Аль-БикаиАль‑Исра · 17:7

Аль-Бикаи · Тафсир · на арабском

Аль-Исра 17:7

17:7Страница 282

إِنۡ أَحۡسَنتُمۡ أَحۡسَنتُمۡ لِأَنفُسِكُمۡۖ وَإِنۡ أَسَأۡتُمۡ فَلَهَاۚ فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ ٱلۡأٓخِرَةِ لِيَسُـُٔواْ وُجُوهَكُمۡ وَلِيَدۡخُلُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوۡاْ تَتۡبِيرًا ٧

Мы сказали: «Если вы творите добро, то поступаете во благо себе. А если вы вершите зло, то поступаете во вред себе». Когда же наступил срок последнего обещания, Мы позволили вашим врагам опечалить ваши лица, войти в Иерусалимскую мечеть подобно тому, как они вошли туда в первый раз, и до основания разрушить все, что попадало им в руки.

فَلَمّا ثَبَتَ؛ بِكَوْنِ ما تَوَعَّدَ بِهِ - سُبْحانَهُ - في أوْقاتِهِ كَما أخْبَرَ بِهِ؛ بَطْشُهُ وحِلْمُهُ؛ فَثَبَتَتْ قُدْرَتُهُ وعِلْمُهُ؛ أشارَ إلى أنَّ مِن سَبَبِ إذْلالِهِ لِمَن يُرِيدُ بِهِ الخَيْرَ المَعْصِيَةَ؛ وسَبَبُ إعْزازِهِ الطّاعَةُ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ﴾؛ أيْ: بِفِعْلِ الطّاعَةِ عَلى حَسَبِ الأمْرِ في الكِتابِ الدّاعِي إلى العَدْلِ والإحْسانِ؛ ﴿أحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكُمْ﴾؛ فَإنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ كَوْنِي مَعَكُمْ؛ فَأُكْسِبُكم عِزًّا في الدُّنْيا؛ أوْ في الآخِرَةِ؛ أوْ فِيهِما؛ ﴿وإنْ أسَأْتُمْ﴾؛ أيْ: بِارْتِكابِ المُحَرَّماتِ؛ والإفْسادِ؛ ﴿فَلَها﴾؛ الإساءَةُ؛ وذَكَرَها بِاللّامِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّها أهْلٌ لِزِيادَةِ النَّفْرَةِ؛ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَتَطَيَّرُ مِن نِسْبَتِها إلَيْهِ بِأيِّ عِبارَةٍ كانَتْ؛ فَإذا تَطَيَّرَ مَعَ العِبارَةِ المَحْبُوبَةِ؛ فَكَيْفَ يَكُونُ حالُهُ مَعَ غَيْرِها؟! (p-٣٤١)ولَمّا انْتُهِزَتْ فُرْصَةُ التَّرْغِيبِ في الطّاعَةِ؛ والتَّرْهِيبِ مِنَ المَعْصِيَةِ؛ عَطَفَ الوَعِيدَ الثّانِي بِالفاءِ؛ إشارَةً إلى أنَّهُ بَعْدَ نَصْرِ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى أهْلِ المَرَّةِ الأُولى؛ ولَعَلَّها أيْضًا مُؤْذِنَةٌ بِقُرْبِ مُدَّتِها مِن مُدَّةِ الإدالَةِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿فَإذا جاءَ﴾؛ أيْ: أتى إتْيانًا هو كالمُلْجَإ إلَيْهِ قَسْرًا؛ عَلى خِلافِ ما يُرِيدُهُ الآتِي إلَيْهِ؛ ﴿وعْدُ الآخِرَةِ﴾؛ أيْ: وقْتُهُ؛ فاسْتَأْهَلْتُمُ البَلاءَ لِما أفْسَدْتُمْ؛ وأحْدَثْتُمْ مِنَ البَلايا؛ الَّتِي أعْظَمُها قَتْلُ زَكَرِيّا؛ ويَحْيى - عَلَيْهِما السَّلامُ -؛ والعَزْمُ عَلى قَتْلِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ ﴿لِيَسُوءُوا﴾؛ أيْ: بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا؛ لِيَسُوؤُوا ﴿وُجُوهَكُمْ﴾؛ أيْ: بِجَعْلِ آثارِ المَساءَةِ بادِيَةً فِيها؛ وحَذَفَ مُتَعَلِّقَ اللّامِ لِدَلالَةِ الأوَّلِ عَلَيْهِ؛ ﴿ولِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ﴾؛ أيْ: الأقْصى؛ الَّذِي سُقْناكم إلَيْهِ مِن مِصْرَ؛ في تِلْكَ المُدَدِ الطِّوالِ؛ وأعْطَيْناكم بِلادَهُ بِالتَّدْرِيجِ؛ وجَعَلْناهُ مَحَلَّ أمْنِكُمْ؛ وعِزِّكُمْ؛ ثُمَّ جَعَلْناهُ مَحَلًّا لِإكْرامِ أشْرَفِ خَلْقِنا؛ بِالإسْراءِ بِهِ إلَيْهِ؛ وجَمْعِ أرْواحِ النَّبِيِّينَ كُلِّهِمْ فِيهِ؛ وصَلاتِهِ بِهِمْ ثَمَّ؛ وهَذا تَعْرِيضٌ بِالتَّهْدِيدِ لِقُرَيْشٍ؛ بِأنَّهم إنْ لَمْ يَرْجِعُوا أبْدَلَ أمْنَهم في الحَرَمِ خَوْفًا؛ وعِزَّهم ذُلًّا؛ فَأدْخَلَ عَلَيْهِمْ جُنُودًا لا قِبَلَ لَهم بِها؛ وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ عامَ الفَتْحِ؛ لَكِنَّهُ فِعْلُ إكْرامٍ؛ لا إهانَةٍ؛ بِبَرَكَةِ هَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ؛ وشُرِّفَ؛ وكُرِّمَ؛ وبُجِّلَ؛ وعُظِّمَ دائِمًا أبَدًا -؛ ﴿كَما دَخَلُوهُ﴾ (p-٣٤٢)أيْ: الأعْداءُ؛ ﴿أوَّلَ مَرَّةٍ﴾؛ بِالسَّيْفِ؛ ويَقْهَرُوا جَمِيعَ جُنُودِكم دُفْعَةً واحِدَةً؛ ﴿ولِيُتَبِّرُوا﴾؛ أيْ: يُهْلِكُوا؛ ويُدَمِّرُوا مَعَ التَّقْطِيعِ؛ والتَّفْرِيقِ؛ ﴿ما عَلَوْا﴾؛ أيْ: عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ؛ وقِيلَ: ”ما“؛ مَصْدَرِيَّةٌ؛ أيْ: مُدَّةَ عُلُوِّهِمْ؛ فَيَكُونُ ”يُتَبِّرُوا“؛ قاصِرًا؛ فَيَعْظُمُ مَدْلُولُهُ؛ وأكَّدَ الفِعْلَ؛ وحَقَّقَ الوَعْدَ؛ فَقالَ: ﴿تَتْبِيرًا﴾

وقالَ - في التَّوْراةِ؛ إشارَةً إلى هَذِهِ المَرَّةِ الأخِيرَةِ - واللَّهُ أعْلَمُ - بَعْدَ ما مَضى مِنَ الإشارَةِ إلى المَرَّةِ الأُولى سَواءً -: (وإنْ لَمْ تَحْفَظْ؛ وتَعْمَلْ بِجَمِيعِ الوَصايا؛ والسُّنَنِ الَّتِي كَتَبْتُ في هَذا الكِتابِ لِتَتَّقِيَ اللَّهَ رَبَّكَ؛ وتَهابَ اسْمَهُ المَحْمُودَ المَرْهُوبَ؛ يَخُصَّكَ الرَّبُّ بِضَرَباتٍ مُوجِعَةٍ؛ ويَبْتَلِيكَ بِها؛ ويَبْتَلِي نَسْلَكَ مِن بَعْدِكَ؛ ويُنْزِلُ بِكَ جَمِيعَ الضَّرَباتِ الَّتِي أنْزَلَها بِأهْلِ مِصْرَ تَدُومُ عَلَيْكَ؛ وكُلَّ وجَعٍ؛ وكُلَّ ضَرْبَةٍ لَمْ تُكْتَبْ في هَذا الكِتابِ؛ يَبْتَلِيكَ اللَّهُ بِها حَتّى تَهْلِكَ ويَبْقى مِن نَسْلِكَ عَدَدٌ قَلِيلٌ مِن بَعْدِ كَثْرَتِهِمُ الَّتِي كانَتْ قَدْ صارَتْ مِثْلَ نُجُومِ السَّماءِ؛ لِأنَّكَ لَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ اللَّهِ رَبِّكَ؛ فَيَكُونُ كَما فَرَّحَكُمُ الرَّبُّ؛ وأنْعَمَ عَلَيْكُمْ؛ وكَثَّرَكُمْ؛ يَسْتَأْصِلُكم بِالعِقابِ؛ والنَّكالِ؛ ويُدَمِّرُ عَلَيْكُمْ؛ ويُتْلِفُكُمْ؛ وتُجْلَوْنَ عَنِ الأرْضِ الَّتِي تَدْخُلُونَها لِتَرِثُوها؛ ويُفَرِّقُكُمُ الرَّبُّ بَيْنَ جَمِيعِ الشُّعُوبِ؛ مِن أقْطارِ السَّماءِ إلى أقْطارِها؛ وتَعْبُدُونَ هُناكَ الآلِهَةَ الأُخْرى الَّتِي (p-٣٤٣)عُمِلَتْ مِنَ الحِجارَةِ؛ والخَشَبِ؛ لَمْ تَعْرِفُوها أنْتُمْ ولا آباؤُكُمْ؛ ولا تَسْكُنُونَ أيْضًا بَيْنَ تِلْكَ الشُّعُوبِ؛ ولا تَكُونُ راحَةٌ لِأقْدامِكُمْ؛ ولَكِنْ يُصَيِّرُ اللَّهُ قُلُوبُكم فَزِعَةً مُرْتَجِفَةً؛ ويَبْتَلِيكم بِظُلْمَةِ العَيْنِ؛ وسَيَلانِ الأنْفُسِ؛ وتَكُونُ حَياتُكم مُعَلَّقَةً حِيالَكم مِن بَعِيدٍ؛ وتَكُونُونَ فَزِعِينَ اللَّيْلَ والنَّهارَ؛ ولا تُصَدِّقُونَ أنَّكم تَعِيشُونَ؛ بِالغَداةِ تَقُولُونَ: مَتى نُمْسِي؟ وبِالعَشِيِّ تَقُولُونَ: مَتى نُصْبِحُ؟ وذَلِكَ مِن فَزَعِ قُلُوبِكُمْ؛ وخَوْفِكُمْ؛ ومِن ظُلْمَةِ أبْصارِكُمْ؛ وقِلَّةِ حِيلَتِكُمْ؛ ويَرُدُّكُمُ اللَّهُ إلى أرْضِ مِصْرَ في سُفُنٍ؛ عَلى الحالِ الَّذِي قُلْتُ لَكُمْ؛ لا تَعُودُونَ أنْ تَرَوْها أبَدًا؛ وتُباعُونَ هُناكَ عَبِيدًا وإماءً؛ ولا يَكُونُ مَن يَشْتَرِيكُمْ؛ هَذِهِ أقْوالُ العَهْدِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِها مُوسى أنْ يُعاهِدَ بَنِي إسْرائِيلَ في أرْضِ مُوآبَ؛ سِوى العَهْدِ الَّذِي عاهَدَهم بِحُورِيبَ)؛ انْتَهى.

وإنَّما قُلْتُ: إنَّ هَذا إشارَةٌ إلى المَرَّةِ الثّانِيَةِ؛ لِأنَّهُ تَكْرِيرٌ لِذَلِكَ الَّذِي قَدَّمْتُهُ في الأُولى؛ فَحَمْلُهُ عَلى أنْ يَكُونَ مُشِيرًا إلى غَيْرِ ما أشارَ إلَيْهِ الأوَّلُ أوْلى؛ بَلْ رُبَّما كانَ مُتَعَيَّنًا؛ ثُمَّ أخْبَرَنِي بَعْضُ فُضَلاءِ اليَهُودِ أنَّ عُلَماءَهم قالُوا كَذَلِكَ؛ وكانَ الخَرابُ في هَذِهِ المَرَّةِ عَلى يَدِ طِيطُوسَ؛ (p-٣٤٤)بَعْدَ أنْ تَمَلَّكَ أبُوهُ إسْفِسْيانُوسُ عَلى الرُّومِ؛ ورَجَعَ مِنَ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ؛ بَعْدَ مَوْتِ مَلِكِهِمْ تِيرُوسَ الَّذِي كانَ أرْسَلَهُ لِقِتالِ اليَهُودِ؛ لَمّا خَرَجُوا عَنْ طاعَتِهِ؛ وكانَ مَعَهُ يُوسُفُ بْنُ كَرْيُونَ؛ أحَدُ أكابِرِ اليَهُودِ؛ وكانَ أحَدَ مَن نَدَبَهُ اليَهُودُ لِقِتالِ إسْفِسْيانُوسَ ومَن مَعَهُ؛ فَأسَرُوهُ؛ وأحْسَنُوا إلَيْهِ؛ فاسْتَمَرَّ عِنْدَهُمْ؛ فَلَمّا ماتَ تِيرُوسُ؛ ومَلَكَهُ أصْحابُهُ؛ رَجَعَ إلى رُومِيَّةَ؛ وبَعَثَ ابْنَهُ لِلْفَراغِ مِنَ القُدْسِ؛ وبَعَثَ يُوسُفَ مَعَهُ؛ بَعْدَ أنِ اسْتَمَرَّ البَيْتُ عامِرًا مِن عِمارَةِ العُزَيْرِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً؛ ولَمْ يَدْخُلْ بَعْدَ هَذا الخَرابِ في أيْدِي اليَهُودِ؛ وكانَ هَذا لِثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ وثَمانِينَ سَنَةً مِن وِلايَةِ الإسْكَنْدَرِ؛ وقالَ مُؤَرِّخُهُمْ؛ في شَرْحِ هَذا الخَرابِ: إنْ طِيطُوسَ كانَ في قِيسارِيَّةَ؛ فَسارَ مِنها حَتّى انْتَهى إلى يالُو؛ فَأخَذَ مِن نَقاوَةِ عَسْكَرِهِ سِتَّمِائَةِ رَجُلٍ؛ وسارَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ؛ لِيَقِفَ عَلى أحْوالِ المَدِينَةِ؛ ويَنْظُرَ الحِصْنَ؛ ويَعْلَمَ ما يَحْتاجُ إلى عِلْمِهِ؛ ويُدَبِّرَ الأُمُورَ بِحَسَبِ ذَلِكَ؛ وعَمِلَ عَلى أنْ يُراسِلَ أهْلَ بَيْتِ المَقْدِسِ بِالجَمِيلِ؛ ويَدْعُوَهم إلى المُسالَمَةِ؛ ويَبْذُلَ لَهُمُ الأمانَ؛ فَلَمّا قَرُبَ مِنَ المَدِينَةِ (p-٣٤٥)وجَدَ الأبْوابَ مُغْلَقَةً؛ ولَيْسَ يَخْرُجُ مِنَ المَدِينَةِ ولا يَدْخُلُ إلَيْها أحَدٌ؛ لِما بَيْنَ الخَوارِجِ مِنَ الحُرُوبِ المُتَّصِلَةِ؛ فَما وجَدَ مَن خاطَبَهُ مِنَ القَوْمِ؛ فانْصَرَفَ راجِعًا إلى عَسْكَرِهِ.

قالَ: وكانَ قَوْمٌ مِن أصْحابِ الخَوارِجِ لَمّا عَلِمُوا بِمَجِيءِ طِيطُوسَ قَدْ خَرَجُوا مِنَ المَدِينَةِ؛ فَكَمَنُوا لَهُ في بَعْضِ الطَّرِيقِ؛ فَلَمّا اجْتازَ بِهِمْ وهو راجِعٌ أحاطُوا بِهِ؛ وحالُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ أصْحابِهِ؛ فَقاتَلَهم قِتالًا شَدِيدًا حَتّى خَلَصَ بَعْدَ أنْ أشْرَفَ عَلى الهَلاكِ؛ فَعَلِمَ ما القَوْمُ عَلَيْهِ مِنَ النَّجْدَةِ والشَّرِّ؛ فَأعَدَّ لِذَلِكَ عُدَّتَهُ لِما أرادَ اللَّهُ مِن خَرابِ القُدْسِ؛ وكانَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى مُلْكُهُ؛ وعَزَّ سُلْطانُهُ - قَدْ أظْهَرَ لِبَنِي إسْرائِيلَ أُمُورًا دَلَّتْهم عَلى زَوالِ أمْرِهِمْ؛ لَوْ أنَّهم تَبَصَّرُوا؛ مِنها شِبْهُ كَوْكَبٍ كَبِيرٍ؛ لَهُ نُورٌ قَوِيٌّ؛ وضَوْءٌ شَدِيدٌ؛ كانَ القُدْسُ يُضِيءُ مِنهُ البَلَدَ كُلَّهُ طُولَ اللَّيْلِ؛ قَرِيبًا مِن ضَوْءِ النَّهارِ؛ فَأقامَ كَذَلِكَ سَبْعَةَ أيّامٍ؛ مُدَّةَ عِيدِ الفِصْحِ؛ فَفَرِحَ بِهِ الجُهّالُ واغْتَمَّ العُلَماءُ؛ ومِنها أنَّهم أحْضَرُوا في هَذا العِيدِ بَقَرَةً لِيُقَرِّبُوها؛ فَوَلَدَتْ خَرُوفًا؛ فاسْتَنْكَرَ النّاسُ ذَلِكَ؛ ومِنها أنَّ بابَ القُدْسِ الشَّرْقِيَّ كانَ عَظِيمًا ثَقِيلًا؛ لا يُعالِجُهُ إلّا جَماعَةٌ؛ فَلَمّا كانَ في تِلْكَ الأيّامِ كانُوا يَجِدُونَهُ كُلَّ يَوْمٍ مَفْتُوحًا مِن غَيْرِ فاتِحٍ؛ فَيَجْتَمِعُ الرِّجالُ المُعْتادُونَ لَهُ فَيُغْلِقُونَهُ؛ ثُمَّ يَعُودُونَ إلَيْهِ فَيَجِدُونَهُ مَفْتُوحًا؛ فَكانَ الجُهّالُ يَفْرَحُونَ؛ والعُلَماءُ (p-٣٤٦)يَغْتَمُّونَ؛ ومِنها أنَّهُ ظَهَرَ عَلى بَيْتِ قُدّاسِ الأقْداسِ في الهَواءِ صُورَةُ وجْهٍ لْإنْسانٍ شَدِيدِ الحُسْنِ؛ عَظِيمِ البَهاءِ والنُّورِ؛ ومِنها أنَّهُ ظَهَرَ أيْضًا في الجَوِّ صُوَرُ رُكْبانٍ مِن نارٍ؛ يَطِيرُونَ في الهَواءِ؛ قَرِيبًا مِنَ الأرْضِ؛ عَلى بَيْتِ المَقْدِسِ؛ وعَلى جَمِيعِ أرْضِ اليَهُودِ؛ ومِنها أنَّهُ سَمِعَ الكَهَنَةُ في لَيْلَةِ عِيدِ العَنْصَرَةِ في القُدْسِ حِسَّ جَماعَةٍ كَثِيرَةٍ يَذْهَبُونَ ويَجِيئُونَ في الهَيْكَلِ؛ مِن غَيْرِ أنْ يَرَوْهُمْ؛ بَلْ كانُوا يَسْمَعُونَ وطْأهم فَقَطْ؛ ثُمَّ سَمِعُوا صَوْتًا عَظِيمًا يَقُولُ: امْضُوا بِنا حَتّى نَرْتَحِلَ عَنْ هَذا البَيْتِ؛ ومِنها أنَّهُ كانَ قَدْ ظَهَرَ قَبْلَ هَذا بِأرْبَعِ سِنِينَ في المَدِينَةِ رَجُلٌ يَمْشِي كالمَجْنُونِ؛ ويَصِيحُ بِأعْلى صَوْتٍ؛ يَقُولُ: صَوْتٌ مِنَ المَشْرِقِ؛ صَوْتٌ مِنَ المَغْرِبِ؛ صَوْتٌ مِن أرْبَعِ جِهاتِ الدُّنْيا؛ صَوْتٌ عَلى أُورْشَلامَ؛ وصَوْتٌ عَلى الهَيْكَلِ؛ وصَوْتٌ عَلى الحِصْنِ؛ وصَوْتٌ عَلى الفُرُوسِ؛ وصَوْتٌ عَلى جَمِيعِ النّاسِ؛ الوَيْلُ عَلى أُورْشَلامَ؛ الوَيْلُ عَلى أُورْشَلامَ؛ وكانَ لا يَهْدَأُ مِن هَذا الكَلامِ؛ وكانَ النّاسُ يُبْغِضُونَهُ؛ ويَزْجُرُونَهُ؛ ويَتَصَوَّرُونَهُ بِالجُنُونِ؛ فَلَمْ يَزَلْ عَلى ذَلِكَ إلى أنْ أحاطَ العَدُوُّ بِالمَدِينَةِ؛ (p-٣٤٧)فابْتَدَأ في بَعْضِ الأيّامِ يَتَكَلَّمُ عَلى عادَتِهِ؛ فَأتاهُ حَجَرٌ في رَأْسِهِ فَماتَ؛ ووُجِدَ في حائِطِ قُدْسِ الأقْداسِ حَجَرٌ قَدِيمٌ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ: ”إذا صارَ بُنْيانُ الهَيْكَلِ مُرَبَّعًا مُلِّكَ عَلى أرْضِ بَنِي إسْرائِيلَ مَلِكٌ عَظِيمٌ؛ ويُتَسَلَّطُ عَلى سائِرِ الأرْضِ“؛ فَقالَ قَوْمٌ: هو مَلِكُ بَنِي إسْرائِيلَ؛ وقالَ الحُكَماءُ والكَهَنَةُ: بَلِ الرُّومُ؛ ووُجِدَ أيْضًا حَجَرٌ قَدِيمٌ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ: ”إذا كَمُلَ بُنْيانُ القُدْسِ؛ وصارَ مُرَبَّعًا؛ فَإنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ يُخَرَّبُ“؛ فَلَمّا وقَعَ الحِصارُ وانْهَدَمَ أنْطُونْيا سَدُّوا السُّورَ؛ فَصارَ الهَيْكَلُ مُرَبَّعًا كَما سَيَأْتِي؛ وأعْظَمُ الأماراتِ ما كانَ عَلَيْهِ خَوارِجُهم مِنَ القِتالِ؛ وسَفْكِ دِماءِ الخاصِّ والعامِّ؛ والحَرِيقِ؛ والجُوعِ؛ بِحَيْثُ إنَّهُ أحاطَ البَلاءُ بِهِمْ؛ وبِجَمِيعِ النّاسِ؛ ولا يَجِدُونَ مَهْرَبًا؛ حَتّى كَرِهُوا الحَياةَ.

ولَمّا خَلَصَ طِيطُوسُ مِنَ الخَوارِجِ باتَ في عَسْكَرِهِ؛ ثُمَّ سارَ بِاللَّيْلِ مِن يالُو؛ فَأصْبَحَ عَلى بَيْتِ المَقْدِسِ؛ ونَزَلَ عَلى رَأْسِ جَبَلِ الزَّيْتُونِ؛ الَّذِي في شَرْقِيِّ المَدِينَةِ؛ أُورْشَلِيمَ؛ لِيَحْجِزَ الوادِي بَيْنَهُ وبَيْنَها؛ ولا يَخْفى عَلَيْهِ مَن يَخْرُجُ إلَيْهِ مِنها؛ ثُمَّ رَتَّبَ عَسْكَرُهُ؛ ووَصّاهم بِالتَّعاوُنِ؛ والتَّضافُرِ؛ واليَقَظَةِ؛ والحَذَرِ؛ وألّا يُفارِقَ بَعْضُهم بَعْضًا؛ وقالَ: إنَّكم تُقاتِلُونَ قَوْمًا لَمْ تُقاتِلُوا مِثْلَهم في البَأْسِ؛ والشَّجاعَةِ؛ والصَّبْرِ عَلى القِتالِ؛ والبَصَرِ (p-٣٤٨)بِالحَرْبِ؛ فَلَمّا رَآهُ اليَهُودُ اصْطَلَحَ رُؤَساءُ الخَوارِجِ يُوحانانُ؛ وشَمْعُونُ؛ وألْعازارُ؛ عَلى ألّا يُحارِبَ بَعْضُهم بَعْضًا؛ ويَتَّفِقُوا عَلى مُحارَبَةِ الرُّومِ؛ واجْتَمَعُوا وفَتَحُوا بابَ المَدِينَةِ؛ ولَقُوا مَن كانَ قَرُبَ مِنَ الرُّومِ؛ فَقاتَلُوهُمْ؛ واشْتَدَّ الحَرْبُ؛ فانْهَزَمَ الرُّومُ؛ فَرَدَّهم طِيطُوسُ؛ وشَجَّعَهُمْ؛ فَعادُوا؛ فَكانَتْ بَيْنَهم حَرْبٌ عَظِيمَةٌ؛ قُتِلَ فِيها خَلْقٌ كَثِيرٌ؛ وانْهَزَمَ اليَهُودُ؛ فَوَقَفُوا عِنْدَ السُّورِ وبَعَثُوا جَرِيدَةً مِن أصْحابِهِمْ في عَدَدٍ كَثِيرٍ مِن جِهَةٍ أُخْرى؛ فَدارُوا مِن وراءِ عَسْكَرِ الرُّومِ؛ وزَحَفَ أُولَئِكَ مِن أمامِهِمْ؛ فَكانَ الرُّومُ بَيْنَ العَسْكَرَيْنِ؛ فَقُتِلَ مِنهم خَلُقٌ كَثِيرٌ؛ فانْهَزَمُوا؛ وثَبَتَ طِيطُوسُ في جَمْعٍ مِن أصْحابِهِ؛ فاشْتَدَّ الأمْرُ؛ حَتّى كادَ يُقْتَلُ؛ فَقالَ أصْحابُهُ: امْضِ إلى الجَبَلِ؛ فاخْتارَ المَوْتَ عَلى الهَزِيمَةِ؛ ولَمْ يَزَلْ يُقاتِلُهم حَتّى تَخَلَّصَ؛ بَعْدَ أنِ اسْتَظْهَرَ عَلَيْهِ اليَهُودُ ثَلاثَ دُفْعاتٍ؛ ولَمّا عادَ اليَهُودُ إلى المَدِينَةِ نَقَضُوا عُهُودَهُمْ؛ وحارَبَ بَعْضُهم بَعْضًا كَما كانُوا؛ لِأنَّ يُوحانانَ كانَ يُرِيدُ الرِّئاسَةَ؛ وكانَ شَمْعُونُ وألْعازارَ يَأْبَيانِ ذَلِكَ؛ وحَضَرَ عِيدُ الفِصْحِ - وهو الفَطِيرُ - فَدَخَلَ يُوحانانُ في أصْحابِهِ إلى القُدْسِ؛ (p-٣٤٩)فِي اليَوْمِ الأوَّلِ؛ فَلَقِيَهُمُ النّاسُ بِالجَمِيلِ؛ وسُرُّوا بِهِمْ؛ فَنَزَعُوا ما ظَهَرَ مِن ثِيابِهِمْ؛ فَإذا تَحْتَها السِّلاحُ؛ وأخَذُوا عَلى النّاسِ الأبْوابَ؛ فَقَتَلُوا خَلْقًا كَثِيرًا مِنَ الكَهَنَةِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ ولَمْ يَرْحَمُوا صَغِيرًا ولا كَبِيرًا؛ فَقَتَلَ ألْعازارُ وشَمْعُونُ مَن كانَ خارِجَ القُدْسِ مِن جَماعَةِ يُوحانانَ؛ فَخَرَجَ إلَيْهِمْ؛ واشْتَدَّ الأمْرُ؛ واتَّصَلَتِ الحَرْبُ؛ فَلَمّا عَلِمَ طِيطُوسُ زَحَفَ إلى المَدِينَةِ؛ فَقالَ لَهُ قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ الَّذِينَ عَلى السُّورِ: نَفْتَحُ لَكَ البابَ عَلى أنْ تُؤَمِّنَنا؛ وتُرِيحَنا مِن هَؤُلاءِ الخَوارِجِ؛ فَلَمْ يَثِقْ بِهِمْ لِما ظَهَرَ لَهم مِن شَرِّهِمْ؛ وغَدْرِهِمْ؛ وعَلَتِ الأصْواتُ في المَدِينَةِ؛ لِأنَّ بَعْضَهم كانَ يُرِيدُ أنْ يَفْتَحَ لِطِيطُوسَ؛ وبَعْضُهم يَمْنَعُ؛ وتَبادَرُوا إلى حِفْظِ الأبْوابِ؛ والسُّورِ؛ فَتَقَدَّمَ جَماعَةٌ مِنَ الرُّومِ إلى المَدِينَةِ؛ طَمَعًا في أنْ يُفْتَحَ لَهُمُ البابُ؛ فَرَماهُمُ الخَوارِجُ بِالحِجارَةِ؛ والنِّشابِ؛ وأعانَهُمُ الَّذِينَ كانُوا اسْتَدْعَوُا الرُّومَ لِلدُّخُولِ؛ ثُمَّ خَرَجَ جَماعَةٌ مِنَ اليَهُودِ فَهَزَمُوا الرُّومَ؛ وأنْكَوْا فِيهِمْ؛ وتَبِعُوهم إلى قُرْبِ عَسْكَرِهِمْ؛ وشَرَعُوا يَهْزَؤُونَ بِهِمْ؛ ويُعَيِّرُونَهم بِالهَزِيمَةِ؛ فَأرادَ مَن في العَسْكَرِ أنْ يُلاقُوهُمْ؛ فَمَنَعَهم طِيطُوسُ؛ واشْتَدَّ غَضَبُهُ عَلى أصْحابِهِ؛ وقالَ: لَسْتُ أعْجَبَ مِنَ اليَهُودِ في غَدْرِهِمْ؛ ولَكِنْ أعْجَبُ مِنكم مَعَ بَصَرِكم بِالحَرْبِ؛ وكَثْرَةِ تَجارِبِكُمْ؛ فَكَيْفَ خَدَعُوكُمْ؛ (p-٣٥٠)فَمَضَيْتُمْ إلى المَدِينَةِ بِغَيْرِ أمْرِي؛ وخالَفْتُمْ وصِيَّتِي؟ ولِذَلِكَ انْهَزَمْتُمْ؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ لِلرَّعِيَّهِ أنْ تُخالِفَ أمْرَ المَلِكِ؛ وقَدْ عَلِمْتُمْ أنَّ بَعْضَ مُلُوكِنا قَتَلَ ابْنَهُ لِأنَّهُ مَضى إلى الحَرْبِ بِغَيْرِ أمْرِهِ؛ فَأنْتُمْ مُسْتَحِقُّونَ لِلْقَتْلِ بِعِصْيانِي؛ مُسْتَوْجِبُونَ لِما جَرى عَلَيْكم مِنَ الهَزِيمَةِ؛ فَسَجَدَ أصْحابُ طِيطُوسَ لَهُ؛ واعْتَرَفُوا بِخَطَئِهِمْ؛ وقالُوا: لا نُعاوِدُ؛ فَأمَرَهم أنْ يُعَدِّلُوا ما حَوْلَ المَدِينَةِ مِنَ المَعاثِرِ؛ والوَهْداتِ؛ ويَسُدُّوا الآبارَ؛ لِيَسْهُلَ عَلَيْهِمُ القِتالُ؛ ويُهْدَمَ السُّورُ؛ فَفَعَلُوا ذَلِكَ؛ وقَطَعُوا كُلَّ ما حَوْلَ المَدِينَةِ مِنَ الشَّجَرِ؛ والنَّباتِ؛ وكانَ حَوْلَها مِن سائِرِ الجِهاتِ بَساتِينُ كَثِيرَةٌ؛ فِيها أنْواعُ الأشْجارِ؛ والفَواكِهِ؛ مَسِيرَةَ أمْيالٍ؛ مِن كُلِّ جِهَةٍ؛ فَكانَ إذا أقْبَلَ إنْسانٌ عَلَيْها يَرى أحْسَنَ مَنظَرٍ؛ فَلَمْ يُبْقِ الرُّومُ مِن ذَلِكَ شَيْئًا؛ وكانَ مَن يَعْرِفُ تِلْكَ البَساتِينَ إذا رَآها بَعْدَ إتْلافِها يَبْكِي؛ ويَسْتَوْحِشُ؛ واشْتَغَلَ اليَهُودُ بِخَوارِجِهِمْ؛ واتَّفَقَ شَمْعُونُ وألْعازارُ عَلى يُوحانانَ؛ وكانَ قَدْ مَلَكَ القُدْسَ؛ ومَعَهُ ثَمانِيَةُ آلافٍ؛ وأرْبَعُمِائَةِ رَجُلٍ مِنَ الشُّجْعانِ؛ وكانَ مَعَ شَمْعُونَ عَشَرَةُ آلافٍ مِنَ اليَهُودِ؛ وخَمْسَةُ آلافٍ مِن أدُومَ - أيْ: النَّصارى - وكانَ الكَهَنَةُ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ المَدِينَةِ مَعَ ألْعازارَ؛ وحَصَلَ النّاسُ بَيْنَ هَؤُلاءِ بِأسْوَإ حالٍ؛ وكانُوا إذا اسْتَظْهَرَ الرُّومُ عَلى المَدِينَةِ اتَّفَقُوا وحارَبُوهُمْ؛ فَإذا دَفَعُوهم عادُوا إلى الشَّرِّ فِيما بَيْنَهم. (p-٣٥١)ثُمَّ إنَّ طِيطُوسَ أحْضَرَ كَبْشَ الحَدِيدِ؛ وغَيْرَهُ مِنَ آلاتِ القِتالِ؛ لِيَهْدِمَ السُّورَ؛ وصَنَعَ أبْراجًا عَظِيمَةً مِنَ الخَشَبِ؛ تُوازِي سُورَ المَدِينَةِ؛ وتَحْتَها بَكَرٌ لِيَدْفَعَها الرِّجالُ؛ وتَصْعَدَ عَلَيْها المُقاتِلَةُ؛ وأرْسَلَ إلَيْهِمْ رَجُلًا مِن أصْحابِهِ يَدْعُوهم إلى المُسالَمَةِ؛ فَرَماهُ بَعْضُ مَن عَلى السُّورِ فَقَتَلَهُ؛ واصْطَلَحَ الخَوارِجُ وخَرَجُوا إلى الرُّومِ؛ فَقاتَلُوهُمْ؛ وأحْرَقُوا الكَبْشَ؛ وجَمِيعَ تِلْكَ الآلاتِ؛ وأبْعَدُوهُمْ؛ ورَجَعُوا إلى المَدِينَةِ يَتَقاتَلُونَ؛ فَلَمّا عَلِمَ طِيطُوسُ بِذَلِكَ دَفَعَ الكَبْشَ عَلى السُّورِ؛ فَهَدَمَ مِنهُ قِطْعَةً كَبِيرَةً؛ فَهَرَبَ مَن كانَ وراءَهُ إلى السُّورِ الثّانِي؛ فَأبْعَدَ الرُّومُ ما سَقَطَ مِن حِجارَةِ السُّورِ؛ لِيَتَّسِعَ لَهُمُ المَجالُ؛ فاصْطَلَحَ الخَوارِجُ وفَرَّقُوا أصْحابَهم عَلى جِهاتِ المَدِينَةِ؛ واشْتَدَّ القِتالُ بَيْنَهم وبَيْنَ الرُّومِ؛ وصَدَقَ الفَرِيقانِ؛ وتَوَلّى طِيطُوسُ الحَرْبَ بِنَفْسِهِ؛ وأقْبَلَ يُشَجِّعُ أصْحابَهُ ويَعِدُهم بِالأمْوالِ والصِّلاتِ؛ وشَجَّعَ الخَوارِجُ أصْحابَهُمْ؛ ونادى شَمْعُونُ: مَنِ انْهَزَمَ قُتِلَ وهُدِمَ مَنزِلُهُ.

فَلَمّا رَأى طِيطُوسُ ثَباتَ أصْحابِ شَمْعُونَ مالَ إلى جِهَةِ يُوحانانَ؛ ولِأنَّها مُعْتَدِلَةٌ وطِيئَةٌ؛ وأرادَ أنْ يَنْطَحَ السُّورَ الثّانِيَ؛ فَناداهُ رَجُلٌ (p-٣٥٢)اسْمُهُ قَصْطُورُ؛ مِن فَوْقِ السُّورِ: أسْألُكَ يا سَيِّدِي أنْ تُشْفِقَ عَلى هَذِهِ المَدِينَةِ؛ والأمْرُ يَجْرِي عَلى ما تُحِبُّ؛ فَظَنَّ طِيطُوسُ صِدْقَهُ فَتَوَقَّفَ؛ وشَرَعَ يُكَلِّمُهُ؛ وأطالَ المُراجَعَةَ احْتِيالًا مِنهُ؛ لِيَتَمَكَّنَ أصْحابُهُ مِن إحْراقِ الكَبْشِ؛ ثُمَّ سَألَهُ أنْ يَبْعَثَ لَهُ شَخْصًا مِن أصْحابِهِ لِيَتَّفِقَ مَعَهُ؛ فَأرْسَلَ إلَيْهِ شَخْصًا مِن وُجُوهِ الرُّومِ؛ فَقالَ لَهُ: اقْرُبْ حَتّى أُلْقِيَ إلَيْكَ ما لِي ثُمَّ انْزِلْ؛ فَألْقى عَلَيْهِ صَخْرَةً فَأخْطَأتْهُ؛ وقَتَلَتْ رَجُلًا كانَ مَعَهُ؛ فَغَضِبَ طِيطُوسُ ودَفَعَ الكَبْشَ عَلى السُّورِ الثّانِي؛ فانْهَدَمَ مِنهُ قِطْعَةٌ كَبِيرَةٌ؛ فاشْتَدَّ أسَفُ قَصْطُورُ فَقَتَلَ نَفْسَهُ؛ وتَبادَرَ اليَهُودُ؛ فَمَنَعُوا الرُّومَ مِنَ الدُّخُولِ مِنَ المَوْضِعِ الَّذِي انْثَلَمَ؛ وحارَبُوهم إلى أنْ أخْرَجُوهم عَنِ السُّورِ الأوَّلِ؛ وقَتَلُوا جَماعَةً مِنهُمْ؛ واتَّصَلَتِ الحَرْبُ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ أرْبَعَةَ أيّامٍ؛ ووَرَدَ عَلى طِيطُوسَ في اليَوْمِ الرّابِعِ عَسْكَرٌ كَبِيرٌ مِن أُمَمٍ مُخْتَلِفَةٍ تُعِينُهُ عَلى اليَهُودِ؛ فَخَرَجَ اليَهُودُ عَلى عادَتِهِمْ؛ فَقاتَلُوهُمْ؛ فَلَمْ تَكُنْ لَهم بِهِمْ طاقَةٌ فانْهَزَمُوا؛ ودَخَلُوا إلى الحِصْنِ الثّالِثِ؛ فَأمَرَ طِيطُوسُ بِرَفْعِ الحَرْبِ؛ وكَفَّ عَنْهم خَمْسَةَ أيّامٍ؛ ورَكِبَ في اليَوْمِ الخامِسِ؛ وتَقَدَّمَ إلى قُرْبِ السُّورِ؛ (p-٣٥٣)فَوَجَدَ يُوحانانَ؛ وشَمْعُونَ؛ وأصْحابَهُما قَدْ خَرَجُوا مِنَ المَدِينَةِ لِيَحْرِقُوا الكَبْشَ؛ فابْتَدَأهم طِيطُوسُ بِالسَّلامِ؛ وخاطَبَهم بِالجَمِيلِ؛ والمُلاطَفَةِ؛ وقالَ: قَدْ رَأيْتُمْ ما جَرى مِن هَدْمِ هَذَيْنِ السُّورَيْنِ؛ ولَيْسَ يَتَعَذَّرُ هَدْمُ السُّورِ الثّالِثِ؛ وقَدْ عَلِمْتُمْ أنَّكم ما انْتَفَعْتُمْ في هَذِهِ المُدَّةِ بِما فَعَلْتُمُوهُ؛ وكَذَلِكَ لا تَنْتَفِعُونَ أيْضًا بِدَوامِكم عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ اللِّجاجِ في مُخالَفَتِنا؛ فارْجِعُوا عَنْ ذَلِكَ؛ قَبْلَ أنْ أهْدِمَ هَذا السُّورَ الباقِيَ؛ وأسْتَبِيحَ المَدِينَةَ؛ وأُخَرِّبَ الهَيْكَلَ؛ ولَسْتُ أخْتارُ ذَلِكَ؛ ولا أُرِيدُهُ؛ فَإنْ رَجَعْتُمْ إلى طاعَتِنا كُنّا لَكم عَلى أفْضَلِ ما عَهِدْتُمُوهُ مِنّا؛ ودامَتْ لَكُمُ السَّلامَةُ؛ وزالَ عَنْكم ما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ المَكْرُوهِ.

وأمَرَ يُوسُفَ بْنَ كَرْيُونَ أنْ يَقْرُبَ مِنهُمْ؛ ويَبْلُغَ مَعَهُمُ الغايَةَ في القَوْلِ؛ ويَسْتَدْعِيَهم إلى المُسالَمَةِ؛ ويَبْذُلَ لَهم مِنَ الأمانِ والعُهُودِ ما يَثِقُونَ بِهِ؛ ويَسْكُنُونَ إلَيْهِ؛ فَوَقَفَ قُدّامَ بابِ المَدِينَةِ؛ وقالَ: اسْمَعُوا مِنِّي يا مَعْشَرَ بَنِي إسْرائِيلَ ما أنا مُخاطِبُكم بِهِ؛ فَإنِّي إنَّما أُخاطِبُكم بِما يَنْفَعُكُمْ؛ ويَعُودُ بِصَلاحِكم إنْ قَبِلْتُمُوهُ؛ واعْلَمُوا أنَّ مُحارَبَةَ الأعْداءِ؛ ومُقاوَمَتَهُمْ؛ قَدْ كانَتْ تَحْسُنُ بِكم حِينَ كانَتْ بُلْدانُكم عامِرَةً؛ وعَساكِرُكم مُتَوافِرَةً؛ وأحْوالُكم مُسْتَقِيمَةً؛ فَأمّا بَعْدَ أنْ (p-٣٥٤)بَلَغْتُمْ إلى هَذِهِ الحالِ؛ مِن خَرابِ البُلْدانِ؛ وفَناءِ الرِّجالِ؛ وذَهابِ النِّعَمِ؛ واخْتِلالِ الأحْوالِ؛ فَكَيْفَ تَطْمَعُونَ في مُقاوَمَةِ هَذِهِ الأُمَّةِ العَظِيمَةِ القَوِيَّةِ؛ الَّتِي قَدْ قَهَرَتِ المَمالِكَ؛ والأُمَمَ؛ واسْتَوْلَتْ عَلَيْهِمْ؟ فَعَلى أيِّ شَيْءٍ تَعْتَمِدُونَ؟ فَإنْ قُلْتُمْ: إنّا نَعْتَمِدُ عَلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ ونَرْجُو أنْ يَنْصُرَنا؛ كَما جَرَتْ عادَتُهُ مَعَ آبائِنا؛ فَيَجِبُ أنَّ تَعْلَمُوا أنَّهُ هو الَّذِي سَلَّطَ عَلَيْكم هَذِهِ الأُمَّةَ لِسُوءِ أفْعالِكُمْ؛ وكَثْرَةِ ذُنُوبِكُمْ؛ لِأنَّكُمُ ارْتَكَبْتُمُ المَحارِمَ؛ وسَفَكْتُمُ الدِّماءَ؛ ونَجَّسْتُمْ هَيْكَلَ اللَّهِ المُقَدَّسِ؛ وقَتَلْتُمْ كَهَنَتَهُ؛ وصُلَحاءَ أُمَّتِهِ ظُلْمًا؛ فَكَيْفَ تَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ النَّصْرَ والمَعُونَةَ مَعَ هَذِهِ الأفْعالِ القَبِيحَةِ؟ واللَّهُ لا يَنْصُرُ مَن عَصاهُ؛ وإنْ كُنْتُمْ تَتَّكِلُونَ عَلى الحُصُونِ؛ والعُدَدِ؛ والعَساكِرِ؛ فَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ قَدْ ذَهَبَ أكْثَرُهُ؛ ولَمْ يَبْقَ مِنهُ إلّا القَلِيلُ؛ وهَذِهِ المَدِينَةُ قَدْ هُدِمَ سُورانِ مِن أسْوارِها؛ ولَمْ يَبْقَ غَيْرُ واحِدٍ؛ وهم مُجِدُّونَ في هَدْمِهِ؛ وأنْتُمْ كُلَّ يَوْمٍ في نُقْصانٍ؛ وضَعْفٍ؛ وعَدُوُّكم في زِيادَةٍ وقُوَّةٍ؛ فَإنْ دُمْتُمْ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ هَلَكْتُمْ؛ ولَمْ يَبْقَ مِنكم باقِيَةٌ؛ فَإنْ (p-٣٥٥)قُلْتُمْ: إنّا نَخْتارُ القَتْلَ عَلى الذُّلِّ لِلْأُمَمِ وطاعَتِهِمْ؛ فَقَدْ عَلِمْتُمْ أنَّ آباءَنا وأُصُولَنا - وهُمُ السّادَةُ الَّذِينَ يَجِبُ عَلَيْنا أنْ نَقْتَدِيَ بِهِمْ - لَمْ يَمْتَنِعُوا مِن مُسالَمَةِ الأُمَمِ الَّذِينَ جاوَرُوهُمْ؛ ومُداراتِهِمْ؛ ولَوْ كانَ أمْرًا مَكْرُوهًا لَقَدْ كانُوا أوْلى بِكَراهَتِهِ مِنكُمْ؛ والمُتَقَدِّمُونَ مِنّا أطاعُوا المِصْرِيِّينَ في أزْمانٍ كَثِيرَةٍ؛ ومُلُوكَ المَوْصِلِ؛ والكَسْدانِيِّينَ؛ والفُرْسِ؛ ثُمَّ اليُونانِيِّينَ؛ الَّذِينَ جارُوا عَلَيْهِمْ؛ وأساؤُوا إلَيْهِمْ؛ وصَبَرُوا عَلى ظُلْمِهِمْ لَهُمْ؛ إلى أنْ أذِنَ اللَّهُ بِخَلاصِهِمْ مِنهم عَلى أيْدِي بَنِي حَشْمَنايِ الكَهَنَةِ؛ ثُمَّ أطاعُوا بَعْدَ ذَلِكَ مُلُوكَ الرُّومِ إلى هَذِهِ الغايَةِ؛ ولَمْ يَرَوْا أنَّ عَلَيْهِمْ نَقْصًا في طاعَتِهِمْ؛ وكَذَلِكَ أنْتُمْ إنْ أطَعْتُمُوهم كانَ ذَلِكَ أوْلى بِكم مِن أنْ تُعَرِّضُوا أنْفُسَكم لِلْهَلاكِ؛ ونِعْمَتَكم لِلزَّوالِ؛ وبَلَدَكم لِلْخَرابِ؛ وتَحْصُلُوا بَعْدَ ذَلِكَ في أضْعافِ ما كَرِهْتُمُوهُ مِنَ الذُّلِّ؛ ولا يَعْذُرُكم في ذَلِكَ عاقِلٌ؛ ولا يُحْمَدُ رَأْيُكُمْ؛ عَلى أنَّ الرُّومَ ما زالُوا مُحْسِنِينَ إلَيْكُمْ؛ كَفَوْكم أمْرَ أعْدائِكم مِنَ اليُونانِيِّينَ؛ وأزالُوا سُلْطانَهم عَنْكُمْ؛ وأعانُوكم عَلى كَثِيرٍ مِنَ الأُمَمِ الَّذِينَ يُعادُونَكم حَتّى غَلَبْتُمُوهُمْ؛ واسْتَوْلَيْتُمْ عَلَيْهِمْ؛ فَأنْتُمْ بِطاعَتِهِمْ أوْلى مِنكم بِمَعْصِيَتِهِمْ؛ وقَدْ عَلِمْتُمْ أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - قَدْ جَعَلَ لِكُلِّ أُمَّةٍ دَوْلَةً وسُلْطانًا سَلَّطَها فِيهِ؛ فَإذا انْقَضى ذَلِكَ الزَّمانُ زالَتْ دَوْلَتُها؛ وسُلْطانُها؛ فَذَلَّتْ لِغَيْرِها؛ وخَضَعَتْ لِمَن كانَ يَخْضَعُ لَها؛ (p-٣٥٦)وقَدْ بَسَطَ اللَّهُ أيْدِيَكم زَمانًا؛ وسَلَّطَكم عَلى غَيْرِكم دَهْرًا؛ ثُمَّ جَعَلَ الدَّوْلَةَ والسُّلْطانَ لِسِواكُمْ؛ وأرادَ أنْ يُذِلَّكم لَهُمْ؛ فَمَتى خالَفْتُمْ مُرادَ اللَّهِ ولَمْ تَقْبَلُوا حُكْمَهُ هَلَكْتُمْ؛ ولَيْسَ يُشَكُّ في أنَّ اللَّهَ أرادَ في هَذا الزَّمانِ أنْ يَرْفَعَ الرُّومَ؛ ويَبْسُطَ أيْدِيَهُمْ؛ لِأنَّهُ قَدْ أذَلَّ لَهُمُ المُلُوكَ؛ وظَفَّرَهم بِالأُمَمِ؛ حَتّى أطاعَهم مَن في سائِرِ جِهاتِ الدُّنْيا؛ مِمَّنْ هو أشَدُّ مِنكم بَأْسًا؛ وأكْثَرُ عَدَدًا؛ وأقْوى سُلْطانًا؛ وكَيْفَ تَطْمَعُونَ في أنْ تَغْلِبُوهم وأنْتُمْ تُشاهِدُونَ إقْبالَهُمْ؛ وقُوَّةَ أمْرِهِمْ؛ ومَعُونَةَ اللَّهِ لَهُمْ؛ وتَرَوْنَ أنْفُسَكم بِخِلافِ ذَلِكَ؟ ولَيْسَ يَعِيبُ الإنْسانَ ولا يَنْقُصُهُ طاعَتُهُ لِمَن هو أقْوى مِنهُ؛ وأعْلى يَدًا؛ لِأنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - قَدْ جَعَلَ أمْرَ الخَلْقِ في الدُّنْيا مَبْنِيًّا عَلى أنْ يَكُونَ بَعْضُهم تابِعًا لِبَعْضٍ؛ وبَعْضُهم قاهِرًا لِبَعْضٍ؛ وبَعْضُهم مُحْتاجًا إلى بَعْضٍ؛ وكُلُّ صِنْفٍ يَخْضَعُ لِمَن هو أقْوى مِنهُ؛ ويَذِلُّ لَهُ؛ ويُطِيعُهُ؛ وذَلِكَ ظاهِرٌ مَوْجُودٌ في النّاسِ؛ عَلى طَبَقاتِهِمْ؛ وفي الحَيَواناتِ؛ عَلى اخْتِلافِها؛ ولَيْسَ يَسْتَغْنِي عَنْ ذَلِكَ أحَدٌ؛ ولا يَذُمُّهُ عاقِلٌ؛ وإذْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَلَيْسَ يَنْقُصُكم طاعَةُ الرُّومِ؛ ولا الرُّومُ بِأوَّلِ مَن أطَعْتُمُوهُمْ؛ وقَدْ تَقَدَّمَتْ طاعَتُكم لَهم مُنْذُ سِنِينَ؛ وقَدِ ابْتَدَؤُوكم في هَذا الوَقْتِ بِالجَمِيلِ؛ ودَعَوْكم إلى المُسالَمَةِ؛ وبَذَلُوا لَكُمُ الأمانَ؛ وضَمِنُوا لَكُمُ الإحْسانَ؛ وظَهَرَ مِنهُمُ الإشْفاقُ عَلى مَدِينَتِكُمْ؛ وقُدْسِكُمْ؛ فاتَّقُوا اللَّهَ؛ (p-٣٥٧)وتَلافَوْا أمْرَكُمْ؛ وأحْسِنُوا النَّظَرَ لِمَن بَقِيَ مِنكُمْ؛ فارْجِعُوا إلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِن طاعَتِهِمْ لِتَبْقَوْا؛ وتَتَماسَكَ أحْوالُكُمْ؛ وتَسْلَمَ هَذِهِ المَدِينَةُ؛ وهَذا القُدْسُ الجَلِيلُ؛ قَبْلَ أنْ يُهْدَمَ هَذا الحِصْنُ الباقِيَ فَتَهْلِكُوا.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English