Абу ХайянАль‑Анфаль · 8:41–51

Абу Хайян · Тафсир · на арабском

Аль-Анфаль 8:41–51, продолжение

﴿ولَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ في المِيعادِ ولَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيى مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وإنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ كانَ الِالتِقاءُ عَلى غَيْرِ مِيعادٍ. قالَ مُجاهِدٌ: أقْبَلَ أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ مِنَ الشّامِ تُجّارًا لَمْ يَشْعُرُوا بِأصْحابِ بَدْرٍ، ولَمْ يَشْعُرْ أصْحابُ مُحَمَّدٍ بِكُفّارِ قُرَيْشٍ، ولا كُفّارُ قُرَيْشٍ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وأصْحابِهِ، حَتّى التَقَوْا عَلى ماءِ بَدْرٍ لِلسَّقْيِ كُلُّهم فاقْتَتَلُوا، فَغَلَبَهم أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ فَأسَرُوهم، قالَ الطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُ: المَعْنى لَوْ تَواعَدْتُمْ عَلى الِاجْتِماعِ ثُمَّ عَلِمْتُمْ كَثْرَتَهم وقِلَّتَكم لَخالَفْتُمْ ولَمْ تَجْتَمِعُوا مَعَهم، وقالَ مَعْناهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: ولَوْ تَواعَدْتُمْ أنْتُمْ وأهْلُ مَكَّةَ وتَواضَعْتُمْ بَيْنَكم عَلى مَوْعِدٍ تَلْتَقُونَ فِيهِ لِلْقِتالِ لَخافَ بَعْضُكم بَعْضًا، فَثَبَّطَكم قِلَّتُكم وكَثْرَتُهم عَنِ الوَفاءِ بِالمَوْعِدِ، وثَبَّطَهم ما في قُلُوبِهِمْ مِن تَهَيُّبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُسْلِمِينَ فَلَمْ يَتَّفِقْ لَكم مِنَ التَّلاقِي ما وفَّقَهُ اللَّهُ وسَبَّبَهُ لَهُ، وقالَ المَهْدَوِيُّ: المَعْنى لاخْتَلَفْتُمْ بِالقَواطِعِ والعَوارِضِ القاطِعَةِ بِالنّاسِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا أنْبَلُ - يَعْنِي مِن قَوْلِ الطَّبَرِيِّ - وأصَحُّ، وإيضاحُهُ أنَّ المَقْصِدَ مِنَ الآيَةِ تَبْيِينُ نِعْمَةِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ في قِصَّةِ بَدْرٍ وتَيْسِيرِهِ ما تَيَسَّرَ مِن ذَلِكَ، فالمَعْنى: إذْ هَيَّأ اللَّهُ لَكم هَذِهِ الحالَ، ولَوْ تَواعَدْتُمْ لَها لاخْتَلَفْتُمْ إلّا مَعَ تَيْسِيرِ اللَّهِ الَّذِي تَمَّمَ ذَلِكَ، وهَذا كَما تَقُولُ لِصاحِبِكَ في أمْرٍ شاءَهُ اللَّهُ دُونَ تَعَبٍ كَثِيرٍ: لَوْ (p-٥٠١)ثَبَتْنا عَلى هَذا وسَعَيْنا فِيهِ لَمْ يَتِمَّ هَكَذا، انْتَهى، وقالَ الكِرْمانِيُّ، ولَوْ تَواعَدْتُمْ أنْتُمْ والمُشْرِكُونَ لِلْقِتالِ لاخْتَلَفْتُمْ في المِيعادِ، أيْ: كانُوا لا يُصَدِّقُونَ مُواعَدَتَكم طَلَبًا لِغِرَّتِكم والحِيلَةِ عَلَيْكم؛ وقِيلَ: المَعْنى ولَوْ تَواعَدْتُمْ مِن غَيْرِ قَضاءِ اللَّهِ أمْرَ الحَرْبِ لاخْتَلَفْتُمْ في المِيعادِ؛ لِأنَّهُ تَعالى إذا لَمْ يُقَدِّرْ أمْرًا لَمْ يَقَعِ، انْتَهى: ﴿ولَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ﴾ ولَكِنْ تَلاقَيْتُمْ عَلى غَيْرِ مِيعادٍ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا مِن نَصْرِ دِينِهِ وإعْزازِ كَلِمَتِهِ وكَسْرِ الكُفّارِ وإذْلالِهِمْ، كانَ مَفْعُولًا، أيْ: مَوْجُودًا مُتَحَقِّقًا واقِعًا، وعَبَّرَ بِقَوْلِهِ: مَفْعُولًا لِتَحَقُّقِ كَوْنِهِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لِيَقْضِيَ أمْرًا قَدْ قَدَّرَهُ في الأزَلِ مَفْعُولًا لَكم بِشَرْطِ وُجُودِكم في وقْتِ وُجُودِكم، وذَلِكَ كُلُّهُ مَعْلُومٌ عِنْدَهُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِيَقْضِيَ اللَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، أيْ: لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ واجِبًا أنْ يُفْعَلَ، وهو نَصْرُ أوْلِيائِهِ وقَهْرُ أعْدائِهِ دَبَّرَ ذَلِكَ؛ وقِيلَ: كانَ بِمَعْنى صارَ، لِيَهْلِكَ بَدَلٌ مِن لِيَقْضِيَ فَيَتَعَلَّقُ بِمِثْلِ ما تَعَلَّقَ بِهِ لِيَقْضِيَ؛ وقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: مَفْعُولًا؛ وقِيلَ: الأصْلُ ولِيَهْلِكَ، فَحَذَفَ حَرْفَ العَطْفِ، والظّاهِرُ أنَّ المَعْنى: لِيُقْتَلَ مَن قُتِلَ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ عَنْ بَيانٍ مِنَ اللَّهِ وإعْذارٍ بِالرِّسالَةِ، ويَعِيشَ مَن عاشَ عَنْ بَيانٍ مِنهُ وإعْذارٍ لا حُجَّةَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ، وقالابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ: لِيَكْفُرَ ويُؤْمِنَ، فالمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ قِصَّةَ بَدْرٍ عِبْرَةً وآيَةً لِيُؤْمِنَ مَن آمَنَ عَنْ وُضُوحٍ وبَيانٍ ويَكْفُرَ مَن كَفَرَ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ، وقَرَأ الأعْمَشُ وعِصْمَةُ عَنْ أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: (لَيَهْلِكُ) بِفَتْحِ اللّامِ، وقَرَأ نافِعٌ والبَزِّيُّ وأبُو بَكْرٍ: (مَن حَيِيَ) - بِالفَكِّ - وباقِي السَّبْعَةِ بِالإدْغامِ، وقالَ المُتَلَمِّسُ:

؎فَهَذا أوانُ العَرْضِ حَيٌّ ذُبابُهُ

والفَكُّ والإدْغامِ لُغَتانِ مَشْهُورَتانِ، وخَتَمَ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ؛ لِأنَّ الكُفْرَ والإيمانَ يَسْتَلْزِمانِ النُّطْقَ اللِّسانِيَّ والِاعْتِقادَ الجِنانِيَّ، فَهو سَمِيعٌ لِأقْوالِكم عَلِيمٌ بِنِيّاتِكم.

﴿إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ في مَنامِكَ قَلِيلًا ولَوْ أراكَهم كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ ولَتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ الخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ، وتَظاهَرَتِ الرِّواياتُ أنَّها رُؤْيا مَنامٍ رَأى الرَّسُولُ ﷺ فِيها الكُفّارَ قَلِيلًا فَأخْبَرَ بِها أصْحابَهُ فَقَوِيَتْ نُفُوسُهم وشَجُعَتْ عَلى أعْدائِهِمْ، وقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأصْحابِهِ حِينَ انْتَبَهَ: «أبْشِرُوا لَقَدْ نَظَرْتُ إلى مَصارِعِ القَوْمِ»، والمُرادُ بِالقِلَّةِ هُنا قِلَّةُ القَدْرِ واليَأْسُ والنَّجْدَةُ وأنَّهم مَهْزُومُونَ مَصْرُوعُونَ، ولا يُحْمَلُ عَلى قِلَّةِ العَدَدِ؛ لِأنَّهُ رُؤْياهُ حَقٌّ، وقَدْ كانَ عَلِمَ أنَّهم ما بَيْنَ تِسْعِمِائَةٍ إلى ألْفٍ، فَلا يُمْكِنُ حَمْلُ ذَلِكَ عَلى قِلَّةِ العَدَدِ، ورُوِيَ عَنِ «الحَسَنِ» أنَّ مَعْنى: في مَنامِكَ: في عَيْنِكَ؛ لِأنَّها مَكانُ النَّوْمِ، كَما قِيلَ لِلْقَطِيفَةِ المَنامَةُ؛ لِأنَّهُ يُنامُ فِيها فَتَكُونُ الرُّؤْيَةُ في اليَقَظَةِ، وعَلى هَذا فَسَّرَ النَّقّاشُ، وذَكَرَهُ عَنِ المازِنِيِّ، وما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ ضَعِيفٌ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا تَفْسِيرٌ فِيهِ تَعَسُّفٌ، وما أحْسَبُ الرِّوايَةَ فِيهِ صَحِيحَةً عَنِ الحَسَنِ، وما يُلائَمُ عِلْمُهُ بِكَلامِ العَرَبِ وفَصاحَتِهِ، والمَعْنى: ولَوْ أراكَهم في مَنامِكَ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ، أيْ: لَخِرْتُمْ وجَبُنْتُمْ عَنِ اللِّقاءِ ولَتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ، أيْ: تَفَرَّقَتْ آراؤُكم في أمْرِ القِتالِ، فَكانَ يَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا؛ لِانْهِزامِكم وعَدَمِ إقْدامِكم عَلى قِتالِ أعْدائِكم؛ لِأنَّهُ لَوْ رَآهم كَثِيرًا أخْبَرَكم بِرُؤْياهُ فَفَشِلْتُمْ، ولَمّا كانَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَحْمِيًّا مِنَ الفَشَلِ مَعْصُومًا مِنَ النَّقائِصِ أسْنَدَ الفَشَلَ إلى مَن يُمْكِنُ ذَلِكَ في حَقِّهِ، فَقالَ تَعالى: (لَفَشِلْتُمْ)، وهَذا مِن مَحاسِنِ القُرْآنِ، ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ مِنَ الفَشَلِ والتَّنازُعِ والِاخْتِلافِ بِإرايَتِهِ لَهُ الكُفّارَ قَلِيلًا، فَأخْبَرَهم بِذَلِكَ فَقَوِيَتْ بِهِ نُفُوسُهم، (إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) يَعْلَمُ ما سَيَكُونُ فِيها (p-٥٠٢)مِنَ الجُرْأةِ والجُبْنِ والصَّبْرِ والجَزَعِ، وإذْ بَدَلٌ مِن إذْ وانْتَصَبَ قَلِيلًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى الحالِ، وما قالَهُ ظاهِرٌ؛ لِأنَّ أرى مَنقُولَةٌ بِالهَمْزَةِ مِن رَأى البَصَرِيَّةِ فَتَعَدَّتْ إلى اثْنَيْنِ الأوَّلُ كافُ خِطابِ الرَّسُولِ ﷺ، والثّانِي ضَمِيرُ الكُفّارِ، فَقَلِيلًا وكَثِيرًا مَنصُوبانِ عَلى الحالِ، وزَعَمَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أنْ أرى الحُلْمِيَّةَ تَتَعَدّى إلى ثَلاثَةٍ كَأعْلَمَ، وجَعَلَ مِن ذَلِكَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ في مَنامِكَ قَلِيلًا﴾ فانْتِصابُ قَلِيلًا عِنْدَهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثالِثٌ، وجَوازُ حَذْفِ هَذا المَنصُوبِ اقْتِصارًا يُبْطِلُ هَذا المَذْهَبَ. تَقُولُ: رَأيْتُ زَيْدًا في النَّوْمِ، وأرانِي اللَّهُ زَيْدًا في النَّوْمِ.

﴿وإذا يُرِيكُمُوهم إذِ التَقَيْتُمْ في أعْيُنِكم قَلِيلًا ويُقَلِّلُكم في أعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ هي يَقَظَةٌ لا مَنامٌ، وقَلَّلَ الكُفّارَ في أعْيُنِ المُؤْمِنِينَ تَحْقِيرًا لَهم ولِئَلّا يَجْبُنُوا عَنْ لِقائِهِمْ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَقَدْ قُلِّلُوا في أعْيُنِنا حَتّى قُلْتُ لِرَجُلٍ إلى جَنْبِي: أتَراهم سَبْعِينَ ؟ قالَ: أراهم مِائَةً، وهَذا مِن عَبْدِ اللَّهِ لِكَوْنِهِ لَمْ يَسْمَعْ ما أُعْلِمَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِن عَدَدِهِمْ، وقُلِّلَ المُؤْمِنُونَ في أعْيُنِ الكُفّارِ حَتّى قالَ قائِلٌ مِنهم: إنَّما هم أكَلَةُ جَزُورٍ، وذَلِكَ قَبْلَ الِالتِقاءِ، وذَلِكَ لِيَجْتَرِئُوا عَلى المُؤْمِنِينَ فَتَقَعَ الحَرْبُ ويَلْتَحِمَ القِتالُ؛ إذْ لَوْ كَثُرُوا قَبْلَ اللِّقاءِ لَأحْجَمُوا وتَحَيَّلُوا في الخَلاصِ، أوِ اسْتَعَدُّوا واسْتَنْصَرُوا، ولَمّا التَحَمَ القِتالُ كَثَّرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ في أعْيُنِ الكُفّارِ فَبُهِتُوا وهابُوا وفَلَّتْ شَوْكَتُهم ورَأوْا ما لَمْ يَكُنْ في حِسابِهِمْ، كَما قالَ: ﴿يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَيْنِ﴾ [آل عمران: ١٣] وعِظَمُ الِاحْتِجاجِ عَلَيْهِمُ اسْتِيضاحُ الآيَةِ البَيِّنَةِ مِن قِلَّتِهِمْ أوَّلًا وكَثْرَتِهِمْ آخِرًا، ورُؤْيَةُ كُلٍّ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ يَكُونُ بِأنْ سَتَرَ اللَّهُ بَعْضَها عَنْ بَعْضٍ، أوْ بِأنْ أحْدَثَ في أعْيُنِهِمْ ما يَسْتَقِلُّونَ بِهِ الكَثِيرَ، هَذا إذا كانَتِ الرُّؤْيَةُ حَقِيقَةً، وأمّا إذا كانَتْ بِمَعْنى التَّخْمِينِ والحَذَرِ الَّذِي يَسْتَعْمِلُهُ النّاسُ فَيُمْكِنُ ذَلِكَ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لا يَنْدَرِجُ الرَّسُولُ في خِطابٍ: ﴿وإذْ يُرِيكُمُوهُمْ﴾؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ عَلى أنْ يَرى الكَثِيرَ قَلِيلًا لا حَقِيقَةً ولا تَخْمِينًا عَلى أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ تَقْلِيلِ القَدْرِ والمَهابَةِ والنَّجْدَةِ، لا مِن بابِ تَقْلِيلِ العَدَدِ، ألا تَرى قَوْلَهُمُ: المَرْءُ كَثِيرٌ بِأخِيهِ ؟ وإلى قَوْلِ الشّاعِرِ:

؎أرُوحُ وأغْتَدِي سَفَهًا ∗∗∗ أُكَثِّرُ مَن أقِلُّ بِهِ

فَهَذا مِن بابِ التَّقْلِيلِ والتَّكْثِيرِ في المَنزِلَةِ والقَدْرِ، لا مِن بابِ تَقْلِيلِ العَدَدِ، لِيَقْضِيَ: أيْ فَعَلَ ذَلِكَ لِيَقْضِيَ، والمَفْعُولُ في الآيَتَيْنِ هو القِصَّةُ بِأسْرِها؛ وقِيلَ: هُما لِمَعْنَيَيْنِ مِن مَعانِي القِصَّةِ، أُرِيدَ بِالأوَّلِ الوَعْدُ بِالنُّصْرَةِ يَوْمَ بَدْرٍ، وبِالثّانِي الِاسْتِمْرارُ عَلَيْها، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ: (وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ) واخْتِلافُ القُرّاءِ في (تُرْجَعُ) في سُورَةِ البَقَرَةِ.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثْبُتُوا واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾، أيْ: فِئَةً كافِرَةً، حَذَفَ الوَصْفَ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ ما كانُوا يَلْقَوْنَ إلّا الكُفّارَ، واللِّقاءُ اسْمٌ لِلْقِتالِ غالِبٌ، وأمَرَهم تَعالى بِالثَّباتِ وهو مُقَيَّدٌ بِآيَةِ الضَّعْفِ، وفي الحَدِيثِ: «لا تَتَمَنَّوْا لِقاءَ العَدُوِّ وسَلُوا اللَّهَ العافِيَةَ، فَإذا لَقِيتُمُوهم فاثْبُتُوا» . وأمَرَهم بِذِكْرِهِ تَعالى كَثِيرًا في هَذا المَوْطِنِ العَظِيمِ مِن (p-٥٠٣)مُصابَرَةِ العَدُوِّ والتَّلاحُمِ بِالرِّماحِ وبِالسُّيُوفِ، وهي حالَةٌ يَقَعُ فِيها الذُّهُولُ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ فَأُمِرُوا بِذِكْرِ اللَّهِ؛ إذْ هو تَعالى الَّذِي يُفْزَعُ إلَيْهِ عِنْدَ الشَّدائِدِ ويُسْتَأْنَسُ بِذِكْرِهِ ويُسْتَنْصَرُ بِدُعائِهِ، ومَن كانَ كَثِيرَ التَّعَلُّقِ بِاللَّهِ ذَكَرَهُ في كُلِّ مَوْطِنٍ حَتّى في المَواضِعِ الَّتِي يُذْهَلُ فِيها عَنْ كُلِّ شَيْءٍ ويَغِيبُ فِيها الحِسُّ: ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] وحَكى لِي بَعْضُ الشُّجْعانِ أنَّهُ حالَةَ التِحامِ القِتالِ تَأْخُذُ الشُّجاعَ هِزَّةٌ وتَعْتَرِيهِ، مِثْلَ السُّكْرِ لِهَوْلِ المُلْتَقى، فَأمَرَ المُؤْمِنِينَ بِذِكْرِ اللَّهِ في هَذِهِ الحالَةِ العَظِيمَةِ، وقَدْ نَظَمَ الشُّعَراءُ هَذا المَعْنى فَذَكَرُوا أنَّهم في أشَقِّ الأوْقاتِ عَلَيْهِمْ وأشَدِّها لَمْ يَنْسَوْا مَحْبُوبَهم وأكْثَرُوا في ذَلِكَ، فَقالَ بَعْضُهم:

؎ذَكَرْتُ سُلَيْمى وحَرُّ الوَغى ∗∗∗ كَقَلْبِيَ ساعَةَ فارَقْتُها

؎وأبْصَرْتُ بَيْنَ القَنا قَدَّها ∗∗∗ وقَدْ مِلْنَ نَحْوِي فَعانَقْتُها

قالَ قَتادَةُ: افْتَرَضَ اللَّهُ ذِكْرَهُ أشْغَلَ ما يَكُونُ العَبْدُ عِنْدَ الضِّرابِ والسُّيُوفِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ عَلى العَبْدِ أنْ لا يَفْتُرَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ أشْغَلَ ما يَكُونُ قَلْبًا وأكْثَرَ ما يَكُونُ هَمًّا، وأنْ يَكُونَ نَفْسُهُ مُجْتَمِعَةً لِذَلِكَ وإنْ كانَتْ مُتَوَزِّعَةً عَنْ غَيْرِهِ، وذَكَرَ أنَّ الثَّباتَ وذِكْرَ اللَّهِ سَبَبا الفَلاحِ، وهو الظَّفَرُ بِالعَدُوِّ في الدُّنْيا والفَوْزُ في الآخِرَةِ بِالثَّوابِ، والظّاهِرُ أنَّ الذِّكْرَ المَأْمُورَ بِهِ هو بِاللِّسانِ، فَأمَرَ بِالثَّباتِ بِالجَنانِ وبِالذِّكْرِ بِاللِّسانِ، والظّاهِرُ أنْ لا يُعَيَّنَ ذِكْرٌ؛ وقِيلَ: هو قَوْلُ المُجاهِدِينَ: اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ عِنْدَ لِقاءِ الكُفّارِ؛ وقِيلَ: الدُّعاءُ عَلَيْهِمُ: اللَّهُمَّ اخْذُلْهُمُ، اللَّهُمَّ دَمِّرْهم، وشَبَهُهُ؛ وقِيلَ: دُعاءُ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنْفُسِهِمْ بِالنَّصْرِ والظَّفَرِ والتَّثْبِيتِ، كَما فَعَلَ قَوْمُ طالُوتَ فَقالُوا: ﴿رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٠] وقِيلَ: هم لا يُنْصَرُونَ، وكانَ هَذا شِعارَ المُؤْمِنِينَ عِنْدَ اللِّقاءِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لَوْ رُخِّصَ تَرْكُ الذِّكْرِ لَرُخِّصَ في الحَرْبِ ولَذَكَرْنا حَيْثُ أُمِرَ بِالصَّمْتِ، ثُمَّ قِيلَ لَهُ: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾ [آل عمران: ٤١]، وحُكْمُ هَذا الذِّكْرِ أنْ يَكُونَ خَفِيًّا، إلّا إنْ كانَ مِنَ الجَمِيعِ وقْتَ الحَمْلَةِ فَحَسَنٌ رَفْعُ الصَّوْتِ بِهِ؛ لِأنَّهُ يَفُتُّ في أعْضادِ الكُفّارِ، وفي سُنَنِ أبِي داوُدَ: «كانَ أصْحابُ الرَّسُولِ ﷺ يَكْرَهُونَ الصَّوْتَ عِنْدَ القِتالِ وعِنْدَ الجِنازَةِ»، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُكْرَهُ التَّلَثُّمُ عِنْدَ القِتالِ.

﴿وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ رِيحُكم واصْبِرُوا إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾، أمَرَهم تَعالى بِالطّاعَةِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ، ونَهاهم عَنِ التَّنازُعِ وهو تَجاذُبُ الآراءِ وافْتِراقُها، والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ فَتَفْشَلُوا جَوابًا لِلنَّهْيِ، فَهو مَنصُوبٌ، ولِذَلِكَ عُطِفَ عَلَيْهِ مَنصُوبٌ؛ لِأنَّهُ يَتَسَبَّبُ عَنِ التَّنازُعِ الفَشَلُ، وهو الخَوَرُ والجُبْنُ عَنْ لِقاءِ العَدُوِّ، وذَهابُ الدَّوْلَةِ بِاسْتِيلاءِ العَدُوِّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَتَفْشَلُوا مَجْزُومًا عَطْفًا عَلى ولا تَنازَعُوا، وذَلِكَ في قِراءَةِ عِيسى بْنِ عُمَرَ: ويَذْهَبْ، بِالياءِ وجَزْمِ الباءِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وأبانٌ وعِصْمَةُ عَنْ عاصِمٍ: ويَذْهَبَ، بِالياءِ ونَصْبِ الباءِ، وقَرَأ الحَسَنُ وإبْراهِيمُ: ﴿فَتَفْشَلُوا﴾، بِكَسْرِ الشِّينِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وهَذا غَيْرُ مَعْرُوفٍ، وقالَ غَيْرُهُ: هي لُغَةٌ. قالَ مُجاهِدٌ: الرِّيحُ: النُّصْرَةُ والقُوَّةُ، وذَهَبَتْ رِيحُ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ ناغَوْهُ بِأُحُدٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والرِّيحُ الدَّوْلَةُ، شُبِّهَتْ لِنُفُوذِ أمْرِها، وتَشْبِيهٌ بِالرِّيحِ وهُبُوبِها، فَقِيلَ: هَبَّتْ رِياحُ فُلانٍ، إذا دالَتْ لَهُ الدَّوْلَةُ ونَفَذَ أمْرُهُ. ومِنهُ قَوْلُهُ:

؎أتَنْظُرانِ قَلِيلًا رَيْثَ غَفْلَتِهِمْ ∗∗∗ أمْ تَعْدُوانِ فَإنَّ الرِّيحَ لِلْعادِي

انْتَهى، وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ: إنَّ الرِّيحَ هي الدَّوْلَةُ، ومِنِ اسْتِعارَةِ الرِّيحِ قَوْلُ الآخَرِ:

؎إذا هَبَّتْ رِياحُكَ فاغْتَنِمْها ∗∗∗ فَإنَّ لِكُلِّ عاصِفَةٍ سُكُونا

ورَواهُ أبُو عُبَيْدَةَ: رُكُودًا. وقالَ شاعِرُ الأنْصارِ:(p-٥٠٤)

؎قَدْ عَوَّدَتْهم صِباهم أنْ يَكُونَ لَهم ∗∗∗ رِيحُ القِتالِ وأسْلابُ الَّذِينَ لَقُوا

وقالَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ويَذْهَبَ رِيحُكم مَعْناهُ الرُّعْبُ مِن قُلُوبِ عَدُوِّكم، ومِنهُ قِيلَ لِلْخائِفِ: انْتَفَخَ سَحْرُهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا حَسَنٌ بِشَرْطِ أنْ يَعْلَمَ العَدُوُّ بِالتَّنازُعِ، فَإذا لَمْ يَعْلَمْ فالذّاهِبُ قُوَّةُ المُتَنازِعِينَ فَيَنْهَزِمُونَ، انْتَهى، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ الرِّيحُ عَلى بابِها، ورُوِيَ في ذَلِكَ أنَّ النَّصْرَ لَمْ يَكُنْ قَطُّ إلّا بِرِيحٍ تَهُبُّ فَتَضْرِبُ في وُجُوهِ الكُفّارِ، واسْتَنَدَ بَعْضُهم في هَذِهِ المَقالَةِ إلى قَوْلِهِ: نُصِرْتُ بِالصَّبا، وقالَ الحَكَمُ: وتَذْهَبَ رِيحُكم، يَعْنِي الصَّبا؛ إذْ بِها نُصِرَ مُحَمَّدٌ ﷺ وأُمَّتُهُ، وقالَ مُقاتِلٌ: رِيحُكم حِدَّتُكم، وقالَ عَطاءٌ: جَلَدُكم، وحَكى التَّبْرِيزِيُّ: هَيْبَتُكم، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎كَما حَمَيْناكَ يَوْمَ النَّعْفِ مِن شَطَطِ ∗∗∗ والفَضْلُ لِلْقَوْمِ مِن رِيحٍ ومِن عَدَدِ

﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ بَطَرًا ورِئاءَ النّاسِ ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ واللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ وأصْحابِهِ خَرَجُوا لِنُصْرَةِ العِيرِ بِالقَيْناتِ والمَعازِفِ، ووَرَدُوا الجَحْفَةَ فَبَعَثَ خِفافٌ الكِنانِيُّ - وكانَ صَدِيقًا لَهُ - بِهَدايا مَعَ ابْنِهِ، وقالَ: إنْ شِئْتَ أمْدَدْناكَ بِالرِّجالِ، وإنْ شِئْتَ بِنَفْسِي مَعَ مَن خَفَّ مِن قَوْمِي، فَقالَأبُو جَهْلٍ: إنْ كُنّا نُقاتِلُ اللَّهَ، كَما يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ فَواللَّهِ ما لَنا بِاللَّهِ طاقَةٌ، وإنْ كُنّا نُقاتِلُ النّاسَ فَواللَّهِ إنَّ بِنا عَلى النّاسِ لَقُوَّةً، واللَّهِ لا نَرْجِعُ عَنْ قِتالِمُحَمَّدٍ حَتّى نَرِدَ بَدْرًا فَنَشْرَبَ فِيها الخُمُورَ وتَعْزِفَ عَلَيْنا القَيْناتُ، فَإنَّ بَدْرًا مَرْكَزٌ مِن مَراكِزِ العَرَبِ وسُوقٌ مِن أسْواقِهِمْ، حَتّى تَسْمَعَ العَرَبُ مَخْرَجَنا فَتَهابَنا آخِرَ الأبَدِ، فَوَرَدُوا بَدْرًا فَسُقُوا كُؤُوسَ المَنايا مَكانَ الخَمْرِ، وناحَتْ عَلَيْهِمُ النَّوائِحُ مَكانَ القَيْناتِ، فَنَهى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أنْ يَكُونَ مِثْلَ هَؤُلاءِ بَطِرِينَ طَرِبِينَ مُرائِينَ بِأعْمالِهِمْ صادِّينَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ إنَّ قُرَيْشًا أقْبَلَتْ بِفَخْرِها وخُيَلائِها تُجادِلُ وتُكَذِّبُ رَسُولَكَ، اللَّهُمَّ فَأحْنِها الغَداةَ»، وفي قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ لِمَن بَقِيَ مِنَ الكُفّارِ.

8:48Страница 183

وَإِذۡ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ ٱلۡيَوۡمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنِّي جَارٞ لَّكُمۡۖ فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلۡفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّنكُمۡ إِنِّيٓ أَرَىٰ مَا لَا تَرَوۡنَ إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللَّهَۚ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٤٨

Вот дьявол приукрасил для них их деяния и сказал: «Сегодня никто из людей не одолеет вас. Воистину, я буду по соседству». Но когда два отряда увидели друг друга, он повернул вспять и сказал: «Я не причастен к вам. Воистину, я вижу то, чего вы не видите. Я боюсь Аллаха, ведь Аллах суров в наказании».

﴿وإذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم وقالَ لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النّاسِ وإنِّي جارٌ لَكم فَلَمّا تَراءَتِ الفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وقالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكم إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ إنِّي أخافُ اللَّهَ واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾ أعْمالَهم: ما كانُوا فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ وعِبادَةِ الأصْنامِ، ومَسِيرُهم إلى بَدْرٍ، وعَزْمُهم عَلى قِتالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهَذا التَّزْيِينُ والقَوْلُ والنُّكُوصُ هَلْ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ المَجازِ أوِ الحَقِيقَةِ ؟ قَوْلانِ لِلْمُفَسِّرِينَ، بَدَأ الزَّمَخْشَرِيُّ بِالأوَّلِ فَقالَ: وسْوَسَ إلَيْهِمْ أنَّهم لا يُغْلَبُونَ ولا يُطاقُونَ، وأوْهَمَهم أنَّ اتِّباعَ خُطُواتِ الشَّيْطانِ وطاعَتَهُ مِمّا تُحَيِّرُهم، فَلَمّا تَلاقى الفَرِيقانِ نَكَصَ الشَّيْطانُ وتَبَرَّأ مِنهم، أيْ: بَطَلَ كَيْدُهُ حِينَ نَزَلَتْ جُنُودُ اللَّهِ، وكَذا عَنِالحَسَنِ كانَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الوَسْوَسَةِ ولَمْ يَتَمَثَّلْ لَهُمُ، انْتَهى، ويَكُونُ ذَلِكَ مِن بابِ مُجازِ التَّمْثِيلِ، وقالَ المَهْدَوِيُّ يُضَعِّفُ هَذا القَوْلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنِّي (p-٥٠٥)جارٌ لَكُمْ﴾ لَيْسَ مِمّا يُلْقى بِالوَسْوَسَةِ، انْتَهى، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ صُدُورُ هَذا القَوْلِ عَلى لِسانِ بَعْضِ الغُواةِ مِنَ النّاسِ، قالَ لَهم ذَلِكَ بِإغْواءِ إبْلِيسَ لَهُ، ونُسِبَ ذَلِكَ إلى إبْلِيسَ لِأنَّهُ هو المُتَسَبِّبُ في ذَلِكَ القَوْلِ، فَيَكُونُ القَوْلُ والنُّكُوصُ صادِرَيْنِ مِن إنْسانٍ حَقِيقَةً، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ إبْلِيسَ تَصَوَّرَ لَهم، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في صُورَةِ رَجُلٍ مِن بَنِي مُدْلِجٍ في جُنْدٍ مِنَ الشَّياطِينِ مَعَهُ رايَةٌ؛ وقِيلَ: جاءَهم في طَرِيقِهِمْ إلى بَدْرٍ في صُورَةِ سُراقَةَ بْنِ مالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ، وقَدْ خافُوا مِن بَنِي بَكْرٍ وكِنانَةَ لِدَخُولٍ كانَتْ بَيْنَهم، وكانَ مِن أشْرافِ كِنانَةَ فَقالَ ما حَكى اللَّهُ عَنْهُ، ومَعْنى: جارٌ لَكم: مُجِيرُكم مِن بَنِي كِنانَةَ، فَلَمّا رَأى المَلائِكَةَ تَنْزِلُ نَكَصَ؛ وقِيلَ: كانَتْ يَدُهُ في يَدِ الحارِثِ بْنِ هِشامٍ، فَلَمّا نَكَصَ قالَ لَهُ الحارِثُ: إلى أيْنَ ؟ أتَخْذُلُنا في هَذِهِ الحالِ ؟ فَقالَ: إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ، ودَفَعَ في صَدْرِ الحارِثِ وانْطَلَقَ وانْهَزَمُوا، فَلَمّا بَلَغُوا مَكَّةَ قالُوا: هَزَمَ النّاسَ سُراقَةُ بْنُ مالِكٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ سُراقَةَ فَقالَ: واللَّهِ ما شَعُرْتُ بِمَسِيرِكم حَتّى بَلَغَتْنِي هَزِيمَتُكم، فَلَمّا أسْلَمُوا عَلِمُوا أنَّهُ الشَّيْطانُ، وفي المُوَطَّأِ وغَيْرِهِ: «ما رُؤِيَ الشَّيْطانُ في يَوْمٍ أقَلَّ ولا أحْقَرَ ولا أصْغَرَ في يَوْمِ عَرَفَةَ لِما يَرى مِن نُزُولِ الرَّحْمَةِ، إلّا ما رَأى يَوْمَ بَدْرٍ، قِيلَ: وما رَأى يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: رَأى المَلائِكَةَ يُرِيحُها جِبْرِيلُ»، وقالَ الحَسَنُ: رَأى إبْلِيسُ جِبْرِيلَ يَقُودُ فَرَسَهُ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ وهو مُعْتَجِرٌ بِبُرْدَةٍ، وفي يَدِهِ اللِّجامُ، ولَكم لَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: لا غالِبَ؛ لِأنَّهُ كانَ يَلْزَمُ تَنْوِينُهُ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ اسْمُ لا مُطَوَّلًا، والمُطَوَّلُ يُعْرَبُ ولا يُبْنى، بَلْ لَكم في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الخَبَرِ، أيْ: كائِنٌ لَكم، وبِما تَعَلَّقَ المَجْرُورُ تَعَلَّقَ الظَّرْفُ، واليَوْمَ عِبارَةٌ عَنْ يَوْمِ بَدْرٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: وإنِّي جارٌ لَكم، مَعْطُوفًا عَلى لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْحالِ، أيْ: لا أحَدَ يَغْلِبُكم وأنا جارٌ لَكم أُعِينُكم وأنْصُرُكم بِنَفْسِي وبِقَوْمِي، والفِئَتانِ جَمْعا المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ؛ وقِيلَ: فِئَةُ المُؤْمِنِينَ وفِئَةُ المَلائِكَةِ، نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ رَجَعَ في ضِدِّ إقْبالِهِ، وقالَ: ﴿إنِّي بَرِيءٌ مِنكُمْ﴾، مُبالَغَةٌ في الخِذْلانِ والِانْفِصالِ عَنْهم لَمْ يَكْتَفِ بِالفِعْلِ حَتّى أكَّدَ ذَلِكَ بِالقَوْلِ، ﴿ما لا تَرَوْنَ﴾: رَأى خَرْقَ العادَةِ ونُزُولَ المَلائِكَةِ، إنِّي أخافُ اللَّهَ، قالَ قَتادَةُ وابْنُ الكَلْبِيِّ مَعْذِرَةٌ كاذِبَةٌ لَمْ يَخَفِ اللَّهَ قَطُّ، وقالَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ: بَلْ خافَ مِمّا رَأى مِنَ الهَوْلِ أنَّهُ يَكُونُ اليَوْمَ الَّذِي أُنْظِرَ إلَيْهِ، انْتَهى، ويُنْظَرُ إلى هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إذْ قالَ لِلْإنْسانِ اكْفُرْ﴾ [الحشر: ١٦]، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ مَعْطُوفًا عَلى مَعْمُولِ القَوْلِ، قالَ ذَلِكَ بَسْطًا لِعُذْرِهِ عِنْدَهم، وهو مُتَحَقِّقٌ أنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ اسْتُؤْنِفَ تَهْدِيدًا لِإبْلِيسَ ومَن تابَعَهُ مِن مُشْرِكِي قُرَيْشٍ.

8:49–51Страница 183

إِذۡ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمۡۗ وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٤٩

Вот лицемеры и те, чьи сердца были поражены недугом, сказали: «Эти люди обмануты своей религией». Но если кто уповает на Аллаха, то ведь Аллах - Могущественный, Мудрый.

وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَضۡرِبُونَ وُجُوهَهُمۡ وَأَدۡبَٰرَهُمۡ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ ٥٠

Если бы ты видел, как ангелы умерщвляют неверующих. Они бьют их по лицу и по спинам со словами: «Вкусите мучения от обжигающего Огня!

ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيكُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيۡسَ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ ٥١

Это - за то, что приготовили ваши руки. Воистину, Аллах не поступает несправедливо с рабами».

﴿إذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ﴾ العامِلُ في إذْ: (زَيَّنَ)، أوْ (نَكَصَ)، أوْ (سَمِيعٌ عَلِيمٌ)، أوِ اذْكُرُوا: أقْوالٌ، وظاهِرُ العَطْفِ التَّغايُرُ. فَقِيلَ: المُنافِقُونَ هم مِنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ، لَمّا خَرَجَ الرَّسُولُ ﷺ، قالَ بَعْضُهم: نَخْرُجُ مَعَهُ، وقالَ بَعْضُهم: لا نَخْرُجُ غَرَّ هَؤُلاءِ - أيِ: المُؤْمِنِينَ - دِينُهم، فَإنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّهم عَلى حَقٍّ، وأنَّهم لا يُغْلَبُونَ، هَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ: والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ قَوْمٌ أسْلَمُوا، ومِنهم أقْرِباؤُهم مِنَ الهِجْرَةِ، فَأخْرَجَتْهم قُرَيْشٌ مَعَها كَرْهًا، فَلَمّا نَظَرُوا إلى قِلَّةِ المُسْلِمِينَ ارْتابُوا وقالُوا: غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهم، فَقُتِلُوا جَمِيعًا: مِنهم قَيْسُ بْنُ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وأبُو قَيْسِ بْنُ الفاكِهِ بْنِ المُغِيرَةِ، والحارِثُ بْنُ زَمْعَةَ بْنِ الأسْوَدِ، وعَلِيُّ بْنُ أُمَيَّةَ، والعاصِي بْنُ مُنَبِّهِ بْنِ الحَجّاجِ، ولَمْ يُذْكَرْ أنَّ مُنافِقًا شَهِدَ بَدْرًا مَعَ المُسْلِمِينَ إلّا مَعْتِبَ بْنَ قُشَيْرٍ، فَإنَّهُ ظَهَرَ مِنهُ يَوْمَ أُحُدٍ قَوْلُهُ: لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا؛ وقِيلَ: ﴿والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ هو مِن عَطْفِ الصِّفاتِ، وهي لِمَوْصُوفٍ واحِدٍ وُصِفُوا بِالنِّفاقِ، وهو إظْهارُ ما يُخْفِيهِ مِنَ المَرَضِ، كَما قالَ تَعالى: (في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) وهم مُنافِقُو المَدِينَةِ، وعَنِ الحَسَنِ: هُمُ المُشْرِكُونَ، ويَبْعُدُ هَذا؛ إذْ لا يَتَّصِفُ المُشْرِكُونَ بِالنِّفاقِ؛ لِأنَّهم مُجاهِرُونَ (p-٥٠٦)بِالعَداوَةِ لا مُنافِقُونَ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ هَؤُلاءِ المَوْصُوفِينَ بِالنِّفاقِ ومَرَضِ القُلُوبِ إنَّما هم مِن أهْلِ عَسْكَرِ الكُفّارِ، لَمّا أشْرَفُوا عَلى المُسْلِمِينَ ورَأوْا قِلَّةَ عَدَدِهِمْ قالُوا مُشِيرِينَ إلى المُسْلِمِينَ: غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهم، أيِ: اغْتَرُّوا فَأدْخَلُوا أنْفُسَهم فِيما لا طاقَةَ لَهم بِهِ، وكَنّى بِالقُلُوبِ عَنِ العَقائِدِ، والمَرَضُ أعَمُّ مِنَ النِّفاقِ؛ إذْ يُطْلَقُ مَرَضُ القَلْبِ عَلى الكُفْرِ.

﴿ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَإنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ هَذا يَتَضَمَّنُ الرَّدُّ عَلى مَن قالَ: غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهم، فَكَأنَّهُ قِيلَ: هَؤُلاءِ في لِقاءِ عَدُوِّهِمْ هم مُتَوَكِّلُونَ عَلى اللَّهِ فَهُمُ الغالِبُونَ، ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ يَنْصُرْهُ ويُعِزَّهُ، فَإنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ لا يُغالَبُ بِقُوَّةٍ ولا بِكَثْرَةٍ، حَكِيمٌ يَضَعُ الأشْياءَ مَواضِعَها، أوْ حاكِمٌ بِنَصْرِهِ مَن يَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ فَيُدِيلُ القَلِيلَ عَلى الكَثِيرِ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English