Абу ХайянАт‑Тавба · 9:67–73

Абу Хайян · Тафсир · на арабском

Ат-Тавба 9:67–73

9:67–70Страница 197

ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتُ بَعۡضُهُم مِّنۢ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمُنكَرِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَقۡبِضُونَ أَيۡدِيَهُمۡۚ نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمۡۚ إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٦٧

Лицемеры и лицемерки подобны друг другу. Они велят совершать предосудительное, запрещают одобряемое и сжимают свои руки (скупятся делать пожертвования). Они предали забвению Аллаха, и Он предал их забвению. Воистину, лицемеры являются нечестивцами!

وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتِ وَٱلۡكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ هِيَ حَسۡبُهُمۡۚ وَلَعَنَهُمُ ٱللَّهُۖ وَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّقِيمٞ ٦٨

Лицемерам, лицемеркам и неверующим Аллах обещал огонь Геенны, в котором они пребудут вечно. Довольно с них этого! Аллах проклял их, и им уготованы вечные мучения.

كَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ كَانُوٓاْ أَشَدَّ مِنكُمۡ قُوَّةٗ وَأَكۡثَرَ أَمۡوَٰلٗا وَأَوۡلَٰدٗا فَٱسۡتَمۡتَعُواْ بِخَلَٰقِهِمۡ فَٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِخَلَٰقِكُمۡ كَمَا ٱسۡتَمۡتَعَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُم بِخَلَٰقِهِمۡ وَخُضۡتُمۡ كَٱلَّذِي خَاضُوٓاْۚ أُوْلَٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٦٩

Они подобны тем, которые жили до вас. Они превосходили вас силой, и у них было больше имущества и детей. Они насладились своей долей. Вы тоже насладились своей долей, подобно вашим предшественникам. Вы погружались в словоблудие, подобно им. Их деяния тщетны как в этом мире, так и в Последней жизни. Они являются потерпевшими убыток.

أَلَمۡ يَأۡتِهِمۡ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ قَوۡمِ نُوحٖ وَعَادٖ وَثَمُودَ وَقَوۡمِ إِبۡرَٰهِيمَ وَأَصۡحَٰبِ مَدۡيَنَ وَٱلۡمُؤۡتَفِكَٰتِۚ أَتَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِۖ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ٧٠

Разве до них не дошли рассказы о тех, кто жил до них: народе Нуха (Ноя), адитах, самудянах, народе Ибрахима (Авраама), жителях Мадьяна и опрокинутых селений (селений народа Лута)? Посланники приходили к ним с ясными знамениями. Аллах не был несправедлив к ним - они сами поступали несправедливо по отношению к себе.

(p-٦٨)﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ ويَقْبِضُونَ أيْدِيَهم نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهم إنَّ المُنافِقِينَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾: بَيَّنَ تَعالى أنَّ ذُكُورَهم وإناثَهم لَيْسُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ كَما قالَ تَعالى: ﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكم وما هم مِنكُمْ﴾ [التوبة: ٥٦] بَلْ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ في الحُكْمِ والمَنزِلَةِ والنِّفاقِ، فَهم عَلى دِينٍ واحِدٍ. ولَيْسَ المَعْنى عَلى التَّبْعِيضِ حَقِيقَةً؛ لِأنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ ووَصَفَهم بِخِلافِ ما عَلَيْهِ المُؤْمِنُونَ مِن أنَّهم يَأْمُرُونَ بِالمُنْكِرِ وهو الكُفْرُ وعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ والمَعاصِي، ويَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ؛ لِأنَّ الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمْ لَمْ يَكُونُوا أهْلَ قُدْرَةٍ ولا أفْعالٍ ظاهِرَةٍ، وذَلِكَ بِظُهُورِ الإسْلامِ وعِزَّتِهِ. وقَبْضُ الأيْدِي عِبارَةٌ عَنْ عَدَمِ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ قَتادَةُ: عَنْ كُلِّ خَيْرٍ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: عَنِ الجِهادِ وحَمْلِ السِّلاحِ في قِتالِ أعْداءِ الدِّينِ. وقالَ سُفْيانُ: عَنِ الرَّفْعِ في الدُّعاءِ. وقِيلَ: ذَلِكَ كِنايَةٌ عَنِ الشُّحِّ في النَّفَقاتِ في المَبارِّ والواجِباتِ، والنِّسْيانُ هُنا التَّرْكُ. قالَ قَتادَةُ: تَرَكُوا طاعَةَ اللَّهِ وطاعَةَ رَسُولِهِ فَنَسِيَهم، أيْ: تَرَكَهم مِنَ الخَيْرِ، أمّا مِنَ الشَّرِّ فَلَمْ يَنْسَهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أغْفَلُوا ذِكْرَهُ فَنَسِيَهم، تَرَكَهم مِن رَحْمَتِهِ وفَضْلِهِ، ويُعَبَّرُ بِالنِّسْيانِ عَنِ التَّرْكِ مُبالَغَةً في أنَّهُ لا يَخْطُرُ ذَلِكَ بِبالٍ. (هُمُ الفاسِقُونَ)، أيْ: هُمُ الكامِلُونَ في الفِسْقِ الَّذِي هو التَّمَرُّدُ في الكُفْرِ والِانْسِلاخُ مِن كُلِّ خَيْرٍ، وكَفى المُسْلِمَ زاجِرًا أنْ يُلِمَّ بِما يُكْسِبُ هَذا الِاسْمَ الفاحِشَ الَّذِي وصَفَ اللَّهُ بِهِ المُنافِقِينَ.

﴿وعَدَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والكُفّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هي حَسْبُهم ولَعَنَهُمُ اللَّهُ ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾: الكُفّارُ هُنا المُعْلِنُونَ بِالكُفْرِ، و(خالِدِينَ فِيها) حالٌ مُقَدَّرَةٌ؛ لِأنَّ الخُلُودَ لَمْ يُقارِنِ الوَعْدَ. و(حَسْبُهم) كافِيهم، وذَلِكَ مُبالَغَةٌ في عَذابِهِمْ، إذْ عَذابُهم شَيْءٌ لا يُزادُ عَلَيْهِ، و(لَعَنَهم) أهانَهم مَعَ التَّعْذِيبِ وجَعَلَهم مَذْمُومِينَ مُلْحَقِينَ بِالشَّياطِينِ المَلاعِينِ، كَما عَظَّمَ أهْلَ الجَنَّةِ وألْحَقَهم بِالمَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ. (مُقِيمٌ): مُؤَبَّدٌ لا نَقْلَةَ فِيهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ: ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ مَعَهم في العاجِلِ لا يَنْفَكُّونَ عَنْهُ، وهو ما يُقاسُونَهُ مِن تَعَبِ النِّفاقِ. والظّاهِرُ المُخالِفُ لِلْباطِنِ خَوْفًا مِنَ المُسْلِمِينَ، وما يَحْذَرُونَهُ أبَدًا مِنَ الفَضِيحَةِ ونُزُولِ العَذابِ إنِ اطُّلِعَ عَلى أسْرارِهِمْ.

﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكم كانُوا أشَدَّ مِنكم قُوَّةً وأكْثَرَ أمْوالًا وأوْلادًا فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكم كَما اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم بِخَلاقِهِمْ وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ وأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾: هَذا التِفاتٌ مِن ضَمِيرِ الغَيْبَةِ إلى ضَمِيرِ الخِطابِ. قالَ الفَرّاءُ: التَّشْبِيهُ مِن جِهَةِ الفِعْلِ، أيْ: فَعَلْتُمْ كَأفْعالِ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم، فَتَكُونُ الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى وعَدَ كَما وعَدَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم، فَهو مُتَعَلِّقٌ بِوَعَدَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي هَذا قَلَقٌ. وقالَ أبُو البَقاءِ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِـ (يَسْتَهْزِئُونَ)، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ. وقِيلَ: في مَوْضِعِ رَفْعٍ، التَّقْدِيرُ: أنْتُمْ كالَّذِينَ. والتَّشْبِيهُ وقَعَ في الِاسْتِمْتاعِ والخَوْضِ. وقَوْلُهُ: (كانُوا أشَدَّ) تَفْسِيرٌ لِشَبَهِهِمْ بِهِمْ، وتَمْثِيلٌ لِفِعْلِهِمْ بِفِعْلِهِمْ. والخَلاقُ: النَّصِيبُ، أيْ: ما قُدِّرَ لَهم.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: أيُّ فائِدَةٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿كَما اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم بِخَلاقِهِمْ﴾ (p-٦٩)مُغْنٍ عَنْهُ، كَما أغْنى ﴿كالَّذِي خاضُوا﴾ ؟ قُلْتُ: فائِدَتُهُ أنْ قَدَّمَ الأوَّلِينَ بِالِاسْتِمْتاعِ ما أُوتُوا مِن حُظُوظِ الدُّنْيا ورِضاهم بِها، والتِهائِهِمْ، فَشَبَّهُوا بِهِمُ الفانِيَةَ عَنِ النَّظَرِ في العاقِبَةِ وطَلَبِ الفَلاحِ في الآخِرَةِ، وأنْ يُخَسَّسَ أمْرُ الِاسْتِمْتاعِ ويُهَجَّنَ أمْرَ الرّاضِي بِهِ، ثُمَّ شَبَّهَ بَعْدَ ذَلِكَ حالَ المُخاطَبِينَ بِحالِهِمْ؛ كَما يُرِيدُ أنْ يُنَبِّهَ بَعْضَ الظَّلَمَةِ عَلى سَماجَةِ فِعْلِهِ فَيَقُولُ: أنْتَ مِثْلُ فِرْعَوْنَ كانَ يَقْتُلُ بِغَيْرِ جُرْمٍ ويُعَذِّبُ ويَعْسِفُ، وأنْتَ تَفْعَلُ مِثْلَ فِعْلِهِ. وأمّا ﴿وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾ فَمَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلُهُ مُسْتَنِدٌ إلَيْهِ مُسْتَغْنٍ بِإسْنادِهِ إلَيْهِ عَنْ تِلْكَ المُقَدِّمَةِ. انْتَهى. يَعْنِي: اسْتَغْنى عَنْ أنْ يَكُونَ التَّرْكِيبُ: وخاضُوا فَخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: كانُوا أشَدَّ مِنكم وأعْظَمَ فَعَصَوْا فَهَلَكُوا، فَأنْتُمْ أحْرى بِالإهْلاكِ لِمَعْصِيَتِكم وضَعْفِكم، والمَعْنى: عَجَّلُوا حَظَّهم في دُنْياهم، وتَرَكُوا بابَ الآخِرَةِ، فاتَّبَعْتُمُوهم أنْتُمْ. انْتَهى. ولَمّا ذَكَرَ تَشْبِيهَهم بِمَن قَبْلَهم وذَكَرَ ما كانُوا فِيهِ مِن شِدَّةِ القُوَّةِ وكَثْرَةِ الأوْلادِ، واسْتِمْتاعِهِمْ بِما قُدِّرَ لَهم مِنَ الأنْصِباءِ؛ شَبَّهَ اسْتِمْتاعَ المُنافِقِينَ بِاسْتِمْتاعِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، وأبْرَزَهم بِالِاسْمِ الظّاهِرِ فَقالَ: ﴿كَما اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم بِخَلاقِهِمْ﴾، ولَمْ يَكُنِ التَّرْكِيبُ (كَما اسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ) لِيَدُلَّ بِذَلِكَ عَلى التَّحْقِيرِ، لِأنَّهُ كَما يَدُلُّ بِإعادَةِ الظّاهِرِ مَكانَ المُضْمَرِ عَلى التَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ، كَذَلِكَ يَدُلُّ بِإعادَتِهِ عَلى التَّحْقِيرِ والتَّصْغِيرِ لِشَأْنِ المَذْكُورِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ [مريم: ٤٤] وكَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ: إنَّهُ كانَ، ولا: إنَّهم هم. و(خُضْتُمْ): أيْ دَخَلْتُمْ في اللَّهْوِ والباطِلِ، وهو مُسْتَعارٌ مِنَ الخَوْضِ في الماءِ، ولا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الباطِلِ؛ لِأنَّ التَّصَرُّفَ في الحَقِّ إنَّما هو عَلى تَرْتِيبٍ ونِظامٍ، وأُمُورُ الباطِلِ إنَّما هي خَوْضٌ. ومِنهُ: رُبَّ مُتَخَوِّضٍ في مالِ اللَّهِ لَهُ النّارُ يَوْمَ القِيامَةِ.

﴿كالَّذِي خاضُوا﴾ أيْ: كالخَوْضِ الَّذِي خاضُوا، قالَهُ الفَرّاءُ. وقِيلَ: كالخَوْضِ الَّذِينَ خاضُوا. وقِيلَ: النُّونُ مَحْذُوفَةٌ، أيْ: كالَّذِينَ خاضُوا، أيْ كَخَوْضِ الَّذِينَ. وقِيلَ: الَّذِي مَعَ ما بَعْدَها يُسْبَكُ مِنهُما مَصْدَرٌ، أيْ: كَخَوْضِهِمْ. والظّاهِرُ أنَّ (أُولَئِكَ) إشارَةٌ إلى الَّذِينَ وصَفَهم بِالشِّدَّةِ وكَثْرَةِ الأمْوالِ والأوْلادِ، والمَعْنى: وأنْتُمْ كَذَلِكَ يُحْبِطُ أعْمالَكم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِأُولَئِكَ المُنافِقِينَ المُعاصِرِينَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، ويَكُونُ الخِطابُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وفي ذَلِكَ خُرُوجٌ مِن خِطابٍ إلى خِطابٍ غَيْرِ الأوَّلِ. وقَوْلُهُ: (في الدُّنْيا) ما يُصِيبُهم في الدُّنْيا مِنَ التَّعَبِ وفَسادِ أعْمالِهِمْ، وفي الآخِرَةِ نارٌ لا تَنْفَعُ ولا يَقَعُ عَلَيْها جَزاءٌ. ويُقَوِّي الإشارَةَ بِـ (أُولَئِكَ) إلى المُنافِقِينَ - قَوْلُهُ في الآيَةِ المُسْتَقْبَلَةِ (ألَمْ يَأْتِهِمْ) فَتَأمَّلْهُ. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾، نَقِيضُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] .

﴿ألَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ إبْراهِيمَ وأصْحابِ مَدْيَنَ والمُؤْتَفِكاتِ أتَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾: لَمّا شَبَّهَ المُنافِقِينَ بِالكُفّارِ المُتَقَدِّمِينَ في الرَّغْبَةِ في الدُّنْيا وتَكْذِيبِ الأنْبِياءِ، وكانَ لَفْظُ ﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ فِيهِ إبْهامٌ؛ نَصَّ عَلى طَوائِفَ بِأعْيانِها سِتَّةٍ؛ لِأنَّهم كانَ عِنْدَهم شَيْءٌ مِن أنْبائِهِمْ، وكانَتْ بِلادُهم قَرِيبَةً مِن بِلادِ العَرَبِ، وكانُوا أكْثَرَ الأُمَمِ عَدَدًا، وأنْبِياؤُهم أعْظَمَ الأنْبِياءِ: نُوحٌ أوَّلُ الرُّسُلِ، وإبْراهِيمُ الأبُ الأقْرَبُ لِلْعَرَبِ، وما يَلِيها مِنَ الأُمَمِ مُقارِبُونَ لَهم في الشِّدَّةِ وكَثْرَةِ المالِ والوَلَدِ. فَقَوْمُ نُوحٍ أُهْلِكُوا بِالغَرَقِ، وعادٌ بِالرِّيحِ، وثَمُودُ بِالصَّيْحَةِ، وقَوْمُ إبْراهِيمَ بِسَلْبِ النِّعْمَةِ عَنْهم، حَتّى سُلِّطَتِ البَعُوضَةُ عَلى نَمْرُودَ مَلِكِهِمْ، وأصْحابُ مَدْيَنَ بِعَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ، والمُؤْتَفِكاتُ بِجَعْلِ أعالِي أرْضِها أسافِلَ وإمْطارِ الحِجارَةِ عَلَيْهِمْ.

قالَ الواحِدِيُّ: مَعْنى الِائْتِفاكِ الِانْقِلابُ، أفَكْتُهُ فائْتَفَكَ، أيْ: قَلَبْتُهُ فانْقَلَبَ. والمُؤْتَفِكاتُ صِفَةٌ لِلْقُرى الَّتِي ائْتَفَكَتْ بِأهْلِها، فَجُعِلَ أعْلاها أسْفَلَها. والمُؤْتَفِكاتُ مَدائِنُ قَوْمِ لُوطٍ. (p-٧٠)وقِيلَ: قَرْياتُ قَوْمِ لُوطٍ وهُودٍ وصالِحٍ. وائْتِفاكُهُنَّ: انْقِلابُ أحْوالِهِنَّ عَنِ الخَيْرِ إلى الشَّرِّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والمُؤْتَفِكاتُ أهْلُ القُرى الأرْبَعَةِ. وقِيلَ: التِّسْعَةُ الَّتِي بُعِثَ إلَيْهِمْ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ جاءَتْ في القُرْآنِ مُفْرَدَةً تَدُلُّ عَلى الجَمْعِ، ومِن هَذِهِ اللَّفْظَةِ قَوْلُ عِمْرانَ بْنِ حِطّانَ:

؎لِمَنطِقٍ مُسْتَبِينٍ غَيْرِ مُلْتَبِسٍ بِهِ اللِّسانُ ورَأْيٍ غَيْرِ مُؤْتَفِكِ

أيْ غَيْرِ مُنْقَلِبٍ مُتَصَرِّفٍ مُضْطَرِبٍ. ومِنهُ يُقالُ لِلرِّيحِ: مُؤْتَفِكَةٌ؛ لِتَصَرُّفِها، ومِنهُ ﴿أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠] والإفْكُ صَرْفُ القَوْلِ مِنَ الحَقِّ إلى الكَذِبِ. انْتَهى.

وفِي قَوْلِهِ: (ألَمْ يَأْتِهِمْ) تَذْكِيرٌ بِأنْباءِ الماضِينَ وتَخْوِيفٌ أنْ يُصِيبَهم مِثْلُ ما أصابَهم، وكانَ أكْثَرُهم عالِمِينَ بِأحْوالِ هَذِهِ الأُمَمِ، وقَدْ ذُكِرَ شَيْءٌ مِنها في أشْعارِ جاهِلِيَّتِهِمْ كالأفْوَهِ الأزْدِيِّ، وعَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدَةَ، وغَيْرِهِما. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (ألَمْ يَأْتِهِمْ) تَذْكِيرًا بِما قَصَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في القُرْآنِ مِن أحْوالِ هَؤُلاءِ وتَفاصِيلِها. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿أتَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ عائِدٌ عَلى الأُمَمِ السِّتَّةِ المَذْكُورَةِ، والجُمْلَةُ شَرْحٌ لِلنَّبَأِ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المُؤْتَفِكاتِ خاصَّةً، وأتى بِلَفْظِ رُسُلٍ وإنْ كانَ نَبِيُّهم واحِدًا؛ لِأنَّهُ كانَ يُرْسِلُ إلى كُلِّ قَرْيَةٍ رَسُولًا داعِيًا، فَهم رُسُلُ رَسُولِ اللَّهِ، ذَكَرَهُ الطَّبَرِيُّ. وقالَ الكَرْمانِيُّ: قِيلَ: يَعُودُ عَلى المُؤْتَفِكاتِ، أيْ: أتاهم رَسُولٌ بَعْدَ رَسُولٍ. والبَيِّناتُ المُعْجِزاتُ، وهي (وأصْحابُ) بِالنِّسْبَةِ إلى الحَقِّ، لا بِالنِّسْبَةِ إلى المُكَذِّبِينَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (لِيَظْلِمَهم) لِيُهْلِكَهم حَتّى يَبْعَثَ فِيهِمْ نَبِيًّا يُنْذِرُهم. والمَعْنى: أنَّهم أُهْلِكُوا بِاسْتِحْقاقِهِمْ. وقالَ مَكِّيٌّ: فَما كانَ اللَّهَ لِيَضَعَ عُقُوبَتَهُ في غَيْرِ مُسْتَحِقِّها، إذِ الظُّلْمُ وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ إذْ عَصَوُا اللَّهَ وكَذَّبُوا رُسُلَهُ حَتّى أسْخَطُوا رَبَّهم واسْتَوْجَبُوا العُقُوبَةَ، فَظَلَمُوا بِذَلِكَ أنْفُسَهم. وقالَ الكَرْمانِيُّ: لِيَظْلِمَهم بِإهْلاكِهِمْ، يَظْلِمُونَ بِالكُفْرِ والتَّكْذِيبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَما صَحَّ مِنهُ أنْ يَظْلِمَهم وهو حَكِيمٌ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ القَبِيحُ، وأنْ يُعاقِبَهم بِغَيْرِ جُرْمٍ، ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم حَيْثُ كَفَرُوا بِهِ فاسْتَحَقُّوا عِقابَهُ. انْتَهى. وذَلِكَ عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. ويَظْهَرُ أنَّ بَيْنَ قَوْلِهِ (بِالبَيِّناتِ) وقَوْلِهِ: (فَما كانَ) كَلامًا مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ، واللَّهُ أعْلَمُ: فَكَذَّبُوا فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ، فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم.

9:71–72Страница 198

وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ سَيَرۡحَمُهُمُ ٱللَّهُۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٧١

Верующие мужчины и женщины являются помощниками и друзьями друг другу. Они велят совершать одобряемое и запрещают предосудительное, совершают намаз, выплачивают закят, повинуются Аллаху и Его Посланнику. Аллах смилостивится над ними. Воистину, Аллах - Могущественный, Мудрый.

وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَمَسَٰكِنَ طَيِّبَةٗ فِي جَنَّٰتِ عَدۡنٖۚ وَرِضۡوَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ٧٢

Аллах обещал верующим мужчинам и женщинам Райские сады, в которых текут реки и в которых они пребудут вечно, а также прекрасные жилища в садах Эдема. Но довольство Аллаха будет превыше этого. Это и есть великое преуспеяние.

﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ ويُطِيعُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾: لَمّا ذَكَرَ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ وما هم عَلَيْهِ مِنَ الأوْصافِ القَبِيحَةِ والأعْمالِ الفاسِدَةِ؛ ذَكَرَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ، وقالَ في أُولَئِكَ: ﴿بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧]، وفي هَؤُلاءِ: ﴿بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إذْ لا وِلايَةَ بَيْنَ المُنافِقِينَ ولا شَفاعَةَ لَهم، ولا يَدْعُو بَعْضُهم لِبَعْضٍ، فَكانَ المُرادُ هُنا الوِلايَةَ في اللَّهِ خاصَّةً. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: ﴿بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧] يَدُلُّ عَلى أنَّ نِفاقَ الأتْباعِ وكُفْرَهم حَصَلَ بِسَبَبِ التَّقْلِيدِ لِأُولَئِكَ الأكابِرِ، وسَبَبِ مُقْتَضى الطَّبِيعَةِ والعادَةِ. أمّا المُوافَقَةُ الحاصِلَةُ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ فَإنَّما حَصَلَتْ، لا بِسَبَبِ المَيْلِ والعادَةِ، بَلْ بِسَبَبِ المُشارَكَةِ في الِاسْتِدْلالِ والتَّوْفِيقِ والهِدايَةِ، والوِلايَةُ ضِدُّ العَداوَةِ. ولَمّا وصَفَ المُؤْمِنِينَ بِكَوْنِ بَعْضِهِمْ أوْلِياءَ بَعْضٍ ذَكَرَ بَعْدَهُ ما يَجْرِي كالتَّفْسِيرِ والشَّرْحِ لَهُ، وهي الخَمْسَةُ الَّتِي يُمَيَّزُ بِها المُؤْمِنُ عَلى المُنافِقِ: فالمُنافِقُ يَأْمُرُ بِالمُنْكِرِ، ويَنْهى عَنِ المَعْرُوفِ، ولا يَقُومُ إلى الصَّلاةِ إلّا وهو كَسْلانُ، ويَبْخَلُ بِالزَّكاةِ، ويَتَخَلَّفُ بِنَفْسِهِ عَنِ الجِهادِ، وإذا أمَرَهُ اللَّهُ تَثَبَّطَ وثَبَّطَ غَيْرَهُ. والمُؤْمِنُ بِضِدِّ ذَلِكَ كُلِّهِ مِنَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، وإقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، والجِهادِ. وهو المُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويُطِيعُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ . انْتَهى، وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: كُلُّ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ في القُرْآنِ مِنَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ فَهو دُعاءٌ مِنَ الشِّرْكِ إلى الإسْلامِ، وما ذُكِرَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ فَهو النَّهْيُ عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ والشَّياطِينِ. (p-٧١)وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ هي الصَّلَواتُ الخَمْسُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وبِحَسَبِ هَذا تَكُونُ الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ، والمَدْحُ عِنْدِي بِالنَّوافِلِ أبْلَغُ، إذْ مَن يُقِيمُ النَّوافِلَ أجْدى بِإقامَةِ الفُرُوضِ، ﴿ويُطِيعُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ جامِعٌ لِلْمَندُوباتِ. انْتَهى.

﴿سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: السِّينُ مُدْخِلَةٌ في الوَعْدِ مُهْلَةً، لِتَكُونَ النُّفُوسُ تَتَنَعَّمُ بِرَجائِهِ وفَضْلِهِ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: السِّينُ مُفِيدَةٌ وُجُوبَ الرَّحْمَةِ لا مَحالَةَ، فَهي تُؤَكِّدُ الوَعْدَ كَما تُؤَكِّدُ الوَعِيدَ في قَوْلِكَ: سَأنْتَقِمُ مِنكَ يَوْمًا، يَعْنِي: أنَّكَ لا تَفُوتُنِي وإنْ تَبَطَّأ ذَلِكَ. ونَحْوُهُ: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦] ﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ﴾ [الضحى: ٥] ﴿سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٢] . انْتَهى. وفِيهِ دَفِينَةٌ خَفِيَّةٌ مِنَ الِاعْتِزالِ بِقَوْلِهِ: السِّينُ مُفِيدَةٌ وُجُوبَ الرَّحْمَةِ لا مَحالَةَ، يُشِيرُ إلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى إثابَةُ الطّائِعِ، كَما تَجِبُ عُقُوبَةُ العاصِي. ولَيْسَ مَدْلُولُ السِّينِ تَوْكِيدُ ما دَخَلَتْ عَلَيْهِ، إنَّما تَدُلُّ عَلى تَخْلِيصِ المُضارِعِ لِلِاسْتِقْبالِ فَقَطْ. ولَمّا كانَتِ الرَّحْمَةُ هُنا عِبارَةً عَمّا يَتَرَتَّبُ عَلى تِلْكَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ في الآخِرَةِ؛ أتى بِالسِّينِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى اسْتِقْبالِ الفِعْلِ (إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ) غالِبٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، قادِرٌ عَلَيْهِ، (حَكِيمٌ) واضِعٌ كُلًّا مَوْضِعَهُ.

﴿وعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾: لَمّا أعْقَبَ المُنافِقِينَ بِذِكْرِ ما وعَدَهم بِهِ مِن نارِ جَهَنَّمَ؛ أعْقَبَ المُؤْمِنِينَ بِذِكْرِ ما وعَدَهم بِهِ مِن نَعِيمِ الجِنانِ، ولَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ وعْدًا إجْمالِيًّا فَصَّلَهُ هُنا تَنْبِيهًا عَلى أنَّ تِلْكَ الرَّحْمَةَ هي هَذِهِ الأشْياءُ.

﴿ومَساكِنَ طَيِّبَةً﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي دُورُ المُقَرَّبِينَ. وقِيلَ: دُورٌ في جَنّاتِ عَدْنٍ مُخْتَلِفَةٌ في الصِّفاتِ بِاخْتِلافِ حالِ الحالَيْنِ بِها. وقِيلَ: قُصُورُ زَبَرْجَدٍ ودُرٍّ وياقُوتٍ يَفُوحُ طِيبُها مِن مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عامٍ في أماكِنِ إقامَتِهِمْ. وفي الحَدِيثِ «: ”قَصْرٌ في الجَنَّةِ مِنَ اللُّؤْلُؤِ فِيهِ سَبْعُونَ دارًا مِن ياقُوتَةٍ حَمْراءَ، وفي كُلِّ دارٍ سَبْعُونَ بَيْتًا مِن زُمُرُدَةٍ خَضْراءَ، في كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ سَرِيرًا“» وذُكِرَ في آخِرِ هَذا الحَدِيثِ أشْياءُ، وإنْ صَحَّ هَذا النَّقْلُ عَنِ الرَّسُولِ وجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ.

﴿فِي جَنّاتِ عَدْنٍ﴾، أيْ: إقامَةٍ. وقالَ كَعْبُ الأحْبارِ: هي بِالفارِسِيَّةِ الكُرُومِ والأعْنابِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأظُنُّ هَذا ما اخْتَلَطَ بِالفِرْدَوْسِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: عَدْنٌ بُطْنانُ الجَنَّةِ وشَرْقُها، وعَنْهُ: وسَطُ الجَنَّةِ. وقالَ عَطاءٌ: نَهْرٌ في الجَنَّةِ، جِنانُهُ عَلى حافِيَتِهِ. وقالَ الضَّحّاكُ وأبُو عُبَيْدَةَ: مَدِينَةُ الجَنَّةِ وعِظَمُها فِيها الأنْبِياءُ والعُلَماءُ والشُّهَداءُ وأئِمَّةُ العَدْلِ والنّاسُ حَوْلَهم بَعْدُ، والجَنّاتُ حَوْلَها. وقالَ الحَسَنُ: قَصْرٌ في الجَنَّةِ لا يَدْخُلُهُ إلّا نَبِيٌّ أوْ صِدِّيقٌ أوْ شَهِيدٌ أوْ حَكَمٌ عَدْلٌ، ومَدَّ بِها صَوْتَهُ. وعَنْهُ: قُصُورٌ مِنَ اللُّؤْلُؤِ والياقُوتِ الأحْمَرِ والزَّبَرْجَدِ. «ورَوى أبُو الدَّرْداءِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ”عَدْنٌ دارُ اللَّهِ الَّتِي لَمْ تَرَها عَيْنٌ ولَمْ تَخْطُرْ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، ولا يَسْكُنْها غَيْرُ ثَلاثَةٍ: النَّبِيُّونَ، والصِّدِّيقُونَ، والشُّهَداءُ، يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: طُوبى لِمَن دَخَلَكِ“» وإنْ صَحَّ هَذا عَنِ الرَّسُولِ وجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: هي أعْلى دَرَجَةٍ في الجَنَّةِ. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: قَصْرٌ حَوْلَهُ البُرُوجُ والمُرُوجُ، لَهُ خَمْسَةُ آلافِ بابٍ، عَلى كُلِّ بابٍ خِيرَةٌ لا يَدْخُلُهُ إلّا نَبِيٌّ أوْ صِدِّيقٌ أوْ شَهِيدٌ. وقِيلَ: قَصَّتُهُ الجَنَّةُ فِيها نَهْرٌ عَلى حافَّتَيْهِ بَساتِينُ. وقِيلَ: التَّسْنِيمُ، وفِيهِ قُصُورُ الدُّرِّ والياقُوتِ والذَّهَبِ، والأرائِكُ، عَلَيْها الخَيِّراتُ الحِسانُ، سَقْفُها عَرْشُ الرَّحْمَنِ، لا يَنْزِلُها إلّا الأنْبِياءُ والصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ والصّالِحُونَ، يَفُوحُ رِيحُها مِن مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عامٍ. وهَذِهِ أقْوالٌ عَنِ السَّلَفِ كَثِيرَةُ الِاخْتِلافِ والِاضْطِرابِ، وبَعْضُها يَدُلُّ عَلى التَّخْصِيصِ، وهو مُخالِفٌ لِظاهِرِ الآيَةِ، إذْ وعَدَ اللَّهُ بِها المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعَدْنٌ عَلَمٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ عِبادَهُ﴾ [مريم: ٦١] (p-٧٢)ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما رَوى أبُو الدَّرْداءِ، وساقَ الحَدِيثَ المُتَقَدِّمَ الذِّكْرِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ، وإنَّما اسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ عَدْنًا عَلَمٌ؛ لِأنَّ المُضافَ إلَيْها وُصِفَ بِـ ”الَّتِي“، وهي مَعْرِفَةٌ، فَلَوْ لَمْ تَكُنْ (جَنّاتُ) مُضافَةً لِمَعْرِفَةٍ لَمْ تُوصَفْ بِالمَعْرِفَةِ ولا يَتَعَيَّنْ ذَلِكَ، إذْ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”الَّتِي“ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مَنصُوبًا بِإضْمارِ أعْنِي أوْ أمْدَحُ، أوْ بَدَلًا مِن (جَنّاتُ) . ويَبْعُدُ أنْ تَكُونَ صِفَةً لِقَوْلِهِ: (الجَنَّةَ) لِلْفَصْلِ بِالبَدَلِ الَّذِي هو (جَنّاتٍ)، والحُكْمُ أنَّهُ إذا اجْتَمَعَ النَّعْتُ والبَدَلُ قُدِّمَ النَّعْتُ، وجِيءَ بَعْدَهُ بِالبَدَلِ.

وقَرَأ الأعْمَشُ ورِضْوانٌ: بِضَمَّتَيْنِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وهي لُغَةٌ، ورِضْوانٌ مُبْتَدَأٌ. وجازَ الِابْتِداءُ بِهِ لِأنَّهُ مَوْصُوفٌ بِقَوْلِهِ: (مِنَ اللَّهِ)، وأتى بِهِ نَكِرَةً لِيَدُلَّ عَلى مُطْلَقٍ، أيْ: وشَيْءٌ مِن رِضْوانِهِ أكْبَرُ مِن كُلِّ ما ذُكِرَ. والعَبْدُ إذا عَلِمَ بِرِضا مَوْلاهُ عَنْهُ كانَ أكْبَرَ في نَفْسِهِ مِمّا وراءَهُ مِنَ النَّعِيمِ، وإنَّما يَتَهَيَّأُ لَهُ النَّعِيمُ بِعِلْمِهِ بِرِضاهُ عَنْهُ. كَما أنَّهُ إذا عَلِمَ بِسُخْطِهِ تَنَغَّصَتْ حالُهُ، ولَمْ يَجِدْ لَها لَذَّةً. ومَعْنى هَذِهِ الجُمْلَةِ مُوافِقٌ لِما رُوِيَ في الحَدِيثِ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ لِعِبادِهِ إذا اسْتَقَرُّوا في الجَنَّةِ: هَلْ رَضِيتُمْ ؟ فَيَقُولُونَ: وكَيْفَ لا نَرْضى يا رَبَّنا ؟ فَيَقُولُ: إنِّي سَأُعْطِيكم أفْضَلَ مِن هَذا كُلِّهِ رِضْوانِي، أرْضى عَنْكم فَلا أسْخَطُ عَلَيْكم أبَدًا» وقالَ الحَسَنُ: وصَلَ إلى قُلُوبِهِمْ بِرِضْوانِ اللَّهِ مِنَ اللَّذَّةِ والسُّرُورِ ما هو ألَذُّ عِنْدَهم وأقَرُّ لِأعْيُنِهِمْ مِن كُلِّ شَيْءٍ أصابُوهُ مِن لَذَّةِ الجَنَّةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَظْهَرُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ إشارَةٌ إلى مَنازِلِ المُقَرَّبِينَ الشّارِبِينَ مِن تَسْنِيمٍ، والَّذِينَ يُرَوْنَ كَما يُرى النَّجْمُ الغائِرُ في الأُفُقِ، وجَمِيعُ مَن في الجَنَّةِ راضٍ، والمَنازِلُ مُخْتَلِفَةٌ، وفَضْلُ اللَّهِ تَعالى مُتَّسِعٌ انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: رِضاهُ تَعالى هو سَبَبُ كُلِّ فَوْزٍ وسَعادَةٍ. انْتَهى. والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى جَمِيعِ ما سَبَقَ أوْ إلى الرِّضْوانِ قَوْلانِ، والأظْهَرُ الأوَّلُ.

9:73Страница 199

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَٰهِدِ ٱلۡكُفَّارَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱغۡلُظۡ عَلَيۡهِمۡۚ وَمَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ٧٣

О Пророк! Борись с неверующими и лицемерами и будь суров к ним. Их пристанищем будет Геенна. Как же скверно это место прибытия!

﴿يا أيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ ومَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾: لَمّا ذَكَرَ وعِيدَ غَيْرِ المُؤْمِنِينَ وكانَتِ السُّورَةُ قَدْ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ بَدَأ بِهِمْ في ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وعَدَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والكُفّارَ نارَ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: ٦٨] ولَمّا ذُكِرَ أمْرُ الجِهادِ، وكانَ الكُفّارُ غَيْرُ المُنافِقِينَ أشَدَّ شَكِيمَةً وأقْوى أسْبابًا في القِتالِ وإنْكاءً بِتَصَدِّيهِمْ لِلْقِتالِ، قالَ: ﴿جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ﴾ فَبَدَأ بِهِمْ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: جاهِدِ الكُفّارَ بِالسَّيْفِ، والمُنافِقِينَ بِاللِّسانِ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: والمُنافِقِينَ بِإقامَةِ الحُدُودِ عَلَيْهِمْ إذا تَعاطَوْا أسْبابَها. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: جاهِدْهم بِاليَدِ، فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَبِاللِّسانِ، فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَبِالقَلْبِ، والِاكْفِرارِ في وُجُوهِهِمْ، وأغْلِظْ عَلَيْهِمْ في الجِهادَيْنِ. والغِلَظُ ضِدُّ الرِّقَّةِ، والمُرادُ خُشُونَةُ الكَلامِ وتَعْجِيلُ الِانْتِقامِ عَلى خِلافِ ما أمَرَ بِهِ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٨]، وكُلُّ مَن وقَفَ مِنهُ عَلى فَسادٍ في العَقائِدِ فَهَذا حُكْمُهُ يُجاهَدُ بِالحُجَّةِ، ويُسْتَعْمَلُ مَعَهُ الغِلَظُ ما أمْكَنَ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English