Аль-БикаиАн‑Нахль · 16:47–61

Аль-Бикаи · Тафсир · на арабском

Ан-Нахль 16:47–61

16:47Страница 272

أَوۡ يَأۡخُذَهُمۡ عَلَىٰ تَخَوُّفٖ فَإِنَّ رَبَّكُمۡ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٌ ٤٧

Или того, что Он схватит их, когда их охватит ужас? Воистину, твой Господь - Сострадательный, Милосердный.

ولَمْ يُعَلِّلْ ما بَعْدَهُ بِذَلِكَ؛ لِأنَّ المُتَخَوَّفَ مُجَوِّزٌ لِلْعَجْزِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿أوْ يَأْخُذَهُمْ﴾؛ أيْ: اللَّهُ؛ أخْذَ غَضَبٍ؛ ﴿عَلى تَخَوُّفٍ﴾؛ مِنهم مِنَ العَذابِ؛ وتَحَفُّظٍ مِن أنْ يَقَعَ بِهِمْ ما وقَعَ بِمَن قَبْلَهُمْ؛ مِن عَذابِ الِاسْتِئْصالِ؛ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِما مَضى عَذابُ الِاسْتِئْصالِ؛ وبِهَذا الأخْذُ شَيْئًا فَشَيْئًا؛ فَإنَّ التَّخَوُّفَ التَّنَقُّصُ عِنْدَ هُذَيْلٍ؛ رُوِيَ أنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - سَألَ النّاسَ عَنْها؛ فَسَكَتُوا؛ فَأجابَهُ شَيْخٌ مِن هُذَيْلٍ بِأنَّهُ التَّنَقُّصُ؛ فَقالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ”هَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ في أشْعارِها؟“؛ قالَ: نَعَمْ؛ قالَ شاعِرُنا؛ (p-١٧١)أبُو كَثِيرٍ الهُذَلِيُّ؛ يَصِفُ ناقَةً:

؎تَخَوَّفَ الرَّحْلُ مِنها تامِكًا قَرِدًا ∗∗∗ كَما تَخَوَّفَ عُودَ النَّبْعَةِ السَّفَنُ

فَقالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ”أيُّها النّاسُ؛ عَلَيْكم بِدِيوانِكم لا يَضِلَّ“؛ قالُوا: وما دِيوانُنا؟ قالَ: ”شِعْرُ الجاهِلِيَّةِ؛ فَإنَّ فِيهِ تَفْسِيرَ كِتابِكُمْ؛ ومَعانِيَ كَلامِكُمْ“.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”لَمْ يَأْمَنُوا ذَلِكَ في نَفْسِ الأمْرِ“؛ ولَكِنَّ جَهْلَهم بِاللَّهِ - لِطُولِ أناتِهِ؛ وحِلْمِهِ – غَرَّهُمْ"؛ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ - التِفاتًا إلى الخِطابِ؛ اسْتِعْطافًا -: ﴿فَإنَّ رَبَّكُمْ﴾؛ أيْ: المُحْسِنَ إلَيْكم بِإهْلاكِ مَن يُرِيدُ؛ وإبْقاءِ مَن يُرِيدُ؛ ﴿لَرَءُوفٌ﴾؛ أيْ: بَلِيغُ الرَّحْمَةِ لِمَن يَتَوَسَّلُ إلَيْهِ بِنَوْعِ وسِيلَةٍ؛ وكَذا لِمَن قاطَعَهُ أتَمَّ مُقاطَعَةٍ؛ وإلَيْهِ أشارَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): (p-١٧٢)﴿رَحِيمٌ﴾؛ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ إمْهالِهِ لَهم في كُفْرِهِمْ؛ وطُغْيانِهِمْ؛ مَعَ القُدْرَةِ عَلَيْهِمُ؛ العِلْمُ بِأنَّ تَرْكَهُ لِمُعاجَلَتِهِمْ ما هو إلّا لِرَأْفَتِهِ؛ ورَحْمَتِهِ.

16:48Страница 272

أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيۡءٖ يَتَفَيَّؤُاْ ظِلَٰلُهُۥ عَنِ ٱلۡيَمِينِ وَٱلشَّمَآئِلِ سُجَّدٗا لِّلَّهِ وَهُمۡ دَٰخِرُونَ ٤٨

Неужели они не наблюдали за вещами, которые созданы Аллахом? Они обладают тенью, которая склоняется вправо и влево, падая ниц пред Аллахом и оставаясь смиренной.

ولَمّا خَوَّفَهُمْ؛ دَلَّ عَلى تَمامِ قُدْرَتِهِ؛ عَلى ذَلِكَ وغَيْرِهِ؛ بِقَوْلِهِ - عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”أوَلَمْ يَرَوْا إلى عَجْزِهِمْ عَمّا يُرِيدُونَ؛ وقَسْرِهِ لَهم عَلى ما لا يُرِيدُونَ؛ فَيَعْلَمُوا بِذَلِكَ قُدْرَتَهُ وعَجْزَهُمْ؛ فَيَعْلَمُوا أنَّ عَفْوَهُ عَنْ جَرائِمِهِمْ إحْسانٌ مِنهُ إلَيْهِمْ؛ ولُطْفٌ بِهِمْ“ -: ﴿أوَلَمْ﴾؛ ولَمّا كانَ حَقُّهُمُ المُبادَرَةُ بِالتَّوْبَةِ؛ فَلَمْ يَفْعَلُوا؛ أعْرَضَ عَنْهُمْ؛ في قِراءَةِ الجَماعَةِ؛ تَخْوِيفًا فَقالَ (تَعالى): ﴿يَرَوْا﴾؛ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ؛ والكِسائِيُّ؛ بِالخِطابِ؛ عَلى نَسَقِ ما قَبْلَهُ؛ أيْ: يَنْظُرُوا بِعُيُونِ الإبْصارِ؛ مُتَفَكِّرِينَ بِالبَصائِرِ؛ وبَيَّنَ بُعْدَهم عَنِ المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ بِحَرْفِ الغايَةِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿إلى ما خَلَقَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ الأمْرِ؛ ﴿مِن شَيْءٍ﴾؛ أيْ: لَهُ ظِلٌّ؛ ﴿يَتَفَيَّأُ﴾؛ أيْ: تَتَرَجَّعُ إلى جِهَةِ الشّاخِصِ؛ ﴿ظِلالُهُ﴾؛ وهو ما سَتَرَهُ الشّاخِصُ عَنِ الشَّمْسِ؛ مُتَجاوِزَةً لَهُ؛ ﴿عَنِ اليَمِينِ﴾؛ وهي ما عَلى يَمِينِ المُسْتَدِيرِ لِلشِّمالِ؛ المُسْتَقْبِلِ لِلْجَنُوبِ؛ الَّذِي هو ناحِيَةُ الكَعْبَةِ لِمَن في بِلادِ الشّامِ؛ الَّتِي هي مَسْكَنُ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ وأفْرَدَ لِأنَّ (p-١٧٣)الظِّلَّ يَكُونُ أوَّلَ ما تُشْرِقُ الشَّمْسُ مُسْتَقِيمًا إلى تِلْكَ الجِهَةِ؛ عَلى اسْتِواءٍ؛ وجَمَعَ في قَوْلِهِ: ﴿والشَّمائِلِ﴾؛ لِأنَّ الشَّمْسَ كُلَّما ارْتَفَعَتْ تَحَوَّلَ ذَلِكَ الظِّلُّ راجِعًا إلى جِهَةِ ما وراءَ الشّاخِصِ؛ ولا يَزالُ كَذَلِكَ إلى أنْ يَنْتَصِبَ عِنْدَ الغُرُوبِ إلى جِهَةِ يَسارِهِ؛ قَصْدًا عَلى ضِدِّ ما كانَ انْتَصَبَ إلَيْهِ عِنْدَ الشُّرُوقِ؛ فَلَمّا كانَ بَعْدَ انْتِصابِهِ إلى جِهَةِ اليَمِينِ طالِبًا في تَفَيُّئِهِ جِهَةَ اليَسارِ؛ سُمِّيَتْ تِلْكَ الجِهاتُ الَّتِي تَفَيَّأ فِيها بِاسْمِ ما هو طالِبُهُ؛ تَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ؛ وفِيهِ إشارَةٌ إلى قِلَّةِ الجَيِّدِ المُسْتَقِيمِ؛ وكَثْرَةِ المُنْحَرِفِ الرَّدِيءِ.

ولَمّا كانَتْ كَثْرَةُ الخاضِعِينَ أدَلَّ عَلى القَهْرِ؛ وأهْيَبَ؛ جَمَعَ؛ بِالنَّظَرِ إلى مَعْنى ”ما“؛ في قَوْلِهِ: ﴿سُجَّدًا﴾؛ أيْ: حالَ كَوْنِهِمْ خُضَّعًا ﴿لِلَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْلى؛ بِما فِيهِمْ مِنَ الحاجَةِ إلى مُدَبِّرِهِمْ.

ولَمّا كانَ امْتِدادُ الظِّلِّ قَسْرِيًّا لا يُمْكِنُ أحَدًا الِانْفِصالُ عَنْهُ؛ قالَ - جامِعًا بِالواوِ والنُّونِ؛ تَغْلِيبًا -: ﴿وهم داخِرُونَ﴾؛ ذُلًّا وصَغارًا؛ لا يَمْتَنِعُ شَيْءٌ مِنهم عَلى تَصْرِيفِهِ؛ وخَصَّ الظِّلَّ بِالذِّكْرِ؛ لِسُرْعَةِ تَغَيُّرِهِ؛ والتَّغَيُّرُ دالٌّ عَلى المُغَيِّرِ.

16:49Страница 272

وَلِلَّهِۤ يَسۡجُدُۤ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ مِن دَآبَّةٖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ ٤٩

Перед Аллахом падают ниц все обитатели небес и земли, животные и ангелы, и они не проявляют высокомерия.

ولَمّا حَكَمَ عَلى الظِّلالِ بِما عَمَّ أصْحابَها مِن جَمادٍ؛ وحَيَوانٍ؛ وكانَ الحَيَوانُ (p-١٧٤)أشْرَفَ مِنَ الجَمادِ؛ رَقّى الحُكْمَ إلَيْهِ بِخُصُوصِهِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ولِلَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ ﴿يَسْجُدُ﴾؛ أيْ: يَخْضَعُ بِالِانْقِيادِ لِلْمَقادِيرِ؛ والجَرْيِ تَحْتَ الأقْضِيَةِ؛ وعَبَّرَ بِما هو ظاهِرٌ في غَيْرِ العُقَلاءِ؛ مَعَ شُمُولِهِ لَهُمْ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ما في السَّماواتِ﴾؛ ولَمّا كانَ المَقامُ لِلْمُبالَغَةِ في إثْباتِ الحُكْمِ عَلى الطّائِعِ؛ والعاصِي؛ أعادَ المَوْصُولَ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وما في الأرْضِ﴾؛ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿مِن دابَّةٍ﴾؛ أيْ: عاقِلَةٍ؛ وغَيْرِ عاقِلَةٍ.

ولَمّا كانَ المُقَرَّبُ قَدْ يَسْتَهِينُ بِمَن يُقَرِّبُهُ؛ قالَ - مُبَيِّنًا لِخُضُوعِ المُقَرَّبِينَ؛ تَخْصِيصًا لَهُمْ؛ وإنْ كانَ الكَلامُ قَدْ شَمِلَهم -: ﴿والمَلائِكَةُ﴾

ولَمّا كانَ الخاضِعُ قَدْ يُحْكَمُ بِخُضُوعِهِ؛ وإنْ كانَ باطِنُهُ مُخالِفًا لِظاهِرِهِ؛ قالَ - دالًّا عَلى أنَّ في غَيْرِهِمْ مَن يَسْتَكْبِرُ؛ فَيَكُونُ انْقِيادُهُ لِلْإرادَةِ كَرْهًا؛ وعَبَّرَ عَنِ السُّجُودَيْنِ: المُوافِقِ لِلْأمْرِ والإرادَةِ طَوْعًا؛ والمُوافِقِ لِلْإرادَةِ؛ المُخالِفِ لِلْأمْرِ كَرْهًا؛ بِلَفْظٍ واحِدٍ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَ مَفْهُومَيِ المُشْتَرَكِ؛ والحَقِيقَةِ والمَجازِ بِلَفْظٍ -: ﴿وهُمْ﴾؛ أيْ: المَلائِكَةُ؛ ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾؛

16:50Страница 272

يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوۡقِهِمۡ وَيَفۡعَلُونَ مَا يُؤۡمَرُونَ۩ ٥٠

Они боятся своего Господа, Который над ними, и совершают то, что им велено.

ثُمَّ عَلَّلَ خُضُوعَهم بِقَوْلِهِ - دَلالَةً عَلى أنَّهم كَغَيْرِهِمْ في الوُقُوفِ بَيْنَ الخَوْفِ؛ والرَّجاءِ -: ﴿يَخافُونَ رَبَّهُمْ﴾؛ أيْ: المُوجِدَ لَهُمْ؛ المُدَبِّرَ لِأُمُورِهِمْ؛ المُحْسِنَ إلَيْهِمْ؛ خَوْفًا مُبْتَدِئًا ﴿مِن فَوْقِهِمْ﴾؛ إشارَةً إلى عُلُوِّ الخَوْفِ عَلَيْهِمْ؛ وغَلَبَتِهِ لَهُمْ؛ أوْ حالَ كَوْنِ رَبِّهِمْ؛ مَعَ إحْسانِهِ إلَيْهِمْ؛ لَهُ العُلُوُّ والجَبَرُوتُ؛ فَهو المَخُوفُ المَرْهُوبُ؛ (p-١٧٥)فَهم عَمّا نُهُوا عَنْهُ يَنْتَهُونَ؛ ﴿ويَفْعَلُونَ﴾؛ أيْ: بِداعِيَةٍ عَظِيمَةٍ؛ عِلْمًا مِنهم بِما عَلَيْهِمْ لِرَبِّهِمْ مِنَ الحَقِّ؛ مَعَ عَدَمِ مُنازِعٍ مِن حَظٍّ؛ أوْ شَهْوَةٍ؛ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ ودَلَّ عَلى أنَّهم مُكَلَّفُونَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ما يُؤْمَرُونَ﴾؛ فَهم لِرَحْمَتِهِ لَهم يَرْجُونَ؛ فالآيَةُ مِنَ الاحْتِباكِ: ذِكْرُ الخَوْفِ أوَّلًا دالٌّ عَلى الرَّجاءِ ثانِيًا؛ وذِكْرُ الفِعْلِ ثانِيًا دالٌّ عَلى الِانْتِهاءِ أوَّلًا.

16:51Страница 272

۞ وَقَالَ ٱللَّهُ لَا تَتَّخِذُوٓاْ إِلَٰهَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِۖ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ فَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ ٥١

Аллах сказал: «Не поклоняйтесь двум богам, ибо есть только один Бог. Меня одного бойтесь».

ولَمّا كانَ التَّوْحِيدُ أعْظَمَ المَأْمُوراتِ؛ وكانَ العِصْيانُ فِيهِ أعْظَمَ العِصْيانِ؛ وكانَ - سُبْحانَهُ - قَدْ أكْثَرَ التَّخْوِيفَ مِن عِصْيانِهِ؛ أبْلَغَ الأمْرَ إلى نِهايَتِهِ؛ بِالإخْبارِ بِأنَّ المَلائِكَةَ تَخافُهُ؛ وكانَ المَلائِكَةُ مِن أعْظَمِ المُوَحِّدِينَ؛ كَما كانُوا مِن أعْظَمِ السّاجِدِينَ؛ مِن أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِينَ؛ وكانَتْ هَذِهِ الآياتُ مِن أعْظَمِ أدِلَّةِ التَّوْحِيدِ؛ أتْبَعَها - عَطْفًا عَلى ”وأنْزَلَ إلَيْكَ الذِّكْرَ“؛ لِيَتَضافَرَ عَلى ذَلِكَ أدِلَّةُ العَقْلِ؛ والنَّقْلِ؛ وتَسْلِيكًا بِأحْوالِ المَلائِكَةِ - قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿وقالَ اللَّهُ﴾؛ فَعَبَّرَ لِأجْلِ تَعْظِيمِ المَقامِ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ؛ الخاصِّ؛ الَّذِي بُنِيَتْ عَلَيْهِ السُّورَةُ: ﴿لا تَتَّخِذُوا﴾؛ أيْ: لا تُكَلِّفُوا فِطَرَكُمُ الأُولى السَّلِيمَةَ المَجْبُولَةَ عَلى مَعْرِفَةِ أنَّ الإلَهَ واحِدٌ؛ إلى أنْ تَأْخُذَ في اعْتِقادِها ﴿إلَهَيْنِ﴾؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ما عُلِمَ مِنَ المُقَدِّماتِ المَذْكُورَةِ أوَّلَ السُّورَةِ؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢١]؛ مِنَ النَّتِيجَةِ؛ وهِيَ: ﴿إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ [الأنبياء: ١٠٨]؛ لِاحْتِمالِ أنْ يَقُولَ مُتَعَنِّتٌ: إنَّهُ لَمْ يَأْمُرْنا (p-١٧٦)بِذَلِكَ؛ وإنْ دَلَّتْ عَلَيْهِ الأدِلَّةُ؛ ويَجُوزُ - وهو أقْرَبُ - أنْ يُعْطَفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ [النحل: ٣٥]؛ تَبْكِيتًا لَهُمْ؛ بِأنَّهُمُ احْتَجُّوا بِحُكْمِهِ؛ ولَمْ يُبادِرُوا إلى امْتِثالِ أمْرِهِ.

ولَمّا كانَ قَدْ فُهِمَ المُرادُ مِنَ التَّثْنِيَةِ؛ وكانَ رُبَّما قالَ المُتَعَنِّتُ: إنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ تَكْثِيرُ الأسْماءِ؛ قالَ - مُؤَكِّدًا؛ ومُحَقِّقًا -: ﴿اثْنَيْنِ﴾؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الأُلُوهِيَّةَ؛ لِأنَّهُ مَوْضِعٌ لِإمْكانِ التَّنازُعِ المَلْزُومِ لِلْعَجْزِ؛ المُنافِي لِتِلْكَ الرُّتْبَةِ؛ مُطْلَقُ العَدَدِ يُنافِي المَنِيفَةَ الشَّمّاءَ؛ وفي ذَلِكَ أيْضًا - مَعَ كَوْنِ مَعْبُوداتِهِمْ كانَتْ كَثِيرَةً - إشارَةٌ إلى أنَّ ما يُسَمّى آلِهَةً - وإنْ زادَ عَدَدُهُ - يَرْجِعُ بِالحَقِيقَةِ إلى اثْنَيْنِ: خالِقٍ ومَخْلُوقٍ؛ ومِنَ المَعْلُومِ لِكُلِّ ذِي لُبٍّ أنَّ المَخْلُوقَ غَيْرُ صالِحٍ لِلْأُلُوهِيَّةِ؛ فانْحَصَرَ الأمْرُ في الخالِقِ؛ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ الخالِقُ كانَ مُنْقَسِمًا؛ لا مَحالَةَ؛ وأقَلُّ ما يَنْقَسِمُ إلى اثْنَيْنِ؛ وبابُ الِاتِّخاذِ إذا كانَ مَفْعُولُهُ نَكِرَةً؛ اكْتُفِيَ بِواحِدٍ؛ كَما تَقُولُ: ”اتَّخَذْتُ بَيْتًا“؛ و”اتَّخَذْتُ زَوْجَةً“؛ ونَحْوَ ذَلِكَ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ النَّهْيَ بِما اقْتَضاهُ السِّياقُ مِنَ الوَحْدانِيَّةِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿إنَّما هُوَ﴾؛ أيْ: الإلَهُ المَفْهُومُ مِن لَفْظِ ”إلَهَيْنِ“؛ الَّذِي لا يَسْتَحِقُّ غَيْرُهُ أنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ هَذا الضَّمِيرُ إلّا مَجازًا؛ لِأنَّهُ لا يُطْلَقُ إطْلاقًا حَقِيقِيًّا إلّا عَلى ما وجَدُوهُ مِن ذاتِهِ؛ ﴿إلَهٌ﴾؛ أيْ: يَسْتَحِقُّ هَذا الوَصْفَ عَلى الإطْلاقِ؛ (p-١٧٧)ولَمّا كانَ السِّياقُ مُفْهِمًا لِلْوَحْدانِيَّةِ؛ مِنَ النَّهْيِ عَنِ التَّثْنِيَةِ؛ وكانَ رُبَّما تَعَنَّتَ مُتَعَنِّتٌ بِأنَّ المُرادَ إثْباتُ الإلَهِ؛ الدّالُّ عَلى الجِنْسِ؛ قالَ - رافِعًا لِكُلِّ شُبْهَةٍ -: ﴿واحِدٌ﴾؛ أيْ: لا يُمْكِنُ أنْ يُثَنّى بِوَجْهٍ؛ ولا أنْ يُجَزَّأ؛ لِغِناهُ المُطْلَقِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ؛ واحْتِياجِ كُلِّ شَيْءٍ إلَيْهِ؛ فَكُونُوا مِمَّنْ يَسْجُدُ لَهُ طَوْعًا؛ ولا تَكُونُوا مِمَّنْ لا يَسْجُدُ لَهُ إلّا كَرْهًا.

ولَمّا كانَ أُسْلُوبُ الغَيْبَةِ لا يُعَيِّنُ الإلَهَ في المُتَكَلِّمِ؛ التَفَتَ إلى أُسْلُوبِ التَّكَلُّمِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿فَإيّايَ﴾؛ أيْ: ذَلِكَ الواحِدُ أنا؛ وحْدِي؛ لا شَرِيكَ لِي؛ فَمَن لَمْ يُوَحِّدْنِي أوْقَعْتُ بِهِ بِقُوَّتِي ما لا يُطِيقُهُ؛ لِعَجْزِهِ؛ ولَمّا كانَتِ الوَحْدانِيَّةُ مِمّا لا يَخْفى عَلى عاقِلٍ؛ وكانَتْ مَرْكُوزَةً في كُلِّ فِطْرَةٍ؛ بِدَلِيلِ الِاضْطِرابِ عِنْدَ المِحَنِ؛ والشَّدائِدِ؛ والفِتَنِ؛ وكانَتِ الرَّهْبَةُ - كَما مَضى عَنِ الحَرالِّيِّ في ”البَقَرَةِ“ - خاصَّةً بِالخَوْفِ مِمّا خالَفَ العاصِي فِيهِ العِلْمَ؛ عَبَّرَ بِها؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿فارْهَبُونِ﴾؛ مُخْتَصًّا بِذَلِكَ؛ ولا تَخافُوا شَيْئًا غَيْرِي؛ مِن صَنَمٍ؛ ولا غَيْرِهِ؛ فَإنَّهُ لَيْسَ لِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ قُدْرَةٌ؛ وإنْ أوْدَعْتُهُ فَإنَّهُ لا يَتَمَكَّنُ مِن إنْفاذِها؛ فالأمْرُ كُلُّهُ إلَيَّ وحْدِي.

16:52Страница 272

وَلَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِبًاۚ أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ ٥٢

Ему принадлежит то, что на небесах и на земле. Ему одному надлежит поклоняться. Неужели вы станете бояться кого-либо помимо Аллаха?

(p-١٧٨)ولَمّا كانَ أُسْلُوبُ الغَيْبَةِ مِنَ الحاضِرِ دالًّا عَلى التَّرَدِّي بِحِجابِ الكِبَرِ؛ المُؤْذِنِ بِشِدَّةِ البَطْشِ؛ وسُرْعَةِ الِانْتِقامِ؛ وبُعْدِ المَقامِ؛ رَجَعَ إلَيْهِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ولَهُ﴾؛ فَأعادَ الضَّمِيرَ عَلى اللَّهِ؛ الِاسْمِ العَلَمِ؛ الجامِعِ لِجَمِيعِ الأسْماءِ الحُسْنى؛ ﴿ما في السَّماواتِ﴾؛ ولَمّا كانَ الأمْرُ قَدْ تَأكَّدَ وتَأطَّدَ؛ وظَهَرَ المُرادُ مِنهُ غايَةَ الظُّهُورِ؛ لَمْ يَحْتَجْ إلى تَأْكِيدِهِ بِإعادَةِ النّافِي؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿والأرْضِ﴾؛ أيْ: مِمّا تَعْبُدُونَهُ؛ وغَيْرِهِ؛ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ إلَهًا؛ وهو مِلْكُهُ؛ مَعَ كَوْنِهِ مُحْتاجًا إلى الزَّمانِ؛ والمَكانِ؛ وغَيْرِهِما؛ ﴿ولَهُ الدِّينُ﴾؛ أيْ: الخُضُوعُ؛ والتَّذَلُّلُ مِن كُلِّ ما فِيهِما؛ ومَن فِيهِما؛ بِالطَّوْعِ؛ والكَرْهِ؛ بِإنْفاذِ القَضاءِ والقَدَرِ؛ بِالصِّحَّةِ؛ والسُّقْمِ؛ والغِنى؛ والفَقْرِ؛ والحَياةِ؛ والمَوْتِ؛ والإيجادِ؛ والإعْدامِ؛ والإذْلالِ؛ والإعْزازِ؛ والإقْبالِ؛ والإعْراضِ - كَما بَيَّنَ آنِفًا -؛ ولَهُ الدَّيْنُونَةُ بِالمُجازاةِ؛ ﴿واصِبًا﴾؛ أيْ: دائِمًا؛ ثابِتًا؛ عامًّا؛ لا كالمُلُوكِ الَّذِينَ تَنْقَطِعُ مَمالِكُهم مَعَ خُصُوصِها؛ والمَعْبُوداتِ الَّتِي تَنْقَطِعُ عِبادَتُها في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ؛ (p-١٧٩)فَتَصِيرُ كاسِدَةً بَعْدَ أنْ كانَتْ رابِحَةً؛ وإنْ طالَ المَدى؛ مَعَ خُصُوصِها بِناسٍ دُونَ غَيْرِهِمْ؛ ولا يَخْلُو يَوْمٌ مِنَ الأيّامِ لِمَلِكٍ غَيْرِهِ مِن جَرْيِ أُمُورٍ عَلى غَيْرِ مُرادِهِ؛ وإنْ عَظُمَ سُلْطانُهُ؛ وعَلا شَأْنُهُ؛ وكَثُرَتْ أعْوانُهُ؛ فَكَيْفَ يَتَصَوَّرُ مَن لَهُ أدْنى بَصَرٍ أنْ يَكُونَ غَيْرُهُ إلَهًا؛ وقَدْ تَقَدَّمَ فِي: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦]؛ في ”هُودٍ“؛ ما يَنْفَعُ اسْتِحْضارُهُ هُنا.

ولَمّا تَقَرَّرَ هَذا الدَّلِيلُ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ؛ وكانَ مِن مَفْهُوماتِ الدِّينِ الجَزاءُ؛ النّاظِرُ إلى الأفْعالِ الواقِيَةِ مِمّا يَضُرُّ؛ تَسَبَّبَ عَنْهُ الإنْكارُ الشَّدِيدَ عَلى مَن يَلْتَفِتُ بِشَيْءٍ مِن أفْعالِهِ إلى غَيْرِهِ؛ بَعْدَ عِلْمِهِ بِأنَّهُ دائِمٌ لا يَزُولُ؛ وأنَّ كُلَّ ما سِواهُ زائِلٌ؛ فَقالَ - مُعَبِّرًا بِالتَّقْوى؛ الَّتِي هي نَتِيجَةُ الرَّهْبَةِ -: ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ كُلُّها؛ ﴿تَتَّقُونَ﴾؛

16:53Страница 272

وَمَا بِكُم مِّن نِّعۡمَةٖ فَمِنَ ٱللَّهِۖ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيۡهِ تَجۡـَٔرُونَ ٥٣

Все блага, которые вы имеете, - от Аллаха. И если вас касается беда, то вы громко зовете Его на помощь.

وأتْبَعَ ذَلِكَ ما يُوجِبُ تَعْظِيمَ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ؛ فَقالَ - مُبَيِّنًا أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَتَعَلَّقَ خَوْفٌ؛ ولا رَجاءٌ؛ إلّا بِهِ -: ﴿وما بِكُمْ﴾؛ أيْ: التَبَسَ بِكم أيُّها النّاسُ عامَّةً؛ مُؤْمِنِكُمْ؛ وكافِرِكُمْ؛ ﴿مِن نِعْمَةٍ﴾؛ أيْ: جَلِيلَةٍ؛ أوْ حَقِيرَةٍ؛ ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ؛ وحْدَهُ؛ لا مِن غَيْرِهِ.

ولَمّا كانَ إخْلاصُهم لَهُ - مَعَ ادِّعائِهِمْ أُلُوهِيَّةَ غَيْرِهِ - أمْرًا مُسْتَبْعَدًا؛ عَبَّرَ بِأداةِ التَّراخِي؛ والبُعْدِ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ﴾؛ أيْ: أدْنى مَسٍّ؛ (p-١٨٠)﴿الضُّرُّ﴾؛ بِزَوالِ نِعْمَةٍ مِمّا أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكُمْ؛ ﴿فَإلَيْهِ﴾؛ أيْ: وحْدَهُ؛ ﴿تَجْأرُونَ﴾؛ أيْ: تَرْفَعُونَ أصْواتَكم بِالِاسْتِعانَةِ؛ لِما رَكَزَ في فِطَرِكُمُ الأوَّلِيَّةِ السَّلِيمَةِ مِن أنَّهُ لا مَلْجَأ ولا مَنجى مِنهُ إلّا إلَيْهِ.

16:54Страница 272

ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنكُمۡ إِذَا فَرِيقٞ مِّنكُم بِرَبِّهِمۡ يُشۡرِكُونَ ٥٤

Когда же Он избавляет вас от беды, то некоторые из вас начинают приобщать сотоварищей к своему Господу,

ولَمّا كانَ الرُّجُوعُ إلى الإشْراكِ بَعْدَ الإخْلاصِ مُسْتَبْعَدًا أيْضًا؛ لِاسْتِهْجانِهِمْ سُرْعَةَ الِاسْتِحالَةِ؛ قالَ (تَعالى): ﴿ثُمَّ إذا كَشَفَ﴾؛ سُبْحانَهُ عَمّا تُشْرِكُونَ؛ ﴿الضُّرَّ﴾؛ أيْ: الَّذِي مَسَّكُمْ؛ ﴿عَنْكُمْ﴾؛ ونَبَّهَ عَلى مُسارَعَةِ الإنْسانِ في الكُفْرانِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿إذا فَرِيقٌ﴾؛ أيْ: جَماعَةٌ هم أهْلُ فُرْقَةٍ وضَلالٍ؛ ﴿مِنكُمْ﴾؛ أيُّها العِبادُ؛ ﴿بِرَبِّهِمْ﴾؛ الَّذِي تَفَرَّدَ بِالإنْعامِ عَلَيْهِمْ؛ ﴿يُشْرِكُونَ﴾؛ أيْ: يُوقِعُونَ الإشْراكَ بِهِ؛ بِعِبادَةِ غَيْرِهِ؛ تَغَيُّرًا مِنهم عَمّا كانُوا عَلَيْهِ عِنْدَ الِاسْتِغاثَةِ بِهِ في الشِّدَّةِ؛ فَكانَ مُنْطَبِقًا عَلَيْهِمْ ما ضَرَبُوا المَثَلَ بِكَراهَتِهِ بِقَوْلِهِمْ:

؎وإذا تَكُونُ كَرِيهَةٌ أُدْعى لَها ∗∗∗ وإذا يُحاسُ الحَيْسُ يُدْعى جُنْدُبُ

وهَذا أجْهَلُ الجَهْلِ.

16:55Страница 273

لِيَكۡفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيۡنَٰهُمۡۚ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ٥٥

чтобы не уверовать в то, что Мы даровали им. Пользуйтесь благами, и скоро вы узнаете.

ولَمّا كانَ هَذا مَلْزُومًا بِجَحْدِ النِّعْمَةِ؛ وكانَ مِن شَأْنِ العاقِلِ البَصِيرِ (p-١٨١)بِالأُمُورِ - كَما يَدَّعُونَهُ لِأنْفُسِهِمْ - أنْ يَغْفُلَ عَنْ شَيْءٍ مِن لَوازِمِ ما يُقْدِمُ عَلَيْهِ؛ قالَ: ﴿لِيَكْفُرُوا﴾؛ أيْ: يُوقِعُوا التَّغْطِيَةَ لِأدِلَّةِ التَّوْحِيدِ؛ الَّتِي دَلَّتْهم عَلَيْها غَرائِزُ عُقُولِهِمْ؛ ﴿بِما آتَيْناهُمْ﴾؛ أيْ: مِنَ النِّعْمَةِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم ما أقْدَمُوا عَلى ذَلِكَ الشِّرْكِ إلّا لِهَذا الغَرَضِ؛ إحْلالًا لَهم مَحَلَّ العُقَلاءِ البُصَراءِ؛ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم أعْلاهُمْ؛ ورَفْعًا لَهم عَنْ أحْوالِ مَن يُقْدِمُ عَلى ما لا يَعْلَمُ عاقِبَتَهُ؛ ولا خِزْيَ أعْظَمُ مِن هَذا؛ لِأنَّهُ أنْتَجَ أنَّ الجُنُونَ خَيْرٌ مِن عَقْلٍ يَكُونُ هَذا مَآلُهُ؛ فَهو مِن بابِ التَّهَكُّمِ؛ ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾؛ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ هَذا أنْ يُقْبِلَ عَلى هَذا الفَرِيقِ إقْبالَ عالِمٍ قادِرٍ عَلَيْهِ؛ قائِلًا: تَمَتَّعُوا؛ ﴿فَسَوْفَ﴾؛ أيْ: فَإنَّ تَمَتُّعَكم عَلى هَذا الحالِ سَبَبٌ لِأنْ يُقالُ لَكم - تَهْدِيدًا -: سَوْفَ ﴿تَعْلَمُونَ﴾؛ غَبَّ تَمَتُّعِكُمْ؛ فَهو إقْبالُ الغَضَبِ؛ والتَّهْدِيدِ بِسُوءِ المُنْقَلَبِ؛ وحَذْفُ المُتَهَدَّدِ بِهِ أبْلَغُ؛ وأهْوَلُ لِذَهابِ النَّفْسِ في تَعْيِينِهِ كُلَّ مَذْهَبٍ.

16:56Страница 273

وَيَجۡعَلُونَ لِمَا لَا يَعۡلَمُونَ نَصِيبٗا مِّمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡۗ تَٱللَّهِ لَتُسۡـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمۡ تَفۡتَرُونَ ٥٦

Они отдают долю из того, чем Мы их наделили, ради того, что им неизвестно. Клянусь Аллахом, вы будете спрошены обо всем, что измышляете!

ولَمّا هَدَّدَهم بِإشْراكِهِمُ المُسْتَلْزِمِ لِكُفْرِ النِّعْمَةِ؛ أتْبَعَهُ عَجَبًا آخَرَ مِن أمْرِهِمْ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ [النحل: ٣٨] -: (p-١٨٢)﴿ويَجْعَلُونَ﴾؛ أيْ: عَلى سَبِيلِ التَّكْرِيرِ؛ ﴿لِما لا يَعْلَمُونَ﴾؛ مِمّا يَعْبُدُونَهُ مِنَ الأصْنامِ؛ وغَيْرِها؛ لِكَوْنِهِ في حَيِّزِ العَدَمِ في نَفْسِهِ؛ وعَدَمًا مَحْضًا بِما وصَفُوهُ بِهِ - كَما قالَ (تَعالى): ﴿أمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ﴾ [الرعد: ٣٣] -؛ ﴿نَصِيبًا مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾؛ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ مِنَ الحَرْثِ؛ والأنْعامِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ تَقَرُّبًا إلَيْها؛ كَما مَضى شَرْحُهُ في ”الأنْعامِ“؛ ولَكَ أنْ تَعْطِفَهُ - وهو أقْرَبُ - عَلى ”يُشْرِكُونَ“؛ فَيَكُونَ داخِلًا في حَيِّزِ ”إذا“؛ أيْ: فاجَؤُوا مُقابَلَةَ نِعْمَتِهِ في الإنْجاءِ بِالإشْراكِ؛ والتَّقَرُّبِ بِرِزْقِهِ إلى ما الجَهْلُ بِهِ خَيْرٌ مِنَ العِلْمِ بِهِ؛ لِأنَّهُ عَدَمٌ؛ لِأنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهُ؛ ولا نَفْعَ في المَقامِ الَّذِي أقامُوهُ فِيهِ؛ ثُمَّ التَفَتَ إلَيْهِمُ التِفاتًا مُؤْذِنًا بِما يُسْتَحَقُّ عَلى هَذا الفِعْلِ مِنَ الغَضَبِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿تاللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ؛ ﴿لَتُسْألُنَّ﴾؛ يَوْمَ الجَمْعِ؛ ﴿عَمّا كُنْتُمْ﴾؛ أيْ: كَوْنًا هو في جِبِلّاتِكُمْ؛ ﴿تَفْتَرُونَ﴾؛ أيْ: تَتَعَمَّدُونَ في الدُّنْيا مِن هَذا الكَذِبِ؛ سُؤالَ تَوْبِيخٍ؛ وهو الَّذِي لا جَوابَ لِصاحِبِهِ إلّا بِما فِيهِ فَضِيحَتُهُ.

16:57Страница 273

وَيَجۡعَلُونَ لِلَّهِ ٱلۡبَنَٰتِ سُبۡحَٰنَهُۥ وَلَهُم مَّا يَشۡتَهُونَ ٥٧

Они приписывают Аллаху дочерей. Пречист Он! Себе же они оставляют тех, кого хотят.

ولَمّا بَيَّنَ سَفَهَهم في صَرْفِهِمْ مِمّا آتاهم إلى ما هو في عِدادِ العَدَمِ؛ الَّذِي لا يُعْلَمُ؛ بَيَّنَ لَهم سَفَهًا هو أعْظَمُ مِن ذَلِكَ؛ بِجَعْلِهِمْ لِمالِكِ المُلْكِ؛ ومَلِكِهِ؛ أحْقَرَ ما يُعِدُّونَهُ مِمّا أوْجَدَهُ لَهُمْ؛ لِافْتِقارِهِمْ إلَيْهِ؛ وغِناهُ عَنْهُ؛ عَلى وجْهِ (p-١٨٣)التَّوالُدِ المُسْتَحِيلِ عَلَيْهِ؛ مَعَ كَراهَتِهِ لِأنْفُسِهِمْ؛ فَصارَ ذَلِكَ أعْجَبَ العَجَبِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا مَعْلُومَ عَلى الحَقِيقَةِ سِواهُ؛ لِاسْتِجْماعِهِ لِصِفاتِ الجَلالِ والإكْرامِ؛ ولَمّا كانَ المُرادُ تَقْرِيعَهُمْ؛ وكانَتِ الأُنُوثَةُ رُبَّما أُطْلِقَتْ عَلى كَرائِمِ الأشْجارِ؛ نَصَّ عَلى المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿البَناتِ﴾؛ فَلا أعْجَبَ مِنهُمْ؛ حَيْثُ يَجْعَلُونَ الوُجُودَ لِلْمَعْدُومِ المَجْهُولِ؛ ويَجْعَلُونَ العَدَمَ لِلْمَوْجُودِ المَعْلُومِ؛ ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ ذَلِكَ؛ مُعَجِّبًا مِن وُقُوعِهِ مِن عاقِلٍ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿سُبْحانَهُ﴾

ولَمّا ذَكَرَ ما جَعَلُوا لَهُ؛ مَعَ الغِنى المُطْلَقِ؛ بَيَّنَ ما نَسَبُوا لِأنْفُسِهِمْ؛ مَعَ لُزُومِ الحاجَةِ؛ والضَّعْفِ؛ فَقالَ: ﴿ولَهم ما يَشْتَهُونَ﴾؛ مِنَ البَنِينَ؛ وذَلِكَ في جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ؛ مَدْلُولُها الثَّباتُ؛ لِيَكُونَ مُنادِيًا عَلَيْهِمْ بِالفَضِيحَةِ؛ لِأنَّهم لا يَبْقَوْنَ لِأبْنائِهِمْ؛ ولا يَبْقى أبْناؤُهم لَهُمْ؛ وقَدْ يَكُونُونَ أعْدى أعْدائِهِمْ؛

16:58Страница 273

وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِٱلۡأُنثَىٰ ظَلَّ وَجۡهُهُۥ مُسۡوَدّٗا وَهُوَ كَظِيمٞ ٥٨

Когда кому-либо из них сообщают весть о девочке, лицо его чернеет, и он сдерживает свой гнев.

ثُمَّ بَيَّنَ حالَهم إذا حَصَلَ لَهم نَوْعُ ما جَعَلُوهُ لَهُ - سُبْحانَهُ -؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وإذا﴾؛ أيْ: جَعَلُوا كَذا؛ والحالُ أنَّهُ إذا ﴿بُشِّرَ أحَدُهُمْ﴾؛ ولَمّا تَعَيَّنَ وزالَ المَحْذُورُ؛ جَمَعَ بَيْنَ الخَساسَتَيْنِ؛ كَما بَيَّنَ آخِرَ ”الصّافّاتِ“؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿بِالأُنْثى﴾؛ أيْ: قابَلَ هَذِهِ البُشْرى (p-١٨٤)الَّتِي تَسْتَحِقُّ السُّرُورَ بِحُصُولِ نَسَمَةٍ تَكُونُ سَبَبًا لِزِيادَةِ هَذا النَّوْعِ؛ وقَدْ تَكُونُ سَبَبَ سَعادَتِهِ؛ دالَّةٍ عَلى عَظَمَةِ اللَّهِ؛ بِضِدِّ ما تَسْتَحِقُّ؛ مِمّا لا يُفِيدُهُ شَيْئًا؛ بِأنْ ﴿ظَلَّ وجْهُهُ﴾؛ وكَنّى عَنِ العُبُوسِ؛ والتَّكَدُّرِ؛ والغَبَرَةِ؛ بِما يَفُورُ فِيهِ مِنَ الغَيْظِ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿مُسْوَدًّا﴾؛ أيْ: مِنَ الغَمِّ؛ والكَراهَةِ؛ ولَعَلَّهُ اخْتِيرَ لَفْظُ ”ظَلَّ“؛ الَّذِي مَعْناهُ العَمَلُ نَهارًا؛ وإنْ كانَ المُرادُ العُمُومَ في النَّهارِ وغَيْرِهِ؛ دَلالَةً عَلى شُهْرَةِ هَذا الوَصْفِ شُهْرَةَ ما يُشاهَدُ نَهارًا؛ ﴿وهُوَ كَظِيمٌ﴾؛ مُمْتَلِئٌ غَيْظًا عَلى المَرْأةِ؛ ولا ذَنْبَ لَها بِوَجْهٍ؛ و”البِشارَةُ“؛ في أصْلِ اللُّغَةِ: الخَبَرُ الَّذِي يُغَيِّرُ البَشَرَةَ مِن حُزْنٍ؛ أوْ سُرُورٍ؛ ثُمَّ خُصَّ في عُرْفِ اللُّغَةِ بِالسُّرُورِ؛ ولا تَكُونُ إلّا بِالخَبَرِ الأوَّلِ؛ ولَعَلَّهُ عَبَّرَ عَنْهُ بِهَذا اللَّفْظِ تَنْبِيهًا عَلى تَعْكِيسِهِمْ لِلْأُمُورِ؛ في جَعْلِهِمْ؛ وسُرُورِهِمْ؛ وحُزْنِهِمْ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أمْرِهِمْ.

16:59Страница 273

يَتَوَٰرَىٰ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ مِن سُوٓءِ مَا بُشِّرَ بِهِۦٓۚ أَيُمۡسِكُهُۥ عَلَىٰ هُونٍ أَمۡ يَدُسُّهُۥ فِي ٱلتُّرَابِۗ أَلَا سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ ٥٩

Он прячется от людей из-за дурной вести. Оставит ли он себе ребенка с позором или же закопает ее в землю? Воистину, скверны их решения!

ولَمّا كانَ سَوادُ الوَجْهِ؛ والكَظْمُ؛ قَدْ لا يَصْحَبُهُ الخِزْيُ؛ وصَلَ بِهِ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿يَتَوارى﴾؛ أيْ: يَسْتَخْفِي؛ بِما يَجْعَلُهُ في مَوْضِعٍ كَأنَّهُ الوَراءُ؛ لا اطِّلاعَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ؛ ﴿مِنَ القَوْمِ﴾؛ أيْ: الرِّجالِ؛ الَّذِينَ هو (p-١٨٥)فِيهِمْ؛ ﴿مِن سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ﴾؛ لِعَدِّهِ لَهُ خِزْيًا؛ ثُمَّ بَيَّنَ ما يَلْحَقُهُ مِنَ الحَيْرَةِ في الفِكْرِ عِنْدَ ذَلِكَ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ﴾؛ أيْ: ذُلٍّ؛ وسُفُولِ أمْرٍ؛ ولَمّا كانُوا يُغَيِّبُونَ المَوْءُودَةَ في الأرْضِ؛ عَلى غَيْرِ هَيْئَةِ الدَّفْنِ؛ عَبَّرَ عَنْهُ بِالدَّسِّ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿أمْ يَدُسُّهُ في التُّرابِ﴾؛ قالَ ابْنُ مَيْلَقٍ: قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَتِ المَرْأةُ إذا أدْرَكَها المَخاضُ احْتَفَرَتْ حُفَيْرَةً؛ وجَلَسَتْ عَلى شَفِيرِها؛ فَإنْ وضَعَتْ ذَكَرًا أظْهَرَتْهُ؛ وظَهَرَ السُّرُورُ عَلى أهْلِهِ؛ وإنْ وضَعَتْ أُنْثى اسْتَأْذَنَتْ مُسْتَوْلِدَها؛ فَإنْ شاءَ أمْسَكَها عَلى هُونٍ؛ وإنْ شاءَ أمَرَ بِإلْقائِها في الحُفَيْرَةِ؛ ورَدَّ التُّرابَ عَلَيْها وهي حَيَّةٌ؛ لِتَمُوتَ؛ انْتَهى؛ قالُوا: وكانَ الوَأْدُ في مُضَرَ؛ وخُزاعَةَ؛ وتَمِيمٍ.

ولَمّا كانَ حُكْمُهم هَذا بالِغًا في القَباحَةِ؛ وصَفَهُ بِما يَسْتَحِقُّهُ؛ فَقالَ - مُؤَكِّدًا لِقُبْحِهِ -: ﴿ألا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾؛ أيْ: بِجَعْلِ ما يَكْرَهُونَهُ لِمَوْلاهُمُ الَّذِي لا نِعْمَةَ عِنْدَهم إلّا مِنهُ؛ وجَعْلِ ما يَخْتارُونَهُ لَهم خاصًّا بِهِمْ.

16:60Страница 273

لِلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ مَثَلُ ٱلسَّوۡءِۖ وَلِلَّهِ ٱلۡمَثَلُ ٱلۡأَعۡلَىٰۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٦٠

Скверно описание тех, кто не верует в Последнюю жизнь, а описание Аллаха - самое возвышенное, ведь Он - Могущественный, Мудрый.

ولَمّا كانَ شَرْحُ هَذا أنَّهم تَكَلَّمُوا بِالباطِلِ في جانِبِهِ (تَعالى)؛ وجانِبِهِمْ؛ بَيَّنَ ما هو الحَقُّ في هَذا المَقامِ؛ فَقالَ (تَعالى) - عَلى تَقْدِيرِ الجَوابِ لِمَن كَأنَّهُ قالَ: فَما يُقالُ في ذَلِكَ؟ مُظْهِرًا في مَوْضِعِ الإضْمارِ؛ تَنْبِيهًا عَلى الوَصْفِ الَّذِي أوْجَبَ الإقْدامَ عَلى الأباطِيلِ مِن غَيْرِ خَوْفٍ -: (p-١٨٦)﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾؛ أيْ: لا يُوجِدُونَ الإيمانَ أصْلًا؛ ﴿بِالآخِرَةِ مَثَلُ﴾؛ أيْ: حَدِيثُ ﴿السَّوْءِ﴾؛ مِنَ الضَّعْفِ؛ والحاجَةِ؛ والذُّلِّ؛ والرُّعُونَةِ؛ ﴿ولِلَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ ﴿المَثَلُ﴾؛ أيْ: الحَدِيثُ؛ أوِ المِقْدارُ؛ أوِ الوَصْفُ؛ أوِ القِياسُ؛ ﴿الأعْلى﴾؛ مِنَ الغِنى؛ والقُوَّةِ؛ وجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ؛ بِحَيْثُ لا يَلْحَقُهُ حاجَةٌ؛ ولا ضَعْفٌ؛ ولا شائِبَةُ نَقْصٍ أصْلًا؛ وأعْدَلُ العِباراتِ عَنْ ذَلِكَ: ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“؛ ويَتَأتّى تَنْزِيلُ المَثَلِ عَلى الحَقِيقَةِ؛ كَما سَيَأْتِي إيضاحُهُ؛ إنْ شاءَ اللَّهُ (تَعالى) في سُورَةِ ”الرُّومِ“.

ولَمّا كانَ أمْرُهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - أجَلَّ مِمّا تُدْرِكُهُ العُقُولُ؛ وتَصِلُ إلَيْهِ الأفْهامُ؛ أشارَ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وهُوَ﴾؛ لا غَيْرُهُ؛ ﴿العَزِيزُ﴾؛ الَّذِي لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ فَلا نَظِيرَ لَهُ؛ ﴿الحَكِيمُ﴾؛ الَّذِي لا يُوقِعُ شَيْئًا إلّا في مَحَلِّهِ؛ فَلَوْ عامَلَهم بِما يَسْتَحِقُّونَهُ مِن هَذِهِ العَظائِمِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ عَنْهُمْ؛ لَأخْلى الأرْضَ مِنهُمْ؛

16:61Страница 273

وَلَوۡ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلۡمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيۡهَا مِن دَآبَّةٖ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗىۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ لَا يَسۡتَـٔۡخِرُونَ سَاعَةٗ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ ٦١

Если бы Аллах стал наказывать людей за их несправедливость, то не оставил бы на земле ни одного живого существа. Однако Он предоставляет им отсрочку до назначенного срока. Когда же наступит их срок, они не смогут отдалить или приблизить его даже на час.

﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الأعْظَمُ؛ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ؛ ﴿النّاسَ﴾؛ كُلَّهُمْ؛ ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلْحِكْمَةِ؛ وكانَ الظُّلْمُ - الَّذِي هو إيقاعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْقِعِهِ - شَدِيدَ المُنافاةِ لَها؛ وكانَ الشِّرْكُ - الَّذِي هَذا سِياقُهُ - (p-١٨٧)أظْلَمَ الظُّلْمِ؛ قالَ - مُعَبِّرًا بِالوَصْفِ الشّامِلِ لِما وقَعَ مِنهم مِنهُ بِالفِعْلِ؛ ولِما هم مُنْطَوُونَ عَلَيْهِ؛ وهو وصْفٌ لَهُمْ؛ ولَمْ يُباشِرُوهُ إلى الآنَ بِالفِعْلِ؛ قالَ -: ﴿بِظُلْمِهِمْ﴾؛ أيْ: يُعامِلُهم مُعامَلَةَ النّاظِرِ لِخَصْمِهِ؛ المَعامِلِ لَهُ بِمَحْضِ العَدْلِ؛ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى الفَضْلِ؛ وعَبَّرَ بِصِيغَةِ المُفاعَلَةِ؛ لِأنَّ دَلالَتَها عَلى المُناقَشَةِ أبْلَغُ؛ ﴿ما تَرَكَ﴾؛ ولَمّا اقْتَضى الحالُ ذِكْرَ الظُّلْمِ؛ وكانَ سِياقُ هَذِهِ الآيَةِ أغْلَظَ مِن سِياقِ ”فاطِرٍ“؛ عَبَّرَ بِما يَشْمَلُ كُلَّ مَحْمُولِ الأرْضِ؛ سَواءٌ كانَ عَلى الظَّهْرِ؛ أوْ في البَطْنِ؛ مَغْمُورًا بِالماءِ؛ أوْ لا؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿عَلَيْها﴾؛ أيْ: الأرْضِ؛ المَعْلُومِ أنَّها مُسْتَقَرُّهُمُ؛ المَدْلُولُ عَلَيْها بِالتُّرابِ؛ وأعْرَقَ في النَّفْيِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿مِن دابَّةٍ﴾؛ أيْ: نَفْسٍ تَدِبُّ عَلى وجْهِ الأرْضِ؛ لِأنَّ الكُلَّ إمّا ظالِمٌ يُعاقَبُ بِظُلْمِهِ؛ وإمّا مِن مَصالِحِ الظّالِمِ؛ فَيُهْلِكُهُ عُقُوبَةً لِلظّالِمِ؛ أوْ لِأنَّهُ ما خَلَقَهم إلّا لِلْبَشَرِ؛ فَإذا أهْلَكَهُمْ؛ أهْلَكَهُمْ؛ كَما وقَعَ قَرِيبٌ مِنهُ في زَمَنِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ ﴿ولَكِنْ﴾؛ لا يَفْعَلُ بِهِمْ ذَلِكَ؛ فَهو ﴿يُؤَخِّرُهُمْ﴾؛ إمْهالًا بِحِكْمَتِهِ؛ وحِلْمِهِ؛ ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾؛ ضَرَبَهُ لَهم في الأزَلِ. (p-١٨٨)ولَمّا قَطَعَ العِلْمَ بِالغايَةِ عَمّا يَكُونُ؛ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ الإعْلامِ بِما يَكُونُ فِيهِ؛ فَقالَ: ﴿فَإذا جاءَ أجَلُهُمْ﴾؛ الَّذِي حَكَمَ بِأخْذِهِمْ عِنْدَهُ؛ ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ﴾؛ أيْ: عَنْهُ؛ ﴿ساعَةً﴾؛ أيْ: وقْتًا هو عامُّ التَّعارُفِ بَيْنَكُمْ؛ ثُمَّ عَطَفَ عَلى جُمْلَةِ الشَّرْطِ مِن أوَّلِها قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾؛ أيْ: عَنِ الأجَلِ شَيْئًا.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English