Аль-БикаиАн‑Нахль · 16:107–123

Аль-Бикаи · Тафсир · на арабском

Ан-Нахль 16:107–123

16:107Страница 279

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا عَلَى ٱلۡأٓخِرَةِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٠٧

Это потому, что они предпочли мирскую жизнь Последней жизни. Воистину, Аллах не ведет прямым путем неверующих людей.

ولَمّا كانَ مَن يَرْجِعُ إلى الظُّلُماتِ؛ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنها إلى النُّورِ؛ جَدِيرًا بِالتَّعَجُّبِ مِنهُ؛ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ يَفْعَلُونَ؟ أوْ: لِمَ يَفْعَلُ (p-٢٦٠)بِهِمْ ذَلِكَ؟ فَقالَ (تَعالى): ﴿ذَلِكَ﴾؛ الِارْتِدادُ؛ أوِ الوَعِيدُ العَظِيمُ؛ ﴿بِأنَّهُمُ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ أنَّهُمْ؛ ﴿اسْتَحَبُّوا﴾؛ أيْ: أحَبُّوا حُبًّا عَظِيمًا؛ ﴿الحَياةَ الدُّنْيا﴾؛ أيْ: الدَّنِيئَةَ الحاضِرَةَ الفانِيَةَ؛ فَآثَرُوها ﴿عَلى الآخِرَةِ﴾؛ الباقِيَةِ الفاخِرَةِ؛ لِأنَّهم رَأوْا ما فِيهِ المُؤْمِنُ مِنَ الضِّيقِ؛ والكافِرُ مِنَ السَّعَةِ؛ ”و“بِسَبَبِ ”أنَّ اللَّهَ“؛ أيْ: المَلِكَ الَّذِي لَهُ الغِنى الأكْبَرُ؛ ﴿لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾؛ الَّذِينَ عَلِمَ اسْتِمْرارَهم عَلَيْهِ؛ بَلْ يَخْذُلُهُمْ؛ ويُسَلِّطُ الشَّيْطانَ عَلَيْهِمْ؛ يَحْتالُهم عَنْ دِينِهِمْ.

16:108Страница 279

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ وَسَمۡعِهِمۡ وَأَبۡصَٰرِهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡغَٰفِلُونَ ١٠٨

Аллах запечатал их сердца, слух и зрение. Они и есть беспечные невежды.

ولَمّا كانَ اسْتِمْرارُهم عَلى الكُفْرِ أعْجَبَ مِنَ ارْتِدادِهِمْ؛ أتْبَعَهُ سَبَبَهُ فَقالَ (تَعالى): ﴿أُولَئِكَ﴾؛ أيْ: البُعَداءُ البُغَضاءُ؛ ﴿الَّذِينَ طَبَعَ﴾؛ أيْ: خَتَمَ خَتْمًا؛ هو كَفِيلٌ بِالعَطَبِ؛ ﴿اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ؛ ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ﴾؛ ولَمّا كانَ التَّفاوُتُ في السَّمْعِ نادِرًا؛ وحَّدَهُ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ﴾؛ فَصارُوا - لِعَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِهَذِهِ المَشاعِرِ - كَأنَّهم لا يَفْهَمُونَ؛ ولا يَسْمَعُونَ؛ ولا يُبْصِرُونَ؛ ﴿وأُولَئِكَ﴾؛ أيْ: الأباعِدُ مِن كُلِّ خَيْرٍ؛ ﴿هُمُ الغافِلُونَ﴾؛ أيْ: الكامِلُو الغَفْلَةِ؛

16:109Страница 279

لَا جَرَمَ أَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ١٠٩

Несомненно, в Последней жизни они окажутся потерпевшими убыток.

ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ جَزاءَهم (p-٢٦١)عَلَيْهِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿لا جَرَمَ﴾؛ أيْ: لا شَكَّ؛ ﴿أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿الخاسِرُونَ﴾؛ أيْ: أكْمَلَ خَسارَةٍ؛ لِأنَّهم خَسِرُوا رَأْسَ المالِ؛ وهو نُفُوسُهُمْ؛ فَلَمْ يَكُنْ لَهم مَرْجِعٌ يَرْجِعُونَ إلَيْهِ.

16:110Страница 279

ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَٰهَدُواْ وَصَبَرُوٓاْ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعۡدِهَا لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ ١١٠

Воистину, твой Господь после всего этого прощает и милует тех, которые переселились после того, как были подвергнуты искушению, а затем сражались и проявляли терпение.

ولَمّا قَدَّمَ الفاتِنَ؛ والمَفْتُونَ؛ أتْبَعَ ذَلِكَ ذِكْرَ حُكْمِهِما؛ عَلى القِراءَتَيْنِ؛ فَقالَ (تَعالى) - بِحَرْفِ التَّراخِي؛ إشارَةً إلى تَقاصُرِ رُتْبَتِهِما عَنْ رُتْبَةِ مَن لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ -: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ﴾؛ أيْ: المُحْسِنَ إلَيْكَ بِالعَفْوِ عَنْ أُمَّتِكَ؛ وتَخْفِيفِ الآصارِ عَنْهم في قَبُولِ تَوْبَةِ مَنِ ارْتَدَّ بِلِسانِهِ؛ أوْ قَلْبِهِ؛ ﴿لِلَّذِينَ هاجَرُوا﴾؛ أهْلَ الكُفْرِ؛ بِالنُّزُوحِ مِن بِلادِهِمْ؛ تَوْبَةً إلى اللَّهِ (تَعالى) مِمّا كانُوا فِيهِ.

ولَمّا كانَ - سُبْحانَهُ - يَقْبَلُ اليَسِيرَ مِنَ العَمَلِ في أيِّ وقْتٍ كانَ؛ أشارَ إلى ذَلِكَ بِالجارِّ؛ فَقالَ (تَعالى) - مُبَيِّنًا أنَّ الفِتْنَةَ بِالأذى - وإنْ كانَ بالِغًا - غَيْرُ قادِحَةٍ في الهِجْرَةِ؛ وما تَبِعَها؛ فَيُفِيدُ ذَلِكَ في الهِجْرَةِ بِدُونِها مِن بابِ الأوْلى؛ ﴿مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا﴾؛ بِالبِناءِ لِلْمَجْهُولِ - عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ -؛ لِأنَّ المُضِرَّ هو الفِتْنَةُ مُطْلَقًا؛ ولِلْفاعِلِ - عَلى قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ -؛ أيْ: ظَلَمُوا؛ بِأنْ فَتَنُوا مَن آمَنَ بِاللَّهِ حِينَ كانُوا كُفّارًا؛ (p-٢٦٢)أوْ أعْطَوُا الفِتْنَةَ مِن أنْفُسِهِمْ؛ فَفَتَنُوها بِأنْ أطاعُوا في كَلِمَةِ الكُفْرِ؛ أوْ في الرُّجُوعِ مَعَ مَن رَدَّهم إلى بِلادِ الكُفْرِ بَعْدَ الهِجْرَةِ؛ مِن بَعْدِ إيمانِهِمْ؛ ﴿ثُمَّ جاهَدُوا﴾؛ أيْ: أوْقَعُوا جِهادَ الكُفّارِ؛ مَعَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - تَوْبَةً إلى اللَّهِ (تَعالى)؛ ﴿وصَبَرُوا﴾؛ عَلى ذَلِكَ؛ إلى أنْ ماتُوا عَلَيْهِ؛ ﴿إنَّ رَبَّكَ﴾؛ أيْ: المُحْسِنَ إلَيْكَ بِتَسْخِيرِ مَن هَذِهِ صِفاتُهم لَكَ.

ولَمّا كانَ لَهُ - سُبْحانَهُ - أنْ يَغْفِرَ الذُّنُوبَ كُلَّها؛ ما عَدا الشِّرْكَ؛ وأنْ يُعَذِّبَ عَلَيْها كُلِّها؛ وعَلى بَعْضِها؛ وأنْ يَقْبَلَ الصّالِحَ كُلَّهُ؛ وأنْ يَرُدَّ بَعْضَهُ؛ أشارَ إلى ذَلِكَ بِالجارِّ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿مِن بَعْدِها﴾؛ أيْ: هَذِهِ الأفْعالِ الصّالِحَةِ؛ الواقِعَةِ بَعْدَ تِلْكَ الفاسِدَةِ؛ وهي الفِتْنَةُ؛ ﴿لَغَفُورٌ﴾؛ أيْ: بَلِيغُ المَحْوِ لِلذُّنُوبِ؛ ﴿رَحِيمٌ﴾؛ أيْ: بَلِيغُ الإكْرامِ فَهو يَغْفِرُ لَهُمْ؛ ويَرْحَمُهم.

16:111Страница 280

۞ يَوۡمَ تَأۡتِي كُلُّ نَفۡسٖ تُجَٰدِلُ عَن نَّفۡسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ١١١

В тот день каждый человек придет и будет препираться за себя. Каждому человеку сполна воздастся за то, что он совершил, и с ними не поступят несправедливо.

ولَمّا تَقَدَّمَ كَثِيرٌ مِنَ التَّحْذِيرِ؛ والتَّبْشِيرِ؛ وتَقَدَّمَ أنَّهُ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينِ كَفَرُوا؛ ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ؛ وخَتَمَ ذَلِكَ بِانْحِصارِ الخَسارِ في الكُفّارِ؛ بَيَّنَ اليَوْمَ الَّذِي تَظْهَرُ فِيهِ تِلْكَ الآثارُ؛ ووَصَفَهُ بِغَيْرِ الوَصْفِ المُقَدَّمِ؛ بِاعْتِبارِ المَواقِفِ؛ فَقالَ (تَعالى) - مُبْدِلًا مِن ”يَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا“ -: (p-٢٦٣)﴿يَوْمَ تَأْتِي﴾؛ أيْ: فِيهِ؛ ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾؛ أيْ: إنْسانٍ؛ وإنْ عَظُمَ جِرْمُها؛ ﴿تُجادِلُ﴾؛ أيْ: تَعْتَذِرُ؛ وعَبَّرَ بِالمُجادَلَةِ إفْهامًا لِلدَّفْعِ بِأقْصى ما تَقْدِرُ عَلَيْهِ؛ وأظْهَرَ في قَوْلِهِ: ﴿عَنْ نَفْسِها﴾؛ أيْ: ذاتِها؛ بِمُفْرَدِها؛ لا يُهِمُّها غَيْرُ ذَلِكَ؛ لِما يُوهِمُ الإضْمارُ مِن أنَّ كُلَّ أحَدٍ يُجادِلُ عَنْ جَمِيعِ الأنْفُسِ؛ ولَمّا كانَ مُطْلَقُ الجَزاءِ مَخُوفًا؛ مُقْلِقًا؛ بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿وتُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ﴾؛ صالِحَةٍ؛ وغَيْرِ صالِحَةٍ؛ ﴿ما عَمِلَتْ﴾؛ أيْ: جَزاءً مِن جِنْسِهِ؛ ﴿وهُمْ﴾؛ ولَمّا كانَ المَرْهُوبُ مُطْلَقَ الظُّلْمِ؛ وكانَ البِناءُ لِلْمَفْعُولِ أبْلَغَ جَزاءٍ في نَفْيِهِ؛ قالَ (تَعالى): ﴿لا يُظْلَمُونَ﴾؛ أيْ: لا يَتَجَدَّدُ عَلَيْهِمْ ظُلْمٌ؛ لا ظاهِرًا؛ ولا باطِنًا؛ لِيُعْلَمَ بِإبْدالِ ”يَوْمَ“؛ مِن ذَلِكَ المُتَقَدِّمِ؛ أنَّ الخَسارَةَ بِإقامَةِ الحَقِّ عَلَيْهِمْ؛ لا بِمُجَرَّدِ إسْكاتِهِمْ.

16:112Страница 280

وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا قَرۡيَةٗ كَانَتۡ ءَامِنَةٗ مُّطۡمَئِنَّةٗ يَأۡتِيهَا رِزۡقُهَا رَغَدٗا مِّن كُلِّ مَكَانٖ فَكَفَرَتۡ بِأَنۡعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلۡجُوعِ وَٱلۡخَوۡفِ بِمَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ ١١٢

Аллах привел в качестве притчи селение, которое пребывало в безопасности и покое (Мекку). Они обретали свой удел в изобилии отовсюду, но не благодарили Аллаха за эти блага, и тогда Аллах облек их в одеяние голода и страха за то, что они творили.

ولَمّا عَقَّبَ - سُبْحانَهُ - ما ضَرَبَ سابِقًا مِنَ الأمْثالِ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ”ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ“؛ وتَلاهُ بِذِكْرِ السّاعَةِ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ”وما أمْرُ السّاعَةِ“؛ إلى آخِرِهِ؛ واسْتَمَرَّ فِيما مَضَتْ مُناسَباتُهُ آخِذًا بَعْضُهُ بِحَجُزِ بَعْضٍ؛ حَتّى خَتَمَ بِالسّاعَةِ؛ وآمَنَ مِنَ الظُّلْمِ فِيها؛ وبَيَّنَ أنَّ الأعْمالَ هُناكَ هي مَناطُ الجَزاءِ؛ عَطَفَ عَلى ما مَضى - مِنَ الأمْثالِ المَفْرُوضَةِ؛ المُقَدَّرَةِ؛ المُرَغِّبَةِ - مَثَلًا مَحْسُوسًا؛ مَوْجُودًا؛ مُبَيِّنًا أنَّ الأعْمالَ في هَذِهِ (p-٢٦٤)الدّارِ أيْضًا مَناطُ الجَزاءِ؛ مُرَهِّبًا مِنَ المُعاجَلَةِ فِيها بِسَوْطٍ مِنَ العَذابِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وضَرَبَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا؛ لَكم أيُّها المُعانِدُونَ؛ ﴿مَثَلا قَرْيَةً﴾؛ مِن قُرى الماضِينَ؛ الَّتِي تَعْرِفُونَها؛ كَقَرْيَةِ هُودٍ؛ أوْ صالِحٍ؛ أوْ لُوطٍ؛ أوْ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ كانَ حالُها كَحالِهِمْ؛ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّها مَكَّةُ؛ ﴿كانَتْ آمِنَةً﴾؛ أيْ: ذاتَ أمْنٍ؛ يَأْمَنُ بِهِ أهْلُها في زَمَنِ الخَوْفِ؛ ﴿مُطْمَئِنَّةً﴾؛ أيْ: تارَةً بِأهْلِها؛ لا يَحْتاجُونَ فِيها إلى نُجْعَةٍ؛ وانْتِقالٍ؛ بِسَبَبِ زِيادَةِ الأمْنِ؛ بِكَثْرَةِ العَدَدِ؛ وقُوَّةِ المَدَدِ؛ وكَفِّ اللَّهِ النّاسَ عَنْها؛ ووُجُودِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ أهْلُها؛ ﴿يَأْتِيها﴾؛ أيْ: عَلى سَبِيلِ التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ؛ ﴿رِزْقُها رَغَدًا﴾؛ أيْ: واسِعًا طَيِّبًا؛ ﴿مِن كُلِّ مَكانٍ﴾؛ بَرًّا؛ وبَحْرًا؛ بِتَيْسِيرِ اللَّهِ (تَعالى) لَهم ذَلِكَ.

ولَمّا كانَتِ السَّعَةُ تَجُرُّ إلى البَطَرِ غالِبًا؛ نَبَّهَ (تَعالى) عَلى ذَلِكَ بِالفاءِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿فَكَفَرَتْ﴾؛ ونَبَّهَ - سُبْحانَهُ - عَلى سَعَةِ فَضْلِهِ بِجَمْعِ القِلَّةِ؛ الدّالِّ عَلى أنَّ كَثْرَةَ فَضْلِهِ عَلَيْهِمْ تافِهَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى ما عِنْدَهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - فَقالَ: ﴿بِأنْعُمِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ كَما كَفَرْتُمْ؛ ﴿فَأذاقَها اللَّهُ﴾ (p-٢٦٥)أيْ: المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا؛ ﴿لِباسَ الجُوعِ﴾؛ بَعْدَ رَغَدِ العَيْشِ؛ ﴿والخَوْفِ﴾؛ بَعْدَ الأمْنِ؛ والطُّمَأْنِينَةِ؛ حَتّى صارَ لَهم ذَلِكَ - بِشُمُولِهِ لَهم - لِباسًا؛ وبِشِدَّةِ عَرْكِهِمْ ذَواقًا؛ فَكَأنَّ النَّظَرَ إلى المُسْتَعارِ لَهُ؛ وهو هُنا أبْلَغُ؛ لِدَلالَتِهِ عَلى الإحاطَةِ؛ والذَّوْقِ؛ ولَوْ نَظَرَ إلى المُسْتَعارِ لَقالَ: فَكَساها؛ فَكانَ يَفُوتُ الذَّوْقَ؛ وذَلِكَ كَما نَظَرَ إلَيْهِ كُثَيِّرٌ؛ في قَوْلِهِ:

؎غَمْرُ الرِّداءِ إذا تَبَسَّمَ ضاحِكًا ∗∗∗ غَلِقَتْ لِضِحْكَتِهِ رِقابُ المالِ

اسْتَعارَ الرِّداءَ لِلْمَعْرُوفِ؛ لِأنَّهُ يَصُونُ صَوْنَ الرِّداءِ؛ لِما يُلْقى عَلَيْهِ؛ ووَصَفَهُ بِالغَمْرِ؛ الَّذِي هو وصْفُ المَعْرُوفِ والنَّوالِ؛ لا وصْفُ الرِّداءِ؛ الَّذِي هو المُسْتَعارُ؛ ولَوْ نَظَرَ إلَيْهِ لَوَصَفَهُ بِالسَّعَةِ؛ أوِ الطُّولِ؛ مَثَلًا؛ كَما نَظَرَ إلَيْهِ مَن قالَ - ذاكِرًا السَّيْفَ الَّذِي يَصُونُ بِهِ الإنْسانُ نَفْسَهُ -:

؎يُنازِعُنِي رِدائِي عَبْدُ عَمْرٍو ∗∗∗ رُوَيْدَكَ يا أخا بَكْرِ بْنَ عَمْرِو

؎لِيَ الشَّطْرُ الَّذِي مَلَكَتْ يَمِينِي ∗∗∗ ودُونَكَ فاعْتَجِرْ مِنهُ بِشَطْرِ

(p-٢٦٦)فَنَظَرَ إلى المُسْتَعارِ؛ وهو الرِّداءُ؛ في لَفْظِ الِاعْتِجارِ؛ فَبانَتْ فَضِيحَةُ ابْنِ الرّاوِنْدِيِّ في زَنْدَقَتِهِ؛ إذْ قالَ لِابْنِ الأعْرابِيِّ: هَلْ يُذاقُ اللِّباسُ؟ فَقالَ لَهُ: لا بَأْسَ يا أيُّها النِّسْناسُ؛ هَبْ أنَّ مُحَمَّدًا ما كانَ نَبِيًّا؛ أما كانَ عَرَبِيًّا؟ ﴿بِما كانُوا﴾؛ أيْ: بِجِبِلّاتِهِمْ؛ ﴿يَصْنَعُونَ﴾؛ مِنَ الكُفْرِ والكِبْرِ؛ قَدْ مَرَنُوا عَلَيْهِ بِكَثْرَةِ المُداوَمَةِ؛ مُرُونَ الإنْسانِ عَلى صَنْعَتِهِ.

16:113Страница 280

وَلَقَدۡ جَآءَهُمۡ رَسُولٞ مِّنۡهُمۡ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ ٱلۡعَذَابُ وَهُمۡ ظَٰلِمُونَ ١١٣

К ним явился посланник из их среды, но они не признали его, и мучения постигли их, пока они поступали несправедливо.

ولَمّا كانَ (تَعالى) لا يُعَذِّبُ حَتّى يَبْعَثَ رَسُولًا؛ حَقَّقَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولَقَدْ جاءَهُمْ﴾؛ أيْ: أهْلَ هَذِهِ القَرْيَةِ؛ ﴿رَسُولٌ مِنهُمْ﴾؛ كَما وقَعَ لَكُمْ؛ ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾؛ كَما فَعَلْتُمْ؛ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ﴾؛ كَما سَمِعْتُمْ؛ وإنْ كانَ المُرادُ بِها مَكَّةَ؛ فالمُرادُ بِهِ الجُوعُ؛ الَّذِي دَعا عَلَيْهِمْ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ -؛ لَمّا قالَ: «”اللَّهُمَّ أعِنِّي بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ“؛» وأمّا الخَوْفُ فَما كانَ مِن جِهادِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - لَهُمْ؛ ﴿وهم ظالِمُونَ﴾؛ أيْ: عَرِيقُونَ في وضْعِ الأشْياءِ في غَيْرِ مَواضِعِها؛ لِأنَّهُمُ اسْتَمَرُّوا عَلى كُفْرِهِمْ؛ مَعَ الجُوعِ؛ وسَألُوا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - في الإغاثَةِ؛ فَدَعا لَهم.

16:114Страница 280

فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَٰلٗا طَيِّبٗا وَٱشۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ ١١٤

Питайтесь дозволенным и благим из того, что Аллах дал вам в удел, и будьте благодарны за милости Аллаха, если вы поклоняетесь Ему.

(p-٢٦٧)ولَمّا تَقَرَّرَ - بِما مَضى مِن أدِلَّةٍ - التَّوْحِيدُ؛ فَثَبَتَ ثَباتًا لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ شَكٌّ أنَّ اللَّهَ هو الإلَهُ وحْدَهُ؛ كَما أنَّهُ هو الرّازِقُ وحْدَهُ؛ ونَبَّهَهم عَلى دَقائِقَ في تَقْدِيرِهِ لِلْأرْزاقِ؛ تَدُلُّ عَلى عَظَمَتِهِ؛ وشُمُولِ عِلْمِهِ؛ وقُدْرَتِهِ؛ واخْتِيارِهِ؛ فَثَبَتَ أنَّهم ظالِمُونَ فِيما جَعَلُوا لِلْأصْنامِ مِن رِزْقِهِ؛ وأنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَتَحَرَّكَ إلّا بِأمْرِهِ - سُبْحانَهُ -؛ وخَتَمَ ذَلِكَ بِهَذا المَثَلِ المُحَذِّرِ مِن كُفْرانِ النِّعَمِ؛ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ (تَعالى) - صادًّا لَهم عَنْ أفْعالِ الجاهِلِيَّةِ -: ﴿فَكُلُوا﴾؛ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ جَمِيعِ ما مَضى أنْ يُقالَ لَهُمْ: كُلُوا؛ ﴿مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الجَلالُ والجَمالُ؛ مِمّا عَدَّهُ لَكم في هَذِهِ السُّورَةِ؛ وغَيْرِها؛ حالَ كَوْنِهِ ﴿حَلالا طَيِّبًا﴾؛ أيْ: لا شُبْهَةَ فِيهِ؛ ولا مانِعَ بِوَجْهٍ؛ ﴿واشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ؛ حَذَرًا مِن أنْ يُحِلَّ بِكم ما أحَلَّ بِالقَرْيَةِ المُمَثَّلِ بِها؛ ﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ﴾؛ أيْ: وحْدَهُ ﴿تَعْبُدُونَ﴾؛ كَما اقْتَضَتْهُ هَذِهِ الأدِلَّةُ؛ لِأنَّهُ وحْدَهُ هو الَّذِي يَرْزُقُكُمْ؛ وإلّا عاجَلَكم بِالعُقُوبَةِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ العِنادِ عَنِ البَيانِ إلّا الِانْتِقامُ؛ فَصارَ الكَلامُ في الرِّزْقِ؛ والتَّقْرِيعُ عَلى عَدَمِ الشُّكْرِ؛ مُكْتَنِفًا الأمْثالَ قَبْلُ؛ وبَعْدُ.

16:115Страница 280

إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحۡمَ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦۖ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١١٥

Он запретил вам мертвечину, кровь, мясо свиньи, а также то, что не заколото во имя Аллаха. Если же кто-либо вынужден пойти на это, не домагаясь запретного и не преступая пределы необходимого, то ведь Аллах - Прощающий, Милосердный.

(p-٢٦٨)ولَمّا كانَ الإذْنُ إنَّما هو في بَعْضِ الرِّزْقِ؛ في الحالِ المَذْكُورِ؛ فاحْتِيجَ إلى مَعْرِفَتِهِ؛ وكانَتِ المُباحاتُ أكْثَرَ مِنَ المَحْظُوراتِ؛ حَصَرَ القَلِيلَ؛ لِيُعْلَمَ مِنهُ الكَثِيرُ؛ لِأنَّ كُلَّ ضِدَّيْنِ مَعْرُوفَيْنِ إجْمالًا؛ عُيِّنَ أحَدُهُما؛ عُرِفَ مِن تَعْيِينِهِ الآخَرُ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿إنَّما حَرَّمَ﴾؛ أيْ: اللَّهُ؛ الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ؛ ﴿عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ﴾؛ الَّتِي بُيِّنَتْ عَلى لِسانِ الرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - أنَّها مَيْتَةٌ؛ وإنْ ذُكِّيَتْ؛ ﴿والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْـزِيرِ﴾؛ خَصَّهُ بِالذِّكْرِ بَعْدَ دُخُولِهِ في المَيْتَةِ؛ لِاتِّخاذِ النَّصارى أكْلَهُ كالدِّينِ؛ ﴿وما أُهِلَّ﴾؛ أيْ: بِأيِّ إهْلالٍ كانَ؛ مِن أيِّ مُهِلٍّ كانَ؛ ولَمّا كانَ مَقْصُودُ السُّورَةِ لِبَيانِ الكَمالِ؛ كانَ تَقْدِيمُ غَيْرِهِ لِتَقْبِيحِ حالِ المُعْتَنى بِهِ أوْلى؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿لِغَيْرِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ؛ الَّذِي لا مَلِكَ سِواهُ؛ ﴿بِهِ﴾

ولَمّا كانَ الإنْسانُ قَدْ يُضْطَرُّ إلى أكْلِ كُلِّ ما يُمْكِنُ أكْلُهُ؛ بَيَّنَ لَهم أنَّهُ رَفُقَ بِهِمْ؛ فَأباحَ لَهم سَدَّ الرَّمَقِ مِنَ الحَرامِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾؛ أيْ: كَيْفَما وقَعَ لَهُ الِاضْطِرارُ؛ ﴿غَيْرَ باغٍ﴾؛ عَلى مُضْطَرٍّ آخَرَ؛ ﴿ولا عادٍ﴾؛ سَدَّ الرَّمَقِ.

ولَمّا كانَ الإذْنُ في الأكْلِ مِن هَذِهِ الأشْياءِ حالَ الضَّرُورَةِ (p-٢٦٩)إنَّما هو رُخْصَةٌ؛ وكانَتِ الشَّهْوَةُ داعِيَةً إلى ما فَوْقَ المَأْذُونِ فِيهِ؛ قالَ (تَعالى): ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: المُخْتَصَّ بِصِفاتِ الكَمالِ؛ بِسَبَبِ تَناوُلِهِ مِنها عَلى ما حَدَّهُ؛ ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ فَمَن زادَ عَلى ما أذِنَ لَهُ فِيهِ فَهو جَدِيرٌ بِالِانْتِقامِ.

16:116Страница 280

وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلۡسِنَتُكُمُ ٱلۡكَذِبَ هَٰذَا حَلَٰلٞ وَهَٰذَا حَرَامٞ لِّتَفۡتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ لَا يُفۡلِحُونَ ١١٦

Не изрекайте своими устами ложь, утверждая, что это - дозволено, а то - запретно, и не возводите навет на Аллаха. Воистину, не преуспеют те, которые возводят навет на Аллаха.

ولَمّا تَبَيَّنَ بِهَذِهِ الآيَةِ - كَما مَضى تَقْرِيرُهُ في ”الأنْعامِ“ - جَمِيعُ المُحَرَّمِ أكْلُهُ مِنَ الحَيَواناتِ؛ فَعُلِمَ بِذَلِكَ جَهْلُهم فِيما حَرَّمُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ لِأجْلِ أصْنامِهِمْ؛ صَرَّحَ بِالنَّهْيِ عَنْهُ؛ إبْلاغًا في تَأْكِيدِ ذَلِكَ الحَصْرِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ولا تَقُولُوا﴾؛ أيْ: بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ؛ في وقْتٍ ما؛ ولَمّا كانَ تَحْلِيلُهُمْ؛ وتَحْرِيمُهُمْ؛ قَوْلًا فارِغًا لَيْسَ لَهُ حَقِيقَةٌ أصْلًا؛ لِأنَّهُ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ؛ عَبَّرَ عَنْهُ بِأنَّهُ وصْفٌ بِاللِّسانِ؛ لا يَسْتَحِقُّ أنْ يَدْخُلَ إلى القَلْبِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿لِما تَصِفُ﴾؛ أيْ: لِأجْلِ الَّذِي تَصِفُهُ؛ ﴿ألْسِنَتُكُمُ﴾؛ أيْ: مِنَ الأنْعامِ؛ والحُرُوثِ؛ والزُّرُوعِ؛ ولَمّا حَرَّكَ النَّفْسَ إلى مَعْرِفَةِ ما يُقالُ لِأجْلِ ذَلِكَ؛ بَيَّنَ مَقُولَ ذَلِكَ القَوْلِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿الكَذِبَ﴾؛ أيْ: القَوْلَ الَّذِي هو عَيْنُ الكَذِبِ.

ولَمّا اشْتَدَّ التَّشَوُّفُ إلى تَعْيِينِ ذَلِكَ المَقُولِ؛ أبْدَلَ مِنهُ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ﴾؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”الكَذِبَ“؛ مَفْعُولَ ”تَصِفُ“؛ فَتَكُونَ ”ما“؛ مَصْدَرِيَّةً؛ أيْ: لِوَصْفِها إيّاهُ؛ فَكَأنَّ (p-٢٧٠)حَقِيقَةَ الكَذِبِ كانَتْ مَجْهُولَةً؛ فَلَمْ تُعْرَفْ إلّا بِوَصْفِ ألْسِنَتِهِمْ لَها؛ فَهو مُبالَغَةٌ في وصْفِ كَلامِهِمْ بِالكَذِبِ؛ وما بَعْدَهُ مَقُولُ القَوْلِ.

ولَمّا كانُوا - كَما تَقَدَّمَ يَدَّعُونَ أنَّهم أعْقَلُ النّاسِ؛ فَكانَ اللّائِقُ بِهِمْ - إرْخاءً لِلْعِنانِ - النِّسْبَةَ إلى مَعْرِفَةِ اللَّوازِمِ عِنْدَ الإقْدامِ عَلى المَلْزُوماتِ؛ قالَ (تَعالى): ﴿لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْلى؛ ﴿الكَذِبَ﴾؛ لِأنَّ مَن قالَ عَلى أحَدٍ ما لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ؛ كانَ قَوْلُهُ كَذِبًا؛ وكانَ كَذِبُهُ لِقَصْدِ افْتِراءِ الكَذِبِ؛ وإلّا لَكانَ في غايَةِ الجَهْلِ؛ فَدارَ أمْرُهم في مِثْلِ هَذا بَيْنَ الغَباوَةِ المُفْرِطَةِ؛ أوْ قَصْدِ ما لا يَقْصِدُهُ عاقِلٌ؛ وهَذا بابٌ مِنَ التَّهَكُّمِ عَجِيبٌ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما يَسْتَحِقُّونَ عَلى ذَلِكَ؟ فَأجابَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ﴾؛ أيْ: يَقْتَطِعُونَ عَمْدًا؛ ﴿عَلى اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ ﴿الكَذِبَ﴾؛ مِنكُمْ؛ ومِن غَيْرِكُمْ؛ ﴿لا يُفْلِحُونَ﴾

16:117Страница 280

مَتَٰعٞ قَلِيلٞ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١١٧

Недолго им пользоваться благами, ведь им уготованы мучительные страдания.

ولَمّا كانَ الفَلاحُ عِنْدَهم هو العَيْشَ الواسِعَ في هَذِهِ الدُّنْيا؛ أجابَ مَن كَأنَّهُ قالَ: فَإنّا نَنْظُرُهم بِنِعْمَةٍ ورَفاهَةٍ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾؛ أيْ: ما هم فِيهِ؛ لِفَنائِهِ؛ وإنِ امْتَدَّ ألْفَ عامٍ؛ ﴿ولَهُمْ﴾؛ بَعْدَهُ؛ ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾؛ ومِن ألَمِهِ العَظِيمِ دَوامُهُ؛ فَأيُّ مَتاعٍ هَذا؟!

16:118Страница 280

وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمۡنَا مَا قَصَصۡنَا عَلَيۡكَ مِن قَبۡلُۖ وَمَا ظَلَمۡنَٰهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ١١٨

А иудеям Мы запретили то, о чем Мы рассказали тебе раньше. Мы не были несправедливы к ним - они сами поступали несправедливо по отношению к себе.

ولَمّا بَيَّنَ لَهم نِعْمَتَهُ بِتَوْسِعَتِهِ عَلَيْهِمْ؛ بِما ضَيَّقُوا بِهِ عَلى أنْفُسِهِمْ؛ بَيَّنَ لَهم نِعْمَةً أُخْرى؛ بِتَمْيِيزِهِمْ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ؛ فَقالَ (تَعالى): (p-٢٧١)﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا﴾؛ أيْ: اليَهُودِ؛ ﴿حَرَّمْنا﴾؛ أيْ: بِعَظَمَتِنا؛ عُقُوبَةً لَهُمْ؛ بِعُدْوانِهِمْ؛ وكَذِبِهِمْ عَلى رَبِّهِمْ؛ ﴿ما قَصَصْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ الَّتِي كانَ المَقْصُوصُ بِها مُعْجِزًا؛ ﴿عَلَيْكَ﴾

ولَمّا لَمْ يَكُنْ قَصُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - مُسْتَغْرِقًا زَمانَ القَبْلِ؛ أدْخَلَ الجارَّ؛ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾؛ أيْ: في ”الأنْعامِ“؛ ﴿وما ظَلَمْناهُمْ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ وقَعَ مِنهُمُ الهَوْدُ؛ بِتَحْرِيمِنا عَلَيْهِمْ ما حَرَّمْنا؛ ﴿ولَكِنْ كانُوا﴾؛ أيْ: دائِمًا؛ طَبْعًا لَهُمْ؛ وخُلُقًا مُسْتَمِرًّا؛ ﴿أنْفُسَهُمْ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿يَظْلِمُونَ﴾؛ أيْ: بِالبَغْيِ؛ والكُفْرِ؛ فَضَيَّقْنا عَلَيْهِمْ مُعامَلَةً بِالعَدْلِ؛ وعامَلْناكم أنْتُمْ - حَيْثُ ظَلَمْتُمْ - بِالفَضْلِ؛ فاشْكُرُوا النِّعْمَةَ؛ واحْذَرُوا غَوائِلَ النِّقْمَةِ.

16:119Страница 281

ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَٰلَةٖ ثُمَّ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ وَأَصۡلَحُوٓاْ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعۡدِهَا لَغَفُورٞ رَّحِيمٌ ١١٩

Воистину, твой Господь прощает и милует тех, кто совершил злодеяние по незнанию, но после этого раскаялся и исправил содеянное.

ولَمّا بَيَّنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ؛ عَطَفَ عَلَيْها نِعْمَةً هي أكْبَرُ مِنها جِدًّا؛ اسْتِجْلابًا لِكُلِّ ظالِمٍ؛ وبَيَّنَ عَظَمَتَها بِحَرْفِ التَّراخِي؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ﴾؛ أيْ: المُحْسِنَ إلَيْكَ؛ ﴿لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ﴾؛ وهو كُلُّ ما مِن شَأْنِهِ أنْ يَسُوءَ؛ وهو ما لا يَنْبَغِي فِعْلُهُ؛ ﴿بِجَهالَةٍ﴾؛ كَما عَمِلْتُمْ؛ وإنْ عَظُمَ فِعْلُهُمْ؛ وتَفاحَشَ جَهْلُهُمْ؛ ﴿ثُمَّ تابُوا﴾؛ ولَمّا كانَ - سُبْحانَهُ - يَقْبَلُ اليَسِيرَ مِنَ العَمَلِ؛ أدْخَلَ الجارَّ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الذَّنْبِ؛ ولَوْ كانَ عَظِيمًا؛ فاقْتَصَرُوا عَلى ما أذِنَ (p-٢٧٢)فِيهِ خالِقُهُمْ؛ ﴿وأصْلَحُوا﴾؛ بِالِاسْتِمْرارِ عَلى ذَلِكَ؛ ﴿إنَّ رَبَّكَ﴾؛ أيْ: المُحْسِنَ إلَيْكَ بِتَسْهِيلِ دِينِكَ؛ وتَيْسِيرِهِ؛ ولَمّا كانَ إنَّما يَغْفِرُ بَعْدَ التَّوْبَةِ ما عَدا الشِّرْكَ الواقِعَ بَعْدَها؛ أدْخَلَ الجارَّ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿مِن بَعْدِها﴾؛ أيْ: التَّوْبَةِ؛ وما تَقَدَّمَها مِن أعْمالِ السُّوءِ؛ ﴿لَغَفُورٌ﴾؛ أيْ: بَلِيغُ السَّتْرِ لِما عَمِلُوا مِنَ السُّوءِ؛ ﴿رَحِيمٌ﴾؛ أيْ: مُحْسِنٌ بِالإكْرامِ؛ فَضْلًا ونِعْمَةً.

16:120Страница 281

إِنَّ إِبۡرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةٗ قَانِتٗا لِّلَّهِ حَنِيفٗا وَلَمۡ يَكُ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٢٠

Воистину, Ибрахим (Авраам) был вождем, покорным Аллаху и ханифом. Он не был одним из многобожников.

ولَمّا دَعاهم إلى مَكارِمِ الأخْلاقِ؛ ونَهاهم عَنْ مَساوِئِها؛ بِقَبُولِهِ لِمَن أقْبَلَ إلَيْهِ؛ وإنْ عَظُمَ جُرْمُهُ؛ إجابَةً لِدَعْوَةِ أبِيهِمْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦]؛ أتْبَعَ ذَلِكَ ذِكْرَهُ؛ تَرْغِيبًا في اتِّباعِهِ في التَّوْحِيدِ؛ والمَيْلِ مَعَ الأمْرِ؛ والنَّهْيِ؛ إقْدامًا؛ وإحْجامًا؛ إنْ كانُوا مِمَّنْ يَتْبَعُ الحَقَّ؛ أوْ يُقَلِّدُ الآباءَ؛ فَقالَ - عَلى سَبِيلِ التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَهُ -: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ﴾؛ أيْ: أباكُمُ الأعْظَمَ؛ إمامَ المُوَحِّدِينَ؛ ﴿كانَ أُمَّةً﴾؛ فِيهِ مِنَ المَنافِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ؛ والأُخْرَوِيَّةِ؛ ما يُوجِبُ أنْ يَؤُمَّهُ ويَقْصِدَهُ كُلُّ أحَدٍ يُمْكِنُ انْتِفاعُهُ بِهِ؛ ﴿قانِتًا﴾؛ أيْ: مُخْلِصًا؛ ﴿لِلَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الهَوى؛ ﴿حَنِيفًا﴾؛ مَيّالًا مَعَ الأمْرِ؛ والنَّهْيِ؛ بِنَسْخٍ أوْ بِغَيْرِهِ؛ فَكُونُوا حُنَفاءَ؛ أتْباعًا لِلْحَقِّ؛ (p-٢٧٣)لِما قامَ عَلَيْهِ مِنَ الأدِلَّةِ؛ واسْتِنانًا بِأعْظَمِ آبائِكم.

ولَمّا كانَ السِّياقُ لِإثْباتِ الكَمالِ لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وكانَتِ الأوْصافُ الثُّبُوتِيَّةُ قَرِيبَةَ المَأْخَذِ؛ سَرِيعَةَ الوُصُولِ إلى الفَهْمِ؛ وأتى بَعْدَها وصْفٌ سَلْبِيٌّ بِجُمْلَةٍ؛ حَذَفَ نُونَ ”يَكُنْ“؛ مِنها إيجازًا؛ وتَقْرِيبًا لِلْفَهْمِ؛ تَخْفِيفًا عَلَيْهِ؛ وحِفْظًا لَهُ مِن أنْ يَذْهَبَ قَبْلَ تَمامِها إلى غَيْرِ المُرادِ؛ وإعْلامًا بِأنَّ الفِعْلَ مَنفِيٌّ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى أبْلَغِ وُجُوهِ النَّفْيِ؛ لا يُنْسَبُ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنهُ؛ ولَوْ قَلَّ؛ فَقِيلَ: ﴿ولَمْ يَكُ﴾؛ ولَمّا كانُوا مُشْرِكِينَ؛ هم وكَثِيرٌ مِن أسْلافِهِمْ؛ قَبَّحَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ؛ بِأنَّ أعْظَمَ مَن يَعْتَقِدُونَ عَظَمَتَهُ مِن آبائِهِمْ لَيْسَ مِن ذَلِكَ القَبِيلِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿مِنَ المُشْرِكِينَ﴾؛ الواقِفِينَ مَعَ الهَوى؛ فَلا تَكُونُوا مِنهُمْ؛

16:121Страница 281

شَاكِرٗا لِّأَنۡعُمِهِۚ ٱجۡتَبَىٰهُ وَهَدَىٰهُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ١٢١

Он был благодарен Аллаху за благодеяния, и Он избрал его и повел прямым путем.

ثُمَّ بَيَّنَ حالَهُ؛ فَقالَ: ﴿شاكِرًا﴾؛ ولَمّا كانَ لِلَّهِ عَلى مَن جَعَلَهُ أُمَّةً مِنَ النِّعَمِ ما لا يُحْصى؛ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ قَلِيلٌ في جَنْبِ فَضْلِهِ؛ فَقالَ - مُشِيرًا إلى ذَلِكَ بِجَمْعِ القِلَّةِ؛ وإلى أنَّ الشّاكِرَ عَلى القَلِيلِ يَشْكُرُ إذا أتاهُ الكَثِيرُ مِن بابِ الأوْلى -: ﴿لأنْعُمِهِ﴾؛ فَهو لا يَزالُ يَزِيدُهُ مِن فَضْلِهِ؛ فَتَقَبَّلَ دُعاءَهُ لَكُمْ؛ (p-٢٧٤)فاشْكُرُوا اللَّهَ اقْتِداءً بِهِ؛ لِيَزِيدَكُمْ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما أثابَهُ عَلى ذَلِكَ؟ أوْ عَلَّلَ ما قَبْلُ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿اجْتَباهُ﴾؛ أيْ: اخْتارَهُ اخْتِيارًا تامًّا؛ ﴿وهَداهُ﴾؛ أيْ: بِالبَيانِ الأعْظَمِ؛ والتَّوْفِيقِ الأكْمَلِ؛ ﴿إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؛ وهو الحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ؛ فَكانَ مِمَّنْ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ؛ وهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ؛ وكانَ مُخالِفًا لِلْأبْكَمِ المَوْصُوفِ في المَثَلِ السّابِقِ؛

16:122Страница 281

وَءَاتَيۡنَٰهُ فِي ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗۖ وَإِنَّهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١٢٢

Мы даровали ему добро в мирской жизни, а в Последней жизни он будет в числе праведников.

ثُمَّ قالَ: ﴿وآتَيْناهُ﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿فِي الدُّنْيا﴾؛ بِلِسانِ الصِّدْقِ؛ والثَّناءِ الجَمِيلِ؛ الَّذِي ذَلَلْنا لَهُ ألْسِنَةَ الخَلْقِ؛ ﴿حَسَنَةً﴾؛ ونَبَّهَ بِالتَّعْبِيرِ عَنِ المُعْطِي بِنُونِ العَظَمَةِ عَلى جَلالَتِهِ؛ حَيْثُ جَعَلَهُ إمامًا مُعَظَّمًا لِجَمِيعِ أهْلِ المِلَلِ؛ فَجَمَعَ القُلُوبَ عَلى مَحَبَّتِهِ؛ وجَعَلَ لَهُ فِيهِمْ لِسانَ صِدْقٍ؛ ورَزَقَهُ في أوْلادِهِ مِنَ النُّبُوَّةِ؛ والصَّلاحِ؛ والمُلْكِ؛ والكَثْرَةِ؛ ما هو مَشْهُورٌ.

ولَمّا كانَتْ عَظَمَةُ الدُّنْيا لا تُعْتَبَرُ إلّا مَقْرُونَةً بِنِعْمَةِ الآخِرَةِ؛ قالَ (تَعالى): ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ﴾؛ وقالَ (تَعالى): ﴿لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾؛ أيْ: لَهُ ما لَهم مِنَ الثَّوابِ العَظِيمِ؛ مُعَبِّرًا بِـ ”مِن“؛ تَعْظِيمًا لِمَقامِ الصَّلاحِ؛ وتَرْغِيبًا فِيهِ.

16:123Страница 281

ثُمَّ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ أَنِ ٱتَّبِعۡ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٢٣

Затем Мы внушили тебе: «Исповедуй религию Ибрахима (Авраама), ведь он был ханифом и не был из числа многобожников».

ولَمّا قَرَّرَ مِن عَظَمَتِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ما هو داعٍ إلى اتِّباعِهِ؛ صَرَّحَ بِالأمْرِ بِهِ؛ تَنْبِيهًا عَلى زِيادَةِ عَظَمَتِهِ؛ بِأمْرٍ مُتَباعِدٍ في الرُّتْبَةِ عَلى سائِرِ النُّعُوتِ الَّتِي أثْنى عَلَيْهِ بِها؛ وذَلِكَ كَوْنُهُ صارَ مُقْتَدًى لِأفْضَلِ ولَدِ آدَمَ؛ مُشِيرًا إلى ذَلِكَ بِحَرْفِ التَّراخِي الدّالِّ عَلى عُلُوِّ رُتْبَتِهِ؛ بِعُلُوِّ رُتْبَةِ مَن أمَرَ بِاتِّباعِهِ فِيما مَهَّدَهُ؛ مِمّا أمَرَ بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ؛ والطَّرِيقِ الواضِحِ (p-٢٧٥)السَّهْلِ؛ فَقالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا﴾؛ أيْ: ثُمَّ زِدْناهُ تَعْظِيمًا؛ وجَلالَةً بِأنْ أوْحَيْنا؛ ﴿إلَيْكَ﴾؛ وأنْتَ أشْرَفُ الخَلْقِ؛ وفَسَّرَ الإيحاءَ بِقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ - تَرْغِيبًا في تَلَقِّي هَذا الوَحْيِ؛ أحْسَنَ التَّلَقِّي؛ بِاقْتِفاءِ الأبِ الأعْظَمِ -: ﴿أنِ اتَّبِعْ﴾؛ أيْ: بِغايَةِ جُهْدِكَ؛ ونِهايَةِ هِمَّتِكَ.

ولَمّا كانَ المُرادُ أصْلَ الدِّينِ؛ وحُسْنَ الِاقْتِضاءِ فِيهِ؛ بِسُهُولَةِ الِانْقِيادِ والِانْسِلاخِ مِن كُلِّ باطِلٍ؛ والدَّعْوَةِ بِالرِّفْقِ؛ مَعَ الصَّبْرِ؛ وتَكْرِيرِ الإيرادِ لِلدَّلائِلِ؛ وكُلِّ ما يَدْعُو إلَيْهِ العَقْلُ الصِّرْفُ؛ والفِطْرَةُ السَّلِيمَةُ؛ عَبَّرَ بِالمِلَّةِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾؛ ولا بُعْدَ في أنْ يُفْهِمَ ذَلِكَ الهِجْرَةَ أيْضًا.

ولَمّا كانَتِ الحَنِيفِيَّةُ أشْرَفَ أخْلاقِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ فَكانَتْ مَقْصُودَةً بِالذّاتِ؛ صَرَّحَ بِها؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿حَنِيفًا﴾؛ أيْ: الحالُ كَوْنُكَ؛ أوْ كَوْنُهُ شَدِيدَ الِانْجِذابِ؛ مَعَ الدَّلِيلِ الحَقِّ؛ ورَغَّبَ العَرَبَ في التَّوْحِيدِ؛ ونَفَّرَهم مِنَ الشِّرْكِ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وما كانَ﴾؛ أيْ: بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ؛ ﴿مِنَ المُشْرِكِينَ﴾؛

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English