Аль-БикаиАль‑Бакара · 2:184–185

Аль-Бикаи · Тафсир · на арабском

Аль-Бакара 2:184–185

2:184Страница 28

أَيَّامٗا مَّعۡدُودَٰتٖۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۚ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدۡيَةٞ طَعَامُ مِسۡكِينٖۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيۡرٗا فَهُوَ خَيۡرٞ لَّهُۥۚ وَأَن تَصُومُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ١٨٤

Поститься следует считанное количество дней. А если кто из вас болен или находится в пути, то пусть постится столько же дней в другое время. А тем, которые способны поститься с трудом, следует в искупление накормить бедняка. А если кто добровольно совершает доброе дело, то тем лучше для него. Но вам лучше поститься, если бы вы только знали!

(p-٤٥)ولَمّا كانَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ جَمْعٌ لِما في الكُتُبِ والصُّحُفِ كانَتْ مَبادِئُ أحْكامِها عَلى حُكْمِ الأحْكامِ المُتَقَدِّمَةِ فَكَما وُجِّهُوا وُجْهَةَ أهْلِ الكِتابِ ابْتِداءً ثُمَّ لَهم بِالوُجْهَةِ إلى الكَعْبَةِ انْتِهاءٌ كَذَلِكَ صُوِّمُوا صَوْمَ أهْلِ الكِتابِ ﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ أيْ قَلائِلَ مُقَّدَرَةٍ بِعَدَدٍ مَعْلُومٍ ابْتِداءً ثُمَّ رَقَوْا إلى صَوْمِ دائِرَةِ الشَّهْرِ وحْدَةَ قَدْرِ انْتِهاءٍ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا كانَ مَن قَبْلَهم أهْلَ حِسابٍ لِما فِيهِ حُصُولُ أمْرِ الدُّنْيا فَكانَتْ أعْوامُهم شَمْسِيَّةً كانَ صَوْمُهم عَدَدَ أيّامٍ لا وحْدَةَ شَهْرٍ، وفي إعْلامِهِ إلْزامٌ بِتَجْدِيدِ النِّيَّةِ لِكُلِّ يَوْمٍ حَيْثُ هي أيّامٌ مَعْدُودَةٌ، وفي إفْهامِهِ مَنعٌ مِن تَمادِي الصَّوْمِ في زَمَنِ اللَّيْلِ الَّذِي هو مَعْنى الوِصالِ الَّذِي يُشْعِرُ صِحَّتُهُ رَفْعَ رُتْبَةِ الصَّوْمِ إلى صَوْمِ الشَّهْرِ الَّذِي هو دَوْرَةُ القَمَرِ يُقْنِعُ (p-٤٦)الفِطْرَ في لَيْلَةٍ رُخْصَةً لِلضَّعِيفِ لا عَزْمًا عَلى الصّائِمِ، وكانَ فِيهِ مِنَ الكُلْفَةِ ما في صَوْمِ أهْلِ الكِتابِ مِن حَيْثُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أكْلٌ ولا نِكاحٌ بَعْدَ نَوْمٍ، فَكانَ فِيهِ كُلْفَةُ ما في الكُتُبِ لِيَنالَ رَأْسُ هَذِهِ الأمَةِ وأوائِلُها حَظًّا مِن مَنالِ أوائِلِ الأُمَمِ ثُمَّ يُرَقِّيها اللَّهُ إلى حُكْمِ ما يَخُصُّها فَتَكُونُ مُرَبّاةً تَجِدُ طَعْمَ اليُسْرِ بَعْدَ العُسْرِ - انْتَهى وفِيهِ تَصَرُّفٌ.

ومَذْهَبُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ تَحْرِيمُ الوِصالِ، «قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّكَ تُواصِلُ! قالَ: ”إنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ“ وقالَ: ”مَن كانَ مُواصِلًا فَلْيُواصِلْ إلى السَّحَرِ“» .

قالَ الحَرالِيُّ: فَأنْبَأ بِتَمادِي الصَّوْمِ إلى السَّحَرِ لِتَنْتَقِلَ وجْبَةُ الفِطْرِ الَّتِي تُوافِقُ حالَ أهْلِ الكِتابِ إلى وجْبَةِ السَّحَرِ الَّتِي هي خُصُوصُ أهْلِ الفُرْقانِ - انْتَهى. وفي مُواصَلَةِ النَّبِيِّ ﷺ بِهِمْ لَمّا أبَوْا إلّا الوِصالَ أيّامًا ما يَشْهَدُ لِمَن أباحَ ذَلِكَ واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ.

قالَ الحَرالِيُّ: وفي تَأْسِيسِهِ عَلى العَدَدِ مَلْجَأٌ يُرْجَعُ إلَيْهِ عِنْدَ إغْماءِ الشَّهْرِ الَّذِي هو الهِلالُ كَما سَيَأْتِي التَّصْرِيحُ بِهِ، فَصارَ (p-٤٧)لَهُمُ العَدَدُ في الصَّوْمِ بِمَنزِلَةِ التَّيَمُّمِ في الطُّهُورِ يَرْجِعُونَ إلَيْهِ عِنْدَ ضَرُورَةِ فَقْدِ إهْلالِ الرُّؤْيَةِ كَما يَرْجِعُونَ إلى الصَّعِيدِ عِنْدَ فَقْدِ الماءِ.

ولَمّا كانَ لِلْمَرِيضِ حاجَةٌ لِلدَّواءِ والغِذاءِ بِحَسَبِ تَداعِي جِسْمِهِ رُفِعَ عَنْهُ الكَتْبُ فَتَسَبَّبَ عَمّا مَضى قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا﴾ أيْ مَرَضًا يَضُرُّهُ عاجِلًا أوْ يَزِيدُ في عِلَّتِهِ آجِلًا.

قالَ الحَرالِيُّ: فَبَقِيَ عَلى حُكْمِ التَّحَمُّلِ بِيَقِينٍ مِمّا يَغْذُو المُؤْمِنَ ويَسْقِيهِ مِن غَيْبِ بَرَكَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «أبِيتُ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِي» فَلِلْمُؤْمِنِ غِذاءٌ في صَوْمِهِ مِن بَرَكَةِ رَبِّهِ بِحُكْمِ يَقِينِهِ فِيما لا يَصِلُ إلَيْهِ مَن لَمْ يَصِلْ إلى مَحَلِّهِ، فَعَلى قَدْرِ ما تُسْتَمَدُّ بَواطِنُ النّاسِ مِن ظَواهِرِهِمْ يُسْتَمَدُّ ظاهِرُ المُوقِنِ مِن باطِنِهِ حَتّى يَقْوى في أعْضائِهِ بِمَدَدِ نُورِ باطِنِهِ كَما ظَهَرَ ذَلِكَ في أهْلِ الوَلايَةِ والدِّيانَةِ، فَكانَ فِطْرُ المَرِيضِ رُخْصَةً لِمَوْضِعِ تَداوِيهِ واغْتِذائِهِ.

ولَمّا كانَ المَرَضُ وصْفًا جاءَ بِلَفْظِ الوَصْفِ ولَمّا كانَ السَّفَرُ وهو إزالَةُ الكِنِّ عَنِ الرَّأْسِ تَمامَ دَوْرَةِ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ بِالمَسِيرِ عَنْهُ بِحَيْثُ لا يَتَمَكَّنُ مِن عَوْدِهِ لِمَأْواهُ في مَدارِ يَوْمِهِ ولَيْلَتِهِ نِسْبَةً بَيْنَ جُسْمانِيَّيْنِ جاءَ (p-٤٨)بِحَرْفِ الإضافَةِ مَفْصُولًا فَقالَ: ﴿أوْ عَلى سَفَرٍ﴾ لِما يَحْتاجُ إلَيْهِ المُسافِرُ مِنِ اغْتِذاءٍ لِوُفُورِ نَهْضَتِهِ في عَمَلِهِ في سَفَرِهِ وأنَّ وقْتَ اغْتِذائِهِ بِحَسَبِ البِقاعِ لا بِحَسَبِ الِاخْتِيارِ إذِ المُسافِرُ ومَتاعُهُ عَلى قَلْبٍ إلّا ما وقى اللَّهُ «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ العَذابِ» وذَلِكَ لِئَلّا يَجْتَمِعَ عَلى العَبْدِ كُلْفَتانِ فَيَتَضاعَفَ عَلَيْهِ المَشَقَّةُ دِينًا ودُنْيا فَإذا خَفَّ عَنْهُ الأمْرُ مِن وجْهٍ طَبِيعِيٍّ أخَذَ بِالحُكْمِ مِن وجْهٍ آخَرَ دِينِيٍّ ﴿فَعِدَّةٌ﴾ نَظْمُهُ يُشْعِرُ أنَّ المَكْتُوبَ عِدَّة ﴿مِن أيّامٍ﴾ أيْ مُتَتابِعَةٌ أوْ مُتَفَرِّقَةٌ ﴿أُخَرَ﴾ لِانْتِظامِ مَقاطِعِ الكَلامِ بَعْضِها بِبَعْضٍ رُؤُوسًا وأطْرافًا، فَفي إفْهامِهِ أنَّ مَكْتُوبَ المَرِيضِ والمُسافِرِ غَيْرُ مَكْتُوبِ الصَّحِيحِ والمُقِيمِ، فَبِذَلِكَ لا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ: فَأُفْطِرُ، لِأنَّ المَقْصِدَ مَعْنى الكَتْبِ ويَبْقى ما دُونَ الكَتْبِ (p-٤٩)عَلى حُكْمِ تَحَمُّلِهِ، فَكَأنَّهُ يُقالُ لِلْمَرِيضِ والمُسافِرِ: مَكْتُوبُكَ أيّامًا أُخَرَ لا هَذِهِ الأيّامُ، فَتَبْقى هَذِهِ الأيّامَ خَلِيَّةً عَنْ حُكْمِ الكُتُبِ لا خَلِيَّةً عَنْ تَشْرِيعِ الصَّوْمِ.

ولَمّا كانُوا قَوْمًا لَمْ يَتَعَوَّدُوا الصَّوْمَ وكانَتْ عِنايَةُ اللَّهِ مُحِيطَةً بِهِمْ تَشْرِيفًا لِرَسُولِهِمْ ﷺ قالَ مُخَيِّرًا في أوَّلِ الأمْرِ: ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ أيِ الصَّوْمَ، مِنَ الطَّوْقِ وهو ما يُوضَعُ في العُنُقِ حِلْيَةً، فَيَكُونُ ما يَسْتَطِيعُهُ مِنَ الأفْعالِ طَوْقًا لَهُ في المَعْنى ﴿فِدْيَةٌ طَعامُ﴾ بِالإضافَةِ أوِ الفَصْلِ ﴿مِسْكِينٍ﴾ بِالإفْرادِ إرْجاعًا إلى اليَوْمِ الواحِدِ، وبِالجَمْعِ إرْجاعًا إلى مَجْمُوعِ الأيّامِ لِكُلِّ يَوْمٍ طَعامٌ واحِدٌ، وهو مُدٌّ وحَفْنَتانِ بِالكَفَّيْنِ هُما قُوتُ الحافِنِ غَداءً وعَشاءً كَفافًا لا إقْتارًا ولا إسْرافًا، في جُمْلَتِهِ تَوْسِعَةُ أمْرِ الصَّوْمِ عَلى مَن لا يَسْتَطِيعُهُ مِمَّنْ هو لِغَلَبَةِ (p-٥٠)حاجَةِ طَبْعِهِ إلى الغِذاءِ بِمَنزِلَةِ المَرِيضِ والمُسافِرِ فَهو مِمْراضٌ بِالنَّهْمَةِ كَأنَّها حالُ مَرَضٍ جُبِلَ عَلَيْهِ الطَّبْعُ، فَكانَ في النَّظَرِ إلَيْهِ تَوْفِيَةُ رَحْمَةِ النَّظَرِ إلى المَرِيضِ والمُسافِرِ إلّا ما بَيْنَ رُتْبَتَيِ الصِّنْفَيْنِ مِن كَوْنِ هَذا مُطِيقًا وذَيْنِكَ غَيْرَ مُطِيقٍ أوْ غَيْرَ مُتَمَكِّنٍ، وفي إعْلامِهِ بَيانُ أنَّ مَن لَمْ يَقْدِرْ عَلى التَّماسُكِ عَنْ غِذائِهِ فَحَقُّهُ أنْ يَغْذُوَ غَيْرَهُ لِيَقُومَ بَذْلُ الطَّعامِ عِوَضًا عَنِ التَّماسُكِ عَنِ الطَّعامِ لِمُناسَبَةِ ما بَيْنَ المَعْنَيَيْنِ لِذَلِكَ؛ ولَمْ يُذْكَرْ هُنا مَعَ الطَّعامِ عِتْقٌ ولا صَوْمٌ ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ أيْ فَزادَ في الفِدْيَةِ ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ لِأنَّهُ فَعَلَ ما يَدُلُّ عَلى حُبِّهِ لِرَبِّهِ.

ولَمّا ساقَ سُبْحانَهُ وتَعالى الإفْطارَ عِنْدَ الإطاقَةِ والفِدْيَةُ واجِبُها ومَندُوبُها مَساقُ الغَيْبَةِ وتَرْكُ ذِكْرِ الفِطْرِ وإنْ دَلَّ السِّياقُ عَلَيْهِ (p-٥١)إشارَةً إلى خَساسَتِهِ تَنْفِيرًا عَنْهُ جُعِلَ أهْلُ الصَّوْمِ مَحَلَّ حَضْرَةِ الخِطابِ إيذانًا بِما لَهُ مِنَ الشَّرَفِ عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ تَرْغِيبًا فِيهِ وحَضًّا عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿وأنْ تَصُومُوا﴾ أيُّها المُطِيقُونَ ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مِنَ الفِدْيَةِ وإنْ زادَتْ،

قالَ الحَرالِيُّ: فَفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ الصّائِمَ يَنالُهُ مِنَ الخَيْرِ في جِسْمِهِ وصِحَّتِهِ ورِزْقِهِ حَظٌّ وافِرٌ مَعَ عِظَمِ الأجْرِ في الآخِرَةِ، كَما أشارَ إلَيْهِ الحَدِيثُ القُدْسِيُّ: «وكُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إلّا الصَّوْمَ فَإنَّهُ لِي» وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا كانَتِ الأعْمالُ أفْعالًا وإنْفاقًا وسِيَرًا وأحْوالًا مِمّا شَأْنُ العَبْدِ أنْ يَعْمَلَهُ لِنَفْسِهِ ولِأهْلِهِ في دُنْياهُ وكانَ مِن شَأْنِهِ كانَتْ لَهُ، ولَمّا كانَ الصَّوْمُ لَيْسَ مِن شَأْنِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ، فالصَّلاةُ مَثَلًا أفْعالٌ وأقْوالٌ وذَلِكَ مِن شَأْنِ المَرْءِ والزَّكاةُ إنْفاقٌ وذَلِكَ مِن شَأْنِهِ، والحَجُّ ضَرْبٌ في الأرْضِ وذَلِكَ مِن شَأْنِهِ ولَيْسَ مِن شَأْنِهِ أنْ لا يَأْكُلَ ولا يَشْرَبَ ولا يَنْكِحَ ولا يَنْتَصِفَ مِمَّنْ يَعْتَدِي عَلَيْهِ فَإنِ امْرُؤٌ شاتَمَهُ أوْ قاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إنِّي صائِمٌ، فَلَيْسَ جُمْلَةُ مَقاصِدِ الصَّوْمِ مِن شَأْنِهِ وحَقِيقَتُهُ إذْبالُ جِسْمِهِ وإضْعافُ (p-٥٢)نَفْسِهِ وإماتَتُهُ، ولِذَلِكَ كانَ الصَّوْمُ كَفّارَّةً لِلْقَتْلِ خَطَأً لِيَنالَ بِالصَّوْمِ مِن قَتْلِ نَفْسِهِ بِوَجْهٍ ما ما جَرى عَلى يَدِهِ خَطَأٌ مِنَ القَتْلِ، فَكانَ في الصَّوْمِ تَنَقُّصُ ذاتِ الصّائِمِ فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: «فَإنَّهُ لِي» حِينَ لَمْ يَكُنْ مِن جِنْسِ عَمَلِ الآدَمِيِّ، قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: «وأنا أجْزِي بِهِ» فَفي إشارَتِهِ أنَّ جَزاءَهُ مِن غَيْبِ اللَّهِ مِمّا لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، كُلُّ ذَلِكَ في مَضْمُونِ قَوْلِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ انْتَهى.

وجَوابُهُ واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ: صُمْتُمْ وتَطَوَّعْتُمْ، فَإنَّهم إنْ لَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ خَيْرٌ لَهم لَمْ يَفْعَلُوا فَلَمْ يَكُنْ خَيْرًا لَهم.

قالَ الحَرالِيُّ: كانَ خَيْرًا حَيْثُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ جَمْعِ الصَّوْمِ والإطْعامِ تَعانُدٌ بَلْ تَعاضُدٌ لِما يُشْعِرُ بِهِ لَفْظُ الخَيْرِ - انْتَهى.

رَوى البُخارِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في التَّفْسِيرِ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ (p-٥٣)والنَّسائِيُّ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ الآيَةَ كانَ مَن أرادَ أنْ يُفْطِرَ ويَفْتَدِيَ حَتّى نَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِي بَعْدَها فَنَسَخَتْها وفي رِوايَةٍ: حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]» .

ولِلْبُخارِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «عَنْ أصْحابِ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم قالُوا: أُنْزِلَ ﴿شَهْرُ رَمَضانَ﴾ [البقرة: ١٨٥] فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَكانَ مَن أطْعَمَ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا تَرَكَ الصَّوْمَ مَن يُطِيقُهُ ورُخِّصَ لَهم في ذَلِكَ فَنَسَخَتْها ﴿وأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فَأُمِرُوا بِالصَّوْمِ» .

2:185Страница 28

شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ وَلِتُكۡمِلُواْ ٱلۡعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ١٨٥

В месяц рамадан был ниспослан Коран - верное руководство для людей, ясные доказательства из верного руководства и различение. Тот из вас, кого застанет этот месяц, должен поститься. А если кто болен или находится в пути, то пусть постится столько же дней в другое время. Аллах желает вам облегчения и не желает вам затруднения. Он желает, чтобы вы довели до конца определенное число дней и возвеличили Аллаха за то, что Он наставил вас на прямой путь. Быть может, вы будете благодарны.

ولَمّا أبْهَمَ الأمْرَ أوَّلًا في الأيّامِ وجَعَلَهُ واجِبًا مُخَيِّرًا عَلى المُطِيقِ عَيَّنَ هُنا وبَتَّ الأمْرَ فِيهِ بِقَوْلِهِ تَعالى:﴿شَهْرُ رَمَضانَ﴾ (p-٥٤)لِأنَّ ذَلِكَ أضْخَمُ وآكَدُ مِن تَعْيِينِهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ.

قالَ الحَرالِيُّ: والشَّهْرُ هو الهِلالُ الَّذِي شَأْنُهُ أنْ يَدُورَ دَوْرَةً مِن حِينِ أنْ يُهِلَّ إلى أنْ يُهِلَّ ثانِيًا سَواءٌ كانَتْ عِدَّةُ أيّامِهِ تِسْعًا وعِشْرِينَ أوْ ثَلاثِينَ، كِلا العَدَدَيْنِ في صِحَّةِ التَّسْمِيَةِ بِالشَّهْرِ واحِدٌ، فَهو شائِعٌ في فَرْدَيْنِ مُتَزايَدَيِ العَدَدِ بِكَمالِ العِدَّةِ كَما يَأْتِي أحَدُ الفَرْدَيْنِ لِمُسَمّاهُ رَمَضانَ، يُقالُ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، واشْتِقاقُهُ مِنَ الرَّمْضاءِ وهو اشْتِدادٌ حَرِّ الحِجارَةِ مِنَ الهاجِرَةِ، كَأنَّ هَذا الشَّهْرَ سُمِّيَ بِوُقُوعِهِ زَمَنَ اشْتِدادِ الحَرِّ بِتَرْتِيبِ أنْ يُحْسَبَ المُحَرَّمُ مِن أوَّلِ (p-٥٥)فَصْلِ الشِّتاءِ أيْ لِيَكُونَ ابْتِداءُ العامِ أوَّلَ ابْتِداءِ خَلْقٍ بِإحْياءِ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها، قالَ: وبِذَلِكَ يَقَعُ الرَّبِيعانِ في الرَّبِيعِ الأرْضِيِّ السّابِقِ حِينَ تَنْزِلُ الشَّمْسُ الحُوتَ والسَّماوِيِّ اللّاحِقِ حِينَ تَنْزِلُ الشَّمْسُ الحَمَلَ، وقالَ: إنَّهُ لَمّا وقَعَ لِسابِقَةِ هَذِهِ الأُمَّةِ صَوْمٌ كَصَوْمِ أهْلِ الكِتابِ كَما وُجِّهُوا إلى القِبْلَةِ أوَّلًا بِوَجْهِ أهْلِ الكِتابِ تَدارَكَهُ الإرْفاعُ إلى حُكْمِ الفُرْقانِ المُخْتَصِّ بِهِمْ، فَجَعَلَ صَوْمَهُمُ القارَّ لَهم بِالشَّهْرِ لِأنَّهم أهْلُ شُهُورٍ ناظِرُونَ إلى الأهِلَّةِ لَيْسُوا بِالمُسْتَغْرِقِينَ في حِسابِ الشَّمْسِ، فَجَعَلَ صَوْمَهم لِرُؤْيَةِ الشَّهْرِ وجَعَلَ لَهُمُ الشَّهْرَ يَوْمًا واحِدًا فَكَأنَّهم نُقِلُوا مِن صَوْمِ أيّامٍ مَعْدُوداتٍ إلى صَوْمِ يَوْمٍ واحِدٍ غَيْرِ مَعْدُودٍ لِوَحْدَتِهِ، لِأنَّهم أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ ﴿وواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢] هي مِيقاتُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿وأتْمَمْناها بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف: ١٤٢] هي مِيقاتُ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأُمَّتِهِ ومَن بَعْدَهُ مِنَ الأُمَمِ إلى هَذِهِ الأُمَّةِ - انْتَهى.

ولَمّا كانَ هَذا خِطابَ إرْقاءٍ مَدَحَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِإنْزالِ الذِّكْرِ فِيهِ (p-٥٦)جُمْلَةً إلى بَيْتِ العِزَّةِ وابْتُدِئَ مِن إنْزالِهِ إلى الأرْضِ.

قالَ الحَرالِيُّ: وأظْهَرَ فِيهِ وجْهَ القَصْدِ في الصَّوْمِ وحِكْمَتَهُ الغَيْبِيَّةَ الَّتِي لَمْ تَجْرِ في الكُتُبِ الأُوَلِ الكِتابِيِّ فَقالَ: ﴿الَّذِي أُنْـزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ فَأشْعَرَ أنَّ في الصَّوْمِ حُسْنَ تَلَقٍّ لِمَعْناهُ ويُسْرًا لِتِلاوَتِهِ، ولِذَلِكَ جَمَعَ فِيهِ بَيْنَ صَوْمِ النَّهارِ وتَهَجُّدِ اللَّيْلِ، وهو صِيغَةُ مُبالَغَةٍ مِنَ القُرْءِ وهو ما جَمَعَ الكُتُبَ والصُّحُفَ والألْواحَ - انْتَهى.

وفِي مَدْحِهِ بِإنْزالِهِ فِيهِ مَدْحٌ لِلْقُرْآنِ بِهِ مِن حَيْثُ أشْعَرَ أنَّ مِن أعْظَمِ المَقاصِدِ بِمَشْرُوعِيَّتِهِ (p-٥٧)تَصْفِيَةَ الفِكْرِ لِأجْلِ فَهْمِ القُرْآنِ لِيُوقَفَ عَلى حَقِيقَةِ ما أتْبَعَ هَذا بِهِ مِن أوْصافِهِ الَّتِي قَرَّرَتْ ما افْتَتَحَتْ بِهِ السُّورَةُ مِن أنَّهُ ”لا رَيْبَ فِيهِ“ وأنَّهُ ”هُدى“ عَلى وجْهٍ أعَمَّ مِن ذَلِكَ الأوَّلِ فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿هُدًى لِلنّاسِ﴾

قالَ الحَرالِيُّ: فِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ طائِفَةَ النّاسِ يُعْلِيهِمُ الصَّوْمُ أيْ بِالتَّهْيِئَةِ لِلتَّدَبُّرِ والفَهْمِ وانْكِسارِ النَّفْسِ إلى رُتْبَةِ الَّذِينَ آمَنُوا والمُؤْمِنِينَ ويُرَقِّيهِمْ إلى رُتْبَةِ المُحْسِنِينَ، فَهو هُدًى يَغْذُو فِيهِ فَقْدُ الغِذاءِ القَلْبَ كَما يَغْذُو وُجُودُهُ الجِسْمَ ولِذَلِكَ أجْمَعَ مُجَرِّبَةُ أعْمالِ الدِّيانَةِ مِنَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ أنَّ مِفْتاحَ الهُدى إنَّما هو الجُوعُ وأنَّ المَعِدَةَ والأعْضاءَ مَتى أُوهِنَتْ لِلَّهِ نَوَّرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى القَلْبَ وصَفّى النَّفْسَ وقَوّى الجِسْمَ لِيَظْهَرَ مَن أمْرِ الإيمانِ بِقَلْبِ العادَةِ جَدِيدُ عادَةٍ هي لِأوْلِيائِهِ أجَلُّ في القُوَّةِ والمِنَّةِ مِن عادَتِهِ في الدُّنْيا لِعامَّةِ خَلْقِهِ؛ وفي إشارَتِهِ لُمَحٌ لِما يُعانُ بِهِ الصّائِمُ مِن سَدِّ أبْوابِ النّارِ (p-٥٨)وفَتْحِ أبْوابِ الجَنَّةِ وتَصْفِيدِ الشَّياطِينِ، كُلُّ ذَلِكَ بِما يَضِيقُ مِن مَجارِي الشَّيْطانِ مِنَ الدَّمِ الَّذِي يَنْقُصُهُ الصَّوْمُ، فَكانَ فِيهِ مِفْتاحُ الخَيْرِ كُلِّهِ؛ وإذا هَدى النّاسَ كانَ لِلَّذِينِ آمَنُوا أهْدى وكانَ نُورًا لَهم ولِلْمُؤْمِنِينَ أنْوَرُ، كَذَلِكَ إلى أعْلى رُتَبِ الصّائِمِينَ العاكِفِينَ الذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا الَّذِينَ تَماسَكُوا بِالصَّوْمِ عَنْ كُلِّ ما سِوى مُجالَسَةِ الحَقِّ بِذِكْرِهِ.

وفِي قَوْلِهِ: ﴿وبَيِّناتٍ﴾ إعْلانٌ بِذِكْرِ ما يَجِدُهُ الصّائِمُ مِن نُورِ قَلْبِهِ وانْكِسارِ نَفْسِهِ وتَهْيِئَةِ فِكْرِهِ لِفَهْمِهِ لِيَشْهَدَ تِلْكَ البَيِّناتِ في نَفْسِهِ وكَوْنِها ﴿مِنَ الهُدى﴾ الأعَمِّ الأتَمِّ الأكْمَلِ الشّامِلِ لِكافَّةِ الخَلْقِ ﴿والفُرْقانِ﴾ الأكْمَلِ، وفي حُصُولِ الفُرْقانِ عَنْ بَرَكَةِ الصَّوْمِ والَّذِي هو بَيانُ رُتَبِ ما أظْهَرَ الحَقُّ رُتَبَهُ عَلى وجْهِهِ إشْعارٌ بِما يُؤْتاهُ الصّائِمُ مِنَ الجَمْعِ الَّذِي هو مِنِ اسْمِهِ الجامِعِ الَّذِي لا يَحْصُلُ إلّا بَعْدَ تَحَقُّقِ الفُرْقانِ، فَإنَّ المَبْنِيَّ عَلى التَّقْوى المُنَوَّلَةِ لِلصّائِمِ في قَوْلِهِ في الكُتُبِ الأُوَلِ ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] فَهو صَوْمٌ يَنْبَنِي عَلَيْهِ تَقْوى يَنْبَنِي عَلَيْها فُرْقانٌ كَما قالَ تَعالى ﴿إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] يَنْتَهِي إلى جَمْعٍ يُشْعِرُ بِهِ نَقْلُ الصَّوْمِ مِن عَدَدِ الأيّامِ إلى وحْدَةِ الشَّهْرِ - انْتَهى.

فَعَلى (p-٥٩)ما قُلْتُهُ المُرادُ بِالهُدى الحَقِيقَةُ، وعَلى ما قالَهُ الحَرالِيُّ هو مَجازٌ عَلاقَتُهُ السَّبَبِيَّةُ لِأنَّ الصَّوْمَ مُهَيِّئٌ لِلْفَهْمِ ومُوجِبٌ لِلنُّورِ،

﴿الهُدى﴾ المُعَرَّفُ الوَحْيِ أعَمُّ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ أوْ أُمِّ الكِتابِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وعَلى ما قالَ الحَرالِيُّ يَصِحُّ أنْ يُرادَ بِهِ القُرْآنُ الجامِعُ لِلْكُتُبِ كُلِّها فَيَعُمُّ الكُتُبَ الأُوَلَ لِلْأيّامِ، والفُرْقانُ هو الخاصُّ بِالعَرَبِ الَّذِي أعْرَبَ عَنْ وحْدَةِ الشَّهْرِ.

ولَمّا أتَمَّ ما في ذِكْرِ الشَّهْرِ مِنَ التَّرْغِيبِ إثْرَ التَّعْيِينِ ذَكَرَ ما فِيهِ مِن عَزِيمَةٍ ورُخْصَةٍ فَقالَ: ﴿فَمَن شَهِدَ﴾ أيْ حَضَرَ حُضُورًا تامًّا بِرُؤْيَةٍ بَيِّنَةٍ لِوُجُودِ الصَّحْوِ مِن غَيْرِ غَمامٍ أوْ بِإكْمالِ عِدَّةِ شَعْبانَ إنْ كانَ غَيْمٌ ولَمْ يَكُنْ مَرِيضًا ولا مُسافِرًا.

قالَ الحَرالِيُّ: وفي (p-٦٠)شِياعِهِ إلْزامٌ لِمَن رَأى الهِلالَ وحْدَهُ بِالصَّوْمِ.

وقَوْلُهُ: ﴿مِنكُمُ﴾ خِطابُ النّاسِ ومَن فَوْقَهم حِينَ كانَ الصِّيامُ مُعْلِيًا لَهم ﴿الشَّهْرَ﴾ هو المَشْهُودُ عَلى حَدِّ ما تَقُولُ النُّحاةُ مَفْعُولٌ عَلى السِّعَةِ، لِما فِيهِ مِن حُسْنِ الإنْباءِ وإبْلاغِ المَعْنى، ويُظْهِرُ مَعْناهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾ فَجَعَلَهُ واقِعًا عَلى الشَّهْرِ لا واقِعًا عَلى مَعْنًى: فِيهِ، حَيْثُ لَمْ يَكُنْ: فَلْيَصُمْ فِيهِ؛ وفي إعْلامِهِ صِحَّةُ صَوْمِ لَيْلَةٍ لِيَصِيرَ ما كانَ في الصَّوْمِ الأوَّلِ مِنَ السِّعَةِ بَيْنَ الصَّوْمِ والفِطْرِ لِلْمُطِيقِ واقِعًا هُنا بَيْنَ صَوْمِ اللَّيْلِ وفِطْرِهِ لِمَن رُزِقَ القُوَّةَ بِرُوحٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى - انْتَهى.

ولَمّا نُسِخَ بِهَذا ما مَرَّ مِنَ التَّخْيِيرِ أعادَ ما لِلْمَرِيضِ والمُسافِرِ (p-٦١)لِئَلّا يُظَنَّ نَسْخُهُ فَقالَ: ﴿ومَن كانَ مَرِيضًا﴾ أيْ سَواءٌ شَهِدَهُ أوَّلًا ﴿أوْ عَلى سَفَرٍ﴾ أيْ سَواءٌ كانَ مَرِيضًا أوْ صَحِيحًا وهو بَيِّنٌ بِأنَّ المُرادَ شُهُودُهُ في بَلَدِ الإقامَةِ ﴿فَعِدَّةٌ﴾

قالَ الحَرالِيُّ: فَمَرَدُّ هَذا الخِطابِ مِن مَضْمُونِ أوَّلِهِ فَمَعْناهُ: فَصَوْمُهُ عِدَّةٌ، مِن حَيْثُ لَمْ يَذْكُرْ في هَذا الخِطابِ الكُتُبَ، لِيَجْرِيَ مَرَدُّ كُلِّ خِطابٍ عَلى حَدِّ مَبْدَئِهِ.

وفِي قَوْلِهِ: ﴿مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ إعْلامٌ بِأنَّ القَضاءَ لَمْ يَجْرِ عَلى وحْدَةِ شَهْرٍ لِاخْتِصاصِ الوَحْدَةِ بِشَهْرِ رَمَضانَ ونُزُولِ قَضائِهِ مَنزِلَةَ الصَّوْمِ الأوَّلِ، وفي عَدَدِهِ وفي إطْلاقِهِ إشْعارٌ بِصِحَّةِ وُقُوعِهِ مُتَتابِعًا وغَيْرَ مُتَتابِعٍ - انْتَهى.

ولَمّا رَخَّصَ ذَلِكَ عَلَّلَ بِقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ أنْ يُقَدِّرَهُ حَقَّ قَدْرِهِ (p-٦٢)﴿بِكُمُ اليُسْرَ﴾ أيْ شَرَعَ السُّهُولَةَ بِالتَّرْخِيصِ لِلْمَرِيضِ والمُسافِرِ وبِقَصْرِ الصَّوْمِ عَلى شَهْرٍ ﴿ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ في جَعْلِهِ عَزِيمَةً عَلى الكُلِّ وزِيادَتُهُ عَلى شَهْرٍ.

قالَ الحَرالِيُّ: اليُسْرُ عَمَلٌ لا يُجْهِدُ النَّفْسَ ولا يُثْقِلُ الجِسْمَ، والعُسْرُ ما يُجْهِدُ النَّفْسَ ويَضُرُّ الجِسْمَ. وقالَ: فِيهِ إعْلامٌ بِرِفْقِ اللَّهِ بِالأجْسامِ الَّتِي يَسَّرَ عَلَيْها بِالفِطْرِ، وفي باطِنِ هَذا الظّاهِرِ إشْعارٌ لِأهْلِ القُوَّةِ بِأنَّ اليُسْرَ في صَوْمِهِمْ وأنَّ العُسْرَ في فِطْرِ المُفْطِرِ، لِيَجْرِيَ الظّاهِرُ عَلى حِكْمَتِهِ في الظُّهُورِ ويَجْرِيَ الباطِنُ عَلى حِكْمَتِهِ في البُطُونِ، إذْ لِكُلِّ آيَةٍ مِنهُ ظَهْرٌ وبَطْنٌ، فَلِذَلِكَ واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَصُومُ في رَمَضانَ في السَّفَرِ ويَأْمُرُ بِالفِطْرِ» وكانَ أهْلُ القُوَّةِ مِنَ العُلَماءِ يَصُومُونَ ولا يُنْكِرُونَ الفِطْرَ - انْتَهى.

قالَ الشَّعْبِيُّ: إذا اخْتَلَفَ عَلَيْكَ أمْرانِ فَإنَّ أيْسَرَهُما أقْرَبُهُما (p-٦٣)إلى الحَقِّ لِهَذِهِ الآيَةِ.

ولَمّا كانَتْ عِلَّةُ التَّيْسِيرِ المُؤَكَّدِ بِنَفْيِ التَّعْسِيرِ الإطاقَةَ فَكانَ التَّقْدِيرُ: لِتُطِيقُوا ما أمَرَكم بِهِ ويَخِفَّ عَلَيْكم أمْرُهُ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولِتُكْمِلُوا﴾ مِنَ الإكْمالِ وهو بُلُوغُ الشَّيْءِ إلى غايَةِ حُدُودِهِ في قَدْرٍ أوْ عَدٍّ حِسًّا أوْ مَعْنًى ﴿العِدَّةَ﴾ أيْ عِدَّةَ أيّامِ رَمَضانَ إلى رُؤْيَةِ الهِلالِ إنْ رَأيْتُمُوهُ وإلى انْتِهاءِ ثَلاثِينَ الَّتِي لا يُمْكِنُ زِيادَةُ الشَّهْرِ عَلَيْها إنْ غَمَّ عَلَيْكم بِوُجُودِ الغَمامِ فَلَمْ تَشْهَدُوهُ، فَإنَّهُ لَوْ كَلَّفَكم أكْثَرَ مِنهُ أوْ كانَ إيجابُهُ عَلى كُلِّ حالٍ كانَ جَدِيرًا بِأنْ تَنْقُصُوا مِن أيّامِهِ إمّا بِالذّاتِ بِأنْ تَنْقُصُوا مِن عِدَّتِها أوْ بِالوَصْفِ بِأنْ تَأْكُلُوا في أثْنائِها كَما تَفْعَلُ النَّصارى، فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلى إعْدامِها أصْلًا ورَأْسًا.

وقالَ الحَرالِيُّ: التَّقْدِيرُ: لِتُوفُوا الصَّوْمَ بِالرُّؤْيَةِ ولِتُكْمِلُوا إنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ، (p-٦٤)فَفِي هَذا الخِطابِ تَعادُلُ ذِكْرِ الصَّحْوِ في الِابْتِداءِ بِقَوْلِهِ: ﴿شَهِدَ﴾ وذِكْرُ الغَيْمِ في الِانْتِهاءِ بِالإكْمالِ - انْتَهى.

وفِيهِ إشارَةٌ إلى احْتِباكٍ، فَإنَّ ذِكْرَ الشُّهُودِ أوَّلًا يَدُلُّ عَلى عَدَمِهِ ثانِيًا وذِكْرَ الإكْمالِ لِأجْلِ الغَمامِ ثانِيًا يَدُلُّ عَلى الصَّحْوِ أوَّلًا.

ولَمّا كانَ العَظِيمُ إذا يَسُرَ أمْرُهُ كانَ ذَلِكَ أجْدَرَ بِتَعْظِيمِهِ قالَ: ﴿ولِتُكَبِّرُوا﴾ والتَّكْبِيرُ إشْرافُ القَدْرِ أوِ المِقْدارِ حِسًّا أوْ مَعْنًى - قالَهُ الحَرالِيُّ. وقَرَنَ بِهِ الِاسْمَ الأكْبَرَ لِاقْتِضاءِ المَقامِ لَهُ فَقالَ: ﴿اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي تَقِفُ الأفْهامُ خاسِئَةً دُونَ جَلالِهِ وتَخْضَعُ الأعْناقُ لِسُبُوغِ جَمالِهِ لِتَعْتَقِدُوا عَظَمَتَهُ بِقُلُوبِكم وتَذْكُرُوها بِألْسِنَتِكم في العِيدِ وغَيْرِهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أحْرى بِدَوامِ الخُضُوعِ مِنَ القُلُوبِ.

قالَ الحَرالِيُّ: وفِيهِ إشارَةٌ إلى ما يَحْصُلُ لِلصّائِمِ بِصَفاءِ باطِنِهِ مِن شُهُودِ ما يُلِيحُ لَهُ أثَرَ صَوْمِهِ مِن هِلالِ نُورِهِ العَلِيِّ، فَكَما كَبَّرَ في ابْتِداءِ الشَّهْرِ لِرُؤْيَةِ الهِلالِ يُكَبِّرُ في انْتِهائِهِ لِرُؤْيَةِ باطِنِهِ مَرْأًى مِن هِلالِ نُورِ رَبِّهِ، فَكانَ عَمَلُ ذَلِكَ هو صَلاةَ ضَحْوَةِ يَوْمِ العِيدِ، وأُعْلِنَ فِيها بِالتَّكْبِيرِ وكُرِّرَ (p-٦٥)لِذَلِكَ، وجُعِلَ في بَراحٍ مِن مُتَّسَعِ الأرْضِ لِمَقْصِدِ التَّكْبِيرِ لِأنَّ تَكْبِيرَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى إنَّما هو بِما جَلَّ مِن مَخْلُوقاتِهِ، فَكانَ في لَفْظِهِ إشْعارٌ لِما أظْهَرَتْهُ السُّنَّةُ مِن صَلاةِ العِيدِ عَلى اخْتِصاصِها بِتَكْبِيرِ الرَّكْعَتَيْنِ والجَهْرِ لِمَقْصِدِ مُوافَقَةِ مَعْنى التَّكْبِيرِ الَّذِي إنَّما يَكُونُ عَلَنًا - انْتَهى.

ومِن أعْظَمِ أسْرارِهِ أنَّهُ لَمّا كانَ العِيدُ مَحَلَّ فَرَحٍ وسُرُورٍ وكانَ مِن طَبْعِ النَّفْسِ تَجاوُزُ الحُدُودِ لِما جُبِلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الشَّرَهِ تارَةً غَفْلَةً وتارَةً بَغْيًا أمَرَ فِيهِ بِهِ لِيُذْهِبَ مِن غَفْلَتِها ويَكْسِرَ مِن سَوْرَتِها، ولَمّا كانَ لِلْوَتْرِيَّةِ أثَرٌ عَظِيمٌ في التَّذْكِيرِ بِالوَتْرِ الصَّمَدِ الواحِدِ الأحَدِ وكانَ لِلسَّبْعَةِ مِنها مَدْخَلٌ عَظِيمٌ في الشَّرْعِ جَعَلَ تَكْبِيرَ صَلاتِهِ وِتْرًا وجَعَلَ سَبْعًا في الأُولى لِذَلِكَ وتَذْكِيرًا بِأعْمالِ الحَجِّ السَّبْعَةِ مِنَ الطَّوافِ والسَّعْيِ والجِمارِ (p-٦٦)تَشْوِيقًا إلَيْها لِأنَّ النَّظَرَ إلى العِيدِ الأكْبَرِ أكْثَرَ وتَذْكِيرًا بِخالِقِ هَذا الوُجُودِ بِالتَّفَكُّرِ في أفْعالِهِ المَعْرُوفَةِ مِن خَلْقِ السَّماواتِ السَّبْعِ والأرْضِينَ السَّبْعِ وما فِيهِما في الأيّامِ السَّبْعِ لِأنَّهُ خَلَقَهُما في سِتَّةٍ وخَلَقَ آدَمَ في اليَوْمِ السّابِعِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، ولَمّا جَرَتْ عادَةُ الشّارِعِ بِالرِّفْقِ بِهَذِهِ الأُمَّةِ ومِنهُ تَخْفِيفُ الثّانِيَةِ عَلى الأُولى وكانَتِ الخَمْسَةُ أقْرَبَ وِتْرًا إلى السَّبْعَةِ مِن دُونِها جَعَلَ تَكْبِيرَ الثّانِيَةِ خَمْسًا لِذَلِكَ، ولِأنَّهُ لَمّا اسْتُحْضِرَتْ عَظَمَةُ الخالِقِ بِإشارَةِ الأُولى لِلْعِلْمِ بِأنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِالعَظَمَةِ والقَهْرِ والمُلْكِ بِجَمِيعِ الأمْرِ فَأقْبَلَتِ القُلُوبُ إلَيْهِ وقَصَرَتِ الهِمَمُ عَلَيْهِ أُشِيرَ بِتَكْبِيرِ الثّانِيَةِ إلى عِبادَتِهِ بِالإسْلامِ المَبْنِيِّ عَلى الدَّعائِمِ الخَمْسِ وخُصُوصًا بِأعْظَمِ دَعائِمِهِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى المُوَفِّقُ.

ولَمّا كانَتِ الهِدايَةُ تُطْلَقُ تارَةً عَلى مُجَرَّدِ البَيانِ وتارَةً عَلَيْهِ مَعَ الحَمْلِ عَلى لُزُومِ المُبَيَّنِ وكانَ تَخْفِيفُ المَأْمُورِ بِهِ وتَسْهِيلُهُ أعْوَنَ عَلى لُزُومِهِ قالَ: ﴿عَلى﴾ أيْ حامِدِينَ لَهُ عَلى ﴿ما هَداكُمْ﴾ أيْ يَسَّرَ لَكم مِن شَرائِعِ (p-٦٧)هَذا الدِّينِ فَهَيَّأكم لِلُزُومِها ودَوامِ التَّمَسُّكِ بِعُراها، ولَعَلَّ هَذا سِرُّ الِاهْتِمامِ بِالصِّيامِ مِنَ الخاصِّ والعامِّ حَتّى لا يَكادَ أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يُخِلُّ بِهِ إلّا نادِرًا - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى المُوَفِّقُ.

وقالَ الحَرالِيُّ: إنَّ الهِدايَةَ إشارَةٌ إلى تِلْكَ المَوْجِدَةِ الَّتِي يَجِدُها الصّائِمُ وما يَشْهَدُهُ اللَّهُ مِن بَرَكاتِهِ مِن رُؤْيَةِ لَيْلَةِ القَدْرِ بِكَشْفٍ خاصٍّ لِأهْلِ الخَلْوَةِ أوْ آياتٍ بَيِّنَةٍ لِأهْلِ التَّبْصِرَةِ أوْ بِآيَةٍ بادِيَةٍ لِأهْلِ المُراقَبَةِ كُلًّا عَلى حُكْمٍ وجَدَهُ مِنِ اسْتِغْراقِ تَماسُكِهِ وخَلْوَتِهِ واسْتِغْراقِ ذِكْرِهِ في صَوْمِهِ، فَأعْظَمُ الهُدى هُدى المَرْءِ لِأنْ يَذْبُلَ جِسْمُهُ ونَفْسُهُ وتَفْنى ذاتُهُ في حَقِّ رَبِّهِ، كَما يَقُولُ: «يَدَعُ طَعامَهُ وشَرابَهُ مِن أجْلِي» فَكُلُّ عَمَلٍ فِعْلٌ وثَبْتٌ إلّا الصَّوْمَ فَإنَّهُ مَحْوٌ وفَقْدٌ، فَناسَبَ تَحْقِيقَ ما هو الإسْلامُ والتَّقْوى مِن إلْقاءِ مِنَّةِ الظّاهِرِ وقُوَّةِ الباطِنِ - انْتَهى.

ولَمّا كانَ الشُّكْرُ صَرْفَ ما أنْعَمَهُ المُنْعِمُ في طاعَتِهِ وكانَ العَمَلُ إذا خَفَّ أقْرَبَ إلى لُزُومِ الطّاعَةِ بِلُزُومِهِ ولَوْ ثَقُلَ لَأوْشَكَ أنْ يَعْصِيَ بِتَرْكِهِ قالَ: ﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ أيْ ولِتَكُونُوا في حالَةٍ يُرْجى (p-٦٨)مَعَها لُزُومُ الطّاعَةِ واجْتِنابُ المَعْصِيَةِ.

وقالَ الحَرالِيُّ: فِيهِ تَصْنِيفٌ في الشُّكْرِ نِهايَةً كَما كانَ فِيهِ تَصْنِيفٌ لِلتَّقْوى بِدايَةً، كَما قالَ: ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] فَمَن صَحَّ لَهُ التَّقْوى ابْتِداءً صَحَّ مِنهُ الشُّكْرُ انْتِهاءً؛ وفي إشْعارِهِ إعْلامٌ بِإظْهارِ نِعْمَةِ اللَّهِ وشُكْرِ الإحْسانِ الَّذِي هو مَضْمُونُ فَرْضِ زَكاةِ الفِطْرِ عَنْ كُلِّ صائِمٍ وعَمَّنْ يُطْعِمُهُ الصّائِمُ، فَكانَ في الشُّكْرِ إخْراجَهُ فِطْرَهُ بِخَتْمِ صَوْمِهِ واسْتِقْبالِ فِطْرِهِ بِأمْرِ رَبِّهِ وإظْهارِ شُكْرِهِ بِما خَوَّلَهُ مِن إطْعامِ عَيْلَتِهِ، فَلِذَلِكَ جَرَتْ فِيمَن يَصُومُ وفِيمَن يَعُولُهُ الصّائِمُ - انْتَهى.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English