Абу Хайян · Тафсир · на арабском
Аль-Араф 7:156–159
7:156Страница 170
۞ وَٱكۡتُبۡ لَنَا فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِنَّا هُدۡنَآ إِلَيۡكَۚ قَالَ عَذَابِيٓ أُصِيبُ بِهِۦ مَنۡ أَشَآءُۖ وَرَحۡمَتِي وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖۚ فَسَأَكۡتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَٰتِنَا يُؤۡمِنُونَ ١٥٦
Предпиши для нас добро в этом мире и в Последней жизни, ибо мы возвращаемся к Тебе (каемся перед Тобой). Он сказал: «Я поражаю Своим наказанием, кого пожелаю, а Моя милость объемлет всякую вещь. Я предпишу ее для тех, которые будут богобоязненны, станут выплачивать закят и уверуют в Наши знамения,
﴿واكْتُبْ لَنا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ إنّا هُدْنا إلَيْكَ﴾ . أيْ: وأثْبِتْ لَنا عاقِبَةً وحَياةً طَيِّبَةً أوْ عَمَلًا صالِحًا يَسْتَعْقِبُ ثَناءً حَسَنًا في الدُّنْيا، وفي الآخِرَةِ الجَنَّةَ والرُّؤْيَةَ والثَّوابَ عَلى حَسَنَةِ الدُّنْيا، والأجْوَدُ حَمْلُ الحَسَنَةِ عَلى ما يَحْسُنُ مِن نِعْمَةٍ وطاعَةٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، وحَسَنَةُ الآخِرَةِ الجَنَّةُ لا حَسَنَةَ دُونَها، وإنّا هَدْنا تَعْلِيلٌ لِطَلَبِ الغُفْرانِ والحَسَنَةِ وكَتْبُ الحَسَنَةِ أيْ: تُبْنا إلَيْكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وابْنُ جُبَيْرٍ وأبُو العالِيَةِ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ: مِن هادَ يَهُودُ، وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: تَقَرَّبْنا بِالتَّوْبَةِ، وقِيلَ: مِلْنا. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قَدْ عَلِمَتْ سَلْمى وجاراتُها أنِّي مِنَ اللَّهِ لَها هائِدُ
أيْ: مائِلٌ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو وجْزَةَ: هِدْنا بِكَسْرِ الهاءِ مِن هادَ يَهِيدُ إذا حَرَّكَ، أيْ حَرَّكْنا أنْفُسَنا وجَذَبْناها لِطاعَتِكَ، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ فاعِلًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَفُعُولًا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، أيْ حَرَّكْنا إلَيْكَ وأمَلْنا، والضَّمُّ في هُدْنا يَحْتَمِلُهُما، وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الجُمَلُ كَوْنَهُ تَعالى هو رَبَّهم ووَلِيَّهم، وأنَّهم تائِبُونَ عَبِيدٌ لَهُ خاضِعُونَ فَناسَبَ عِزَّ الرُّبُوبِيَّةِ أنْ يَسْتَعْطِفَ لِلْعَبِيدِ التّائِبِينَ الخاضِعِينَ بِسُؤالِ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ والكَتْبِ.
﴿قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ . الظّاهِرُ أنَّهُ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَنْ عَذابِهِ ورَحْمَتِهِ، ويَنْدَرِجُ في قَوْلِهِ: ﴿أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ﴾ أصْحابُ الرَّجْفَةِ، وقِيلَ: العَذابُ هُنا هو الرَّجْفَةُ، ومَن أشاءُ: أصْحابُها، والمَعْنى أنَّهُ لا اعْتِراضَ عَلَيْهِ، أيْ مَن أشاءُ عَذابَهُ، وقِيلَ: مَن أشاءُ أنْ لا أعْفُوَ عَنْهُ، وقِيلَ: مَن أشاءُ مِن خَلْقِي كَما أصَبْتُ بِهِ قَوْمَكَ، وقِيلَ: مَن أشاءُ مِنَ الكُفّارِ، وقِيلَ: المَشِيئَةُ راجِعَةٌ إلى التَّعْجِيلِ والإمْهالِ لا إلى التَّرْكِ والإهْمالِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِمَّنْ أشاءُ مَن وجَبَ عَلَيَّ في الحِكْمَةِ تَعْذِيبُهُ ولَمْ يَكُنْ في العَفْوِ عَنْهُ مَساغٌ لِكَوْنِهِ مَفْسَدَةً، انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقَةِ المُعْتَزِلَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أُصِيبُ مَن أشاءُ عَلى الذَّنْبِ اليَسِيرِ، وقالَ أيْضًا: ﴿وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ مِن ذُنُوبِ المُؤْمِنِينَ، وقالَ أبُو رَوْقٍ هي التَّعاطُفُ بَيْنَ الخَلائِقِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هي التَّوْبَةُ عَلى العُمُومِ، وقالَ الحَسَنُ: هي في الدُّنْيا بِالرِّزْقِ عامَّةً وفي الآخِرَةِ بِالمُؤْمِنِينَ خاصَّةً، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأمّا رَحْمَتِي فَمِن حالِها وصِفَتِها أنَّها واسِعَةٌ كُلَّ شَيْءٍ، ما مِن مُسْلِمٍ ولا كافِرٍ ولا مُطِيعٍ ولا عاصٍ، إلّا وهو مُتَقَلِّبٌ في نِعْمَتِي، انْتَهى، وهو (p-٤٠٢)بَسْطُ قَوْلِ الحَسَنِ: هي في الدُّنْيا بِالرِّزْقِ عامَّةً، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والحَسَنُ وطاوُسٌ وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ: (مَن أساءَ) مِنَ الإساءَةِ، وقالَ أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ: لا تَصِحُّ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ الحَسَنِ وطاوُسٍ، وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ رَجُلُ سُوءٍ، وقَرَأ بِها سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ مَرَّةً واسْتَحْسَنَها، فَقامَ إلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ المُقْرِي وصاحَ بِهِ وأسْمَعَهُ فَقالَ سُفْيانُ: لَمْ أدْرِ ولَمْ أفْطِنْ لِما يَقُولُ أهْلُ البِدَعِ، ولِلْمُعْتَزِلَةِ تَعَلُّقٌ بِهَذِهِ القِراءَةِ مِن جِهَةِ إنْفاذِ الوَعِيدِ، ومِن جِهَةِ خَلْقِ المَرْءِ أفْعالَهُ، وإنْ أساءَ لا فِعْلَ فِيهِ لِلَّهِ تَعالى، والِانْفِصالُ عَنْ هَذا كالِانْفِصالِ عَنْ سائِرِ الظَّواهِرِ.
* *
﴿فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ . أيْ أقْضِيها وأُقَدِّرُها، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الرَّحْمَةِ لِأنَّها أقْرَبُ مَذْكُورٍ، ويُحْتَمَلُ عِنْدِي أنْ يَعُودَ عَلى حَسَنَةٍ في قَوْلِهِ: ﴿واكْتُبْ لَنا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ﴾ أيْ فَسَأكْتُبُ الحَسَنَةَ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ونَوْفٌ الَبِكالِيُّ وقَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، لَمّا سَمِعَ إبْلِيسُ: ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ تَطاوَلَ لَها إبْلِيسُ، فَلَمّا سَمِعَ: ﴿فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ يَئِسَ، وبَقِيَتِ اليَهُودُ والنَّصارى، فَلَمّا تَمادَّتِ الصِّفَةُ تَبَيَّنَ أنَّ المُرادَ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، ويَئِسَ النَّصارى واليَهُودُ مِنَ الآيَةِ، وقالَ أهْلُ التَّفْسِيرِ: عَرَضَ اللَّهُ هَذِهِ الخِلالَ عَلى قَوْمِ مُوسى، فَلَمْ يَتَحَمَّلُوها ولَمّا انْطَلَقَ وفْدُ بَنِي إسْرائِيلَ إلى المِيقاتِ، قِيلَ لَهم: خُطَّتْ لَكُمُ الأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا إلّا عِنْدَ مِرْحاضٍ أوْ قَبْرٍ أوْ حَمّامٍ، وجَعَلْتُ السَّكِينَةَ في قُلُوبِهِمْ، فَقالُوا: لا نَسْتَطِيعُ فاجْعَلِ السَّكِينَةَ في التّابُوتِ، والصَّلاةَ في الكَنِيسَةِ، ولا نَقْرَأُ التَّوْراةَ إلّا عَنْ نَظَرٍ، ولا نُصَلِّي إلّا في الكَنِيسَةِ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقالَ نَوْفٌ الَبِكالِيُّ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: يا رَبِّ جَعَلْتَ وِفادَتِي لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ، قالَ نَوْفٌ: فاحْمَدُوا اللَّهَ الَّذِي جَعَلَ وِفادَةَ بَنِي إسْرائِيلَ لَكم، ومَعْنى يَتَّقُونَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وفِرْقَةٌ: الشِّرْكَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعاصِيَ، فَمَن قالَ الشِّرْكَ لا غَيْرُ، خَرَجَ إلى قَوْلِ المُرْجِئَةِ، ويَرُدُّ عَلَيْهِ مِنَ الآيَةِ شَرْطُ الأعْمالِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾، ومَن قالَ: المَعاصِيَ ولا بُدَّ خَرَجَ إلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والصَّوابُ أنْ تَكُونَ اللَّفْظَةُ عامَّةً، ولَكِنْ لا نَقُولُ: لا بُدَّ مِنِ اتِّقاءِ المَعاصِي، بَلْ نَقُولُ: مَواقِعُ المَعاصِي في المَشِيئَةِ، ومَعْنى يَتَّقُونَ يَجْعَلُونَ بَيْنَهم وبَيْنَ المُتَّقى حِجابًا ووِقايَةً، فَذَكَرَ تَعالى الرُّتْبَةَ العالِيَةَ لِيَتَسابَقَ السّامِعُونَ إلَيْها، انْتَهى، ﴿ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾: الظّاهِرُ أنَّها زَكاةُ المالِ وبِهِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ورُوِيَ عَنْهُ: ويُؤْتُونَ الأعْمالَ الَّتِي يُزَكُّونَ بِها أنْفُسَهم، وقالَ الحَسَنُ: تَزْكِيَةُ الأعْمالِ بِالإخْلاصِ، انْتَهى، ولَمّا كانَتِ التَّكالِيفُ تَرْجِعُ إلى قِسْمَيْنِ: تُرُوكٌ وأفْعالٌ، والأفْعالُ قِسْمانِ: راجِعَةٌ إلى المالِ وراجِعَةٌ إلى نَفْسِ الإنْسانِ، وهَذانِ قِسْمانِ: عِلْمٌ وعَمَلٌ، فالعِلْمُ المَعْرِفَةُ، والعَمَلُ إقْرارٌ بِاللِّسانِ، وعَمَلٌ بِالأرْكانِ، فَأشارَ بِالِاتِّقاءِ إلى التُّرُوكِ، وبِالفِعْلِ الرّاجِحِ إلى المالِ بِالزَّكاةِ، وأشارَ إلى ما بَقِيَ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هم بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ﴾ وهَذِهِ شَبِيهَةٌ بِقَوْلِهِ ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٢] الآيَةَ، وفَهِمَ المُفَسِّرُونَ مِن قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ٦٩] إلى آخِرِ الأوْصافِ إنَّ المُتَّصِفِينَ بِذَلِكَ هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ التَّغايُرِ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَيَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ لِمَن فَعَلَ ذَلِكَ قَبْلَ الرَّسُولِ، ويَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ﴾ مَن فَعَلَ ذَلِكَ بَعْدَ البَعْثَةِ، وفَسَّرَ الآياتِ هُنا بِأنَّها القُرْآنُ، وهو الكِتابُ المُعْجِزُ.
7:157Страница 170
ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلۡأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُۥ مَكۡتُوبًا عِندَهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ يَأۡمُرُهُم بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَىٰهُمۡ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡخَبَٰٓئِثَ وَيَضَعُ عَنۡهُمۡ إِصۡرَهُمۡ وَٱلۡأَغۡلَٰلَ ٱلَّتِي كَانَتۡ عَلَيۡهِمۡۚ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ مَعَهُۥٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ١٥٧
которые последуют за посланником, неграмотным (не умеющим читать и писать) пророком, запись о котором они найдут в Таурате (Торе) и Инджиле (Евангелии). Он повелит им совершать одобряемое и запретит им совершать предосудительное, объявит дозволенным благое и запрещенным скверное, освободит их от бремени и оков. Те, которые уверуют в него, станут почитать его, окажут ему поддержку и последуют за ниспосланным вместе с ним светом, непременно преуспеют».
﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ يَأْمُرُهم بِالمَعْرُوفِ ويَنْهاهم عَنِ المُنْكَرِ ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ ويَضَعُ عَنْهم إصْرَهم والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وعَزَّرُوهُ ونَصَرُوهُ واتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ (p-٤٠٣)لا إلَهَ إلّا هو يُحْيِي ويُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وكَلِماتِهِ واتَّبِعُوهُ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩] ﴿وقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أسْباطًا أُمَمًا وأوْحَيْنا إلى مُوسى إذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ فانْبَجَسَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهم وظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الغَمامَ وأنْزَلْنا عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم وما ظَلَمُونا ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٠] ﴿وإذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ وكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ وقُولُوا حِطَّةٌ وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكم خَطِيئاتِكم سَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٦١] ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهم فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٢] ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ إذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهم يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا ويَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهم بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٣] التَّعْزِيرُ، قالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ: التَّعْزِيرُ هو الثَّناءُ والمَدْحُ. الِانْبِجاسُ العَرَقُ. قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: انْبَجَسَتْ عَرِقَتْ، وانْفَجَرَتْ سالَتْ، وقالَ الواحِدِيُّ: الِانْبِجاسُ الِانْفِجارُ، يُقالُ: بَجَسَ وانْبَجَسَ، الحُوتُ مَعْرُوفٌ يُجْمَعُ في القِلَّةِ عَلى أحْواتٍ، وفي الكَثْرَةِ عَلى حِيتانٍ، وهو قِياسٌ مُطَّرِدٌ في فُعْلٍ واوِيِّ العَيْنِ، نَحْوُ عُودٍ وأعْوادٍ وعِيدانٍ.
﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ يَأْمُرُهم بِالمَعْرُوفِ ويَنْهاهم عَنِ المُنْكَرِ﴾ هَذا مِن بَقِيَّةِ خِطابِهِ تَعالى لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وفِيهِ تَبْشِيرٌ لَهُ بِبَعْثَةِ مُحَمَّدٍ، وذِكْرٌ لِصِفاتِهِ، وإعْلامٌ لَهُ أيْضًا أنَّهُ يُنَزِّلُ كِتابًا يُسَمّى الإنْجِيلَ، ومَعْنى الِاتِّباعِ الِاقْتِداءُ فِيما جاءَ بِهِ اعْتِقادًا وقَوْلًا وفِعْلًا، وجَمَعَ هُنا بَيْنَ الرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ لِأنَّ الرِّسالَةَ في بَنِي آدَمَ أعْظَمُ شَرَفًا مِنَ النُّبُوَّةِ، أوْ لِأنَّها بِالنِّسْبَةِ إلى الآدَمِيِّ، والمُلْكُ أعَمُّ فَبُدِئَ بِهِ، والأُمِّيُّ الَّذِي هو عَلى صِفَةِ أُمَّةِ العَرَبِ ”إنّا أُمَّةٌ أُمَيَّةٌ لا نَكْتُبُ ولا نَحْسُبُ“ فَأكْثَرُ العَرَبِ لا يَكْتُبُ ولا يَقْرَأُ، قالَهُ الزَّجّاجُ، وكَوْنُهُ أُمِّيًّا مِن جُمْلَةِ المُعْجِزِ؛ وقِيلَ: نِسْبَةً إلى أُمِّ القُرى وهي مَكَّةُ، ورُوِيَ عَنْ يَعْقُوبَ وغَيْرِهِ أنَّهُ قَرَأ: الأمِّيَّ، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وخُرِّجَ عَلى أنَّهُ مِن تَغْيِيرِ النَّسَبِ، والأصْلُ الضَّمُّ، كَما قِيلَ في النَّسَبِ إلى أُمَيَّةَ: أمَوِيٌّ، بِالفَتْحِ، أوْ عَلى أنَّهُ نُسِبَ إلى المَصْدَرِ مِن أمَّ، ومَعْناهُ المَقْصُودُ، أيْ: لِأنَّ هَذا النَّبِيَّ مَقْصِدٌ لِلنّاسِ ومَوْضِعٌ أمٍّ، وقالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: وذَلِكَ مَكَّةُ، فَهو مَنسُوبٌ إلَيْها، لَكِنَّها ذُكِرَتْ إرادَةً لِلْحَرَمِ أوِ المَوْضِعِ، ومَعْنى يَجِدُونَهُ، أيْ: يَجِدُونَ وصْفَهُ ونَعْتَهُ، قالَ التَّبْرِيزِيُّ: في التَّوْراةِ، أيْ: سَأُقِيمُ لَهُ نَبِيًّا مِن إخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ وأجْعَلُ كَلامِيَ في فِيهِ، ويَقُولُ لَهم كُلَّما أوْصَيْتُهُ، وفِيها: وأمّا النَّبِيُّ فَقَدْ بارَكْتُ عَلَيْهِ جِدًّا جِدًّا، وسَأدَّخِرُهُ لِأُمَّةٍ عَظِيمَةٍ، وفي الإنْجِيلِ: يُعْطِيكُمُ الفارِقْلِيطَ آخَرُ، يُعْطِيكم مُعَلِّمُ الدَّهْرِ كُلِّهِ، وقالَ المَسِيحُ: أنا أذْهَبُ وسَيَأْتِيكُمُ الفارِقْلِيطُ رُوحُ الحَقِّ الَّذِي لا يَتَكَلَّمُ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ ويَمْدَحُنِي ويَشْهَدُ لِي، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿يَأْمُرُهم بِالمَعْرُوفِ﴾ إلى آخِرِهِ مُتَعَلِّقًا بِـ يَجِدُونَهُ، فَيَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ عَلى سَبِيلِ التَّجَوُّزِ فَيَكُونَ حالًا مُقَدَّرَةً، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن وصْفِ النَّبِيِّ، كَأنَّهُ قِيلَ: الآمِرُ بِالمَعْرُوفِ والنّاهِي عَنِ المُنْكَرِ وكَذا وكَذا، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: يَأْمُرُهم: تَفْسِيرٌ لِما كَتَبَ مِن ذِكْرِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩]، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في يَجِدُونَهُ؛ لِأنَّ الضَّمِيرَ لِلذَّكَرِ والِاسْمِ، والِاسْمُ والذَّكَرُ لا يَأْمُرانِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعَطاءٌ: ﴿يَأْمُرُهم بِالمَعْرُوفِ﴾، أيْ: بِخَلْعِ الأنْدادِ ومَكارِمِ الأخْلاقِ وصِلَةِ الأرْحامِ، وقالَ مُقاتِلٌ: الإيمانُ؛ وقِيلَ: الحَقُّ، وقالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ ما عُرِفَ بِالشَّرْعِ، والمُنْكَرُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عِبادَةُ الأوْثانِ وقَطْعُ الأرْحامِ، وقالَ مُقاتِلٌ: الشِّرْكُ؛ وقِيلَ: الباطِلُ؛ وقِيلَ: الفَسادُ ومَبادِئُ الأخْلاقِ؛ وقِيلَ: القَوْلُ في صِفاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، والكُفْرُ بِما أنْزَلَ، وقَطْعُ الرَّحِمِ والعُقُوقُ.
﴿ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ﴾ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الخِلافِ في الطَّيِّباتِ (p-٤٠٤)فِي قَوْلِهِ: ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ﴾ [الأعراف: ١٦٠] أهِيَ الحَلالُ أوِ المُسْتَلَذُّ، وكِلاهُما قِيلَ هُنا، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ مِنَ الأشْياءِ الطَّيِّبَةِ كالشُّحُومِ وغَيْرِها، أوْ ما طابَ في الشَّرِيعَةِ، واللَّحْمُ مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ مِنَ الذَّبائِحِ، وما خَلا كَسْبُهُ مِنَ السُّحْتِ، انْتَهى؛ وقِيلَ: ما كانَتِ العَرَبُ تُحَرِّمُهُ مِنَ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ والوَصِيلَةِ والحامِ، واسْتَبْعَدَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّها المُحَلَّلاتُ، لِتَقْدِيرِهِ ويُحِلُّ لَهُمُ المُحَلَّلاتِ، قالَ: وهَذا مَحْضُ التَّكْذِيبِ، ولِخُرُوجِ الكَلامِ عَنِ الفائِدَةِ لِأنّا لا نَدْرِي ما أُحِلَّ لَنا وكَمْ هو، قالَ: بَلِ الواجِبُ أنْ يُرادَ المُسْتَطابَةُ بِحَسَبَ الطَّبْعِ؛ لِأنَّ تَناوُلَها يُفِيدُ اللَّذَّةَ، والأصْلُ في المَنافِعِ الحِلُّ، فَدَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ كُلَّ ما تَسْتَطِيبُهُ النَّفْسُ ويَسْتَلِذُّهُ الطَّبْعُ حَلالٌ إلّا ما خَرَجَ بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ.
﴿ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ قِيلَ: المُحَرَّماتُ؛ وقِيلَ: ما تَسْتَخْبِثُهُ العَرَبُ كالعَقْرَبِ والحَيَّةِ والحَشَراتِ؛ وقِيلَ: الدَّمُ والمَيْتَةُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ما في سُورَةِ المائِدَةِ إلى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكم فِسْقٌ﴾ [المائدة: ٣] .
﴿ويَضَعُ عَنْهم إصْرَهم والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ قَرَأ طَلْحَةُ: ويُذْهِبُ عَنْهم إصْرَهم، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الإصْرِ في آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ، وفَسَّرَهُ هُنا قَتادَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ والحَسَنُ وغَيْرُهم بِالثِّقْلِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: آصارَهم جَمْعُ إصْرٍ، وقُرِئَ: أُصْرَهم، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وبِضَمِّها، فَمَن جَمَعَ فَبِاعْتِبارِ مُتَعَلِّقاتِ الإصْرِ؛ إذْ هي كَثِيرَةٌ، ومَن وحَّدَ فَلِأنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، والأغْلالُ مِثْلَ لَمّا كُلِّفُوا مِنَ الأُمُورِ الصَّعْبَةِ، كَقَطْعِ مَوْضِعِ النَّجاسَةِ مِنَ الجِلْدِ والثَّوْبِ وإحْراقِ الغَنائِمِ والقِصاصِ حَتْمًا مِنَ القاتِلِ - عَمْدًا كانَ أوْ خَطَأً -، وتَرْكِ الِاشْتِغالِ يَوْمَ السَّبْتِ، وتَحْرِيمِ العُرُوقِ في اللَّحْمِ، وعَنْ عَطاءٍ: أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا إذا قامُوا إلى الصَّلاةِ لَبِسُوا المُسُوحَ وغَلَّوْا أيْدِيَهم إلى أعْناقِهِمْ، ورُبَّما ثَقَبَ الرَّجُلُ تَرْقُوَتَهُ وجَعَلَ فِيها طَرْفَ السِّلْسِلَةِ وأوْثَقَها إلى السّارِيَةِ يَحْبِسُ نَفْسَهُ عَلى العِبادَةِ، ورُوِيَ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَأى يَوْمَ السَّبْتِ رَجُلًا يَحْمِلُ قَصَبًا فَضَرَبَ عُنُقَهُ، وهَذا المَثَلُ كَما قالُوا: جَعَلْتُ هَذا طَوْقًا في عُنُقِكَ، وقالُوا طَوَّقَها طَوْقَ الحَمامَةِ، وقالَ الهُذَلِيُّ:
؎ولَيْسَ كَهَذا الدّارُ يا أُمَّ مالِكٍ ولَكِنْ أحاطَتْ بِالرِّقابِ السَّلاسِلُ
؎فَصارَ الفَتى كالكَهْلِ لَيْسَ بِقابِلٍ ∗∗∗ سِوى العَدْلِ شَيْئًا واسْتَراحَ العَواذِلُ
ولَيْسَ ثَمَّ سَلاسِلُ، وإنَّما أرادَ أنَّ الإسْلامَ ألْزَمَهُ أُمُورًا لَمْ يَكُنْ مُلْتَزِمًا لَها قَبْلَ ذَلِكَ، كَما قالَ: الإيمانُ قَيْدُ الفَتْكِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الأغْلالُ، يُرِيدُ في قَوْلِهِ: ﴿غُلَّتْ أيْدِيهِمْ﴾ [المائدة: ٦٤] فَمَن آمَنَ زالَتْ عَنْهُ الدَّعْوَةُ وتَغْلِيلُها.
﴿فالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وعَزَّرُوهُ ونَصَرُوهُ واتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ وعَزَّرُوهُ أثْنَوْا عَلَيْهِ ومَدَحُوهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَنَعُوهُ حَتّى لا يَقْوى عَلَيْهِ عَدُوٌّ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ وقَتادَةُ وسُلَيْمانُ التَّيْمِيُّ وعِيسى بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: وعَزَّزُوهُ، بِزايَيْنِ والنُّورُ: القُرْآنُ، قالَهُ قَتادَةُ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو كِنايَةٌ عَنْ جُمْلَةِ الشَّرِيعَةِ. وقِيلَ: (مَعَ) بِمَعْنى عَلَيْهِ، أيِ: الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ. وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: أُنْزِلَ مَعَ نُبُوَّتِهِ؛ لِأنَّ اسْتِنْباءَهُ كانَ مَصْحُوبًا بِالقُرْآنِ مَشْفُوعًا بِهِ، وعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ يَكُونُ العامِلُ في الظَّرْفِ أُنْزِلَ، ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ (مَعَهُ) ظَرْفًا في مَوْضِعِ الحالِ، فالعامِلُ فِيهِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: أُنْزِلَ كائِنًا مَعَهُ، وهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ، كَقَوْلِهِ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ مَعَهُ صَقْرٌ صائِدًا بِهِ غَدًا، فَحالَةُ الإنْزالِ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ لَكِنَّهُ صارَ مَعَهُ بَعْدُ، كَما أنَّ الصَّيْدَ لَمْ يَكُنْ وقْتَ المُرُورِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُعَلَّقَ بِـ اتَّبِعُوا، أيْ: واتَّبَعُوا القُرْآنَ المُنَزَّلَ مَعَ اتِّباعِ النَّبِيِّ والعَمَلِ بِسُنَّتِهِ وبِما أمَرَ بِهِ، أيْ: واتَّبِعُوا القُرْآنَ، كَما اتَّبَعَهُ مُصاحِبِينَ لَهُ في اتِّباعِهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ﴾ إلى آخِرِهِ إشارَةٌ إلى مَن آمَنَ مِن أعْيانِ بَنِي إسْرائِيلَ بِالرَّسُولِ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وغَيْرِهِ مِن أهْلِ الكِتابَيْنِ.
7:158Страница 170
قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡ جَمِيعًا ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِيِّ ٱلۡأُمِّيِّ ٱلَّذِي يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَٰتِهِۦ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ ١٥٨
Скажи: «О люди! Я - Посланник Аллаха ко всем вам. Ему принадлежит власть над небесами и землей. Нет божества, кроме Него. Он воскрешает и умерщвляет. Уверуйте же в Аллаха и в Его Посланника, неграмотного (не умеющего читать и писать) Пророка, который уверовал в Аллаха и Его Слова. Последуйте за ним, дабы вы последовали прямым путем».
(p-٤٠٥)﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ لا إلَهَ إلّا هو يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - صِفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وأخْبَرَ أنَّ مَن أدْرَكَهُ وآمَنَ بِهِ أفْلَحَ، أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ بِإشْهارِ دَعْوَتِهِ ورِسالَتِهِ إلى النّاسِ كافَّةً، والدُّعاءِ إلى الإيمانِ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وكَلِماتِهِ واتِّباعِهِ، ودَعْوَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عامَّةٌ لِلْإنْسِ والجِنِّ، قالَهُ الحَسَنُ وتَقْتَضِيهِ الأحادِيثُ، والَّذِي في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَدْحِ أوْ رَفْعٍ، وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ مَجْرُورًا صِفَةً لِلَّهِ، قالَ: وإنْ حِيلَ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ بِقَوْلِهِ: إلَيْكم، وقالَ أبُو البَقاءِ: ويَبْعُدُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلَّهِ أوْ بَدَلًا مِنهُ لِما فِيهِ مِنَ الفَصْلِ بَيْنَهُما بِـ إلَيْكم وبِالحالِ وإلَيْكم مُتَعَلِّقٌ بِـ رَسُولُ وجَمِيعًا حالٌ مِن ضَمِيرِ إلَيْكم، وهَذا الوَصْفُ يَقْتَضِي الإذْعانَ والِانْقِيادَ لِمَن أرْسَلَهُ إذْ لَهُ المُلْكُ، فَهو المُتَصَرِّفُ بِما يُرِيدُ، وفي حَصْرِ الإلَهِيَّةِ لَهُ نَفْيُ الشِّرْكَةِ؛ لِأنَّ مَن كانَ لَهُ مُلْكُ هَذا العالَمِ لا يُمْكِنُ أنْ يُشْرِكَهُ أحَدٌ، فَهو المُخْتَصُّ بِالإلَهِيَّةِ، وذَكَرَ الإحْياءَ والإماتَةَ إذْ هُما وصْفانِ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِما إلّا اللَّهُ، وهُما إشارَةٌ إلى الإيجادِ لِكُلِّ شَيْءٍ يُرِيدُهُ الإعْدامُ، والأحْسَنُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ جُمَلًا مُسْتَقِلَّةً مِن حَيْثُ الإعْرابِ وإنْ كانَتْ مُتَعَلِّقًا بَعْضُها بِبَعْضٍ مِن حَيْثُ المَعْنى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا إلَهَ إلّا هو بَدَلٌ مِنَ الصِّلَةِ الَّتِي هي ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وكَذَلِكَ ﴿يُحْيِي ويُمِيتُ﴾، وفي لا إلَهَ إلّا هو بَيانٌ لِلْجُمْلَةِ قَبْلَها لِأنَّ مَن مَلَكَ العالَمَ كانَ هو الإلَهُ عَلى الحَقِيقَةِ، وفي ﴿يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ بَيانٌ لِاخْتِصاصِهِ بِالإلَهِيَّةِ؛ لِأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى الإحْياءِ والإماتَةِ غَيْرُهُ، انْتَهى، وإبْدالُ الجُمَلِ مِنَ الجُمَلِ غَيْرِ المُشْتَرِكَةِ في عامِلٍ لا نَعْرِفُهُ، وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ في مَوْضِعِ الخَبَرِ لِأنَّ (لا إلَهَ) في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ (وإلّا هو) بَدَلٌ عَلى المَوْضِعِ، قالَ: والجُمْلَةُ أيْضًا في مَوْضِعِ الحالِ مِنِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى، انْتَهى، يَعْنِي مِن ضَمِيرِ اسْمِ اللَّهِ، وهَذا إعْرابٌ مُتَكَلَّفٌ.
﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وكَلِماتِهِ واتَّبِعُوهُ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ أمَرَهم بِالإيمانِ بِاللَّهِ، وبِهِ عَدَلَ عَنْ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ إلى الظّاهِرِ، وهو الِالتِفاتُ لِما في ذَلِكَ مِنَ البَلاغَةِ بِأنَّهُ هو النَّبِيُّ السّابِقُ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وأنَّهُ هو المَأْمُورُ بِاتِّباعِهِ المَوْجُودُ بِالأوْصافِ السّابِقَةِ، والظّاهِرُ أنَّ كَلِماتِهِ هي الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلى مَن تَقَدَّمَهُ وعَلَيْهِ، ولَمّا كانَ الإيمانُ بِاللَّهِ هو الأصْلُ يَتَفَرَّعُ عَنْهُ الإيمانُ بِالرَّسُولِ والنَّبِيِّ بَدَأ بِهِ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِالإيمانِ بِالرَّسُولِ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِالإشارَةِ إلى المُعْجِزِ الدّالِّ عَلى نُبُوَّتِهِ، وهو كَوْنُهُ أُمِّيًّا، وظَهَرَ عَنْهُ مِنَ المُعْجِزاتِ في ذاتِهِ ما ظَهَرَ مِنَ القُرْآنِ الجامِعِ لِعُلُومِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، مَعَ (p-٤٠٦)نَشْأتِهِ في بَلَدٍ عارٍ مِن أهْلِ العِلْمِ، لَمْ يَقْرَأْ كِتابًا ولَمْ يَخُطَّ ولَمْ يَصْحَبْ عالِمًا، ولا غابَ عَنْ مَكَّةَ غَيْبَةً تَقْتَضِي تَعَلُّمًا. وقِيلَ: وكَلِماتِهِ: المُعْجِزاتِ الَّتِي ظَهَرَتْ مِن خارِجِ ذاتِهِ، مِثْلَ انْشِقاقِ القَمَرِ، ونَبْعِ الماءِ مِن بَيْنِ أصابِعِهِ، وهي تُسَمّى بِكَلِماتِ اللَّهِ لَمّا كانَتْ أُمُورًا خارِقَةً غَرِيبَةً، كَما سُمِّيَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا كانَ حُدُوثُهُ أمْرًا غَرِيبًا خارِقًا - كَلِمَةً، وقَرَأ مُجاهِدٌ وعِيسى: (وكَلِمَةٍ)، وحَّدَ وأرادَ بِهِ الجَمْعَ، نَحْوُ: أصْدَقُ كَلِمَةٍ قالَتْها العَرَبُ قَوْلُ لَبِيدٍ، وقَدْ يَقُولُونَ لِلْقَصِيدَةِ: كَلِمَةٌ، وكَلِمَةُ فُلانٍ، وقالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: المُرادُ بِكَلِماتِهِ وكَلِمَتِهِ، أيْ: بِعِيسى لِقَوْلِهِ: ﴿وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ﴾ [النساء: ١٧١]؛ وقِيلَ: كَلِمَةُ كُنِ الَّتِي تَكَوَّنَ بِها عِيسى وسائِرُ المَوْجُوداتِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وآياتِهِ، بَدَلَ كَلِماتِهِ، ولَمّا أُمِرُوا بِالإيمانِ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وذَلِكَ هو الِاعْتِقادُ أُمِرُوا بِالِاتِّباعِ لَهُ فِيما جاءَ بِهِ، وهو لَفْظٌ يُدْخَلُ تَحْتَهُ جَمِيعُ التِزاماتِ الشَّرِيعَةِ، وعَلَّقَ رَجاءَ الهِدايَةِ بِاتِّباعِهِ.
7:159Страница 170
وَمِن قَوۡمِ مُوسَىٰٓ أُمَّةٞ يَهۡدُونَ بِٱلۡحَقِّ وَبِهِۦ يَعۡدِلُونَ ١٥٩
Среди народа Мусы (Моисея) есть люди, которые истинно указывают путь и устанавливают справедливость.
﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ لَمّا أمَرَ بِالإيمانِ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وأمَرَ بِاتِّباعِهِ ذَكَرَ أنَّ مِن قَوْمِ مُوسى مَن وُفِّقَ لِلْهِدايَةِ وعَدَلَ ولَمْ يَجُرْ، ولَمْ تَكُنْ لَهُ هِدايَةٌ إلّا بِاتِّباعِ شَرِيعَةِ مُوسى قَبْلَ مَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وبِاتِّباعِ شَرِيعَةِ رَسُولِ اللَّهِ بَعْدَ مَبْعَثِهِ، فَهَذا إخْبارٌ عَنْ مَن كانَ مِن قَوْمِ مُوسى بِهَذِهِ الأوْصافِ، فَكانَ المَعْنى أنَّهم كُلَّهم لَمْ يَكُونُوا ضُلّالًا بَلْ كانَ مِنهم مُهْتَدُونَ، قالَ السّائِبُ: هم قَوْمٌ مِن أهْلِ الكِتابِ آمَنُوا بِنَبِيِّنا ﷺ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأصْحابِهِ، وقالَ قَوْمٌ: هم أُمَّةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ تَمَسَّكُوا بِشَرْعِ مُوسى قَبْلَ نَسْخِهِ ولَمْ يُبَدِّلُوا ولَمْ يَقْتُلُوا الأنْبِياءَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هُمُ المُؤْمِنُونَ التّائِبُونَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا ذَكَرَ الَّذِينَ نَزَلُوا مِنهم ذَكَرَ أُمَّةً مُؤْمِنِينَ تائِبِينَ يَهْدُونَ النّاسَ بِكَلِمَةِ الحَقِّ، ويَدُلُّونَهم عَلى الِاسْتِقامَةِ ويُرْشِدُونَهم وبِالحَقِّ يَعْدِلُونَ بَيْنَهم في الحُكْمِ ولا يَجُورُونَ، أوْ أرادَ الَّذِينَ وصَفَهم مِمَّنْ أدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ وآمَنَ بِهِ مِن أعْقابِهِمُ، انْتَهى، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الجَماعَةَ الَّتِي آمَنَتْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ عَلى جِهَةِ الِاسْتِجْلابِ لِإيمانِ جَمِيعِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ وصْفَ المُؤْمِنِينَ التّائِبِينَ مِنبَنِي إسْرائِيلَ ومَنِ اهْتَدى واتَّقى وعَدَلَ، انْتَهى، وما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ وابْنِ جُرَيْجٍ: أنَّهم قَوْمٌ اغْتَرَبُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ ودَخَلُوا سِرْبًا مَشَوْا فِيهِ سَنَةً ونِصْفًا تَحْتَ الأرْضِ، حَتّى خَرَجُوا وراءَ الصِّينِ، فَهم هُناكَ يُقِيمُونَ الشَّرْعَ، في حِكاياتٍ طَوِيلَةٍ ذَكَرَها الزَّمَخْشَرِيُّ وصاحِبُ التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ يُوقِفُ عَلَيْها هُناكَ لَعَلَّهُ لا يَصِحُّ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى﴾ إشارَةٌ إلى التَّقْلِيلِ وأنَّ مُعْظَمَهم لا يَهْدِي بِالحَقِّ ولا يَعْدِلُ بِهِ وهم إلى الآنَ، كَذَلِكَ دَخَلَ في الإسْلامِ مِنَ النَّصارى عالَمٌ لا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ تَعالى، وأمّا اليَهُودُ فَقَلِيلٌ مَن آمَنَ مِنهم.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии