Абу Хайян · Тафсир · на арабском
Аль-Араф 7:54–56
7:54Страница 157
إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ يُغۡشِي ٱلَّيۡلَ ٱلنَّهَارَ يَطۡلُبُهُۥ حَثِيثٗا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتِۭ بِأَمۡرِهِۦٓۗ أَلَا لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٥٤
Воистину, ваш Господь - Аллах, Который сотворил небеса и землю за шесть дней, а затем вознесся на Трон (или утвердился на Троне). Он покрывает ночью день, который поспешно за ней следует. Солнце, луна и звезды - все они покорны Его воле. Несомненно, Он творит и повелевает. Благословен Аллах, Господь миров!
﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةٍ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى أشْياءَ مِن مَبْدَأِ خَلْقِ الإنْسانِ وأمْرِ نَبِيِّهِ، وانْقِسامِ النّاسِ إلى مُؤْمِنٍ وكافِرٍ وذِكْرِ مَعادِهِمْ وحَشْرِهِمْ إلى جَنَّةٍ ونارٍ، ذَكَرَ مَبْدَأ العالَمِ واخْتِراعَهُ والتَّنْبِيهَ عَلى الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ وكَمالِ القُدْرَةِ والعِلْمِ والقَضاءِ، ثُمَّ بَعْدُ إلى النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ إذْ مَدارُ القُرْآنِ عَلى تَقْدِيرِ المَسائِلِ الأرْبَعِ: التَّوْحِيدِ والقُدْرَةِ والمَعادِ والنُّبُوَّةِ، ورَبُّكم خِطابٌ عامٌّ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، ورَوى بَكّارُ بْنُ. . . (إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهَ) بِنَصْبِ الهاءِ عَطْفُ بَيانٍ، والظّاهِرُ أنَّهُ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ وعَلى هَذا الظّاهِرِ فَسَّرَ مُعْظَمُ النّاسِ وبَدَأ بِالخَلْقِ يَوْمَ الأحَدِ، وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «أخَذَ بِيَدِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: خَلَقَ اللَّهُ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ وخَلَقَ الجِبالَ فِيها يَوْمَ الأحَدِ وخَلَقَ الشَّجَرَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وخَلَقَ المَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلاثاءِ وخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الأرْبِعاءِ وبَثَّ فِيها الدَّوابَّ يَوْمَ الخَمِيسِ وخَلَقَ آدَمَ بَعْدَ العَصْرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ آخِرُ الخَلْقِ في آخِرِ ساعَةٍ مِن ساعاتِ يَوْمِ الجُمُعَةِ فِيما بَعْدَ العَصْرِ إلى اللَّيْلِ»، وقالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ العَبّادِيُّ:
؎قَضى لِسِتَّةِ أيّامٍ خَلِيقَتَهُ وكانَ آخِرُ يَوْمٍ صَوَّرَ الرَّجُلا
وهُوَ اخْتِيارُ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ، قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هَذا إجْماعُ أهْلِ العِلْمِ.
وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ وكَعْبٌ، والضَّحّاكُ، ومُجاهِدٌ واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ: بَدَأ بِالخَلْقِ يَوْمَ الأحَدِ. وبِهِ يَقُولُ أهْلُ التَّوْراةِ، وقِيلَ: يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وبِهِ يَقُولُ أهْلُ الإنْجِيلِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وكَعْبٌ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ: مِقْدارُ كُلِّ يَوْمٍ مِن تِلْكَ الأيّامِ ألْفُ سَنَةٍ. ولا فَرْقَ بَيْنَ خَلْقِهِ تَعالى ذَلِكَ في لَحْظَةٍ واحِدَةٍ، أوْ في مُدَدٍ مُتَوالِيَةٍ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِهِ تَعالى، وإبْداءُ مَعانٍ لِذَلِكَ كَما زَعَمَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ قَوْلٌ بِلا بُرْهانٍ فَلا نُسَوِّدُ كِتابَنا بِذِكْرِهِ وهو تَعالى المُنْفَرِدُ بِعِلْمِ ذَلِكَ، وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿فِي سِتَّةِ أيّامٍ﴾ في مِقْدارِ سِتَّةِ أيّامٍ فَلَيْسَتْ سِتَّةُ الأيّامِ أنْفُسُها وقَعَ فِيها الخَلْقُ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] والمُرادُ مِقْدارُ البُكْرَةِ والعَشِيِّ في الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ لا لَيْلَ في الجَنَّةِ ولا نَهارَ وإنَّما ذَهَبَ الذّاهِبُ إلى هَذا؛ لِأنَّهُ إنَّما يَمْتازُ اليَوْمُ عَنِ اللَّيْلَةِ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها قَبْلَ خَلْقِ الشَّمْسِ والقَمَرِ كَيْفَ يُعْقَلُ خَلْقُ الأيّامِ والَّذِي أقُولُ: إنَّهُ مَتى أمْكَنَ حَمْلُ الشَّيْءِ عَلى ظاهِرِهِ، أوْ عَلى قَرِيبٍ مَن ظاهِرِهِ كانَ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى ما لا يَشْمَلُهُ العَقْلُ، أوْ عَلى ما يُخالِفُ الظّاهِرَ جُمْلَةً وذَلِكَ بِأنْ يَجْعَلَ قَوْلَهُ: ﴿فِي سِتَّةِ أيّامٍ﴾ ظَرْفًا لِخَلْقِ الأرْضِ لا ظَرْفًا لِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ فَيَكُونُ ﴿فِي سِتَّةِ أيّامٍ﴾ مُدَّةً لِخَلْقِ الأرْضِ بِتُرْبَتِها وجِبالِها وشَجَرِها ومَكْرُوهِها ونُورِها ودَوابِّها وآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وهَذا يُطابِقُ الحَدِيثَ الثّابِتَ في الصَّحِيحِ وتَبْقى سِتَّةُ أيّامٍ عَلى ظاهِرِها مِنَ العَدَدِيَّةِ ومِن كَوْنِها أيّامًا بِاعْتِبارِ امْتِيازِ اليَوْمِ عَنِ اللَّيْلَةِ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها، وأمّا اسْتِواؤُهُ عَلى العَرْشِ فَحَمَلَهُ عَلى ظاهِرِهِ مِنَ الِاسْتِقْرارِ بِذاتِهِ عَلى العَرْشِ قَوْمٌ، والجُمْهُورُ مِنَ السَّلَفِ السُّفْيانانِ ومالِكٌ والأوْزاعِيُّ واللَّيْثُ، وابْنُ المُبارَكِ، وغَيْرُهم في أحادِيثِ الصِّفاتِ عَلى الإيمانِ بِها وإمْرارِها عَلى ما أرادَ اللَّهُ تَعالى مِن غَيْرِ تَعْيِينِ مُرادٍ، وقَوْمٌ تَأوَّلُوا ذَلِكَ عَلى عِدَّةِ تَأْوِيلاتٍ. وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: فَعَلَ فِعْلًا في العَرْشِ سَمّاهُ اسْتِواءً وعَنْ أبِي الفَضْلِ بْنِ النَّحْوِيِّ أنَّهُ قالَ: (العَرْشُ) مَصْدَرُ عَرَشَ يَعْرِشُ عَرْشًا والمُرادُ بِالعَرْشِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ هَذا، وهَذا يَنْبُو عَنْهُ ما تَقَرَّرَ في الشَّرِيعَةِ مِن أنَّهُ جِسْمٌ مَخْلُوقٌ مُعَيَّنٌ ومَسْألَةُ الِاسْتِواءِ مَذْكُورَةٌ في عِلْمِ أُصُولِ الدِّينِ، وقَدْ أمْعَنَ في تَقْرِيرِ ما يُمْكِنُ تَقْرِيرُهُ فِيها القَفّالُ، أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ وذَكَرَ ذَلِكَ في التَّحْرِيرِ فَيُطالَعُ هُناكَ ولَفْظَةُ (العَرْشِ) (p-٣٠٨)مُشْتَرِكَةٌ بَيْنَ مَعانٍ كَثِيرَةٍ، فالعَرْشُ سَرِيرُ المُلْكِ ومِنهُ: ﴿ورَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ﴾ [يوسف: ١٠٠]، ﴿نَكِّرُوا لَها عَرْشَها﴾ [النمل: ٤١]، والعَرْشُ السَّقْفُ وكُلُّ ما عَلا وأظَلَّ فَهو عَرْشٌ والعَرْشُ المُلْكُ والسُّلْطانُ والعِزُّ، وقالَ زُهَيْرٌ:
؎تَدارَكْتُما عَبْسًا وقَدْ ثُلَّ عَرْشُها ∗∗∗ وذُبْيانَ إذْ زَلَّتْ بِأقْدامِها النَّعْلُ
وقالَ آخَرُ:
؎إنْ يَقْتُلُوكَ فَقَدْ ثَلَلْتُ عُرُوشَهم ∗∗∗ بِعُتَيْبَةَ بْنِ الحارِثِ بْنِ شِهابِ
والعَرْشُ الخَشَبُ الَّذِي يُطْوى بِهِ البِئْرُ بَعْدَ أنْ يُطْوى أسْفَلُها بِالحِجارَةِ، والعَرْشُ أرْبَعَةُ كَواكِبَ صِغارٍ، أسْفَلُ مِنَ العُواءِ يُقالُ لَها: عَجُزُ الأسَدِ ويُسَمّى عَرْشَ السِّماكِ، والعَرْشُ ما يُلاقِي ظَهْرَ القَدَمِ وفِيهِ الأصابِعُ واسْتَوى أيْضًا يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى اسْتَقَرَّ وبِمَعْنى عَلا وبِمَعْنى قَصَدَ وبِمَعْنى ساوى وبِمَعْنى تَساوى، وقِيلَ: بِمَعْنى اسْتَوْلى، وأنْشَدُوا:
؎هُما اسْتَوَيا بِفَضْلِهِما جَمِيعًا ∗∗∗ عَلى عَرْشِ المُلُوكِ بِغَيْرِ زُورِ
وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ لا نَعْرِفُ اسْتَوى بِمَعْنى اسْتَوْلى والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى المَصْدَرِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ خَلَقَ، ثُمَّ اسْتَوى خَلْقُهُ عَلى العَرْشِ، وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] لا يَتَعَيَّنُ حَمْلُ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ اسْتَوى عَلى الرَّحْمَنِ إذْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الرَّحْمَنُ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والضَّمِيرُ في ﴿اسْتَوى﴾ عائِدٌ عَلى الخَلْقِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَّماواتِ العُلا﴾ [طه: ٤]، أيْ: هو الرَّحْمَنُ اسْتَوى خَلْقُهُ عَلى العَرْشِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضَ ذَكَرَ خَلْقَ ما هو أكْبَرُ وأعْظَمُ وأوْسَعُ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ ومَعَ الِاحْتِمالِ في العَرْشِ وفي اسْتَوى وفي الضَّمِيرِ العائِدِ لا يَتَعَيَّنُ حَمْلُ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها هَذا مَعَ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ الَّتِي أقامُوها عَلى اسْتِحالَةِ ذَلِكَ. وقالَ الحَسَنُ اسْتَوى أمْرُهُ وسَألَ مالِكَ بْنَ أنَسٍ رَجُلٌ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: كَيْفَ اسْتَوى فَأطْرَقَ رَأْسَهُ مَلِيًّا وعَلَتْهُ الرُّحَضاءُ، ثُمَّ قالَ: الِاسْتِواءُ مَعْلُومٌ والكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ والإيمانُ بِهِ واجِبٌ والسُّؤالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ وما أظُنُّكَ إلّا ضالًّا. ثُمَّ أمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ.
﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ التَّغْشِيَةُ التَّغْطِيَةُ، والمَعْنى: أنَّهُ يُذْهِبُ اللَّيْلُ نُورَ النَّهارِ لِيَتِمَّ قِوامُ الحَياةِ في الدُّنْيا بِمَجِيءِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، فاللَّيْلُ لِلسُّكُونِ، والنَّهارُ لِلْحَرَكَةِ وفَحْوى الكَلامِ يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّهارَ يُغْشِيهِ اللَّهُ اللَّيْلَ، وهُما مَفْعُولانِ؛ لِأنَّ التَّضْعِيفَ والهَمْزَةَ مُعَدِّيانِ، وقَرَأ بِالتَّضْعِيفِ الأخَوانِ، وأبُو بَكْرٍ وبِإسْكانِ الغَيْنِ باقِي السَّبْعَةِ (p-٣٠٩)وبِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الغَيْنِ، وفَتْحِ الشِّينِ وضَمِّ اللّامِ حُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ، كَذا قالَ عَنْهُ أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ، وقالَ أبُو الفَتْحِ عُثْمانُ بْنُ جِنِّي عَنْ حُمَيْدٍ بِنَصْبِ (اللَّيْلَ) ورَفْعِ (النَّهارُ)، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأبُو الفَتْحِ أثْبَتُ. انْتَهى. وهَذا الَّذِي قالَهُ مِن أنَّ أبا الفَتْحِ أثْبَتُ كَلامٌ لا يَصِحُّ، إذْ رُتْبَةُ أبِي عَمْرٍو الدّانِيِّ في القِراءاتِ ومَعْرِفَتِها وضَبْطِ رِواياتِها واخْتِصاصُهُ بِذَلِكَ بِالمَكانِ الَّذِي لا يُدانِيهِ أحَدٌ مِن أئِمَّةِ القِراءاتِ فَضْلًا عَنِ النُّحاةِ الَّذِينَ لَيْسُوا مُقْرِئِينَ، ولا رَوَوُا القُرْآنَ عَنْ أحَدٍ ولا رُوِيَ عَنْهُمُ القُرْآنُ هَذا مَعَ الدِّيانَةِ الزّائِدَةِ والتَّثَبُّتِ في النَّقْلِ وعَدَمِ التَّجاسُرِ ووُفُورِ الحَظِّ مِنَ العَرَبِيَّةِ فَقَدْ رَأيْتُ لَهُ كِتابًا في كَلّا، وكِتابًا في إدْغامِ أبِي عَمْرٍو الكَبِيرِ دَلّا عَلى اطِّلاعِهِ عَلى ما لا يَكادُ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أئِمَّةُ النُّحاةِ ولا المُقْرِئِينَ إلى سائِرِ تَصانِيفِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ والَّذِي نَقَلَهُ أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ عَنْ حُمَيْدٍ أمْكَنُ مِن حَيْثُ المَعْنى؛ لِأنَّ ذَلِكَ مُوافِقٌ لِقِراءَةِ الجَماعَةِ إذِ اللَّيْلُ في قِراءَتِهِمْ وإنْ كانَ مَنصُوبًا هو الفاعِلُ مِن حَيْثُ المَعْنى إذْ هَمْزَةُ النَّقْلِ، أوِ التَّضْعِيفُ صَيَّرَهُ مَفْعُولًا ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا مِن حَيْثُ المَعْنى؛ لِأنَّ المَنصُوبَيْنِ تَعَدّى إلَيْهِما الفِعْلُ، وأحَدُهُما فاعِلٌ مِن حَيْثُ المَعْنى فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ مِنهُما كَما لَزِمَ ذَلِكَ في مَلَّكْتُ زَيْدًا عَمْرًا إذْ رُتْبَةُ التَّقْدِيمِ هي المُوَضِّحَةُ أنَّهُ الفاعِلُ مِن حَيْثُ المَعْنى كَما لَزِمَ ذَلِكَ في ضَرَبَ مُوسى عِيسى. والجُمْلَةُ مِن يَطْلُبُهُ حالٌ مِنَ الفاعِلِ مِن حَيْثُ المَعْنى وهو اللَّيْلُ، إذْ هو المُحَدَّثُ عَنْهُ قَبْلَ التَّعْدِيَةِ وتَقْدِيرُهُ حاثًّا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ النَّهارِ وتَقْدِيرُهُ مَحْثُوثًا، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: طَلَبًا حَثِيثًا، أيْ: حَثًّا، أوْ مُحِثًّا ونِسْبَةُ الطَّلَبِ إلى اللَّيْلِ مَجازِيَّةٌ، وهو عِبارَةٌ عَنْ تَعاقُبِهِ اللّازِمِ فَكَأنَّهُ طالِبٌ لَهُ لا يُدْرِكُهُ، بَلْ هو في إثْرِهِ بِحَيْثُ يَكادُ يُدْرِكُهُ وقَدَّمَ اللَّيْلَ هُنا كَما قَدَّمَهُ في ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ﴾ [الحج: ٦١] وفي ﴿ولا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ﴾ [يس: ٤٠] وفي ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنعام: ١]، وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: وصَفَ هَذِهِ الحَرَكَةَ بِالسُّرْعَةِ والشِّدَّةِ؛ لِأنَّ تَعاقُبَ اللَّيْلِ والنَّهارِ يَحْصُلُ بِحَرَكَةِ الفَلَكِ الأعْظَمِ وتِلْكَ الحَرَكَةُ أشَدُّ الحَرَكاتِ سُرْعَةً وأكْمَلُها شِدَّةً حَتّى إنَّ الباحِثِينَ عَنْ أحْوالِ المَوْجُوداتِ قالُوا: الإنْسانُ إذا كانَ في العَدْوِ الشَّدِيدِ الكامِلِ قَبْلَ أنْ يَرْفَعَ رِجْلَهُ ويَضَعَها يَتَحَرَّكُ الفَلَكُ الأعْظَمُ ثَلاثَةَ آلافِ مِيلٍ، ولِهَذا قالَ: ﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ ونَظِيرُهُ ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها﴾ [يس: ٤٠] الآيَةَ شَبَّهَ ذَلِكَ المَسِيرَ وتِلْكَ الحَرَكَةِ بِالسِّباحَةِ في الماءِ والمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلى السُّرْعَةِ والسُّهُولَةِ وكَمالِ الِاتِّصالِ. انْتَهى وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ.
﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ﴾ انْتَصَبَ ﴿مُسَخَّراتٍ﴾ عَلى الحالِ مِنَ المَجْمُوعِ، أيْ: وخَلَقَ الشَّمْسَ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِالرَّفْعِ في الأرْبَعَةِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ، وقَرَأ أبانُ بْنُ ثَعْلَبٍ بِرَفْعِ ﴿والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ﴾ فَقَطْ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ، ومَعْنى (بِأمْرِهِ) بِمَشِيئَتِهِ وتَصْرِيفِهِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِمُسَخَّراتٍ، أيْ: خَلَقَهُنَّ جارِياتٍ بِمُقْتَضى حِكْمَتِهِ وتَدْبِيرِهِ، وكَما يُرِيدُ أنْ يَصْرِفَها، سُمِّي ذَلِكَ أمْرًا عَلى التَّشْبِيهِ كَأنَّهُنَّ مَأْمُوراتٌ بِذَلِكَ، وقالَأبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ الشَّمْسُ لَها نَوْعانِ مِنَ الحَرَكَةِ أحَدُهُما بِحَسَبِ ذاتِها وذَلِكَ يَتِمُّ في سَنَةٍ كامِلَةٍ، وبِسَبَبِ ذَلِكَ تَحْصُلُ السُّنَّةُ، والثّانِي حَرَكَتُها بِحَسَبِ حَرَكَةِ الفَلَكِ الأعْظَمِ ويَتِمُّ في اليَوْمِ بِلَيْلَتِهِ، فَتَقُولُ اللَّيْلُ والنَّهارُ لا (p-٣١٠)يَحْصُلانِ بِحَرَكَةِ الشَّمْسِ وإنَّما يَحْصُلانِ بِحَرَكَةِ السَّماءِ الأقْصى الَّذِي يُقالُ لَهُ العَرْشُ فَلِهَذا السَّبَبِ لَمّا دَلَّ عَلى العَرْشِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ ورَبَطَ بِقَوْلِهِ: ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ﴾ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الفَلَكَ الأعْظَمَ وهو العَرْشُ يُحَرِّكُ الأفْلاكَ والكَواكِبَ عَلى خِلافِ طَبْعِها مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، وأنَّهُ تَعالى أوْدَعَ في جِرْمِ الشَّمْسِ قُوَّةً قاهِرَةً بِاعْتِبارِها قَوِيَتْ عَلى قَهْرِ جَمِيعِ الأفْلاكِ والكَواكِبِ وتَحْرِيكِها عَلى خِلافِ مُقْتَضى طَبائِعِها فَهَذِهِ أبْحاثٌ مَعْقُولَةٌ ولَفْظُ القُرْآنِ مُشْعِرٌ بِها والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ. انْتَهى.
وتَكَلَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ﴾ كَلامًا كَثِيرًا هو مِن عِلْمِ الهَيْئَةِ وهو عِلْمٌ لَمْ نَنْظُرْ فِيهِ قالَ: أرْبابُهُ وهو عِلْمٌ شَرِيفٌ يُطَّلَعُ فِيهِ عَلى جُزْئِيّاتٍ غَرِيبَةٍ مِن صَنْعَةِ اللَّهِ تَعالى يَزْدادُ بِها إيمانُ المُؤْمِنِ إذِ المَعْرِفَةُ بِجُزْئِيّاتِ الأشْياءِ وتَفاصِيلِها لَيْسَتْ كالمَعْرِفَةِ بِجُمْلَتِها، وقِيلَ: ﴿بِأمْرِهِ﴾، أيْ: بِنَفاذِ إرادَتِهِ إذِ المَقْصُودُ تَبْيِينُ عَظِيمِ قُدْرَتِهِ لِقَوْلِهِ: ﴿ائْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ [فصلت: ١١] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ﴾ [النحل: ٤٠] . وقِيلَ: الأمْرُ هو الكَلامُ.
7:55Страница 157
ٱدۡعُواْ رَبَّكُمۡ تَضَرُّعٗا وَخُفۡيَةًۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ ٥٥
Взывайте к Господу своему со смирением и в тайне. Воистину, Он не любит преступников.
﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ الظّاهِرُ أنَّ الدُّعاءَ هو مُناجاةُ اللَّهِ بِنِدائِهِ لِطَلَبِ أشْياءَ ولِدَفْعِ أشْياءَ، وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى اعْبُدُوا وانْتَصَبَ ﴿تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ عَلى الحالِ، أيْ: مُتَضَرِّعِينَ ومُخْفِينَ، أوْ ذَوِي تَضَرُّعٍ واخْتِفاءٍ في دُعائِكم وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إنَّكم لَسْتُمْ تَدْعُونَ أصَمَّ ولا غائِبًا إنَّكم تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا» وكانَ الصَّحابَةُ حِينَ أخْبَرَهُمُ الرَّسُولُ بِذَلِكَ قَدْ جَهَرُوا بِالذِّكْرِ أمَرَ تَعالى بِالدُّعاءِ مَقْرُونًا بِالتَّذَلُّلِ والِاسْتِكانَةِ والِاخْتِفاءِ إذْ ذاكَ أدْعى لِلْإجابَةِ وأبْعَدُ عَنِ الرِّياءِ، والدُّعاءُ خُفْيَةً أفْضَلُ مِنَ الجَهْرِ ولِذَلِكَ أثْنى اللَّهُ عَلى زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقالَ: ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٣] وفي الحَدِيثِ: «خَيْرُ الذِّكْرِ الخَفِيُّ» وقَواعِدُ الشَّرِيعَةِ مُقَرِّرَةٌ أنَّ السِّرَّ فِيما لَمْ يُفْتَرَضْ مِن أعْمالِ البِرِّ أعْظَمُ أجْرًا مِنَ الجَهْرِ. قالَ الحَسَنُ: أدْرَكْنا أقْوامًا ما كانَ عَلى الأرْضِ عَمَلٌ يُقَدِّرُونَ أنْ يَكُونَ سِرًّا فَيَكُونُ جَهْرًا أبَدًا ولَقَدْ كانَ المُسْلِمُونَ يَجْتَهِدُونَ في الدُّعاءِ ولا يُسْمَعُ لَهم صَوْتٌ إنْ (p-٣١١)هُوَ إلّا الهَمْسُ بَيْنَهم وبَيْنَ رَبِّهِمْ. انْتَهى ولَوْ عاشَ الحَسَنُ إلى هَذا الزَّمانِ العَجِيبِ الَّذِي ظَهَرَ فِيهِ ناسٌ يَتَسَمَّوْنَ بِالمَشايِخِ يَلْبَسُونَ ثِيابَ شُهْرَةٍ عِنْدَ العامَّةِ بِالصَّلاحِ ويَتْرُكُونَ الِاكْتِسابَ ويُرَتِّبُونَ لَهم أذْكارًا لَمْ تَرِدْ في الشَّرِيعَةِ يَجْهَرُونَ بِها في المَساجِدِ ويَجْمَعُونَ لَهم خُدّامًا يَجْلِبُونَ النّاسَ إلَيْهِمْ لِاسْتِخْدامِهِمْ ونَتْشِ أمْوالِهِمْ ويُذِيعُونَ عَنْهم كَراماتٍ ويَرَوْنَ لَهم مَناماتٍ يُدَوِّنُونَها في أسْفارٍ ويَحُضُّونَ عَلى تَرْكِ العِلْمِ والِاشْتِغالِ بِالسُّنَّةِ ويَرَوْنَ الوُصُولَ إلى اللَّهِ بِأُمُورٍ يُقَرِّرُونَها مِن خَلَواتٍ وأذْكارٍ لَمْ يَأْتِ بِها كِتابٌ مُنَزَّلٌ ولا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، ويَتَعاظَمُونَ عَلى النّاسِ بِالِانْفِرادِ عَلى سَجّادَةٍ ونَصْبِ أيْدِيهِمْ لِلتَّقْبِيلِ وقِلَّةِ الكَلامِ وإطْراقِ الرُّءُوسِ وتَعْيِينِ خادِمٍ يَقُولُ: الشَّيْخُ مَشْغُولٌ في الخَلْوَةِ، رَسَمَ الشَّيْخُ، قالَ الشَّيْخُ رَأى الشَّيْخُ، الشَّيْخُ نَظَرَ إلَيْكَ، الشَّيْخُ كانَ البارِحَةَ يَذْكُرُكَ إلى نَحْوٍ مِن هَذِهِ الألْفاظِ الَّتِي يَخُشُّونَ بِها عَلى العامَّةِ ويَجْلِبُونَ بِها عُقُولَ الجَهَلَةِ هَذا إنْ سَلِمَ الشَّيْخُ وخادِمُهُ مِنَ الِاعْتِقادِ الَّذِي غَلَبَ الآنَ عَلى مُتَصَوِّفَةِ هَذا الزَّمانِ مِنَ القَوْلِ بِالحُلُولِ، أوِ القَوْلِ بِالوَحْدَةِ فَإذْ ذاكَ يَكُونُ مُنْسَلِخًا عَنْ شَرِيعَةِ الإسْلامِ بِالكُلِّيَّةِ والتَّعَجُّبِ لِمِثْلِ هَؤُلاءِ كَيْفَ تُرَتَّبُ لَهُمُ الرَّواتِبُ وتُبْنى لَهُمُ الرُبُطُ وتُوقَفُ عَلَيْها الأوْقافُ ويَخْدِمُهُمُ النّاسُ في عِرْوِهِمْ عَنْ سائِرِ الفَضائِلِ ولَكِنَّ النّاسَ أقْرَبُ إلى أشْباهِهِمْ مِنهم إلى غَيْرِ أشْباهِهِمْ، وقَدْ أطَلْنا في هَذا رَجاءَ أنْ يَقِفَ عَلَيْهِ مُسْلِمٌ فَيَنْتَفِعَ بِهِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ بِكَسْرِ ضَمَّةِ الخاءِ، وهُما لُغَتانِ ويَظْهَرُ ذَلِكَ مِن كَلامِ أبِي عَلِيٍّ ولا يَتَأتّى إلّا عَلى ادِّعاءِ القَلْبِ وهو خِلافُ الأصْلِ ونَقَلَ ابْنُ سِيدَهْ في المُحْكَمِ أنَّ فِرْقَةً قَرَأتْ (وخِيفَةً) مِنَ الخَوْفِ، أيِ: ادْعُوهُ بِاسْتِكانَةٍ وخَوْفٍ. وقالَ أبُو حاتِمٍ قَرَأها الأعْمَشُ فِيما زَعَمُوا.
﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ”إنَّ اللَّهَ“ جَعَلَ مَكانَ المُضْمَرِ المُظْهَرَ، وهَذا اللَّفْظُ عامٌّ يَدْخُلُ فِيهِ أوَّلًا الدُّعاءُ عَلى غَيْرِ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ مِن عَدَمِ التَّضَرُّعِ وعَدَمِ الخُفْيَةِ بِأنْ يَدْعُوَهُ وهو مُلْتَبِسٌ بِالكِبْرِ والزَّهْوِ، أوْ أنَّ ذَلِكَ دَأْبُهُ في المَواعِيدِ والمَدارِسِ فَصارَ ذَلِكَ لَهُ صَنْعَةً وعادَةً فَلا يَلْحَقُهُ تَضَرُّعٌ ولا تَذَلُّلٌ وبِأنْ يَدْعُوهُ بِالجَهْرِ البَلِيغِ والصِّياحِ، كَدُعاءِ النّاسِ عِنْدَ الِاجْتِماعِ في المَشاهِدِ والمَزاراتِ، وقالَ العُلَماءُ: الِاعْتِداءُ في الدُّعاءِ عَلى وُجُوهٍ مِنها: الجَهْرُ الكَثِيرُ والصِّياحُ، وأنْ يَدْعُوَ أنْ يَكُونَ لَهُ مَنزِلَةُ نَبِيٍّ، وأنْ يَدْعُوَ بِمُحالٍ ونَحْوِهِ مِنَ الشَّطَطِ، وأنْ يَدْعُوَ طالِبُ مَعْصِيَةٍ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ والكَلْبِيُّ: الِاعْتِداءُ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالدُّعاءِ وعَنْهُ الصِّياحُ في الدُّعاءِ مَكْرُوهٌ وبِدْعَةٌ، وقِيلَ: هو الإسْهابُ في الدُّعاءِ قالَ القُرْطُبِيُّ، وقَدْ ذَكَرَ وُجُوهًا مِنَ الِاعْتِداءِ في الدُّعاءِ قالَ: ومِنها أنْ يَدْعُوَ بِما لَيْسَ في الكِتابِ العَزِيزِ ولا في السُّنَّةِ فَيَتَخَيَّرُ ألْفاظًا مُقَفّاةً وكَلِماتٍ مُسَجَّعَةً، وقَدْ وجَدَها في كَرارِيسَ لِهَؤُلاءِ يَعْنِي المَشايِخَ لا مُعَوَّلَ عَلَيْها فَيَجْعَلُها شِعارَهُ يَتْرُكُ ما دَعا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ، وكُلُّ هَذا يَمْنَعُ مِنِ اسْتِجابَةِ الدُّعاءِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: الِاعْتِداءُ في الدُّعاءِ أنْ يَدْعُوَ عَلى المُؤْمِنِينَ بِالخِزْيِ والشِّرْكِ واللَّعْنَةِ، وفي سُنَنِ ابْنِ ماجَهْ أنَّ «عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ سَمِعَ ابْنَهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ القَصْرَ الأبْيَضَ عَنْ يَمِينِ الجَنَّةِ إذا دَخَلْتُها فَقالَ: أيْ بُنَيَّ سَلِ اللَّهَ الجَنَّةَ وعُذْ بِهِ مِنَ النّارِ فَإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: سَيَكُونُ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ في الدُّعاءِ» . زادَ ابْنُ عَطِيَّةَ والزَّمَخْشَرِيُّ في هَذا الحَدِيثِ «وحَسْبُ المَرْءِ أنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ الجَنَّةَ وما قَرَّبَ إلَيْها مِن قَوْلٍ وعَمَلٍ وأعُوذُ بِكَ مِنَ النّارِ وما قَرَّبَ إلَيْها مِن قَوْلٍ وعَمَلٍ، ثُمَّ قَرَأ ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾» .
7:56Страница 157
وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا وَٱدۡعُوهُ خَوۡفٗا وَطَمَعًاۚ إِنَّ رَحۡمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ مِّنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٥٦
Не распространяйте нечестия на земле после того, как она приведена в порядок. Взывайте к Нему со страхом и надеждой. Воистину, милость Аллаха близка к творящим добро.
﴿ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها﴾ . هَذا نَهْيٌ عَنْ إيقاعِ الفَسادِ في الأرْضِ وإدْخالِ ماهِيَّتِهِ في الوُجُودِ فَيَتَعَلَّقُ بِجَمِيعِ أنْواعِهِ مِن (p-٣١٢)إيقاعِ الفَسادِ في الأرْضِ وإدْخالِ ماهِيَّتِهِ في الوُجُودِ فَيَتَعَلَّقُ بِجَمِيعِ أنْواعِهِ مِن إفْسادِ النُّفُوسِ والأنْسابِ والأمْوالِ والعُقُولِ والأدْيانِ ومَعْنى (بَعْدَ إصْلاحِها) بَعْدَ أنْ أصْلَحَ اللَّهُ خَلْقَها عَلى الوَجْهِ المُلائِمِ لِمَنافِعِ الخَلْقِ ومَصالِحِ المُكَلَّفِينَ، وما رُوِيَ عَنِ المُفَسِّرِينَ مِن تَعْيِينِ نَوْعِ الإفْسادِ والإصْلاحِ يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى التَّمْثِيلِ إذِ ادِّعاءُ تَخْصِيصِ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ كالظُّلْمِ بَعْدَ العَدْلِ، أوِ الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ، أوِ المَعْصِيَةِ بَعْدَ الطّاعَةِ، أوْ بِالمَعْصِيَةِ فَيُمْسِكُ اللَّهُ المَطَرَ ويُهْلِكُ الحَرْثَ بَعْدَ إصْلاحِها بِالمَطَرِ والخِصْبِ، أوْ يَقْتُلُ المُؤْمِنَ بَعْدَ بَقائِهِ، أوْ بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ بَعْدَ الوَحْيِ، أوْ بِتَغْوِيرِ الماءِ المَعِينِ وقَطْعِ الشَّجَرِ والثَّمَرِ ضِرارًا، أوْ بِقَطْعِ الدَّنانِيرِ والدَّراهِمِ، أوْ بِتِجارَةِ الحُكّامِ، أوْ بِالإشْراكِ بِاللَّهِ بَعْدَ بِعْثَةِ الرُّسُلِ وتَقْرِيرِ الشَّرائِعِ وإيضاحِ المِلَّةِ.
﴿وادْعُوهُ خَوْفًا وطَمَعًا﴾ لَمّا كانَ الدُّعاءُ مِنَ اللَّهِ بِمَكانٍ كَرَّرَهُ فَقالَ أوَلًا ﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] وهاتانِ الحالَتانِ مِنَ الأوْصافِ الظّاهِرَةِ؛ لِأنَّ الخُشُوعَ والِاسْتِكانَةَ وإخْفاءَ الصَّوْتِ لَيْسَتْ مِنَ الأفْعالِ القَلْبِيَّةِ، أيْ: وجِلِينَ مُشْفِقِينَ وراجِينَ مُؤَمِّلِينَ فَبَدَأ أوَّلًا بِأفْعالِ الجَوارِحِ، ثُمَّ ثانِيًا بِأفْعالِ القُلُوبِ، وانْتَصَبَ خَوْفًا وطَمَعًا عَلى أنَّهُما مَصْدَرانِ في مَوْضِعِ الحالِ، أوِ انْتِصابُ المَفْعُولِ لَهُ وعَطْفُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الخَوْفُ والرَّجاءُ مُتَساوِيَيْنِ لِيَكُونا لِلْإنْسانِ كالجَناحَيْنِ لِلطّائِرِ يَحْمِلانِهِ في طَرِيقِ اسْتِقامَةٍ فَإنِ انْفَرَدَ أحَدُهُما هَلَكَ الإنْسانُ، وقَدْ قالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: يَنْبَغِي أنْ يَغْلِبَ الخَوْفُ الرَّجاءَ عَلى طُولِ الحَياةِ فَإذا جاءَ المَوْتُ غَلَبَ الرَّجاءُ ورَأى كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ أنْ يَكُونَ الخَوْفُ أغْلَبَ ومِنهُ تَمَنِّي الحَسَنِ البَصْرِيِّ أنْ يَكُونَ الرَّجُلُ الَّذِي هو آخِرُ مَن يَدْخَلُ الجَنَّةَ وتَمَنّى سالِمٌ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ أنْ يَكُونَ مِن أصْحابِ الأعْرافِ؛ لِأنَّ مَذْهَبَهُ أنَّهم مُذْنِبُونَ، وسالِمٌ هَذا مِن رُتْبَةِ الدِّينِ والفَضْلِ بِحَيْثُ قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ كَلامًا مَعْناهُ: لَوْ كانَ سالِمٌ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ حَيًّا لَوَلَّيْتُهُ الخِلافَةَ. وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ المَعْنى خَوْفًا مِنَ الرَّدِّ وطَمَعًا في الإجابَةِ.
﴿إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَقَوْلِهِ: ﴿وإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ [طه: ٨٢]، انْتَهى. يَعْنِي أنَّ الرَّحْمَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالمُحْسِنِ وهو مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا وهَذا كُلُّهُ حَمْلُ القُرْآنِ وإنَّما عَلى مَذْهَبِهِ مِنَ الِاعْتِزالِ، والرَّحْمَةُ مُؤَنَّثَةٌ فَقِياسُها أنْ يُخْبِرَ عَنْها إخْبارَ (p-٣١٣)المُؤَنَّثِ فَيُقالُ قَرِيبَةٌ، فَقِيلَ: ذُكِرَ عَلى المَعْنى لِأنَّ الرَّحْمَةَ بِمَعْنى الرَّحِمِ والتَّرَحُّمِ، وقِيلَ: ذُكِرَ لِأنَّ الرَّحْمَةَ بِمَعْنى الغُفْرانِ والعَفْوِ. قالَهُ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ واخْتارَهُ الزَّجّاجُ، وقِيلَ بِمَعْنى المَطَرِ قالَهُ الأخْفَشُ أوِ الثَّوابِ قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، فالرَّحْمَةُ في هَذِهِ الأقْوالِ بَدَلٌ عَنْ مُذَكَّرٍ. وقِيلَ: التَّذْكِيرُ عَلى طَرِيقِ النَّسَبِ، أيْ ذاتُ قُرْبٍ، وقِيلَ: قَرِيبٌ نَعْتٌ لِمُذَكَّرٍ مَحْذُوفٍ أيْ شَيْءٌ قَرِيبٌ، وقِيلَ: قَرِيبٌ مُشَبَّهٌ بِفَعِيلٍ الَّذِي هو بِمَعْنى مَفْعُولٍ، نَحْوُ خَصِيبٍ وجَرِيحٍ كَما شُبِّهَ فَعِيلٌ بِهِ فَقِيلَ شَيْئًا مِن أحْكامِهِ فَقِيلَ: في جَمْعِهِ فُعَلاءُ كَأسِيرٍ وأُسَراءٍ وقَتِيلٍ وقُتَلاءٍ كَما قالُوا: رَحِيمٌ ورُحَماءٌ وعَلِيمٌ وعُلَماءٌ، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ جاءَ عَلى فَعِيلٍ كالضَّغِيثِ وهو صَوْتُ الأرْنَبِ والنَّقِيقِ، وإذا كانَ مَصْدَرًا صَحَّ أنْ يُخْبَرَ بِهِ عَنِ المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ والمُفْرَدِ والمُثَنّى والمَجْمُوعِ بِلَفْظِ المَصْدَرِ، وقِيلَ لِأنَّ تَأْنِيثَ الرَّحْمَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ قالَهُالجَوْهَرِيُّ، وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ إلّا مَعَ تَقْدِيمِ الفِعْلِ أمّا إذا تَأخَّرَ فَلا يَجُوزُ إلّا التَّأْنِيثُ تَقُولُ: الشَّمْسُ طالِعَةٌ ولا يَجُوزُ طالِعٌ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ بِخِلافِ التَّقْدِيمِ، فَيَجُوزُ أطالِعَةٌ الشَّمْسُ وأطالِعٌ الشَّمْسُ، كَما يَجُوزُ طَلَعَتِ الشَّمْسُ وطَلَعَ الشَّمْسُ، ولا يَجُوزُ طَلَعَ إلّا في الشِّعْرِ، وقِيلَ: فَعِيلٌ هُنا بِمَعْنى المَفْعُولِ أيْ مُقَرَّبَةٌ فَيَصِيرُ مِن بابِ كَفٍّ خَضِيبٍ وعَيْنٍ كَحِيلٍ قالَهُ الكِرْمانِيُّ، ولَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأنَّ ما ورَدَ مِن ذَلِكَ إنَّما هو مِنَ الثُّلاثِيِّ غَيْرِ المَزِيدِ وهَذا بِمَعْنى مُقَرَّبَةٍ فَهو مِنَ الثُّلاثِيِّ المَزِيدِ ومَعَ ذَلِكَ فَهو لا يَنْقاسُ، وقالَ الفَرّاءُ إذا اسْتُعْمِلَ في النَّسَبِ والقَرابَةِ فَهو مَعَ المُؤَنَّثِ بِتاءٍ، ولا بُدَّ تَقُولُ هَذِهِ قَرِيبَةُ فُلانٍ وإنِ اسْتُعْمِلَتْ في قُرْبِ المَسافَةِ أوِ الزَّمَنِ فَقَدْ تَجِيءُ مَعَ المُؤَنَّثِ بِتاءٍ وقَدْ تَجِيءُ بِغَيْرِ تاءٍ تَقُولُ: دارُكَ مِنِّي قَرِيبٌ، وفُلانَةٌ مِنّا قَرِيبٌ ومِنهُ هَذا، وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎عَشِيَّةَ لا عَفْراءُ مِنكَ قَرِيبَةٌ فَتَدْنُو ولا عَفْراءُ مِنكَ بَعِيدُ
فَجَمَعَ في هَذا البَيْتِ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ في كِتابِهِ وقَدْ مَرَّ في كُتُبِ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ مُغَيَّرًا انْتَهى. ورَدَّ الزَّجّاجُ وقالَ هَذا عَلى الفَرّاءِ هَذا خَطَأٌ لِأنَّ سَبِيلَ المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ أنْ يَجْرِيا عَلى أفْعالِهِما وقالَ مَنِ احْتَجَّ لَهُ هَذا كَلامُ العَرَبِ، قالَ تَعالى: ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب: ٦٣] . وقالَ الشّاعِرُ:
؎لَهُ الوَيْلُ إنْ أمْسى ولا أُمُّ هاشِمٍ ∗∗∗ قَرِيبٌ ولا البَسْباسَةُ اِبْنَةُ يَشْكُرا
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ (قَرِيبٌ) في الآيَةِ لَيْسَ بِصِفَةٍ لِلرَّحْمَةِ وإنَّما هو ظَرْفٌ لَها ومَوْضِعٌ فَتَجِيءُ هَكَذا في المُؤَنَّثِ والِاثْنَيْنِ والجَمْعِ وكَذَلِكَ بِعِيدٌ فَإنْ جَعَلُوها صِفَةً بِمَعْنى مُقْتَرِبَةٍ قالُوا قَرِيبَةٌ وقَرِيبَتانِ وقَرِيباتُ. قالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ وهَذا خَطَأٌ ولَوْ كانَ كَما قالَ لَكانَ قَرِيبٌ مَنصُوبًا كَما تَقُولُ إنَّ زَيْدًا قَرِيبًا مِنكَ انْتَهى ولَيْسَ بِخَطَأٍ لِأنَّهُ يَكُونُ قَدِ اتَّسَعَ في الظَّرْفِ فاسْتَعْمَلَهُ غَيْرَ ظَرْفٍ كَما تَقُولُ هِنْدٌ خَلْفَكَ وفاطِمَةٌ أمامُكَ بِالرَّفْعِ إذا اتَّسَعْتَ في الخَلْفِ والأمامِ وإنَّما يَلْزَمُ النَّصْبُ إذا بَقِيَتا عَلى الظَّرْفِيَّةِ ولَمْ يَتَّسِعْ فِيهِما، وقَدْ أجازُوا أنَّ قَرِيبًا مِنكَ زَيْدٌ عَلى أنْ يَكُونَ (قَرِيبًا) اسْمَ إنَّ و(زَيْدٌ) الخَبَرَ فاتُّسِعَ في قَرِيبٍ (p-٣١٤)واسْتُعْمِلَ اسْمًا لا مَنصُوبًا عَلى الظَّرْفِ، والظّاهِرُ عَدَمُ تَقْيِيدِ قُرْبِ الرَّحْمَةِ مِنَ المُحْسِنِ بِزَمانٍ بَلْ هي قَرِيبٌ مِنهُ مُطْلَقًا وذَكَرَ الطَّبَرِيُّ أنَّهُ وقْتَ مُفارَقَةِ الأرْواحِ لِلْأجْسادِ تَنالُهُمُ الرَّحْمَةُ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии