Аль-БикаиАль‑Бакара · 2:219–225

Аль-Бикаи · Тафсир · на арабском

Аль-Бакара 2:219–225, продолжение

وفِي تَخْصِيصِ المُنْفِقِ بِالعَفْوِ مَنعٌ (p-٢٦٢)لِمُتَعاطِي الخَمْرِ قَبْلَ حُرْمَتِها مِنَ التَّصَرُّفِ، إذْ كانَ الأغْلَبُ أنْ تَكُونَ تَصَرُّفاتُهُ لا عَلى هَذا الوَجْهِ، لِأنَّ حالَةَ السُّكْرِ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِها والتَّصَرُّفَ فِيها يُعَقِّبُ في الأغْلَبِ عِنْدَ الإفاقَةِ أسَفًا وكَذا المَيْسِرُ بَلْ هو أغْلَظُ. ولَعَلَّ تَأْخِيرَ بَيانِ أنَّ المَحْثُوثَ عَلَيْهِ مِنَ النَّفَقَةِ إنَّما هو الفَضْلُ إلى هَذا المَحَلِّ لِيَحْمِلَ أهْلُ الدِّينِ الرَّغْبَةَ فِيهِ مَعَ ما كانُوا فِيهِ مِنَ الضِّيقِ عَلى الإيثارِ عَلى النَّفْسِ مِن غَيْرِ أمْرٍ بِهِ رَحْمَةً لَهُمْ، ومِن أعْظَمِ المُلَوِّحاتِ إلى ذَلِكَ أنَّ في بَعْضِ الآياتِ الذّاكِرَةِ لَهُ فِيما سَلَفَ ﴿وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] قالَ الأصْبَهانِيُّ: قالَ أهْلُ التَّفْسِيرِ: كانَ الرَّجُلُ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ إذا كانَ لَهُ ذَهَبٌ أوْ فِضَّةٌ أوْ زَرْعٌ أوْ ضَرْعٌ يَنْظُرُ ما يَكْفِيهِ وعِيالَهُ لِنَفَقَةِ سَنَةٍ أمْسَكَهُ وتَصَدَّقَ بِسائِرِهِ، فَإنْ كانَ مِمَّنْ يَعْمَلُ بِيَدِهِ أمْسَكَ ما يَكْفِيهِ وعِيالَهُ يَوْمَهُ ذَلِكَ وتَصَدَّقَ بِالباقِي حَتّى نَزَلَتْ آيَةُ الزَّكاةِ فَنَسَخَتْها هَذِهِ الآيَةُ.

لَمّا بَيَّنَ الأحْكامَ الماضِيَةَ في هَذِهِ السُّورَةِ أحْسَنَ بَيانٍ وفَصَّلَ ما قَصَّ مِن جَمِيعِ ما أرادَ أبْدَعَ تَفْصِيلٍ لا سِيَّما أمْرَ النَّفَقَةِ فَإنَّها بَيَّنَها مَعَ أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا في أنْواعٍ مِنَ البَيانِ عَلى غايَةِ الحِكْمَةِ والإتْقانِ كانَ مَوْضِعَ سُؤالٍ: هي يُبَيِّنُ لَنا رَبُّنا غَيْرَ هَذا مِنَ الآياتِ كَهَذا البَيانِ؟ فَقالَ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلَ ما مَضى مِن هَذا البَيانِ العَلِيِّ الرُّتْبَةِ (p-٢٦٣)البَعِيدِ المَنالِ عَنْ مَنازِلِ الأرْذالِ ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ﴾ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ ﴿لَكُمُ﴾ جَمِيعَ ﴿الآياتِ﴾

قالَ الحَرالِيُّ: فَجَمَعَها لِأنَّها آياتٌ مِن جِهاتٍ مُخْتَلِفاتٍ لِما يَرْجِعُ لِأمْرِ القَلْبِ ولِلنَّفْسِ ولِلْجِسْمِ ولِحالِ المَرْءِ مَعَ غَيْرِهِ - انْتَهى.

وأفْرَدَ الخِطابَ أوَّلًا وجَمَعَ ثانِيًا إعْلامًا بِعَظَمَةِ هَذا القَوْلِ لِلْإقْبالِ بِهِ عَلى الرَّأْسِ، وإيماءً إلى أنَّهُ ﷺ قَدِ امْتَلَأ عِلْمًا مِن قَبْلِ هَذا بِحَيْثُ لا يَحْتاجُ إلى زِيادَةٍ وأنَّ هَذا البَيانَ إنَّما هو لِلْأتْباعِ يَتَفَهَّمُونَهُ عَلى مَقادِيرِ أفْهامِهِمْ وهِمَمِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ تَمَّ بِكَذَلِكَ أيِ البَيانِ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ ما بَعْدَهُ فَيَكُونُ البَيانُ مَذْكُورًا مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً في خِطابِهِ تَلْوِيحًا، وأُخْرى في خِطابِهِمْ تَصْرِيحًا؛ أوْ يُقالُ: أشارَ إلى عُلُوِّ الخِطابِ بِالإفْرادِ وإلى عُمُومِهِ بِالجَمْعِ انْتَهى.

﴿لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ﴾ أيْ لِتَكُونُوا عَلى حالَةٍ يُرْجى لَكم مَعَها التَّفَكُّرُ، وهو طَلَبُ الفِكْرِ وهو يَدُ النَّفْسِ الَّتِي تُنالُ بِها المَعْلُوماتُ كَما تُنالُ بِيَدِ الجِسْمِ المَحْسُوساتُ - قالَهُ الحَرالِيُّ.

2:220Страница 35

فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۗ وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡيَتَٰمَىٰۖ قُلۡ إِصۡلَاحٞ لَّهُمۡ خَيۡرٞۖ وَإِن تُخَالِطُوهُمۡ فَإِخۡوَٰنُكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ ٱلۡمُفۡسِدَ مِنَ ٱلۡمُصۡلِحِۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَعۡنَتَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٢٢٠

над этим миром и Последней жизнью. Они спрашивают тебя о сиротах. Скажи: «Делать им добро - хорошо. Если вы объедините свои дела, то ведь они - ваши братья. Аллах отличает распространяющего нечестие от творящего добро. Если бы Аллах захотел, то поставил бы вас в затруднительное положение. Воистину, Аллах - Могущественный, Мудрый».

ولَمّا كانَ البَيانُ مِن أوَّلِ السُّؤالِ إلى هُنا قَدْ شُفِيَ في أُمُورِ (p-٢٦٤)الدّارَيْنِ وكَفى وأوْضَحَ ثَمَراتِ كُلٍّ مِنهُما وكانَ العَرَبُ يُنْكِرُونَ الآخِرَةَ ساقَ ذِكْرَها مَساقَ ما لا نِزاعَ فِيهِ لِكَثْرَةِ ما دَلَّ عَلَيْها فَقالَ: ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ أيْ في أُمُورِهِما فَتَعْلَمُوا بِما فَتَحَ اللَّهُ لَكم سُبْحانَهُ وتَعالى مِنَ الأبْوابِ وما أصِلُ لَكم مِنَ الأُصُولِ ما هو صالِحٌ وما هو أصْلَحُ وما هو شَرٌّ وما هو أشَرُّ لِتَفْعَلُوا الخَيْرَ وتَتَّقُوا الشَّرَّ فَيَؤُولُ بِكم ذَلِكَ إلى فَوْزِ الدّارَيْنِ.

ولَمّا كانَ العَفْوُ غَيْرَ مَقْصُورٍ عَلى المالِ بَلْ يَعُمُّ القُوى البَدَنِيَّةَ والعَقْلِيَّةَ وكانَ النَّفْعُ لِلْيَتِيمِ مِن أجَلِّ ما يُرْشِدُ إلَيْهِ التَّفَكُّرُ في أُمُورِ الآخِرَةِ وكانَ الجِهادُ مِن أسْبابِ القَتْلِ المُوجِبِ لِلْيُتْمِ وكانُوا يَلُونُ يَتاماهم فَنَزَلَ التَّحْرِيجُ الشَّدِيدُ في أكْلِ أمْوالِهِمْ فَجانَبُوهم واشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ سَألُوا عَنْهم فَأفْتاهم سُبْحانَهُ وتَعالى فِيهِمْ ونَدَبَهم إلى مُخالَطَتِهِمْ عَلى وجْهِ الإصْلاحِ الَّذِي لا يَكُونُ لِمَن يَتَعاطى الخَمْرَ والمَيْسِرَ فَقالَ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى﴾ (p-٢٦٥)أيْ في وِلايَتِهِمْ لَهم وعَمَلِهِمْ في أمْوالِهِمْ وأكْلِهِمْ مِنها ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يَعْسُرُ حَصْرُهُ؛ وأمَرَهُ بِالجَوابِ بِقَوْلِهِ:﴿قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ﴾ أيْ مِن تَرْكِهِ، ولا يَخْفى الإصْلاحُ عَلى ذِي لُبٍّ فَجَمَعَ بِهَذا الكَلامِ (p-٢٦٦)اليَسِيرِ المَضْبُوطِ بِضابِطِ العَقْلِ الَّذِي أقامَهُ تَعالى حُجَّةً عَلى خَلْقِهِ ما لا يَكادُ يُعَدُّ، وفي قَوْلِهِ: ﴿لَهُمْ﴾ ما يُشْعِرُ بِالحَثِّ عَلى تَخْصِيصِهِمْ بِالنَّظَرِ في أحْوالِهِمْ ولَوْ أدّى ذَلِكَ إلى مَشَقَّةٍ عَلى الوَلِيِّ.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ مَعَ مُجانَبَتِهِمْ وكانُوا قَدْ يَرْغَبُونَ في نِكاحِ يَتِيماتِهِمْ قالَ: ﴿وإنْ تُخالِطُوهُمْ﴾ أيْ بِنِكاحٍ أوْ غَيْرِهِ لِيَصِيرَ النَّظَرُ في الصَّلاحِ مُشْتَرَكًا بَيْنَكم وبَيْنَهُمْ، لِأنَّ المَصالِحَ صارَتْ كالواحِدَةِ.

قالَ الحَرالِيُّ: وهي رُتْبَةٌ دُونَ الأُولى، والمُخالَطَةُ مُفاعَلَةٌ مِنَ الخُلْطَةِ وهي إرْسالُ الأشْياءِ الَّتِي شَأْنُها الِانْكِفافُ بَعْضَها في بَعْضٍ كَأنَّهُ رَفَعَ التَّحاجُزَ بَيْنَ ما شَأْنُهُ ذَلِكَ ﴿فَإخْوانُكُمْ﴾ جَمْعُ أخٍ وهو النّاشِئُ مَعَ أخِيهِ مِن مَنشَأٍ واحِدٍ عَلى السَّواءِ بِوَجْهٍ ما - انْتَهى.

أيْ فَعَلَيْكم مِن مُناصَحَتِهِمْ ما يَقُودُكُمُ الطَّبْعُ إلَيْهِ مِن مُناصَحَةِ الإخْوانِ ويَحِلُّ لَكم مِنَ الأكْلِ مِن أمْوالِهِمْ بِالمَعْرُوفِ وما يَحِلُّ مِن أمْوالِ إخْوانِكُمْ؛ قالَتْ عائِشَةُ (p-٢٦٧)رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: إنِّي لَأكْرَهُ أنْ يَكُونَ مالُ اليَتِيمِ عِنْدِي كالغُدَّةِ حَتّى أخْلِطَ طَعامَهُ بِطَعامِي وشَرابِهِ بِشَرابِي.

قالُوا: وإذا كانَ هَذا في أمْوالِ اليَتامى واسِعًا كانَ في غَيْرِهِمْ أوْسَعَ، وهو أصْلٌ شاهِدٌ لِما يَفْعَلُهُ الرِّفاقُ في الأسْفارِ، يُخْرِجُونَ النَّفَقاتِ بِالسَّوِيَّةِ ويَتَبايَنُونَ في قِلَّةِ المَطْعَمِ وكَثْرَتِهِ - نَقَلَهُ الأصْبَهانِيُّ.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ مِمّا قَدْ يَدْخُلُ فِيهِ الشَّرُّ الَّذِي يَظْهَرُ فاعِلُهُ أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ إلّا الخَيْرَ وعَكْسُهُ قالَ مُرَغِّبًا مُرَهِّبًا: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ ﴿يَعْلَمُ﴾ أيْ في كُلِّ حَرَكَةٍ وسُكُونٍ.

ولَمّا كانَ الوَرَعُ مَندُوبًا إلَيْهِ مَحْثُوثًا عَلَيْهِ لا سِيَّما في أمْرِ اليَتامى فَكانَ التَّحْذِيرُ بِهَذا المَقامِ أوْلى قالَ: ﴿المُفْسِدَ﴾ أيِ الَّذِي الفَسادُ صِفَةٌ لَهُ ﴿مِنَ المُصْلِحِ﴾ فاتَّقُوا اللَّهَ في جَمِيعِ الأُمُورِ ولا تَجْعَلُوا خُلْطَتَكم إيّاهم ذَرِيعَةً إلى أكْلِ أمْوالِهِمْ.

ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا لا يَكُونُ في بابِهِ أمْرٌ أصْلَحُ مِنهُ ولا أيْسَرُ مَنَّ عَلَيْهِمْ بِشَرْعِهِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ﴾ أيْ بِعَظَمَةِ كَمالِهِ (p-٢٦٨)﴿لأعْنَتَكُمْ﴾ أيْ كَلَّفَكم في أمْرِهِمْ وغَيْرِهِ ما يَشُقُّ عَلَيْكم مَشَقَّةً لا تُطاقُ فَحَدَّ لَكم حُدُودًا وعَيَّنَها يَصْعُبُ الوُقُوفُ عِنْدَها وألْزَمَكم لَوازِمَ يَعْسُرُ تَعاطِيها، مِنَ الإعْناتِ وهو إيقاعُ العَنَتِ وهو أسْوَأُ الهَلاكِ الَّذِي يَفْحُشُ نَعْتُهُ - قالَهُ الحَرالِيُّ.

ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكَ الأعْظَمَ ﴿عَزِيزٌ﴾ يَقْدِرُ عَلى ما يُرِيدُ ﴿حَكِيمٌ﴾ يُحْكِمُهُ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى نَقْضِ شَيْءٍ مِنهُ.

2:221Страница 35

وَلَا تَنكِحُواْ ٱلۡمُشۡرِكَٰتِ حَتَّىٰ يُؤۡمِنَّۚ وَلَأَمَةٞ مُّؤۡمِنَةٌ خَيۡرٞ مِّن مُّشۡرِكَةٖ وَلَوۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡۗ وَلَا تُنكِحُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤۡمِنُواْۚ وَلَعَبۡدٞ مُّؤۡمِنٌ خَيۡرٞ مِّن مُّشۡرِكٖ وَلَوۡ أَعۡجَبَكُمۡۗ أُوْلَٰٓئِكَ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلنَّارِۖ وَٱللَّهُ يَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱلۡجَنَّةِ وَٱلۡمَغۡفِرَةِ بِإِذۡنِهِۦۖ وَيُبَيِّنُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ٢٢١

Не женитесь на язычницах, пока они не уверуют. Безусловно, верующая невольница лучше язычницы, даже если она понравилась вам. Не выдавайте мусульманок замуж за язычников, пока они не уверуют. Безусловно, верующий невольник лучше язычника, даже если он понравился вам. Они зовут к Огню, а Аллах зовет к Раю и прощению со Своего соизволения. Он разъясняет людям Свои знамения, - быть может, они помянут назидание.

ولَمّا ذَكَرَ تَعالى فِيما مَرَّ حِلَّ الجِماعِ في لَيْلِ الصِّيامِ وأتْبَعَ ذَلِكَ مِن أمْرِهِ ما أرادَ إلى أنْ ذَكَرَ المُخالَطَةَ عَلى وجْهٍ يَشْمَلُ النِّكاحَ في سِياقٍ مانِعٍ مَعَ الفَسادِ داعٍ إلى (p-٢٦٩)الصَّلاحِ وخَتَمَ بِوَصْفِ الحِكْمَةِ ولَمّا كانَ النِّكاحُ مِن مُعْظَمِ المُخالَطَةِ في النَّفَقَةِ وغَيْرِها وكانَ الإنْسانُ جَهُولًا تَوَلّى سُبْحانَهُ وتَعالى بِحِكْمَتِهِ تَعْرِيفَهُ ما يَصْلُحُ لَهُ وما لا يَصْلُحُ مِن ذَلِكَ، وأخَّرَ أمْرَ النِّكاحِ عَنْ بَيانِ ما ذَكَرَ مَعَهُ مِنَ الأكْلِ والشُّرْبِ في لَيْلِ الصِّيامِ لِأنَّ الضَّرُورَةَ إلَيْهِما أعْظَمُ، وقَدَّمَهُ في آيَةِ الصِّيامِ لِأنَّ النَّفْسَ إلَيْهِ أمْيَلُ فَقالَ عاطِفًا عَلى ما دَلَّ العَطْفُ عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ عَلى أنَّ تَقْدِيرَهُ: فَخالِطُوهم وأنْكِحُوا مَن تَلُونَهُ مِنَ اليَتِيماتِ عَلى وجْهِ الإصْلاحِ إنْ أرَدْتُمْ ﴿ولا تَنْكِحُوا﴾ (p-٢٧٠)

قالَ الحَرالِيُّ: مِمّا مِنهُ النِّكاحُ وهو إيلاجُ نَهْدٍ في فَرْجٍ لِيَصِيرا بِذَلِكَ كالشَّيْءِ الواحِدِ - انْتَهى.

وهَذا أصْلُهُ لُغَةً، والمُرادُ هُنا العَقْدُ لِأنَّهُ اسْتُعْمِلَ في العَقْدِ في الشَّرْعِ وكَثُرَ اسْتِعْمالُهُ فِيهِ وغَلَبَ حَتّى صارَ حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً فَهو في الشَّرْعِ حَقِيقَةٌ في العَقْدِ مَجازٌ في الجِماعِ وفي اللُّغَةِ بِالعَكْسِ وسَيَأْتِي عِنْدَ ﴿حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] عَنِ الفارِسِيِّ قَرِينَةٌ يُعْرَفُ بِها مُرادُ أهْلِ اللُّغَةِ ﴿المُشْرِكاتِ﴾ أيِ الوَثَنِيّاتُ، والأكْثَرُ عَلى أنَّ الكِتابِيّاتِ مِمّا شَمِلَتْهُ الآيَةُ ثُمَّ خُصَّتْ بِآيَةِ ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] ﴿حَتّى يُؤْمِنَّ﴾ فَإنَّ المُشْرِكاتِ شَرٌّ مَحْضٌ ﴿ولأمَةٌ﴾ رَقِيقَةٌ ﴿مُؤْمِنَةٌ﴾ لِأنَّ نَفْعَ الإيمانِ أمْرٌ دِينِيٌّ (p-٢٧١)يَرْجِعُ إلى الآخِرَةِ الباقِيَةِ ﴿خَيْرٌ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّنْزِيلِ ﴿مِن مُشْرِكَةٍ﴾ حُرَّةٍ ﴿ولَوْ أعْجَبَتْكُمْ﴾ أيِ المُشْرِكَةِ لِأنَّ نَفْعَ نَسَبِها ومالِها وجَمالِها يَرْجِعُ إلى الدُّنْيا الدَّنِيَّةِ الفانِيَةِ.

قالَ الحَرالِيُّ: فانْتَظَمَتْ هَذِهِ الآياتُ في تَبْيِينِ خَيْرِ الخَيْرَيْنِ وتَرْجِيحِ أمْرِ الغَيْبِ في أمْرِ الدِّينِ والعُقْبى في أدْنى الإماءِ مِنَ المُؤْمِناتِ خَلْقًا وكَوْنًا وظاهِرَ صُورَةٍ عَلى حالِ العَيْنِ في أمْرِ العاجِلَةِ مِنَ الدُّنْيا في أعْلى الحَرائِرِ مِنَ المُشْرِكاتِ خُلُقًا وظاهِرَ صُورَةٍ وشَرَفَ بَيْتٍ - انْتَهى.

﴿ولا تَنْكِحُوا﴾ أيُّها الأوْلِياءُ (p-٢٧٢)﴿المُشْرِكِينَ﴾ أيِ الكُفّارَ بِأيِّ كُفْرٍ كانَ شَيْئًا مِنَ المُسَلَّماتِ ﴿حَتّى يُؤْمِنُوا﴾ فَإنَّ الكُفّارَ شَرٌّ مَحْضٌ ﴿ولَعَبْدٌ﴾ أيْ مَمْلُوكٌ ﴿مُؤْمِنٌ خَيْرٌ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّنْزِيلِ ﴿مِن مُشْرِكٍ﴾ حُرٍّ ﴿ولَوْ أعْجَبَكُمْ﴾ أيِ المُشْرِكُ وأفْهَمَ هَذا خَيْرِيَّةَ الحُرَّةِ والحُرِّ المُؤْمِنَيْنِ مِن بابِ الأوْلى مَعَ التَّشْرِيفِ العَظِيمِ لَهُما بِتَرْكِ ذِكْرِهِما إعْلامًا بِأنَّ خَيْرِيَّتَهُما أمْرٌ مَقْطُوعٌ بِهِ لا كَلامَ فِيهِ وأنَّ المُفاضَلَةَ إنَّما هي بَيْنَ مَن كانُوا يُعِدُّونَهُ دُنْيا فَشَرَّفَهُ الإيمانُ ومَن يَعُدُّونَهُ شَرِيفًا فَحَقَّرَهُ الكُفْرانُ، وكَذَلِكَ ذَكَرَ المَوْصُوفَ بِالإيمانِ في المَوْضِعَيْنِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّهُ وإنْ كانَ دُنْيا مَوْضِعِ التَّفْضِيلِ لِعُلُوِّ وصْفِهِ، وأثْبَتَ الوَصْفَ بِالشِّرْكِ في المَوْضِعَيْنِ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ لِأنَّهُ مَوْضِعُ التَّحْقِيرِ وإنْ عَلا في العُرْفِ مَوْصُوفُهُ.

ولَمّا كانَتْ مُخالَطَةُ أهْلِ الشِّرْكِ مَظِنَّةَ الفَسادِ الَّذِي رُبَّما أدّى إلى التَّهاوُنِ بِالدِّينِ فَرُبَّما دَعا الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ إلى الكُفْرِ فَقادَهُ المَيْلُ إلى (p-٢٧٣)اتِّباعِهِ قالَ مُنَبِّهًا عَلى ذَلِكَ ومُعَلِّلًا لِهَذا الحُكْمِ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ الَّذِينَ هم أهْلٌ لِلْبُعْدِ مَن كُلِّ خَيْرٍ ﴿يَدْعُونَ إلى النّارِ﴾ أيِ الأفْعالِ المُؤَدِّيَةِ إلَيْها ولا بُدَّ فَرُبَّما أدّى الحُبُّ الزَّوْجَ المُسْلِمَ إلى الكُفْرِ ولا عِبْرَةَ بِاحْتِمالِ تَرْكِ الكافِرِ لِلْكُفْرِ وإسْلامِهِ مُوافَقَةً لِلزَّوْجِ المُسْلِمِ لِأنَّ دَرْءَ المَفاسِدِ مُقَدَّمٌ؛ وسَيَأْتِي في المائِدَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥] لِذَلِكَ مَزِيدُ بَيانٍ.

ولَمّا رَهَّبَ مِن أهْلِ الشِّرْكِ حَثًّا عَلى البُغْضِ فِيهِ رَغَّبَ في الإقْبالِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالإقْبالِ عَلى أوْلِيائِهِ بِالحُبِّ فِيهِ وبِغَيْرِ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿واللَّهُ﴾ أيْ بِعِزِّ جَلالِهِ وعَظَمَةِ كَمالِهِ ﴿يَدْعُو﴾ أيْ بِما يَأْمُرُ بِهِ ﴿إلى الجَنَّةِ﴾ أيِ الأفْعالِ المُؤَدِّيَةِ إلَيْها.

ولَمّا كانَ رُبَّما لا يُوَصِّلُ إلى الجَنَّةِ إلّا بَعْدَ القِصاصِ قالَ: ﴿والمَغْفِرَةِ﴾ أيْ إلى أنْ يَفْعَلُوا ما يُؤَدِّي إلى أنْ يَغْفِرَ لَهم ويُهَذِّبَ نُفُوسَهم بِحَيْثُ يَصِيرُونَ إلى حالَةِ سَنِيَّةٍ (p-٢٧٤)يَغْفِرُونَ فِيها لِلنّاسِ ما أتَوْا إلَيْهِمْ. ولَمّا كانَ الدُّعاءُ قَدْ يَكُونُ بِالحَمْلِ عَلى الشَّيْءِ وقَدْ يَكُونُ بِالبَيانِ بِحَيْثُ يَصِيرُ المَدْعُوُّ إلَيْهِ مُتَهَيِّئًا لِلْوُصُولِ إلَيْهِ قالَ: ﴿بِإذْنِهِ﴾ أيْ بِتَمْكِينِهِ مِن ذَلِكَ لِمَن يُرِيدُ سَعادَتَهُ ﴿ويُبَيِّنُ آياتِهِ﴾ في ذَلِكَ وفي غَيْرِهِ ﴿لِلنّاسِ﴾ كافَّةً مَن أرادَ سَعادَتَهُ وغَيْرَهُ ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ أيْ لِيَكُونُوا عَلى حالَةٍ يَظْهَرُ لَهم بِها بِما خَلَقَ لَهم رَبُّهم مِنَ الفَهْمِ وما طَبَعَ في أنْفُسِهِمْ مِنَ الغَرائِزِ حُسْنُ ما دَعاهم إلَيْهِ وقُبْحُ ما نَهاهم عَنْهُ غايَةَ الظُّهُورِ بِما أفْهَمَهُ الإظْهارُ.

2:222Страница 35

وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡمَحِيضِۖ قُلۡ هُوَ أَذٗى فَٱعۡتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلۡمَحِيضِ وَلَا تَقۡرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطۡهُرۡنَۖ فَإِذَا تَطَهَّرۡنَ فَأۡتُوهُنَّ مِنۡ حَيۡثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلۡمُتَطَهِّرِينَ ٢٢٢

Они спрашивают тебя о менструациях. Скажи: «Они причиняют страдания. Посему избегайте половой близости с женщинами во время менструаций и не приближайтесь к ним, пока они не очистятся. А когда они очистятся, то приходите к ним так, как повелел вам Аллах. Воистину, Аллах любит кающихся и любит очищающихся».

ولَمّا كانَ في ذِكْرِ هَذِهِ الآيَةِ رُجُوعٌ إلى تَتْمِيمِ ما أحَلَّ مِنَ الرَّفَثِ في لَيْلِ الصِّيامِ عَلى أحْسَنِ وجْهٍ تَلاها بِالسُّؤالِ عَنْ غَشَيانِ الحائِضِ ولَمّا كانَ في النِّكاحِ شائِبَةٌ لِلْجِماعِ تُثِيرُ لِلسُّؤالِ عَنْ أحْوالِهِ وشائِبَةٌ لِلنَّسِّ والِانْتِفاعِ تَفْتُرُ عَنْ ذَلِكَ كانَ نَظْمُ آيَةِ الحَرْثِ بِآيَةِ العَقْدِ بِطَرِيقِ العَطْفِ أنْسَبَ مِنهُ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ فَقالَ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ﴾ أيْ عَنْ نِكاحِ النِّساءِ فِيهِ مُخالَفَةٌ لِلْيَهُودِ.

قالَ الحَرالِيُّ: وهو (p-٢٧٥)مَفْعِلٌ مِنَ الحَيْضِ وهو مُعاهَدَةُ انْدِفاعِ الدَّمِ العَفِنِ الَّذِي هو في الدَّمِ بِمَنزِلَةِ البَوْلِ والعَذِرَةِ في فَضْلَتَيِ الطَّعامِ والشَّرابِ مِنَ الفَرَجِ ﴿قُلْ هو أذًى﴾ أيْ مُؤْذٍ لِلْجِسْمِ والنَّفْسِ لِأنَّ فِيهِ اخْتِلاطَ النُّطْفَةِ بِرَكْسِ الدَّمِ الفاسِدِ العَفِنِ - قالَهُ الحَرالِيُّ، وقالَ: حَتّى أنَّهُ يُقالُ إنَّ الَّتِي تُوطَأُ وهي حائِضٌ يَقَعُ في ولَدِها مِنَ الآفاتِ أنْواعٌ - انْتَهى.

ولِهَذا سَبَّبَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فاعْتَزِلُوا النِّساءَ﴾ أيْ كَلِّفُوا أنْفُسَكم تَرْكَ وِقاعِهِنَّ، مِنَ الِاعْتِزالِ وهو طَلَبُ العَزْلِ وهو الِانْفِرادُ عَمّا شَأْنُهُ الِاشْتِراكُ - قالَهُ الحَرالِيُّ.

﴿فِي المَحِيضِ﴾ أيْ زَمَنِهِ، وأظْهَرَهُ لِئَلّا يُلْبِسَ لَوْ أضْمَرَ بِأنَّ الضَّمِيرَ لِمُطْلَقِ المُرادِ بِالأذى مِنَ الدَّمِ فَيَشْمَلُ الِاسْتِحاضَةَ وهي دَمٌ صالِحٌ يَسِيلُ مِن عِرْقٍ يَنْفَجِرُ مِن عُنُقِ الرَّحِمِ فَلا يَكُونُ أذًى كالحَيْضِ الَّذِي هو دَمٌ فاسِدٌ يَتَوَلَّدُ مِن طَبِيعَةِ المَرْأةِ مِن طَرِيقِ الرَّحِمِ ولَوِ احْتَبَسَ لَمَرِضَتِ المَرْأةُ، فَهو كالبَوْلِ والغائِطِ فَيَحِلُّ الوَطْءُ مَعَهُ دُونَ الحَيْضِ لِإسْقاطِ العُسْرِ - قالَهُ الإمامُ.

﴿ولا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ أيْ في مَحَلِّ الإتْيانِ بِجِماعٍ ولا مُباشَرَةٍ في ما دُونَ الإزارِ وإنَّما تَكُونُ المُباشَرَةُ في ما عَلا عَنِ الإزارِ ﴿حَتّى﴾ ولَمّا كانَ فِيهِ ما أُشِيرَ إلَيْهِ (p-٢٧٦)مِنَ الرَّكْسِ قالَ: ﴿يَطْهُرْنَ﴾ أيْ بِانْقِطاعِهِ وذَهابِ إبّانِهِ والغُسْلِ مِنهُ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى إرادَةِ ذَلِكَ مَعَ قِراءَةِ التَّشْدِيدِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا تَطَهَّرْنَ﴾ أيِ اغْتَسَلْنَ، فالوَطْءُ لَهُ شَرْطانِ: الِانْقِطاعُ والِاغْتِسالُ ورُبَّما دَلَّتْ قِراءَةُ التَّخْفِيفِ عَلى جَوازِ القُرْبانِ لا الإتْيانِ وذَلِكَ بِالمُباشَرَةِ فِيما سَفَلَ عَنِ الإزارِ ﴿فَأْتُوهُنَّ﴾ أيْ جِماعًا وخُلْطَةً مُبْتَدِئِينَ ﴿مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ، وهو القُبُلُ عَلى أيِّ حالَةٍ كانَ ذَلِكَ؛ ولَمّا دَلَّ ما في السِّياقِ مِن تَأْكِيدٍ عَلى أنَّ بَعْضَهم عَزَمَ أوْ أحَبَّ أنْ يَفْعَلَ بَعْضَ ما تَقَدَّمَ النَّهْيُ عَنْهُ عَلَّلَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ (p-٢٧٧)مُكَرِّرًا الِاسْمَ الأعْظَمَ تَعْظِيمًا لِلْمَقامِ ولَمْ يُضْمِرْهُ إعْلامًا بِأنَّ هَذا حُكْمٌ عامٌّ لِما يَقَعُ مِن هَفْوَةٍ بِسَبَبِ الحَيْضِ أوْ غَيْرِهِ ﴿يُحِبُّ﴾ أيْ بِما لَهُ مِنَ الِاخْتِصاصِ بِالإحاطَةِ بِالإكْرامِ وإنْ كانَ مُخْتَصًّا بِالإحاطَةِ بِالجَلالِ ﴿التَّوّابِينَ﴾ أيِ الرَّجّاعِينَ عَمّا كانُوا عَزَمُوا عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ ومِن كُلِّ ذَنْبٍ أوْجَبَ لَهم نَقْصَ الإنْسانِيَّةِ ولا سِيَّما شَهْوَةَ الفَرْجِ الإلْمامُ بِهِ، كُلَّما وقَعَتْ مِنهم زَلَّةٌ أحْدَثُوا لَها تَوْبَةً لِأنَّ ذَلِكَ مِن أسْبابِ إظْهارِهِ سُبْحانَهُ صِفَةَ الحِلْمِ والعَفْوِ والجُودِ والرَّحْمَةِ والكَرَمِ «لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَجاءَ اللَّهُ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ فَيَغْفِرُ لَهم» أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي أيُّوبَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.

وإذا أحَبَّ مَن يَتَكَرَّرُ مِنهُ التَّوْبَةُ بِتَكْرارِ المَعاصِي فَهو في التّائِبِ الَّذِي لَمْ يَقَعْ مِنهُ بَعْدَ تَوْبَتِهِ زَلَّةٌ إنْ كانَ ذَلِكَ يُوجَدُ أحَبُّ وفِيهِ أرْغَبُ وبِهِ أرْحَمُ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ مِمّا يَعِزُّ التَّخَلُّصُ مِن إشْراكِهِ إمّا في تَجاوُزِ ما في المُباشَرَةِ أوْ في (p-٢٧٨)الجِماعِ أوَّلًا أوْ آخِرًا أتى بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ.

قالَ الحَرالِيُّ: تَأْنِيسًا لِقُلُوبِ المُتَحَرِّجِينَ مِن مُعاوَدَةِ الذَّنْبِ بَعْدَ تَوْبَةٍ مِنهُ، أيْ ومِن مُعاوَدَةِ التَّوْبَةِ بَعْدَ الوُقُوعِ في ذَنْبٍ ثانٍ لِما يَخْشى العاصِي مِن أنْ يُكْتَبَ عَلَيْهِ كَذِبُهُ كُلَّما أحْدَثَ تَوْبَةً وزَلَّ بَعْدَها فَيُعَدُّ مُسْتَهْزِئًا فَيَسْقُطُ مِن عَيْنِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُبالِي بِهِ فَيُوقِفُهُ ذَلِكَ عَنِ التَّوْبَةِ.

ولَمّا كانَتِ المُخالَطَةُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي نَهى اللَّهُ عَنْهُ قَذِرَةً جِدًّا (p-٢٧٩)أشارَ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ويُحِبُّ﴾ ولَمّا كانَتْ شَهْوَةُ النِّكاحِ وشِدَّةُ الشَّبَقِ جَدِيرَةً بِأنْ تَغْلِبَ الإنْسانَ إلّا بِمَزِيدِ مُجاهَدَةٍ مِنهُ أظْهَرَ تاءَ التَّفَعُّلِ فَقالَ: ﴿المُتَطَهِّرِينَ﴾ أيِ الحامِلِينَ أنْفُسَهم عَلى ما يَشُقُّ مِن أمْرِ الطَّهارَةِ مِن هَذا وغَيْرِهِ، وهُمُ الَّذِينَ يُبالِغُونَ ورَعًا في البُعْدِ عَنْ كُلِّ مُشْتَبَهٍ فَلا يُواقِعُونَ حائِضًا إلّا بَعْدَ كَمالِ التَّطَهُّرِ؛ أيْ يَفْعَلُ مَعَهم مِنَ الإكْرامِ فِعْلَ المُحِبِّ وكَذا كُلُّ ما يَحْتاجُ إلى طَهارَةٍ حِسِّيَّةٍ أوْ مَعْنَوِيَّةٍ.

2:223Страница 35

نِسَآؤُكُمۡ حَرۡثٞ لَّكُمۡ فَأۡتُواْ حَرۡثَكُمۡ أَنَّىٰ شِئۡتُمۡۖ وَقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُم مُّلَٰقُوهُۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٢٢٣

Ваши жены являются пашней для вас. Приходите же на вашу пашню, когда и как пожелаете. Готовьте для себя добрые деяния, бойтесь Аллаха и знайте, что вы встретитесь с Ним. Обрадуй же верующих!

ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى المَأْتِيَّ في الآيَةِ السّابِقَةِ نَوْعَ بَيانٍ أوْضَحَهُ مُشِيرًا إلى ثَمَرَةِ النِّكاحِ النّاهِيَةِ لِكُلِّ ذِي لُبٍّ عَنِ السِّفاحِ فَقالَ: ﴿نِساؤُكُمْ﴾ أيِ اللّاتِي هُنَّ حِلٌّ لَكم بِعَقْدٍ أوْ مِلْكٍ يَمِينٍ (p-٢٨٠)ولَمّا كانَ إلْقاءُ النُّطْفَةِ الَّتِي يَكُونُ مِنها النَّسْلُ كَإلْقاءِ البِذْرِ الَّذِي يَكُونُ مِنهُ الزَّرْعُ شَبَّهَهُنَّ بِالمَحارِثِ دَلالَةً عَلى أنَّ الغَرَضَ الأصِيلَ طَلَبُ النَّسْلِ فَقالَ مُسَمِّيًا مَوْضِعَ الحَرْثِ بِاسْمِهِ مُوقِعًا اسْمَ الجُزْءِ عَلى الكُلِّ مُوَحَّدًا لِأنَّهُ جِنْسٌ ﴿حَرْثٌ لَكُمْ﴾ فَأوْضَحَ ذَلِكَ.

قالَ الحَرالِيُّ: لِيَقَعَ الخِطابُ بِالإشارَةِ أيْ في الآيَةِ الأُولى لِأُولِي الفَهْمِ وبِالتَّصْرِيحِ أيْ في هَذِهِ لِأُولِي العِلْمِ لِأنَّ الحَرْثَ كَما قالَ بَعْضُ العُلَماءِ إنَّما يَكُونُ في مَوْضِعِ الزَّرْعِ - انْتَهى.

وفِي تَخْصِيصِ الحَرْثِ بِالذِّكْرِ وتَعْمِيمِ (p-٢٨١)جَمِيعِ الكَيْفِيّاتِ المُوَصِّلَةِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ أيِ المَوْضِعَ الصّالِحَ لِلْحِراثَةِ ﴿أنّى شِئْتُمْ﴾ أيْ مِن أيْنَ وكَيْفَ إشارَةً إلى تَحْرِيمِ ما سِواهُ لِما فِيهِ مِنَ العَبَثِ بِعَدَمِ المَنفَعَةِ. قالَ الثَّعْلَبِيُّ: الأدْبارُ مَوْضِعُ الفَرْثِ لا مَوْضِعُ الحَرْثِ.

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ أُمُورًا خَفِيَّةً لا يُحْمَلُ عَلى صالِحِها وتُحْجَرُ عَنْ فاسِدِها إلّا مَحْضَ الوَرَعِ قالَ: ﴿وقَدِّمُوا﴾ أيْ أوْقِعُوا التَّقْدِيمَ. ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلْجَمْعِ وهو مِن شَهَواتِ النَّفْسِ قالَ مُشِيرًا إلى الزَّجْرِ عَنِ اتِّباعِها كُلَّ ما تَهْوى: ﴿لأنْفُسِكُمْ﴾ أيْ مِن هَذا العَمَلِ وغَيْرِهِ مَن كُلِّ ما يَتَعَلَّقُ بِالشَّهَواتِ ما إذا عَرَضَ عَلى مَن تَهابُونَهُ وتَعْتَقِدُونَ خَيْرَهُ افْتَخَرْتُمْ بِهِ عِنْدَهُ وذَلِكَ بِأنْ تَصْرِفُوا مَثَلًا هَذا العَمَلَ عَنْ مَحْضِ الشَّهْوَةِ إلى قَصْدِ الإعْفافِ وطَلَبِ الوَلَدِ الَّذِي يَدُومُ بِهِ صالِحُ العَمَلِ فَيَتَّصِلُ الثَّوابُ، ومِنَ التَّقْدِيمِ التَّسْمِيَةُ عِنْدَ الجِماعِ عَلى ما ورَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ وصَرَّحَ بِهِ الحَبْرُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَلى (p-٢٨٢)ما نُقِلَ عَنْهُ.

ولَمّا كانَتْ أفْعالُ الإنْسانِ في الشَّهَواتِ تُقَرِّبُ مِن فِعْلِ مَن عِنْدَهُ شَكٌّ احْتِيجَ إلى مَزِيدِ وعْظٍ فَقالَ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيِ اجْعَلُوا بَيْنَكم وبَيْنَ ما يَكْرَهُهُ المَلِكُ الأعْظَمُ مِن ذَلِكَ وغَيْرِهِ وِقايَةً مِنَ الحَلالِ أوِ المُشْتَبَهِ.

وزادَ سُبْحانَهُ وتَعالى في الوَعْظِ والتَّحْذِيرِ بِالتَّنْبِيهِ بِطَلَبِ العِلْمِ وتَصْوِيرِ العَرْضِ فَقالَ: ﴿واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ﴾ وهو سائِلُكم عَنْ جَمِيعِ ما فَعَلْتُمُوهُ مِن دَقِيقٍ وجَلِيلٍ وصالِحٍ وغَيْرِهِ فَلا تَقَعُوا فِيما تَسْتَحْيُونَ مِنهُ إذا سَألَكم فَهو أجَلُّ مَن كُلِّ جَلِيلٍ.

قالَ الحَرالِيُّ: وفِيهِ إشْعارٌ بِما يَجْرِي في أثْناءِ ذَلِكَ مِنَ الأحْكامِ الَّتِي لا يَصِلُ إلَيْها أحْكامُ حُكّامِ الدُّنْيا مِمّا لا يَقَعُ الفَصْلُ فِيهِ إلّا في الآخِرَةِ مِن حَيْثُ إنَّ أمْرَ ما بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ سِرٌّ لا يُفْشى، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لا يُسْألُ الرَّجُلُ فِيمَ ضَرَبَ امْرَأتَهُ» وقالَ: «لا أُحِبُّ لِلْمَرْأةِ أنْ تَشْكُوَ زَوْجَها» (p-٢٨٣)فَأنْبَأ تَعالى أنَّ أمْرَ ما بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ مُؤَخَّرٌ حُكْمُهُ إلى لِقاءِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ حَفِيظَةً عَلى ما بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ لِيَبْقى سِرًّا لا يُظْهِرُ أمْرَهُ إلّا اللَّهُ تَعالى، وفي إشْعارِهِ إبْقاءٌ لِلْمَرُوَّةِ في أنْ لا يَحْتَكِمَ الزَّوْجانِ عِنْدَ حاكِمٍ في الدُّنْيا وأنْ يَرْجِعَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما إلى تَقْوى اللَّهِ وعِلْمِهِ بِلِقاءِ اللَّهِ - انْتَهى.

ولَمّا كانَ هَذا لا يَعْقِلُهُ حَقَّ عَقْلِهِ كُلُّ أحَدٍ أشارَ إلى ذَلِكَ بِالِالتِفاتِ إلى أكْمَلِ الخَلْقِ فَقالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَأنْذِرِ المُكَذِّبِينَ فِعْلًا أوْ قَوْلًا، قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ صارَ لَهُمُ الإيمانُ وصْفًا راسِخًا تَهَيَّأُوا بِهِ لِلْمُراقَبَةِ، وهو إشارَةٌ إلى أنَّ مِثْلَ هَذا مِن بابِ الأماناتِ لا يَحْجِزُ عَنْهُ إلّا الإخْلاصُ في الإيمانِ والتَّمَكُّنِ فِيهِ.

2:224Страница 35

وَلَا تَجۡعَلُواْ ٱللَّهَ عُرۡضَةٗ لِّأَيۡمَٰنِكُمۡ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصۡلِحُواْ بَيۡنَ ٱلنَّاسِۚ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٢٢٤

Пусть клятва именем Аллаха не мешает вам творить добро, быть богобоязненным и примирять людей. Аллах - Слышащий, Знающий.

ولَمّا أذِنَ في إتْيانِ النِّساءِ في مَحَلِّ الحَرْثِ كَيْفَ ما اتَّفَقَ ومَنَعَ مِمّا سِوى ذَلِكَ ومَنَعَ مِن مَحَلِّ الحَرْثِ في حالِ الحَيْضِ بَيْنَ حُكْمِ ما إذا مَنَعَ الإنْسانُ نَفْسَهُ مِن ذَلِكَ بِالإيلاءِ أوْ بِمُطْلَقِ اليَمِينِ ولَوْ عَلى غَيْرِ سَبِيلِ الإيلاءِ لِأنَّهُ نَقَلَ عَنْ كَثِيرٍ مِنهم شِدَّةَ المَيْلِ إلى النِّكاحِ فَكانَ يَخْشى المُواقَعَةَ في حالِ المَنعِ فَتَحْمِلُهُ شِدَّةُ الوَرَعِ عَلى أنْ يَمْنَعَ نَفْسَهُ بِمانِعِ (p-٢٨٤)مُظاهَرَةٍ كَما بَيَّنَ في سُورَةِ المُجادَلَةِ أوْ غَيْرِها مِنَ الأيْمانِ فَمَنَعَهم مِن ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى عادِلًا عَنْ خِطابِ نَبِيِّهِ ﷺ تَعْظِيمًا لِمَقامِهِ: ﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لا شَيْءَ يُدانِي جَلالَهُ وعَظَمَتَهُ وكَمالَهُ ﴿عُرْضَةً﴾ أيْ مُعَرَّضًا ﴿لأيْمانِكُمْ﴾ فَيَكُونَ في مَوْضِعٍ ما يُمْتَهَنُ ويُبْتَذَلُ فَإنَّ ذَلِكَ إذا طالَ حُمِلَ عَلى الِاجْتِراءِ عَلى الكَذِبِ فَجَرَّ إلى أقْبَحِ (p-٢٨٥)الأشْياءِ.

قالَ الحَرالِيُّ: والعُرْضَةُ ذِكْرُ الشَّيْءِ وأخْذُهُ عَلى غَيْرِ قَصْدٍ لَهُ ولا صَمَدٍ نَحْوَهُ بَلْ لَهُ صَمَدٌ غَيْرُهُ ﴿أنْ﴾ أيْ لِأجْلِ أنْ ﴿تَبَرُّوا﴾ في أمْوالِ اليَتامى وغَيْرِها مِمّا تَقَدَّمَ الأمْرُ بِهِ أوِ النَّهْيُ عَنْهُ ﴿وتَتَّقُوا﴾ أيْ تَحْمِلُكم أيْمانُكم عَلى البِرِّ وهو الِاتِّساعُ في كُلِّ خُلُقٍ جَمِيلٍ والتَّقْوى وهي التَّوَغُّلُ في خَوْفِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿وتُصْلِحُوا بَيْنَ النّاسِ﴾ فَتَجْعَلُوا الأيْمانَ لَكم دَيْدَنًا فَتَحْلِفُونَ تارَةً أنْ تَفْعَلُوا وتارَةً أنْ لا تَفْعَلُوا لِإلْزامِ أنْفُسِكم بِتِلْكَ الأشْياءِ فَإنَّ مَن لا يَنْقادُ إلى الخَيْرِ إلّا بِقائِدٍ مِن يَمِينٍ أوْ غَيْرِها لَيْسَ بِصادِقِ العَزِيمَةِ، وفي الأمْثالِ: فَرَسٌ لا تَجْرِي إلّا بِمِهْمازٍ بِئْسَ الفَرَسُ.

ولَمّا أرْشَدَ السِّياقُ والعَطْفُ عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: فاللَّهُ (p-٢٨٦)جَلِيلٌ عَظِيمٌ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ﴾ أيْ بِما لَهُ مِنَ العِزِّ والعَظَمَةِ ﴿سَمِيعٌ﴾ لِجَمِيعِ ما يَكُونُ مِن ذَلِكَ وغَيْرِهِ ﴿عَلِيمٌ﴾ بِما أسَرَّ مِنهُ وما أعْلَنَ، فاحْذَرُوهُ في جَمِيعِ ما يَأْمُرُكم بِهِ ويَنْهاكم عَنْهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجُمْلَةُ حالًا مِن واوِ ﴿تَجْعَلُوا﴾ فَلا يَكُونُ هُناكَ مُقَدَّرٌ ويَكُونُ الإظْهارُ مَوْضِعَ الإضْمارِ لِتَعْظِيمِ المَقامِ.

2:225Страница 36

لَّا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغۡوِ فِيٓ أَيۡمَٰنِكُمۡ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتۡ قُلُوبُكُمۡۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٞ ٢٢٥

Аллах не призовет вас к ответу за непреднамеренные клятвы, но призовет вас к ответу за то, что приобрели ваши сердца. Аллах - Прощающий, Выдержанный.

ولَمّا تَقَدَّمَ إلَيْهِمْ سُبْحانَهُ وتَعالى في هَذا وكانَتْ ألْسِنَتُهم قَدْ مُرِّنَتْ عَلى الأيْمانِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ بِحَيْثُ صارُوا لا يَقْدِرُونَ عَلى تَرْكِ ذَلِكَ إلّا بِرِياضَةٍ كَبِيرَةٍ ومُعالَجَةٍ طَوِيلَةٍ وكانَ مِمّا رَحِمَ اللَّهُ بِهِ هَذِهِ الأُمَّةَ العَفْوُ عَمّا أخْطَأتْ بِهِ ولَمْ تَتَعَمَّدْهُ قالَ في جَوابِ مَن كَأنَّهُ سَألَ عَنْ ذَلِكَ: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ﴾ أيْ لا يُعاقِبُكُمْ، وحَقِيقَتُهُ يُعامِلُكم مُعامَلَةَ (p-٢٨٧)مَن يُناظِرُ شَخْصًا في أنَّ كُلًّا مِنهُما يُرِيدُ أخْذَ الآخَرِ بِذَنْبٍ أسْلَفَهُ إلَيْهِ ﴿اللَّهُ﴾ فَكَرَّرَ في الإطْلاقِ والعَفْوِ الِاسْمَ الأعْظَمَ الَّذِي ذَكَرَهُ في التَّقْيِيدِ والمَنعِ إيذانًا بِأنَّ عَظَمَتَهُ لا تَمْنَعُ مِنَ المَغْفِرَةِ ﴿بِاللَّغْوِ﴾ وهو ما تَسْبِقُ إلَيْهِ الألْسِنَةُ مِنَ القَوْلِ عَلى غَيْرِ عَزْمٍ قُصِدَ إلَيْهِ - قالَهُ الحَرالِيُّ.

﴿فِي أيْمانِكُمْ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلى الِامْتِهانِ بَلْ رُبَّما دَلَّ عَلى المَحَبَّةِ والتَّعْظِيمِ.

ولَمّا بَيَّنَ ما أطْلَقَهُ بَيَّنَ ما مَنَعَهُ فَقالَ: ﴿ولَكِنْ يُؤاخِذُكُمْ﴾ والعِبارَةُ صالِحَةٌ لِلْإثْمِ والكَفّارَةِ. ولَمّا كانَ الحامِلُ عَلى اليَمِينِ في الأغْلَبِ المَنافِعَ الدُّنْيَوِيَّةَ الَّتِي هي الرِّزْقُ وكانَ الكَسْبُ يُطْلَقُ عَلى طَلَبِ الرِّزْقِ وعَلى القَصْدِ والإصابَةِ عَبَّرَ بِهِ فَقالَ: ﴿بِما كَسَبَتْ﴾ أيْ تَعَمَّدَتْ ﴿قُلُوبُكُمْ﴾ (p-٢٨٨)فاجْتَمَعَ فِيهِ مَعَ اللَّفْظِ النِّيَّةُ.

قالَ الحَرالِيُّ: فَيَكُونُ ذَلِكَ عَزْمًا باطِنًا وقَوْلًا ظاهِرًا فَيُؤاخَذُ بِاجْتِماعِهِما، فَفي جُمْلَتِهِ تَرْفِيعٌ لِمَن لا يَحْلِفُ بِاللَّهِ في عَزْمٍ ولا لَغْوٍ، وذَلِكَ هو الَّذِي حَفِظَ حُرْمَةَ الحَلِفِ بِاللَّهِ، وفي مُقابَلَتِهِ مَن يَحْلِفُ عَلى الخَيْرِ أنْ لا يَفْعَلَهُ - انْتَهى.

ولَمْ يُبَيِّنْ هُنا الكَفّارَةَ صَرِيحًا إشارَةً إلى أنَّهم يَنْبَغِي أنْ يَكُونُوا أتْقى مِن أنْ يُمْنَعُوا مِن شَيْءٍ فَيُقارِفُوهُ، وأشارَ إلَيْها في الإيلاءِ كَما يَأْتِي.

ولَمّا كانَ ذِكْرُ المُؤاخَذَةِ قَطْعًا لِقُلُوبِ الخائِفِينَ سَكَّنَها بِقَوْلِهِ مُظْهِرًا مَوْضِعَ الإضْمارِ إشارَةً إلى أنَّ رَحْمَتَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ: ﴿واللَّهُ﴾ أيْ مَعَ ما لَهُ مِنَ العَظَمَةِ ﴿غَفُورٌ﴾ أيْ سَتُورٌ لِذُنُوبِ عِبادِهِ إذا تابُوا.

ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلْمُؤاخَذَةِ الَّتِي هي مُعالَجَةُ كُلٍّ مِنَ المُتَناظِرِينَ لِصاحِبِهِ بِالأخْذِ كانَ الحِلْمُ أنْسَبَ الأشْياءِ لِذَلِكَ فَقالَ ﴿حَلِيمٌ﴾ (p-٢٨٩)لا يُعاجِلُهم بِالأخْذِ، والحِلْمُ احْتِمالُ الأعْلى لِلْأذى مِنَ الأدْنى، وهو أيْضًا رَفْعُ المُؤاخَذَةِ عَنْ مُسْتَحِقِّها بِجِنايَةٍ في حَقٍّ مُسْتَعْظَمٍ - قالَهُ الحَرالِيُّ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English