ في حَدِيثِ المُلاعَنَةِ: إنْ ولَدْتِهِ أحْمَرَ مِثْلَ اليَنْعَةِ وهي خَرَزَةٌ حَمْراءُ، يُقالُ إنَّها العَقِيقُ أوْ نَوْعٌ مِنهُ، وقِيلَ: اليَنْعُ جَمْعُ يانِعٍ، كَتاجِرٍ وتَجْرٍ وصاحِبٍ وصَحْبٍ. خَرَقَ وخَرَّقَ: اخْتَلَقَ وافْتَرى. اللَّطِيفُ قالَ ابْنُ أعْرابِيٍّ: هو الَّذِي يُوَصِّلُ إلَيْكَ أرَبَكَ في رِفْقٍ، ومِنهُ لَطَفَ اللَّهُ بِكَ، وقالَ الأزْهَرِيُّ: اللَّطِيفُ مِن أسْمائِهِ تَعالى الرَّفِيقُ بِعِبادِهِ، وقِيلَ: اللَّطِيفُ ضِدُّ الكَثِيفِ. السَّبُّ: الشَّتْمُ. الفُؤادُ: القَلْبُ.
﴿إنَّ اللَّهَ فالِقُ الحَبِّ والنَّوى﴾ الظّاهِرُ أنَّ المَعْنى: أنَّهُ تَعالى ﴿فالِقُ الحَبِّ﴾ شاقُّهُ فَمُخْرَجٌ مِنهُ النَّباتَ، (والنَّوى) فَمُخْرَجٌ مِنهُ الشَّجَرَ، والحَبُّ والنَّوى عامّانِ، أيْ: كُلُّ حَبَّةِ وكُلُّ نَواةٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ وغَيْرُهم، قالُوا: هَذِهِ إشارَةٌ إلى فِعْلِ اللَّهِ في أنْ يَشُقَّ جَمِيعَ الحَبِّ عَنْ جَمِيعِ النَّباتِ الَّذِي يَكُونُ مِنهُ، ويَشُقَّ النَّوى عَنْ جَمِيعِ الأشْجارِ الكائِنَةِ عَنْهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ أيْضًا: (فالِقُ) بِمَعْنى خالِقٍ؛ قِيلَ: ولا يُعْرَفُ ذَلِكَ في اللُّغَةِ، وقالَ تاجُ القُرّاءِ: فَطَرَ وخَلَقَ وفَلَقَ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقالَ مُجاهِدٌ وأبُو مالِكٍ: إشارَةٌ في الشِّقِّ الَّذِي في حَبَّةِ البُرِّ ونَواةِ التَّمْرِ، وقالَ إسْماعِيلُ الضَّرِيرُ: المَعْنى فالِقُ ما فِيهِ الحَبُّ مِنَ السُّنْبُلِ وما فِيهِ النَّوى مِنَ التَّمْرِ وما أشْبَهَهُ، وقالَ الماتُرِيدِيُّ: وخَصَّهُما بِالذِّكْرِ لِأنَّ جَمِيعَ ما في الدُّنْيا مِنَ الأبْدالِ مِنهُما، فَأضافَ ذَلِكَ إلى نَفْسِهِ كَما أضافَ خَلْقَ جَمِيعِ البَشَرِ إلى نَفْسٍ واحِدَةٍ لِأنَّهم مِنها في قَوْلِهِ ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [النساء: ١]، فَكَأنَّهُ قالَ: خالِقُ الأبْدالِ كُلِّها. انْتَهى. ولَمّا كانَ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ البَعْثِ نَبَّهَ عَلى قُدْرَتِهِ تَعالى الباهِرَةِ في شِقِّ النَّواةِ مَعَ صَلابَتِها، وإخْراجِهِ مِنها نَبْتًا أخْضَرَ لَيِّنًا، إلى ما بَعْدَ ذَلِكَ مِمّا فِيهِ إشارَةٌ إلى القُدْرَةِ التّامَّةِ والبَعْثِ والنَّشْرِ بَعْدَ المَوْتِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: (فَلَقَ الحَبَّ) جَعَلَهُ فِعْلًا ماضِيًا.
﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ومُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في أوائِلِ آلِ عِمْرانَ، وعَطَفَ قَوْلَهُ: (p-١٨٥)﴿ومُخْرِجُ المَيِّتِ﴾ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فالِقُ الحَبِّ﴾ اسْمَ فاعِلٍ عَلى اسْمِ فاعِلٍ، ولَمْ يَعْطِفْهُ عَلى يَخْرُجُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فالِقُ الحَبِّ والنَّوى﴾ مِن جِنْسِ إخْراجِ الحَيِّ مِنَ المَيِّتِ؛ لِأنَّ النّامِيَ في حُكْمِ الحَيَوانِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ [الروم: ٥٠]، فَوَقَعَ قَوْلُهُ: ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ مِن قَوْلِهِ: ﴿فالِقُ الحَبِّ والنَّوى﴾ مَوْقِعَ الجُمْلَةِ المُبَيِّنَةِ؛ فَلِذَلِكَ عَطَفَ اسْمَ الفاعِلِ لا عَلى الفِعْلِ، ولَمّا كانَ هَذا مَفْقُودًا في آلِ عِمْرانَ، وتَقَدَّمَ قَبْلَ ذَلِكَ جُمْلَتانِ فِعْلِيَّتانِ وهُما ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾ [الحج: ٦١] كانَ العَطْفُ بِالفِعْلِ، عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا، وهو اسْمُ فاعِلٍ عَلى المُضارِعِ؛ لِأنَّهُ في مَعْناهُ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎باتَ يُغْشِيها بِعَضْبٍ باتِرٍ يُقْصَدُ في أسْوُقِها وجائِرُ
﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ أيْ: ذَلِكُمُ المُتَّصِفُ بِالقُدْرَةِ الباهِرَةِ فَأنّى تُصْرَفُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وتَوْحِيدِهِ والإيمانِ بِالبَعْثِ، إلى عِبادَةِ غَيْرِهِ واتِّخاذَ شَرِيكٍ مَعَهُ وإنْكارِ البَعْثِ.
6:96Страница 140
فَالِقُ ٱلۡإِصۡبَاحِ وَجَعَلَ ٱلَّيۡلَ سَكَنٗا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ حُسۡبَانٗاۚ ذَٰلِكَ تَقۡدِيرُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ ٩٦
Он раскрывает утреннюю зарю. Он предназначил ночь для покоя, а солнце и луну - для исчисления. Таково установление Могущественного, Знающего.
﴿فالِقُ الإصْباحِ﴾ مَصْدَرٌ، سُمِّيَ بِهِ الصُّبْحِ، قالَ الشّاعِرِ:
؎ألا أيُّها اللَّيْلُ الطَّوِيلُ ألا انْجَلِي بِصُبْحٍ وما الإصْباحُ مِنكَ بِأمْثَلِ
(فَإنْ قُلْتَ): الظُّلْمَةُ هي الَّتِي تَنْفَلِقُ عَنِ الصُّبْحِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎تَفَرّى لَيْلُ عَنْ بَياضِ نَهارِ
فالجَوابُ مِن وُجُوهٍ، أحَدُها أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: فالِقُ ظُلْمَةِ الإصْباحِ وهي الغَبَشُ الَّذِي يَلِي الصُّبْحَ، أوْ يَكُونُ عَلى ظاهِرِهِ، ومَعْناهُ فالِقُهُ عَنْ بَياضِ النّارِ. وقالُوا: انْصَدَعَ الفَجْرُ وانْشَقَّ عَمُودُ الفَجْرِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎فانْشَقَّ عَنْها عَمُودُ الصُّبْحِ جافِلَةً ∗∗∗ عَدْوَ النَّحُوصِ تَخافُ القانِصَ اللَّحْيا
وسَمَّوُا الفَجْرَ فَلَقًا بِمَعْنى مَفْلُوقٍ، أوْ يَكُونُ المَعْنى: مُظْهِرُ الإصْباحِ، إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ الفَلَقُ مُقْتَضِيًا لِذَلِكَ الإظْهارِ أطْلَقَ عَلى الإظْهارِ فَلَقًا، والمُرادُ المُسَبَّبُ وهو الإظْهارُ، وقِيلَ: ﴿فالِقُ الإصْباحِ﴾ خالِقُهُ، وقالَ مُجاهِدٌ: الإصْباحُ إضاءَةُ الفَجْرِ، ورَوى ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ (الإصْباحَ) ضَوْءُ الشَّمْسِ بِالنَّهارِ وضَوْءُ القَمَرِ بِاللَّيْلِ. وقالَ اللَّيْثُ والفَرّاءُ والزَّجّاجُ: الصُّبْحُ والصَّباحُ والإصْباحُ أوَّلُ النَّهارِ، قالَ:
؎أفْنى رِياحًا وبَنِي رِياحْ ∗∗∗ تَناسُخُ الإمْساءِ والإصْباحْ
يُرِيدُ المَساءَ والصَّباحَ، ويُرْوى بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، جَمْعُ مَسى وصُبْحٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: مَعْناهُ خالِقُ النَّهارِ واللَّيْلِ، وقالَ الكِرْمانِيُّ: شاقُّ عَمُودِ الصُّبْحِ عَنِ الظُّلْمَةِ وكاشِفُهُ، وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى أبُو رَجاءٍ: الأصْباحَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، جَمْعُ صُبْحٍ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِنَصْبِ الأصْباحِ وحَذْفِ تَنْوِينِ فالِقٍ، وسِيبَوَيْهِ إنَّما يَجُوزُ هَذا في الشِّعْرِ، نَحْوَ قَوْلِهِ:
؎ولا ذاكِرَ اللَّهِ إلّا قَلِيلًا
حُذِفَ التَّنْوِينُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، والمُبَرِّدُ يُجَوِّزُهُ في الكَلامِ، وقَرَأ النَّخَعِيُّ وابْنُ وثّابٍ وأبُو حَيْوَةَ: فَلَقَ الإصْباحَ، فِعْلًا ماضِيًا.
(وجاعِلُ اللَّيْلِ سَكَنًا والشَّمْسَ والقَمَرَ حُسْبانًا) لَمّا اسْتَدَلَّ عَلى باهِرِ حِكْمَتِهِ وقُدْرَتِهِ بِدَلالَةِ أحْوالِ (p-١٨٦)النَّباتِ والحَيَوانِ، وذَلِكَ مِنَ الأحْوالِ الأرْضِيَّةِ، اسْتَدَلَّ أيْضًا عَلى ذَلِكَ بِالأحْوالِ الفَلَكِيَّةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ فَلَقَ الصُّبْحَ أعْظَمُ مِن فَلْقِ الحَبِّ والنَّوى؛ لِأنَّ الأحْوالَ الفَلَكِيَّةَ أعْظَمُ وقْعًا في النُّفُوسِ مِنَ الأحْوالِ الأرْضِيَّةِ، والسَّكَنُ فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ أيْ مَسْكُونٍ إلَيْهِ، وهو مَن تَسْتَأْنِسُ بِهِ وتَطْمَئِنُّ إلَيْهِ، ومِنهُ قِيلَ لِلنّارِ لِأنَّهُ يُسْتَأْنَسُ بِها؛ ولِذَلِكَ يُسَمُّونَها المُؤْنِسَةَ، ومَعْنى أنَّ اللَّيْلَ سَكَنٌ لِأنَّ الإنْسانَ يَتْعَبُ نَهارَهُ ويَسْكُنُ في اللَّيْلِ؛ ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [يونس: ٦٧] . والحُسْبانُ جَمْعُ حِسابٍ كَشِهابٍ وشُهْبانٍ، قالَهُ الأخْفَشُ، أوْ مَصْدَرُ حَسَبَ الشَّيْءَ والحِسابُ الِاسْمُ، قالَهُ يَعْقُوبُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي بِها عَدَدَ الأيّامِ والشُّهُورِ والسِّنِينَ، وقالَ قَتادَةُ: حُسْبانًا ضِياءً. انْتَهى. قِيلَ: وتُسَمّى النّارُ حُسْبانًا، وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ، قالَ مُجاهِدٌ: المُرادُ حُسْبانٌ كَحُسْبانِ الرَّحى وهو الدُّولابُ والعُودُ الَّذِي عَلَيْهِ دَوَرانُهُ، وقالَ تاجُ القُرّاءِ: حُسْبانًا أيْ بِحِسابٍ، قالَ تَعالى: ﴿الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾ [الرحمن: ٥]، والمَعْنى: أنَّهُ جَعَلَ سَيْرَهُما بِحِسابٍ ومِقْدارٍ لِأنَّ الشَّمْسَ تَقْطَعُ البُرُوجَ كُلَّها في ثَلاثِمِائَةٍ وخَمْسَةٍ وسِتِّينَ يَوْمًا ورُبُعِ يَوْمٍ، وتَعُودُ إلى مَكانِها، والقَمَرُ يَقْطَعُها في ثَمانِيَةٍ وعِشْرِينَ يَوْمًا، وبِدَوَرانِهِما يَعْرِفُ النّاسُ حِسابَ الأيّامِ والشُّهُورِ والأعْوامِ، وقِيلَ: يَجْرِيانِ بِحِسابٍ وعَدَدٍ لِبُلُوغِ نِهايَةِ آجالِهِما، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَعَلَهُما عَلى حِسابٍ لِأنَّ حِسابَ الأوْقاتِ يُعْلَمُ بِدَوْرِهِما وسَيْرِهِما، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: ﴿وجَعَلَ اللَّيْلَ﴾، فِعْلًا ماضِيًا، لَمّا كانَ فالِقُ بِمَعْنى المُضِيِّ حَسُنَ عَطْفُ (وجَعَلَ) عَلَيْهِ، وانْتَصَبَ ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ حُسْبانًا﴾ عَطْفًا عَلى ﴿اللَّيْلَ سَكَنًا﴾، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: (وجاعِلُ) باسِمِ الفاعِلِ مُضافًا إلى اللَّيْلِ، والظّاهِرُ أنَّهُ اسْمُ فاعِلٍ ماضٍ ولا يَعْمَلُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، فانْتِصابُ (سَكَنا) عَلى إضْمارِ فِعْلٍ أيْ يَجْعَلُهُ سَكَنًا، لا باسِمَ الفاعِلِ، هَذا مَذْهَبُ أبِي عَلِيٍّ فِيما انْتَصَبَ مَفْعُولًا ثانِيًا بَعْدَ اسْمِ فاعِلٍ ماضٍ، وذَهَبَ السِّيرافِيُّ إلى أنَّهُ يَنْتَصِبُ بِاسْمِ الفاعِلِ وإنْ كانَ ماضِيًا؛ لِأنَّهُ لَمّا وجَبَتْ إضافَتُهُ إلى الأوَّلِ لَمْ يُمْكِنْ أنْ يُضافَ إلى الثّانِي، فَعَمِلَ فِيهِ النَّصْبُ وإنْ كانَ ماضِيًا. هَذِهِ مَسْألَةٌ تُذْكَرُ في عِلْمِ النَّحْوِ، وأمّا مَن أجازَ إعْمالَ اسْمِ الفاعِلِ الماضِي، وهو الكِسائِيُّ وهُشامٌ، فَسَكَنًا مَنصُوبٌ بِهِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ: ساكِنًا، قالَ الدّانِي: ولا يَصِحُّ عَنْهُ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِجَرِّ (والشَّمْسِ والقَمَرِ حُسْبانًا) عَطْفًا عَلى ”اللَّيْلِ سَكَنا“، وأمّا قِراءَةُ النَّصْبِ وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ فَعَلى قِراءَةِ (وجاعِلُ اللَّيْلِ) يَنْتَصِبانِ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: وجَعَلَ الشَّمْسَ والقَمَرَ حُسْبانًا، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ يُعْطَفانِ عَلى مَحَلِّ اللَّيْلِ، (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ يَكُونُ لِلَّيْلِ مَحَلٌّ، والإضافَةُ حَقِيقَةٌ لِأنَّ اسْمَ الفاعِلِ المُضافَ إلَيْهِ في مَعْنى المُضِيِّ ولا تَقُولُ زِيدٌ ضارِبٌ عَمْرًا أمْسِ ؟ (p-١٨٧)(قُلْتُ): ما هو في مَعْنى الماضِي، وإنَّما هو دالٌّ عَلى جَعْلٍ مُسْتَمِرٍّ في الأزْمِنَةِ. انْتَهى. ومُلَخَّصُهُ أنَّهُ لَيْسَ اسْمَ فاعِلٍ ماضِيًا فَلا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ عامِلًا، فَيَكُونُ لِلْمُضافِ إلَيْهِ مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ، وهَذا عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ أنَّ اسْمَ الفاعِلِ الماضِيَ لا يَعْمَلُ، وأمّا قَوْلُهُ: إنَّما هو دالٌّ عَلى جَعْلٍ مُسْتَمِرٍّ في الأزْمِنَةِ، يَعْنِي فَيَكُونُ إذْ ذاكَ عامِلًا، ويَكُونُ لِلْمَجْرُورِ بَعْدَهُ مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ فَيُعْطَفُ عَلَيْهِ ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ﴾، وهَذا لَيْسَ بِصَحِيحٍ إذا كانَ لا يَتَقَيَّدُ بِزَمانٍ خاصٍّ، وإنَّما هو لِلِاسْتِمْرارِ، فَلا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَعْمَلَ، ولا لِمَجْرُورِهِ مَحَلٌّ، وقَدْ نَصُّوا عَلى ذَلِكَ، وأنْشَدُوا:
؎ألْقَيْتُ كاسِبَهم في قَعْرِ مَظْلَمَةٍ
فَلَيْسَ الكاسِبُ هُنا مُقَيَّدًا بِزَمانٍ، وإذا تَقَيَّدَ بِزَمانٍ فَإمّا أنْ يَكُونَ ماضِيًا دُونَ ألْ فَلا يَعْمَلُ إذْ ذاكَ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، أوْ بِألْ أوْ حالًا أوْ مُسْتَقْبَلًا فَيَجُوزُ إعْمالُهُ، والإضافَةُ إلَيْهِ عَلى ما أُحْكِمَ في عِلْمِ النَّحْوِ وفُصِّلَ، وعَلى تَسْلِيمِ أنْ يَكُونَ حالًا عَلى الِاسْتِمْرارِ في الأزْمِنَةِ وتَعْمَلُ، فَلا يَجُوزُ العَطْفُ عَلى مَحَلِّ مَجْرُورِهِ، بَلْ لَوْ كانَ حالًا أوْ مُسْتَقْبَلًا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ عَلى القَوْلِ الصَّحِيحِ، وهو مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، فَلَوْ قُلْتَ: زَيْدٌ ضارِبٌ عَمْرًا الآنَ أوْ غَدًا وخالِدًا، لَمْ يَجُزْ أنْ تَعْطِفَ وخالِدًا عَلى مَوْضِعِ عَمْرٍو، وعَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ بَلْ تُقَدِّرُهُ: وتَضْرِبُ خالِدًا؛ لِأنَّ شَرْطَ العَطْفِ عَلى المَوْضِعِ مَفْقُودٌ فِيهِ، وهو أنْ يَكُونَ المَوْضِعُ مُحْرِزًا لا يَتَغَيَّرُ، وهَذا مُوَضَّحٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، وقُرِئَ شاذًّا: (والشَّمْسُ والقَمَرُ) بِرَفْعِهِما عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: مَجْعُولانِ حُسْبانًا أوْ مَحْسُوبانِ حُسْبانًا.
﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ أيْ ذَلِكَ الجَعْلُ، أوْ ذَلِكَ الفَلْقُ، والجَعْلُ أوْ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى جَمِيعِ الأخْبارِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فالِقُ الحَبِّ﴾ [الأنعام: ٩٥] إلى آخِرِها تَقْدِيرُ العَزِيزِ الغالِبِ الَّذِي كُلُّ شَيْءٍ مِن هَذِهِ في تَسْخِيرِهِ وقَهْرِهِ، العَلِيمِ الَّذِي لا يَعْزُبُ عَنْهُ شَيْءٌ مِن هَذِهِ الأحْوالِ ولا مِن غَيْرِها، وفي جَعْلِ ذَلِكَ كُلِّهِ بِتَقْدِيرِهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ هو المُخْتَصُّ الفاعِلُ المُخْتارُ لا أنَّ ذَلِكَ فِيها بِالطَّبْعِ ولا بِالخاصِّيَّةِ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии