Абу Хайян · Тафсир · на арабском
Ат-Тавба 9:107–110
9:107–108Страница 204
وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسۡجِدٗا ضِرَارٗا وَكُفۡرٗا وَتَفۡرِيقَۢا بَيۡنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَإِرۡصَادٗا لِّمَنۡ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ مِن قَبۡلُۚ وَلَيَحۡلِفُنَّ إِنۡ أَرَدۡنَآ إِلَّا ٱلۡحُسۡنَىٰۖ وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ١٠٧
Те, которые построили мечеть для нанесения вреда, поддержания неверия, внесения раскола в ряды мусульман и создания заставы для тех, кто издавна сражается против Аллаха и Его Посланника, непременно будут клясться: «Мы не хотели ничего, кроме добра». Аллах свидетельствует, что они являются лжецами.
لَا تَقُمۡ فِيهِ أَبَدٗاۚ لَّمَسۡجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقۡوَىٰ مِنۡ أَوَّلِ يَوۡمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِۚ فِيهِ رِجَالٞ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُطَّهِّرِينَ ١٠٨
Никогда не совершай в ней намаз. Мечеть, которая с первого дня была основана на богобоязненности, больше заслуживает того, чтобы ты выстаивал в ней. В ней есть мужи, которые любят очищаться. Воистину, Аллах любит очищающихся.
﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وكُفْرًا وتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وإرْصادًا لِمَن حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ مِن قَبْلُ ولَيَحْلِفُنَّ إنْ أرَدْنا إلّا الحُسْنى واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مِن أوَّلِ يَوْمٍ أحَقُّ أنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا واللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ﴾ لَمّا ذَكَرَ طَرائِقَ ذَمِيمَةً لِأصْنافِ المُنافِقِينَ أقْوالًا وأفْعالًا؛ ذَكَرَ أنَّ مِنهم مَن بالَغَ في الشَّرِّ حَتّى ابْتَنى مَجْمَعًا لِلْمُنافِقِينَ يُدَبِّرُونَ فِيهِ ما شاءُوا مِنَ الشَّرِّ، وسَمَّوْهُ مَسْجِدًا. ولَمّا بَنى عَمْرُو بْنُ عَوْفٍ مَسْجِدَ قُباءٍ وبَعَثُوا إلى الرَّسُولِ ﷺ فَجاءَ وصَلّى فِيهِ ودَعا لَهم - حَسَدَهم بَنُو عَمِّهِمْ (p-٩٨)بَنُو غَنْمِ بْنِ عَوْفٍ، وبَنُو سالِمِ بْنِ عَوْفٍ، وحَرَّضَهم أبُو عَمْرٍو الفاسِقُ عَلى بِنائِهِ حِينَ نَزَلَ الشّامَ هارِبًا مِن وقْعَةِ حُنَيْنٍفَراسَلَهم في بِنائِهِ وقالَ: ابْنُوا لِي مَسْجِدًا فَإنِّي ذاهِبٌ إلى قَيْصَرَ آتِي بِجُنْدٍ مِنَ الرُّومِ فَأُخْرِجُ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ، فَبَنَوْهُ إلى مَسْجِدِ قُباءٍ، وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ: خِذامُ بْنُ خالِدٍ، ومِن دارِهِ أخْرَجَ المَسْجِدَ، وثَعْلَبَةُ بْنُ حاطِبٍ، ومُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، وحارِثَةُ بْنُ عامِرٍ، وابْناهُ مُجَمِّعٌ وزَيْدٌ، ونَبْتَلُ بْنُ الحارِثِ، وعَبّادُ بْنُ حُنَيْفٍ، ونِجادُ بْنُ عُثْمانَ، ووَدِيعَةُ بْنُ ثابِتٍ، وأبُو حَنِيفَةَ الأزْهَرُ، وبَحْزَجُ بْنُ عَمْرٍو، ورَجُلٌ مِن بَنِي ضُبَيْعَةَ، وقالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: بَنَيْنا مَسْجِدًا لِذِي العِلَّةِ والحاجَةِ واللَّيْلَةِ المَطِيرَةِ والشّاتِيَةِ، ونَحْنُ نُحِبُّ أنْ تُصَلِّيَ لَنا فِيهِ، وتَدْعُوَ لَنا بِالبَرَكَةِ، فَقالَ ﷺ: «إنِّي عَلى جَناحِ سَفَرٍ وحالِ شُغْلٍ، وإذا قَدِمْنا إنْ شاءَ اللَّهُ صَلَّيْنا فِيهِ»، وكانَ إمامُهم مُجَمِّعُ بْنُ جارِيَةَ وكانَ غُلامًا قارِئًا لِلْقُرْآنِ حَسَنَ الصَّوْتِ، وهو مِمَّنْ حَسُنَ إسْلامُهُ، ووَلّاهُ عُمَرُ إمامَةَ مَسْجِدِ قُباءٍ بَعْدَ مُراجَعَةٍ، ثُمَّ بَعَثَهُ إلى الكُوفَةِ يُعَلِّمُهُمُ القُرْآنُ، فَلَمّا قَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ نَزَلَ بِذِي أوانٍ بَلَدٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَدِينَةِ ساعَةٌ مِن نَهارٍ، ونَزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ في شَأْنِ مَسْجِدِ الضِّرارِ، فَدَعا مالِكَ بْنَ الدُّخْشُمِ ومَعْنًا وعاصِمًا ابْنَيْ عَدِيٍّ. وقِيلَ: بَعَثَ عَمّارَ بْنَ ياسِرٍ ووَحْشِيًّا قاتِلَ حَمْزَةَ بِهَدْمِهِ وتَحْرِيقِهِ، فَهُدِمَ وحُرِّقَ بِنارٍ في سَعَفٍ، واتُّخِذَ كُناسَةً تُرْمى فِيها الجِيَفُ والقُمامَةُ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: صَلَّوْا فِيهِ الجُمُعَةَ والسَّبْتَ والأحَدَ وانْهارَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ ولَمْ يُحَرَّقْ. وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ: نافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وغَيْرُهم، وابْنُ عامِرٍ: ”الَّذِينَ“ بِغَيْرِ واوٍ، كَذا هي في مَصاحِفِ المَدِينَةِ والشّامِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾ [التوبة: ١٠٦]، وأنْ يَكُونَ خَبَرَ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: هُمُ الَّذِينَ، وأنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً. وقالَ الكِسائِيُّ: الخَبَرُ ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَتَّجِهُ بِإضْمارِ إمّا في أوَّلِ الآيَةِ، وإمّا في آخِرِها، بِتَقْدِيرِ: لا تَقُمْ في مَسْجِدِهِمْ. وقالَ النَّحّاسُ والحَوْفِيُّ: الخَبَرُ (لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ) . وقالَ المَهْدَوِيُّ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: مُعَذَّبُونَ أوْ نَحْوُهُ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: (والَّذِينَ) بِالواوِ عَطْفًا عَلى (وآخَرُونَ)، أيْ: ومِنهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ كَخَبَرِهِ بِغَيْرِ الواوِ إذا أُعْرِبَ مُبْتَدَأً. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: (والَّذِينَ اتَّخَذُوا) ما مَحَلُّهُ مِنَ الإعْرابِ ؟ قُلْتُ: مَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى الِاخْتِصاصِ كَقَوْلِهِ تَعالى: (والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ) وقِيلَ: هو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، مَعْناهُ فِيمَن وصَفْنا (الَّذِينَ اتَّخَذُوا) كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨]، وانْتَصَبَ (ضِرارًا) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، أيْ: مُضارَّةً لِإخْوانِهِمْ أصْحابِ مَسْجِدِ قُباءٍ، ومُعادَةً وكُفْرًا وتَقْوِيَةً لِلنِّفاقِ، وتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّهم كانُوا يُصَلُّونَ مُجْتَمِعِينَ في مَسْجِدِ قُباءٍ فَيَغْتَصُّ بِهِمْ، فَأرادُوا أنْ يَفْتَرِقُوا عَنْهُ وتَخْتَلِفَ كَلِمَتُهم، إذْ كانَ مَن يُجاوِزُ مَسْجِدَهم يَصْرِفُونَهُ إلَيْهِ، وذَلِكَ داعِيَةٌ إلى صَرْفِهِ عَنِ الإيمانِ. ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا لِـ (اتَّخَذُوا)، (وإرْصادًا)، أيْ: إعْدادًا لِأجْلِ مَن حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ وهو أبُو عامِرٍ الرّاهِبُ أعَدُّوهُ لَهُ لِيُصَلِّيَ فِيهِ، ويَظْهَرَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكانَ قَدْ تَعَبَّدَ في الجاهِلِيَّةِ فَسُمِّيَ الرّاهِبَ، وسَمّاهُ الرَّسُولُ ﷺ الفاسِقَ، وكانَ سَيِّدًا في قَوْمِهِ نَظِيرًا وقَرِيبًا مِن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ، فَلَمّا جاءَ اللَّهُ بِالإسْلامِ نافَقَ ولَمْ يَزَلْ مُجاهِرًا بِذَلِكَ، وقالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ مُحاوَرَةٍ: ”لا أجِدُ قَوْمًا يُقاتِلُونَكَ إلّا قاتَلْتُكَ مَعَهم“، فَلَمْ يَزَلْ يُقاتِلُهُ وحَزَّبَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الأحْزابَ، فَلَمّا رَدَّهُمُ اللَّهُ بِغَيْظِهِمْ أقامَ بِ مَكَّةَ مُظْهِرًا لِلْعَداوَةِ، فَلَمّا كانَ الفَتْحُ هَرَبَ إلى الطّائِفِ، فَلَمّا أسْلَمَ أهْلُ الطّائِفِ هَرَبَ إلى الشّامِ يُرِيدُ قَيْصَرَ مُسْتَنْصِرًا عَلى الرَّسُولِ، فَماتَ وحِيدًا طَرِيدًا غَرِيبًا بِقِنِّسَرِينَ، وكانَ قَدْ دَعا بِذَلِكَ عَلى الكافِرِينَ وأمَّنَ الرَّسُولُ، فَكانَ كَما دَعا، وفِيهِ يَقُولُ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ:(p-٩٩)
؎مَعاذَ اللَّهِ مِن فِعْلٍ خَبِيثٍ كَسَعْيِكَ في العَشِيرَةِ عَبْدَ عَمْرٍو
؎وقُلْتَ بِأنَّ لِي شَرَفًا وذِكْرًا ∗∗∗ فَقَدْ تابَعْتَ إيمانًا بِكُفْرِ
وقَرَأ الأعْمَشُ: (وإرْصادًا لِلَّذِينَ حارَبُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ)، والظّاهِرُ أنَّ ”مِن قَبْلُ“ مُتَعَلِّقًا بِـ (حارَبَ)، يُرِيدُ في غَزْوَةِ الأحْزابِ وغَيْرِها، أيْ: مِن قَبْلِ اتِّخاذِ هَذا المَسْجِدِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: بِمَ يَتَّصِلُ قَوْلُهُ تَعالى: (مِن قَبْلُ) ؟ قُلْتُ: بِـ (اتَّخَذُوا)، أيْ: اتَّخَذُوا مَسْجِدًا مِن قَبْلُ أنْ يُنافِقَ هَؤُلاءِ بِالتَّخَلُّفِ. انْتَهى. ولَيْسَ بِظاهِرٍ، والخالِفُ هو الَّذِي لا يَخْرُجُ، أيْ لِلْغَزْوِ. ما أرَدْنا بِبِناءِ هَذا المَسْجِدِ إلّا الحُسْنى والتَّوْسِعَةِ عَلَيْنا وعَلى مَن ضَعُفَ أوْ عَجَزَ عَنِ المَسِيرِ إلى مَسْجِدِ قُباءٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ما أرَدْنا بِبِناءِ هَذا المَسْجِدِ إلّا الخَصْلَةَ الحُسْنى، أوْ لِإرادَةِ الحُسْنى وهي الصَّلاةُ وذِكْرُ اللَّهِ تَعالى والتَّوَسُّعُ عَلى المُصَلِّينَ. انْتَهى. كَأنَّهُ في قَوْلِهِ: إلّا الخَصْلَةَ الحُسْنى جَعَلَهُ مَفْعُولًا، وفي قَوْلِهِ: أوْ لِإرادَةِ الحُسْنى جَعَلَهُ عِلَّةً، وكَأنَّهُ ضَمَّنَ أرادَ مَعْنى قَصَدَ، أيْ: ما قَصَدْنا بِبِنائِهِ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا لِإرادَةِ الحُسْنى وهي الصَّلاةُ، وهَذا وجْهٌ مُتَكَلَّفٌ. فَأكْذَبَهُمُ اللَّهُ في قَوْلِهِمْ، ونَهاهُ أنْ يَقُومَ فِيهِ فَقالَ: (لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا) نَهاهُ؛ لِأنَّ بُناتَهُ كانُوا خادَعُوا الرَّسُولَ ﷺ، فَهَمَّ الرَّسُولُ ﷺ بِالمَشْيِ مَعَهم، واسْتَدْعى قَمِيصَهُ لِيَنْهَضَ، فَنَزَلَتْ: (لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا)، وعَبَّرَ بِالقِيامِ عَنِ الصَّلاةِ فِيهِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وفِرْقَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ: المُؤَسَّسُ عَلى التَّقْوى مَسْجِدُ قُباءٍ، أسَّسَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وصَلّى فِيهِ أيّامَ مَقامِهِ بِ قُباءٍ، وهي: يَوْمُ الِاثْنَيْنِ، والثُّلاثاءِ، والأرْبِعاءِ، والخَمِيسِ، وخَرَجَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وهو أوْلى لِأنَّ المُوازَنَةَ بَيْنَ مَسْجِدِ قُباءٍ ومَسْجِدِ الضِّرارِ أوْقَعُ مِنها بَيْنَ مَسْجِدِ الرَّسُولِ ومَسْجِدِ الضِّرارِ، وذَلِكَ لائِقٌ بِالقِصَّةِ. وعَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، وأبِي سَعِيدٍ، وابْنِ عُمَرَ: أنَّهُ مَسْجِدُ الرَّسُولِ. ورُوِيَ أنَّهُ ﷺ قالَ: ”هو مَسْجِدِي هَذا“ لَمّا سُئِلَ عَنِ المَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى. وإذا صَحَّ هَذا النَّقْلُ لَمْ يُمْكِنْ خِلافُهُ، ومِن هُنا دَخَلَتْ عَلى الزَّمانِ، واسْتَدَلَّ بِذَلِكَ الكُوفِيُّونَ عَلى أنَّ ”مِن“ تَكُونُ لِابْتِداءِ الغايَةِ في الزَّمانِ، وتَأوَّلَهُ البَصْرِيُّونَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: مِن تَأْسِيسِ أوَّلِ يَوْمٍ؛ لِأنَّ مِن مَذْهَبِهِمْ أنَّها لا تَجُرُّ الأزْمانَ، وتَحْقِيقُ ذَلِكَ في عِلْمِ النَّحْوِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْسُنُ عِنْدِي أنْ يُسْتَغْنى عَنْ تَقْدِيرِ، وأنْ تَكُونَ ”مِن“ تَجُرُّ لَفْظَةَ ”أوَّلِ“ لِأنَّها بِمَعْنى البُداءَةِ، كَأنَّهُ قالَ: مِن مُبْتَدَأِ الأيّامِ، وقَدْ حُكِيَ لِي هَذا الَّذِي اخْتَرْتُهُ عَنْ بَعْضِ أئِمَّةِ النَّحْوِ. انْتَهى. و(أحَقُّ) بِمَعْنى حَقِيقٌ، ولَيْسَتْ أفْعَلَ تَفْضِيلٍ، إذْ لا اشْتِراكَ بَيْنَ المَسْجِدَيْنِ في الحَقِّ، والتّاءُ في (أنْ تَقُومَ) تاءُ خِطابٍ لِلرَّسُولِ ﷺ .
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدٍ: (فِيهِ) بِكَسْرِ الهاءِ، (فِيهُ) الثّانِيَةَ بِضَمِّ الهاءِ، جَمَعَ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ، والأصْلُ الضَّمُّ، وفِيهِ رَفْعُ تَوَهُّمِ التَّوْكِيدِ، ورَفَعَ (رِجالٌ) فَيَقُومُ إذْ فِيهِ الأُولى في مَوْضِعِ نَصْبٍ، والثّانِيَةُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ. وجَوَّزُوا في (فِيهِ رِجالٌ) أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَسْجِدٍ، والحالَ، والِاسْتِئْنافَ. وفي الحَدِيثِ «قالَ لَهم: ”يا مَعْشَرَ الأنْصارِ رَأيْتُ اللَّهَ أثْنى عَلَيْكم بِالطَّهُورِ فَماذا تَفْعَلُونَ ؟“ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ إنّا رَأيْنا جِيرانَنا مِنَ اليَهُودِ يَتَطَهَّرُونَ بِالماءِ يُرِيدُونَ الِاسْتِنْجاءَ بِالماءِ فَفَعَلْنا ذَلِكَ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ لَمْ نَدَعْهُ فَقالَ: ”فَلا تَدَعُوهُ إذًا“» وفي بَعْضِ ألْفاظِ هَذا الحَدِيثِ زِيادَةٌ واخْتِلافٌ.
وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في الِاسْتِنْجاءِ بِالحِجارَةِ أوْ بِالماءِ، أيُّهِما أفْضَلُ. ورَأتْ فِرْقَةٌ الجَمْعَ بَيْنَهُما، وشَذَّ ابْنُ حَبِيبٍ فَقالَ: لا يُسْتَنْجى بِالحِجارَةِ حَيْثُ يُوجَدُ الماءُ، فَعَلى ما رُوِيَ في هَذا الحَدِيثِ يَكُونُ التَّطْهِيرُ عِبارَةً عَنِ اسْتِعْمالِ الماءِ في إزالَةِ النَّجاسَةِ في الِاسْتِنْجاءِ. وقِيلَ: هو عامٌّ في النَّجاساتِ كُلِّها. وقالَ الحَسَنُ: مِنَ التَّطْهِيرِ مِنَ الذُّنُوبِ بِالتَّوْبَةِ. وقِيلَ: يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا بِالحُمّى المُكَفِّرَةِ لِلذُّنُوبِ، فَحُمُّوا عَنْ آخِرِهِمْ. وفي دَلائِلَ النُّبُوَّةِ لِلْبَيْهَقِيِّ: «أنَّ أهْلَ قُباءٍ شَكَوا الحُمّى، فَقالَ: ”إنْ شِئْتُمْ دَعَوْتُ اللَّهَ فَأزالَها عَنْكم، وإنْ شِئْتُمْ جَعَلْتُها لَكم طُهْرَةً“ فَقالُوا: بَلِ اجْعَلْها لَنا (p-١٠٠)طُهْرَةً» . ومَعْنى مَحَبَّتِهِمُ التَّطْهِيرُ أنَّهم يُؤْثِرُونَهُ ويَحْرِصُونَ عَلَيْهِ حِرْصَ المُحِبِّ الشَّيْءَ المُشْتَهى لَهُ عَلى أشْياءَ، ومَحَبَّةُ اللَّهِ إيّاهم أنَّهُ يُحْسِنُ إلَيْهِمْ كَما يَفْعَلُ المُحِبُّ بِمَحْبُوبِهِ. وقَرَأ ابْنُ مُصَرِّفٍ والأعْمَشُ: (يَطَّهَرُوا) بِالإدْغامِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي طالِبٍ: (المُتَطَهِّرِينَ) .
9:109–110Страница 204
أَفَمَنۡ أَسَّسَ بُنۡيَٰنَهُۥ عَلَىٰ تَقۡوَىٰ مِنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٍ خَيۡرٌ أَم مَّنۡ أَسَّسَ بُنۡيَٰنَهُۥ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٖ فَٱنۡهَارَ بِهِۦ فِي نَارِ جَهَنَّمَۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٠٩
Тот ли, кто заложил основание своего строения на страхе перед Аллахом и стремлении к Его довольству, лучше или же тот, кто заложил его на самом краю обрыва, готового обвалиться, так что он обвалился вместе с ним в огонь Геенны? Воистину, Аллах не ведет прямым путем несправедливых людей.
لَا يَزَالُ بُنۡيَٰنُهُمُ ٱلَّذِي بَنَوۡاْ رِيبَةٗ فِي قُلُوبِهِمۡ إِلَّآ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ١١٠
Строение, которое они построили, всегда будет порождать сомнения в их сердцах, пока их сердца не разорвутся. Аллах - Знающий, Мудрый.
﴿أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٍ خَيْرٌ أمْ مَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فانْهارَ بِهِ في نارِ جَهَنَّمَ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: (أسَّسَ بُنْيانَهُ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ في المَوْضِعَيْنِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ وجَماعَةٌ ذَلِكَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وبِنَصْبِ (بُنْيانَ) . وقَرَأ عُمارَةُ بْنُ عائِذٍ الأُولى عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، والثّانِيَةَ عَلى بِنائِهِ لِلْفاعِلِ. وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، ورُوِيَتْ عَنْ نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ: (أسَّسَ بُنْيانَهُ)، وعَنْ نَصْرِ بْنِ عَلِيٍّ وأبِي حَيْوَةَ ونَصْرِ بْنِ عاصِمٍ أيْضًا: (أساسُ) جَمْعُ أُسٍّ. وعَنْ نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ: (أسُسَ) بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ وسِينٍ مَضْمُومَةٍ. وقُرِئَ: (إساسُ) بِالكَسْرِ، وهي جُمُوعٌ أُضِيفَتْ إلى البُنْيانِ. وقُرِئَ: ”أساسُ“ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، و”أُسُّ“ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وتَشْدِيدِ السِّينِ، وهُما مُفْرَدانِ أُضِيفا إلى البُنْيانِ، فَهَذِهِ تِسْعُ قِراءاتٍ. وفي كِتابِ اللَّوامِحِ نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ: (أفَمَن أسَسُ) بِالتَّخْفِيفِ والرَّفْعِ، (بُنْيانِهِ) بِالجَرِّ عَلى الإضافَةِ، فَـ (أسَسُ) مَصْدَرُ أسَّ الحائِطَ يَؤُسُّهُ أسًّا وأسَسًا. وعَنْ نَصْرٍ أيْضًا: أساسُ بُنْيانِهِ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ بِالألِفِ، وأسٌّ وأسَسٌ وأساسٌ كُلٌّ مَصادِرُ. انْتَهى. والبُنْيانُ مَصْدَرٌ كالغُفْرانِ، أُطْلِقَ عَلى المَبْنى كالخَلْقِ بِمَعْنى المَخْلُوقِ. وقِيلَ: هو جَمْعٌ واحِدُهُ بُنْيانَةٌ، قالَ الشّاعِرَ:
؎كَبُنْيانَةِ القارِيِّ مَوْضِعُ رَحْلِها وآثارُ نِسْعَيْها مِنَ الدَّفِّ أبْلَقُ
وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: (عَلى تَقْوًى) بِالتَّنْوِينِ، وحَكى هَذِهِ القِراءَةَ سِيبَوَيْهِ، ورَدَّها النّاسُ. قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: قِياسُها أنْ تَكُونَ ألِفُها لِلْإلْحاقِ كَأرْطى. وقَرَأ جَماعَةٌ، مِنهم حَمْزَةُ وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ: (جُرْفٍ) بِإسْكانِ الرّاءِ، وباقِي السَّبْعَةِ وجَماعَةٌ بِضَمِّها، وهُما لُغَتانِ. وقِيلَ: الأصْلُ الضَّمُّ. وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: (فانْهارَتْ بِهِ قَواعِدُهُ في نارِ جَهَنَّمَ)، والظّاهِرُ أنَّ هَذا الكَلامَ فِيهِ تَبْيِينُ حالَيِ المَسْجِدَيْنِ: مَسْجِدِ قُباءٍ أوْ مَسْجِدِ الرَّسُولِ، ومَسْجِدِ الضِّرارِ، وانْتِفاءُ تَساوِيهِما والتَّفْرِيقُ بَيْنَهُما، وكَذَلِكَ قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: رَأيْتُ الدُّخانَ يَخْرُجُ مِن مَسْجِدِ الضِّرارِ وانْهارَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ. ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أنَّهُ إذْ أرْسَلَ الرَّسُولُ بِهَدْمِهِ رُئِيَ مِنهُ الدُّخانُ يَخْرُجُ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ الرَّجُلُ يُدْخِلُ فِيهِ سَعَفَةً مِن سَعَفِ النَّخْلِ فَيُخْرِجُها سَوْداءَ مُحْتَرِقَةً، وكانَ يَحْفِرُ ذَلِكَ المَوْضِعَ الَّذِي انْهارَ فَيَخْرُجُ مِنهُ دُخانٌ. وقِيلَ: هَذا ضَرْبُ مَثَلٍ، أيْ: مَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى الإسْلامِ خَيْرٌ أمْ مَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى الشِّرْكِ والنِّفاقِ، وبَيَّنَ أنَّ بِناءَ الكافِرِ كَبِناءٍ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ يَتَهَوَّرُ أهْلُهُ في جَهَنَّمَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قِيلَ: بَلْ ذَلِكَ حَقِيقَةٌ، وأنَّ ذَلِكَ المَسْجِدَ بِعَيْنِهِ انْهارَ في نارِ جَهَنَّمَ، قالَهُ قَتادَةٌ، وابْنُ جُرَيْجٍ. و(خَيْرٌ) لا شَرِكَةَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ في (خَيْرٌ) إلّا عَلى مُعْتَقَدٍ بانِي مَسْجِدِ الضِّرارِ، فَبِحَسَبِ ذَلِكَ المُعْتَقَدِ صَحَّ التَّفْضِيلُ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى: أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَ دِينِهِ عَلى قاعِدَةٍ قَوِيَّةٍ مُحْكَمَةٍ وهي الحَقُّ الَّذِي هو تَقْوى اللَّهِ تَعالى، ورَسُولِهِ - خَيْرٌ، أمْ مَن أسَّسَ عَلى قاعِدَةٍ هي أضْعَفُ القَواعِدِ وأوْهاها وأقَلُّها بَقاءً وهو الباطِلُ والنِّفاقُ الَّذِي مَثَلُهُ مَثَلُ شَفا جُرُفٍ هارٍ في قِلَّةِ الثَّباتِ والِاسْتِمْساكِ ؟ وُضِعَ شَفا الجُرُفِ في مُقابَلَةِ التَّقْوى، لا جُعِلَ مَجازًا عَنْ ما يُنافِي التَّقْوى. فَإنْ قُلْتَ: فَما مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: (فانْهارَ بِهِ في نارِ جَهَنَّمَ) ؟ قُلْتُ: لَمّا جُعِلَ الجُرُفُ الهائِرُ مَجازًا عَنِ الباطِلِ، قِيلَ: (فانْهارَ بِهِ) عَلى مَعْنى: فَطاحَ بِهِ الباطِلُ في نارِ جَهَنَّمَ، إلّا أنَّهُ رَشَّحَ المَجازَ فَجِيءَ بِلَفْظِ الِانْهِيارِ الَّذِي هو لِلْجُرُفِ، ولِتَصَوُّرِ أنَّ الباطِلَ كَأنَّهُ أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ مِن أوْدِيَةِ جَهَنَّمَ فانْهارَ بِهِ ذَلِكَ الجُرُفُ فَهَوى في قَعْرِها، ولا نَرى أبْلَغَ مِن هَذا الكَلامِ ولا أدَلَّ عَلى حَقِيقَةِ الباطِلِ، وكُنْهِ أمْرِهِ، والفاعِلُ (فانْهارَ)، أيْ: البُنْيانُ أوِ الشَّفا أوِ الجُرُفُ بِهِ، أيْ: المُؤَسِّسِ البانِي، (p-١٠١)أوِ انْهارَ الشَّفا أوِ الجُرُفُ بِهِ، أيْ: بِالبُنْيانِ، ويَسْتَلْزِمُ انْهِيارَ الشَّفا والبُنْيانِ، ولا يَسْتَلْزِمُ انْهِيارُ أحَدِهِما انْهِيارَهُ. (واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ) إشارَةٌ إلى تَعَدِّيهِمْ ووَضْعِ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ حَيْثُ بَنَوْا مَسْجِدَ الضِّرارِ، إذِ المَساجِدُ بُيُوتُ اللَّهِ يَجِبُ أنْ يُخْلَصَ فِيها القَصْدُ والنِّيَّةُ لِوَجْهِ اللَّهِ وعِبادَتِهِ، فَبَنَوْهُ ضِرارًا وكُفْرًا وتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ، وإرْصادًا لِمَن حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ.
﴿لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً في قُلُوبِهِمْ إلّا أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهم واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ البُنْيانُ هُنا مَصْدَرًا، أيْ: لا يَزالُ ذَلِكَ الفِعْلُ وهو البُنْيانُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ المَبْنى، فَيَكُونُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: لا يَزالُ بِناءَ المَبْنى. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا يَزالُونَ شاكِّينَ. وقالَ حَبِيبُ بْنُ أبِي ثابِتٍ: غَيْظًا في قُلُوبِهِمْ، أيْ سَبَبَ غَيْظٍ. وقِيلَ: كُفْرًا في قُلُوبِهِمْ. وقالَ عَطاءٌ: نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: أسَفًا ونَدامَةً. وقالَ ابْنُ السّائِبِ ومُقاتِلٌ: حَسْرَةً ونَدامَةً، لِأنَّهم نَدِمُوا عَلى بُنْيانِهِ. وقالَ قَتادَةُ: في الكَلامِ حَذْفٌ، تَقْدِيرُهُ: لا يَزالُ هَدْمُ بُنْيانِهِمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً، أيْ: حَزازَةً وغَيْظًا في قُلُوبِهِمْ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ”الَّذِي بَنَوْا“ تَأْكِيدٌ وتَصْرِيحٌ بِأمْرِ المَسْجِدِ ورَفْعُ الإشْكالِ، والرِّيبَةُ الشَّكُّ، وقَدْ يُسَمّى رِيبَةً فَسادُ المُعْتَقَدِ واضْطِرابُهُ، والإعْراضُ في الشَّيْءِ والتَّخْبِيطُ فِيهِ. والحَزازَةُ مِن أجْلِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ شَكًّا فَقَدْ يَرْتابُ مَن لا يَشُكُّ، ولَكِنَّها في مُعْتادِ اللُّغَةِ تَجْرِي مَعَ الشَّكِّ. ومَعْنى الرِّيبَةِ في هَذِهِ الآيَةِ تَعُمُّ الحَيْقَ، واعْتِقادَ صَوابِ فِعْلِهِمْ، ونَحْوَ هَذا مِمّا يُؤَدِّي كُلُّهُ إلى الرِّيبَةِ في الإسْلامِ. فَمَقْصِدُ الكَلامِ: لا يَزالُ هَذا البُنْيانُ الَّذِي هُدِمَ لَهم يُبْقِي في قُلُوبِهِمْ حَزازَةً وأثَرَ سُوءٍ. وبِالشَّكِّ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ الرِّيبَةَ هُنا، وفَسَّرَها السُّدِّيُّ بِالكُفْرِ. وقِيلَ لَهُ: أفَكَفَرَ مُجَمِّعُ بْنُ جارِيَةَ ؟ قالَ: لا، ولَكِنَّها حَزازَةٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومُجَمِّعٌ رَحِمَهُ اللَّهُ قَدْ أقْسَمَ لِعُمَرَ أنَّهُ ما عَلِمَ باطِنَ القَوْمِ، ولا قَصَدَ سُوءًا. والآيَةُ إنَّما عَنَتْ مَن أبْطَنَ سُوءًا. ولَيْسَ مُجَمِّعٌ مِنهم. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لا يَزالُونَ مُرِيبِينَ بِسَبَبِ بُنْيانِهِمُ الَّذِي اتَّضَحَ فِيهِ نِفاقُهم. وجُمْلَةُ هَذا أنَّ الرِّيبَةَ في الآيَةِ تَعُمُّ مَعانِيَ كَثِيرَةً يَأْخُذُ كُلُّ مُنافِقٍ مِنها بِحَسَبِ قَدْرِهِ مِنَ النِّفاقِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: جَعَلَ نَفْسَ البُنْيانِ رِيبَةً لِكَوْنِهِ سَبَبًا لَها، وكَوْنُهُ سَبَبًا لَها أنَّهُ لَمّا أمَرَ بِتَخْرِيبِ ما فَرِحُوا بِبِنائِهِ ثَقُلَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وازْدادَ بُغْضُهم لَهُ، وارْتِيابُهم في نُبُوَّتِهِ، أوِ اعْتَقَدُوا هَدْمَهُ مِن أجْلِ الحَسَدِ، فارْتَفَعَ إيمانُهم وخافُوا الإيقاعَ بِهِمْ قَتْلًا ونَهْبًا، أوْ بَقَوْا شاكِّينَ: أيَغْفِرُ اللَّهُ لَهم تِلْكَ المَعْصِيَةَ ؟ انْتَهى، وفِيهِ تَلْخِيصٌ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وحَفْصٌ: ﴿إلّا أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ بِفَتْحِ التّاءِ، أيْ: يَتَقَطَّعَ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالضَّمِّ، مُضارِعُ قَطَّعَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقُرِئَ: (يَقْطَعَ) بِالتَّخْفِيفِ. وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ويَعْقُوبُ: (إلى أنْ نَقْطَعَ)، وأبُو حَيْوَةَ: (إلى أنْ تُقَطِّعَ) بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ القافِ وكَسْرِ الطّاءِ مُشَدَّدَةً، ونَصْبِ (قُلُوبَهَمْ) خِطابًا لِلرَّسُولِ، أيْ: تَقْتُلَهم، أوْ فِيهِ ضَمِيرُ الرِّيبَةِ. وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: (ولَوْ قُطِّعَتْ قُلُوبُهم)، وكَذَلِكَ قَرَأها أصْحابُهُ. وحَكى أبُو عَمْرٍو هَذِهِ القِراءَةَ: (إنْ قَطَعْتَ) بِتَخْفِيفِ الطّاءِ. وقَرَأ طَلْحَةُ: (ولَوْ قَطَّعْتَ قُلُوبَهم) خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ، أوْ كُلِّ مُخاطَبٍ. وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: (حَتّى المَماتِ)، وفِيهِ: (حَتّى تُقْطَعَ) . فَمَن قَرَأ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الطّاءِ ونَصْبِ القُلُوبِ فالمَعْنى: بِالقَتْلِ. وأمّا عَلى مَن قَرَأهُ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهم: بِالمَوْتِ، أيْ: إلى أنْ يَمُوتُوا. وقالَ عِكْرِمَةُ: إلى أنْ يُبْعَثَ مَن في القُبُورِ. وقالَ سُفْيانُ: إلى أنْ يَتُوبُوا عَمّا فَعَلُوا، فَيَكُونُونَ بِمَنزِلَةِ مَن قُطِعَ قَلْبُهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَيْسَ هَذا بِظاهِرٍ، إلّا أنْ يُتَأوَّلَ أنْ يَتُوبُوا تَوْبَةً نَصُوحًا يَكُونُ مَعَها مِنَ النَّدَمِ والحَسْرَةِ ما يَقْطَعُ القُلُوبَ هَمًّا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا يَزالُ يُبْدِيهِ سَبَبُ شَكٍّ ونِفاقٍ زائِدٌ عَلى شَكِّهِمْ ونِفاقِهِمْ، لا يَزالُ وسْمُهُ في قُلُوبِهِمْ ولا يَضْمَحِلُّ أمْرُهُ إلّا أنْ تُقَطَّعَ قُلُوبُهم قِطَعًا وتُفَرَّقَ أجْزاءً، فَحِينَئِذٍ يَسْألُونَ عَنْهُ، وأمّا ما دامَتْ سَلِيمَةً مُجْتَمِعَةً فالرِّيبَةُ قائِمَةٌ فِيها مُتَمَكِّنَةٌ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ حَقِيقَةَ تَقْطِيعِها وما هو كائِنٌ مِنهُ (p-١٠٢)بِقَتْلِهِمْ، أوْ في القُبُورِ، أوْ في النّارِ. وقِيلَ: مَعْناهُ إلّا أنْ يَتُوبُوا تَوْبَةً تَتَقَطَّعُ بِها قُلُوبُهم نَدَمًا وأسَفًا عَلى تَفْرِيطِهِمْ. (واللَّهُ عَلِيمٌ) بِأحْوالِهِمْ، (حَكِيمٌ) فِيما يَجْرِي عَلَيْهِمْ مِنَ الأحْكامِ، أوْ عَلِيمٌ بِنِيّاتِهِمْ، حَكِيمٌ في عُقُوباتِهِمْ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии