Аль-Бикаи · Тафсир · на арабском
Аль-Бакара 2:246–248
2:246Страница 40
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلۡمَلَإِ مِنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ مِنۢ بَعۡدِ مُوسَىٰٓ إِذۡ قَالُواْ لِنَبِيّٖ لَّهُمُ ٱبۡعَثۡ لَنَا مَلِكٗا نُّقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ قَالَ هَلۡ عَسَيۡتُمۡ إِن كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِتَالُ أَلَّا تُقَٰتِلُواْۖ قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلَّا نُقَٰتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدۡ أُخۡرِجۡنَا مِن دِيَٰرِنَا وَأَبۡنَآئِنَاۖ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقِتَالُ تَوَلَّوۡاْ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنۡهُمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ ٢٤٦
Не знаешь ли ты о знати сынов Исраила (Израиля), живших после Мусы (Моисея)? Они сказали своему пророку: «Назначь для нас царя, чтобы мы сражались на пути Аллаха». Он сказал: «Может ли быть, что если вам будет предписано сражаться, вы не станете сражаться?». Они сказали: «Отчего же нам не сражаться на пути Аллаха, если мы изгнаны из наших жилищ и разлучены с нашими детьми?». Когда же им было предписано сражаться, они отвернулись, за исключением немногих. Аллах ведает о беззаконниках.
ولَمّا كانَ الصَّحابَةُ رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ يَتَمَنَّوْنَ في مَكَّةَ المُشَرَّفَةِ الإذْنَ في مُقارَعَةِ الكُفّارِ لِيَرُدُّوهم عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الأذى والغَيِّ والعَمى عَجِبَ مِن حالِ بَنِي إسْرائِيلَ حَيْثُ سَألُوا الأمْرَ بِالقِتالِ ثُمَّ لَمْ يُنْصِفُوا إذْ أمَرُوا تَحْذِيرًا مِن مِثْلِ حالِهِمْ، وتَصْوِيرًا لِعَجِيبِ قُدْرَتِهِ عَلى نَقْضِ العَزائِمِ وتَقْلِيبِ القُلُوبِ، وإعْلامًا بِعَظِيمِ مَقادِيرِ الأنْبِياءِ وتَمَكُّنِهِمْ في المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ، ودَلِيلًا عَلى خِتامِ الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها فَقالَ مُقْبِلًا عَلى أعْلى الخَلْقِ إشارَةً إلى أنَّ لِلنُّفُوسِ مِن دَقائِقِ الوَساوِسِ ما لا يَفْهَمُهُ (p-٤٠٦)إلّا البُصَراءُ: ﴿ألَمْ تَرَ﴾
قالَ الحَرالِيُّ: أراهُ في الأُولى حالَ أهْلِ الحَذَرِ مِنَ المَوْتِ بِما في الأنْفُسِ مِنَ الهَلَعِ الَّذِي حُذِّرَتْ مِنهُ هَذِهِ الأُمَّةُ ثُمَّ أراهُ في هَذِهِ مُقابِلَ ذَلِكَ مِنَ التَّرامِي إلى طَلَبِ الحَرْبِ وهُما طَرَفا انْحِرافٍ في الأنْفُسِ، قالَ ﷺ: «لا تَتَمَنَّوْا لِقاءَ العَدُوِّ واسْألُوا اللَّهَ العافِيَةَ، فَإذا لَقِيتُمُوهُ فاصْبِرُوا واعْلَمُوا أنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ» فَفِيهِ إشْعارٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ بِأنْ لا تَطْلُبَ الحَرْبَ ابْتِداءً وإنَّما تُدافِعُ عَنْ مَنعِها مِن إقامَةِ دِينِها كَما قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩] وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ:
«والمُشْرِكُونَ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنا إذا أرادُوا فِتْنَةً أبَيْنا»
فَحَقُّ المُؤْمِنِ أنْ يَأْبى الحَرْبَ ولا يَطْلُبَهُ فَإنَّهُ إنْ طَلَبَهُ فَأُوتِيَهُ عَجَزَ كَما عَجَزَ هَؤُلاءِ حِينَ تَوَلَّوْا إلّا قَلِيلًا فَهَذِهِ الأقاصِيصُ لَيْسَ المُرادُ مِنها حَدِيثًا عَنِ الماضِينَ وإنَّما هو إعْلامٌ بِما يَسْتَقْبِلُهُ الآتُونَ، إيّاكَ (p-٤٠٧)أعْنِي واسْمَعِي يا جارَةُ! فَلِذَلِكَ لا يَسْمَعُ القُرْآنَ مَن لَمْ يَأْخُذْهُ بِجُمْلَتِهِ خِطابًا لِهَذِهِ الأُمَّةِ بِكُلِّ ما قَصَّ لَهُ مِن أقاصِيصِ الأوَّلِينَ - انْتَهى.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِكُلِّ مَن ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ.
ولَمّا كانَ الإخْلالُ مِنَ الشَّرِيفِ أقْبَحَ قالَ ﴿إلى المَلإ﴾ أيِ الأشْرافِ،
قالَ الحَرالِيُّ: الَّذِينَ يَمْلَئُونَ العُيُونَ بَهْجَةً والقُلُوبَ هَيْبَةً - انْتَهى.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ مِن أوْلادِ الصُّلَحاءِ أشْنَعَ قالَ: ﴿مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ولَمّا كانَ مِمَّنْ تَقَرَّرَ لَهُ الدِّينُ واتَّضَحَتْ لَهُ المُعْجِزاتُ واشْتَهَرَتْ عِنْدَهُ الأُمُورُ الإلَهِيّاتُ أفْحَشَ قالَ ﴿مِن بَعْدِ مُوسى﴾ أيِ الَّذِي أتاهم مِنَ الآياتِ بِما طَبَقَ الأرْضَ كَثْرَةَ ومَلَأ الصُّدُورَ عَظَمَةً وأبْقى فِيهِمْ كِتابًا عَجَبًا ما بَعْدَ القُرْآنِ مِنَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ مِثْلَهُ.
قالَ الحَرالِيُّ: وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ الأُمَّةَ تَخْتَلُّ بَعْدَ نَبِيِّها بِما يَصْحَبُها مِن نُورِهِ زَمَنَ وُجُودِهِ (p-٤٠٨)مَعَهُمْ، قالُوا: ما نَفَضْنا أيْدِيَنا مِن تُرابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى أنْكَرْنا قُلُوبَنا - انْتَهى.
﴿إذْ قالُوا﴾ ولَمّا كانَ الإخْلافُ مَعَ الأكابِرِ لا سِيَّما مَعَ الأنْبِياءِ أفْظَعَ قالَ: ﴿لِنَبِيٍّ لَهُمُ﴾ ونَكَّرَهُ لِعَدَمِ مُقْتَضٍ لِتَعْرِيفِهِ.
قالَ الحَرالِيُّ: لِأنَّ نَبِيَّهُمُ المَعْهُودَ الآمِرَ لَهم إنَّما هو مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ومِن بَعْدِهِ إلى عِيسى عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما هم أنْبِياءُ بِمَنزِلَةِ السّاسَةِ والقادَةِ لَهم كالعُلَماءِ في هَذِهِ الأُمَّةِ مُنَفِّذُونَ وعالِمُونَ بِما أنْزَلَ عَلى مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَذَلِكَ كانُوا إلى حِينِ تَنْزِيلِ الإنْجِيلِ فَكَما قَصَّ في صَدْرِ السُّورَةِ حالَهم مَعَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَصَّ في خَواتِيمِها حالَهم مِن بَعْدِ مُوسى لِتَعْتَبِرَ هَذِهِ الأُمَّةُ مِن ذَلِكَ حالَها مَعَ نَبِيِّها ﷺ وبَعْدَهُ انْتَهى.
ولَمّا كانَ عِنْدَهم مِنَ الغِلْظَةِ ما لا يَنْقادُونَ بِهِ إلّا لِإنالَةِ المُلْكِ وكانَ القِتالُ لا يَقُومُ إلّا بِرَأْسٍ جامِعٍ تَكُونُ الكَلِمَةُ بِهِ واحِدَةً قالُوا: ﴿ابْعَثْ لَنا﴾ أيْ خاصَّةً ﴿مَلِكًا﴾ أيْ يُقِيمُ لَنا أمْرَ الحَرْبِ ﴿نُقاتِلْ﴾ أيْ عَنْ أمْرِهِ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى.
(p-٤٠٩)قالَ الحَرالِيُّ في إعْلامِهِ أخْذُهُمُ الأمْرُ بِمِنَّةِ الأنْفُسِ حَيْثُ لَمْ يَظْهَرْ في قَوْلِهِمْ إسْنادٌ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى الَّذِي لا تَصِحُّ الأعْمالُ إلّا بِإسْنادِها (p-٤١٠)إلَيْهِ فَما كانَ بِناءً عَلى تَقْوى تَمَّ، وما كانَ عَلى دَعْوى نَفْسٍ انْهَدَّ ﴿قالَ﴾ أيْ ذَلِكَ النَّبِيِّ ﴿هَلْ﴾ كَلِمَةٌ تُنْبِئُ عَنْ تَحْقِيقِ الِاسْتِفْهامِ اكْتُفِيَ بِمَعْناها عَنِ الهَمْزَةِ - انْتَهى.
﴿عَسَيْتُمْ﴾ أيْ قارَبْتُمْ ولَمّا كانَتِ العِنايَةُ بِتَأْدِيبِ السّائِلِينَ في هَذا المُهِمِّ أكْثَرَ قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿إنْ كُتِبَ﴾ أيْ فُرِضَ - كَذا قالُوا، والأحْسَنُ عِنْدِي كَما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَحْقِيقَهُ في سُورَةِ بَراءَةَ أنْ يَكُونَ المَعْنى: هَلْ تَخافُونَ مِن أنْفُسِكُمْ، ولَمّا كانَ القَصْدُ التَّنْبِيهَ عَلى سُؤالِ العافِيَةِ والبُعْدَ عَنِ التَّعَرُّضِ لِلْبَلاءِ لِخَطَرِ المَقامِ بِأنَّ الأمْرَ إذا وجَبَ لَمْ تَبْقَ فِيهِ رُخْصَةٌ فَمَن قَصَّرَ فِيهِ هَلَكَ وسَّطَ بَيْنَ عَسى وصِلَتَها قَوْلَهُ: ﴿عَلَيْكُمُ القِتالُ﴾ فَرْضًا لازِمًا، وبَناهُ لِلْمَفْعُولِ صِيانَةً لِاسْمِ الفاعِلِ عَنْ مُخالَفَةٍ يُتَوَقَّعُ تَقْصِيرُهم بِها ﴿ألا تُقاتِلُوا﴾ فَيُوقِعُكم ذَلِكَ في العِصْيانِ، قالَ الحَرالِيُّ: بِكَسْرِ سِينِ عَسى وفَتْحِها لُغَتانِ، عادَةُ النُّحاةِ أنْ لا يَلْتَمِسُوا اخْتِلافَ المَعانِي مِن أوْساطِ الصِّيَغِ وأوائِلِها، وفي فَهْمِ اللُّغَةِ وتَحْقِيقِها إعْرابٌ في الأوْساطِ والأوائِلِ كَما اشْتُهِرَ إعْرابُ الأواخِرِ عِنْدَ عامَّةِ النُّحاةِ، فالكَسْرُ حَيْثُ (p-٤١١)كانَ مَبْنًى عَنْ بادٍ عَنْ ضَعْفٍ وانْكِسارٍ، والفَتْحُ مُعْرِبٌ عَنْ بادٍ عَنْ قُوَّةٍ واسْتِواءٍ - انْتَهى.
فَكَأنَّهُ ﷺ فَهِمَ أنْ بَعْضَهم يَتْرُكُ القِتالَ عَنْ ضَعْفٍ عَنْهُ وبَعْضَهم يَتْرُكُهُ عَنْ قُوَّةٍ ولِذَلِكَ نَفى الفِعْلَ ولَمْ يَقُلْ: أنْ تَعْجِزُوا.
قالَ الحَرالِيُّ: فَأنْبَأهم بِما آلَ إلَيْهِ أمْرُهم فَلَمْ يَلْتَفُّوا عَنْهُ وحاجُّوهُ ورَدُّوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ سابِقَةِ قَوْلِهِمْ، فَفي إشْعارِهِ إنْباءٌ بِما كانُوا عَلَيْهِ مِن غِلَظِ الطِّباعِ وعَدَمِ سُرْعَةِ التَّنَبُّهِ - انْتَهى.
ولَمّا كانَ مَضْمُونُ هَذا الِاسْتِفْهامِ: إنِّي أخْشى عَلَيْكُمُ القُعُودَ عَنِ القِتالِ أعْلَمَنا اللَّهُ عَنْ جَوابِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا﴾ أيْ لِمُوسى في المُخالَفَةِ ولِما أرْشَدَ العَطْفُ عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ أنَّ التَّقْدِيرَ: ما يُوجِبُ لَنا القُعُودَ وإنّا لا نَخافُ ذَلِكَ عَلى أنْفُسِنا بَلْ نَحْنُ جازِمُونَ بِأنّا نُقاتِلُ أشَدَّ القِتالِ! عَطَفَ عَلَيْهِمْ قَوْلَهُمْ: ﴿وما﴾ أيْ وأيُّ شَيْءٍ ﴿لَنا﴾ في ﴿ألا نُقاتِلَ﴾ ولَمّا كانَتِ النَّفْسُ فِيما لِلَّهِ أجِدُ وإلَيْهِ أنْهَضُ قالُوا: (p-٤١٢)﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ إلْهابًا وتَهْيِيجًا ﴿وقَدْ﴾ أيْ والحالُ أنّا قَدْ ﴿أُخْرِجْنا﴾ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ مَعَ لِإخْراجِ إبْعادٍ أوْ لا، وبَناهُ لِلْمَجْهُولِ لِأنَّ مُوجِبَ الإحْفاظِ والإخْراجِ نَفْسُ الإخْراجِ لا نِسْبَةٌ إلى حَدٍّ بِعَيْنِهِ ﴿مِن دِيارِنا﴾ الَّتِي هي لِأبْدانِنا كَأبْدانِنا لِأرْواحِنا.
ولَمّا كانَ في ﴿أُخْرِجْنا﴾ مَعْنى أبْعَدْنا عَطَفَ عَلَيْهِ ﴿وأبْنائِنا﴾ فَخَلَطُوا بِذَلِكَ ما لِلَّهِ بِما لِغَيْرِهِ وهو أغْنى الشُّرَكاءِ لا يَقْبَلُ إلّا خالِصًا.
قالَ الحَرالِيُّ: فَأنْبَأ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّهم أسْنَدُوا ذَلِكَ إلى غَضَبِ الأنْفُسِ عَلى الإخْراجِ وإنَّما يُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ مَن قاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا - انْتَهى.
ولَمّا كانَ إخْلافُ الوَعْدِ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ أشْنَعَ قالَ: ﴿فَلَمّا﴾ بِالفاءِ المُؤْذِنَةِ بِالتَّعْقِيبِ ﴿كُتِبَ عَلَيْهِمُ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿القِتالُ﴾ أيِ الَّذِي سَألُوهُ كَما كُتِبَ عَلَيْكم بَعْدَ أنْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَهُ إذْ كُنْتُمْ بِمَكَّةَ كَما سَيُبَيِّنُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في النِّساءِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ (p-٤١٣)قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكُمْ﴾ [النساء: ٧٧] ﴿تَوَلَّوْا﴾ فَبادَرُوا الإدْبارَ بَعْدَ شِدَّةِ ذَلِكَ الإقْبالِ ﴿إلا قَلِيلا مِنهُمْ﴾ أيْ فَقاتِلُوا واللَّهُ عَلِيمٌ بِهِمْ ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِكُلِّ كَمالٍ ﴿عَلِيمٌ﴾ بِالمُتَوَلِّينَ، هَكَذا كانَ الأصْلُ ولَكِنَّهُ قالَ: ﴿بِالظّالِمِينَ﴾ مُعْلِمًا بِأنَّهم سَألُوا البَلاءَ وكانَ مِن حَقِّهِمْ سُؤالُ العافِيَةِ، ثُمَّ لَمّا أُجِيبُوا إلى ما سَألُوا أعْرَضُوا عَنْهُ فَكَفُّوا حَيْثُ يَنْبَغِي المَضاءُ ومَضَوْا حَيْثُ كانَ يَنْبَغِي الكَفُّ فَعَصَوُا اللَّهَ الَّذِي أوْجَبَهُ عَلَيْهِمْ، فَجَمَعُوا بَيْنَ عارِ الإخْلافِ وفَضِيحَةِ العِصْيانِ وخِزْيِ النُّكُوصِ عَنِ الأقْرانِ وقَباحَةِ الخِذْلانِ لِلْإخْوانِ.
2:247Страница 40
وَقَالَ لَهُمۡ نَبِيُّهُمۡ إِنَّ ٱللَّهَ قَدۡ بَعَثَ لَكُمۡ طَالُوتَ مَلِكٗاۚ قَالُوٓاْ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلۡمُلۡكُ عَلَيۡنَا وَنَحۡنُ أَحَقُّ بِٱلۡمُلۡكِ مِنۡهُ وَلَمۡ يُؤۡتَ سَعَةٗ مِّنَ ٱلۡمَالِۚ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰهُ عَلَيۡكُمۡ وَزَادَهُۥ بَسۡطَةٗ فِي ٱلۡعِلۡمِ وَٱلۡجِسۡمِۖ وَٱللَّهُ يُؤۡتِي مُلۡكَهُۥ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ ٢٤٧
Их пророк сказал им: «Аллах назначил вам царем Талута (Саула)». Они сказали: «Как он может стать нашим царем, если мы более достойны править, чем он, и он лишен достатка в имуществе?». Он сказал: «Аллах предпочел его вам и щедро одарил его знаниями и статью. Аллах дарует Свое царство, кому пожелает. Аллах - Объемлющий, Знающий».
ولَمّا أرْشَدَ العَطْفُ عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: فَقالَ لَهم (p-٤١٤)نَبِيُّهُمْ: ألَمْ أقُلْ لَكُمْ: لا تَسْألُوا البَلاءَ ولا تَدانَوْا أمْرَ القَضاءِ فَإنَّ أكْثَرَ قَوْلِ النَّفْسِ كَذِبٌ وجُلَّ أمانِيِّها زُورٌ وأمّا أمْرُ اللَّهِ فَمَتى بَرَزَ يَجِبُ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وقالَ لَهُمْ﴾ أيْ خاصَّةً لَمْ يَكُنْ مَعَهم أحَدٌ غَيْرُهم يُحالُ عَلَيْهِمْ جَوابُهُمُ الَّذِي لا يَلِيقُ وصَرَّحَ بِالمَقْصُودِ لِئَلّا يُظَنَّ أنَّ القائِلَ اللَّهُ وأنَّهم واجَهُوهُ بِالِاعْتِراضِ فَقالَ: ﴿نَبِيُّهُمْ﴾ أيِ الَّذِي تَقَدَّمَ أنَّهم سَألُوهُ ذَلِكَ مُؤَكَّدًا مُعَظَّمًا مُحَقَّقًا بِأداةِ التَّوَقُّعِ لِأنَّ سُؤالَهم عَلى لِسانِ نَبِيٍّ يَقْتَضِي تَوَقُّعَ الإجابَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيْ بِجَلالِهِ وعِزِّ كَمالِهِ ﴿قَدْ﴾ ولَمّا كانَ إلْباسُ الشَّخْصِ عِزَّ المُلْكِ مِثْلَ إعْزازِ الجَمادِ بِنَفْخِ الرُّوحِ كانَ التَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِالبَعْثِ ألْيَقَ فَقالَ: ﴿بَعَثَ لَكُمْ﴾ أيْ خاصَّةً (p-٤١٥)لِأجْلِ سُؤالِكم ﴿طالُوتَ﴾ اسْمٌ مَلِكٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِن سِبْطٍ لَمْ يَكُنِ المُلْكُ فِيهِمْ ﴿مَلِكًا﴾ تَنْتَهُونَ في تَدْبِيرِ الحَرْبِ إلى أمْرِهِ.
قالَ الحَرالِيُّ: فَكانَ أوَّلَ ما ابْتُلُوا بِهِ أنَّ مَلِكَ عَلَيْهِمْ مَن لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ (p-٤١٦)بَيْتِ المُلْكِ عِنْدَهم فَكانَ أوَّلَ فِتْنَتِهِمْ بِما طَلَبُوا مَلِكًا فَأُجِيبُوا فَلَمْ يَرْضَوْا بِما بُعِثَ لَهُمُ - انْتَهى.
ولَمّا أجابَهم إلى ما سَألُوا كانَ مِن أوَّلِ جَلافَتِهِمُ اعْتِراضُهم عَلى أمْرِ المَلِكِ الدَّيّانِ الَّذِي أوْرَدَهُ لَهم بِاسْمِهِ الأعْظَمِ الدّالِّ عَلى جَمِيعِ الكَمالِ مِنَ الجَلالِ والجَمالِ لِيَكُونَ أجْدَرَ لَهم بِقَبُولِ أمْرِهِ والوُقُوفِ عِنْدَ زَجْرِهِ وأوْرَدَ اعْتِراضَهم في جَوابِ مَن كَأنَّهُ قالَ: ما فَعَلُوا إذْ أجابَهم إلى ما سَألُوا؟ فَقالَ: ﴿قالُوا﴾ أيْ هم لا غَيْرُهم ﴿أنّى﴾ أيْ مِن أيْنَ وكَيْفَ ﴿يَكُونُ لَهُ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿المُلْكُ عَلَيْنا ونَحْنُ﴾ أيْ والحالُ أنّا نَحْنُ ﴿أحَقُّ بِالمُلْكِ مِنهُ﴾ لِأنَّ فِينا مَن هو مِن سِبْطِ المُلُوكِ دُونَهُ.
قالَ الحَرالِيُّ: فَثَنَوُا اعْتِراضَهم بِما هو أشَدُّ (p-٤١٧)وهُوَ الفَخْرُ بِما ادَّعَوْهُ مِنِ اسْتِحْقاقِ المُلْكِ عَلى مَن مَلَّكَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَكانَ فِيهِ حَظٌّ مِن فَخْرِ إبْلِيسَ حَيْثُ قالَ حِينَ أُمِرَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ: ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ﴾ [الأعراف: ١٢] انْتَهى.
﴿ولَمْ﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ لَمْ ﴿يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المالِ﴾ أيْ فَصارَ لَهُ مانِعانِ: أحَدُهُما أنَّهُ لَيْسَ مِن بَيْتِ المَمْلَكَةِ، والثّانِي أنَّهُ مُمْلِقٌ والمَلِكُ لا بُدَّ لَهُ مِن مالَ يَعْتَضِدُ بِهِ.
قالَ الحَرالِيُّ: فَكانَ في هَذِهِ الثّالِثَةِ فِتْنَةُ اسْتِصْنامِ المالِ وأنَّهُ مِمّا يُقامُ بِهِ مُلْكٌ وإنَّما المُلْكُ بِإيتاءِ اللَّهِ فَكانَ في هَذِهِ الفِتْنَةِ الثّالِثَةِ جَهْلٌ وشِرْكٌ، فَتَزايَدَتْ صُنُوفُ فِتْنَتِهِمْ فِيما انْبَعَثُوا إلى طَلَبِهِ مِن أنْفُسِهِمُ - انْتَهى.
ولَمّا كانَ الخَلْقُ كُلُّهم مُتَساوِينَ في أصْلِ الجِسْمِيَّةِ وإنَّما جاءَ تَفْضِيلُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ مِنَ اللَّهِ فَكانَ هو المَدارَ عَلَّقَ الأمْرَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ﴾ أيِ النَّبِيُّ لا غَيْرُهُ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ إنْكارِهِمْ مُعَظِّمًا عَلَيْهِمُ الحَقَّ (p-٤١٨)بِإعادَةِ الِاسْمِ الأعْظَمِ ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ الأمْرِ فَلا اعْتِراضَ عَلَيْهِ وهو أعْلَمُ بِالمَصالِحِ ﴿اصْطَفاهُ﴾
قالَ الحَرالِيُّ: والِاصْطِفاءُ أخْذُ الصَّفْوَةِ - انْتَهى.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ مُضَمَّنًا مَعْنى مُلْكِهِ قالَ في تَعْدِيَتِهِ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ ما أوْدَعَهُ سُبْحانَهُ مِمّا اقْتَضى ذَلِكَ فَقالَ: ﴿وزادَهُ﴾ أيْ عَلَيْكم ﴿بَسْطَةً في العِلْمِ﴾ الَّذِي بِهِ تَحْصُلُ المُكْنَةُ في التَّدْبِيرِ والنَّفاذِ في كُلِّ أمْرٍ، وهو يَدُلُّ عَلى اشْتِراطِ العِلْمِ في المُلْكِ، وفي تَقْدِيمِهِ أنَّ الفَضائِلَ النَّفْسانِيَّةَ أشْرَفُ مِنَ الجُسْمانِيَّةِ وغَيْرِها، وأنَّ المُلْكَ لَيْسَ بِالإرْثِ ﴿والجِسْمِ﴾ الَّذِي بِهِ يَتَمَكَّنُ مِنَ الظَّفَرِ بِمَن بارَزَهُ مِنَ الشُّجْعانِ وقَصَدَهُ مِن سائِرِ الأقْرانِ.
ولَمّا كانَ مَن إلَيْهِ شَيْءٌ كانَ لَهُ الخِيارُ في إسْنادِهِ إلى غَيْرِهِ قالَ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ اصْطَفاهُ والحالُ أنَّ المَلِكَ الَّذِي لا أمْرَ لِغَيْرِهِ ﴿يُؤْتِي مُلْكَهُ﴾ أيِ الَّذِي هو لَهُ ولَيْسَ لِغَيْرِهِ فِيهِ شَيْءٌ ﴿مَن يَشاءُ﴾ (p-٤١٩)كَما آتاكُمُوهُ بَعْدَ أنْ كُنْتُمْ مُسْتَعْبَدِينَ عِنْدَ آلِ فِرْعَوْنَ ﴿واللَّهُ﴾ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ فَلا يَجُوزُ الِاعْتِراضُ عَلَيْهِ ﴿واسِعٌ﴾ أيْ في إحاطَةِ قُدْرَتِهِ وشُمُولِ عَظَمَتِهِ وكَثْرَةِ جُنُودِهِ ورِزْقِهِ ﴿عَلِيمٌ﴾ أيْ بالِغُ العِلْمِ، فَما اخْتارَهُ فَهو المُخْتارُ ولَيْسَ لِأحَدٍ مَعَهُ خِيَرَةٌ فَهو يَفْعَلُ بِما لَهُ مِنَ السَّعَةِ في القُدْرَةِ والعِلْمِ ما قَدْ لا تُدْرِكُهُ العُقُولُ ولا تَحْتَمِلُ وصْفَهُ الألْبابُ والفُهُومُ ويُؤْتِي مَن لَيْسَ لَهُ مالٌ مِن خَزائِنِ رِزْقِهِ ما يَشاءُ.
2:248Страница 40
وَقَالَ لَهُمۡ نَبِيُّهُمۡ إِنَّ ءَايَةَ مُلۡكِهِۦٓ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَبَقِيَّةٞ مِّمَّا تَرَكَ ءَالُ مُوسَىٰ وَءَالُ هَٰرُونَ تَحۡمِلُهُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٢٤٨
Их пророк сказал им: «Знамением его царствия станет то, что к вам явится сундук с умиротворением от вашего Господа. В нем будет то, что осталось после семьи Мусы (Моисея) и семьи Харуна (Аарона). Его принесут ангелы. Это будет знамением для вас, если только вы являетесь верующими».
ولَمّا كانَ أغْلَبُهم واقِفًا مَعَ المُشاهَداتِ غَيْرَ ثابِتِ القَدَمِ في الإيمانِ بِالغَيْبِ قالَ: ﴿وقالَ لَهم نَبِيُّهُمْ﴾ مُثْبِتًا لِأمْرِ طالُوتَ ﴿إنَّ آيَةَ﴾ أيْ عَلامَةَ ﴿مُلْكِهِ﴾
قالَ الحَرالِيُّ: وقَلَّ ما احْتاجَ أحَدٌ في إيمانِهِ إلى آيَةٍ خارِقَةٍ (p-٤٢٠)إلّا كانَ إيمانُهُ إنْ آمَنَ غَلَبَةً يَخْرُجُ عَنْهُ بِأيْسَرِ فِتْنَةٍ، ومَن كانَ إيمانُهُ بِاسْتِبْصارٍ ثَبَتَ عَلَيْهِ ولَمْ يَحْتَجْ إلى آيَةٍ، فَإنْ كانَتِ الآيَةُ كانَتْ لَهُ نِعْمَةٌ ولَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ فِتْنَةٌ ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩] - ﴿وما نُرْسِلُ بِالآياتِ إلا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩] فَإنَّ الآياتِ طَلِيعَةُ المُؤاخَذَةِ والِاقْتِناعِ بِالِاعْتِبارِ طَلِيعَةَ القَبُولِ والثَّباتِ - انْتَهى.
﴿أنْ يَأْتِيَكُمُ﴾ أيْ مِن غَيْرِ آتٍ بِهِ تَرَوْنَهُ ﴿التّابُوتُ﴾
قالَ الحَرالِيُّ: ويَعِزُّ قَدْرُهُ - انْتَهى. وهو واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ الصُّنْدُوقُ الَّذِي وُضِعَ فِيهِ اللَّوْحانِ اللَّذانِ كُتِبَ فِيهِما العَشْرُ الآياتِ الَّتِي نِسَبَتُها مِنَ التَّوْراةِ نِسْبَةُ فاتِحَةِ الكِتابِ مِنَ القُرْآنِ وهو يُسَمّى تابُوتَ الشَّهادَةِ كَما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في وصْفِ قُبَّةِ الزَّمانِ فِيما مَضى أوَّلَ قِصَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ وكانُوا إذا حارَبُوا حَمَلَهُ جَماعَةٌ مِنهم مُوَظَّفُونَ لِحَمْلِهِ (p-٤٢١)ويَتَقَدَّمُونَ بِهِ أمامَ الجَيْشِ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبَ نَصْرِهِمْ وكانَ العَمالِقَةُ أصْحابَ جالُوتَ لَمّا ظَهَرُوا عَلَيْهِمْ أخَذُوهُ في جُمْلَةِ ما أخَذُوا مِن نَفائِسِهِمْ وكَأنَّ عَهْدَهم بِهِ كَأنَّ قَدْ طالَ فَذَكَّرَهم بِمَآثِرِهِ تَرْغِيبًا فِيهِ وحَمْلًا عَلى الِانْقِيادِ لِطالُوتَ فَقالَ: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ﴾ أيْ شَيْءٌ يُوجِبُ السُّكُونَ والثَّباتَ في مَواطِنِ الخَوْفِ.
وقالَ الحَرالِيُّ: مَعْناهُ ثَباتٌ في القُلُوبِ يَكُونُ لَهُ في عالَمِ المَلَكُوتِ صُورَةٌ بِحَسَبِ حالِ المُثْبَتِ، ويُقالُ: كانَتْ سَكِينَةُ بَنِي إسْرائِيلَ صُورَةَ هِرٍّ مِن ياقُوتٍ ولُؤْلُؤٍ وزَبَرْجَدٍ مُلَفَّقٍ مِنهُ أعْضاءُ تِلْكَ الصُّورَةِ تَخْرُجُ مِنهُ رِيحٌ هَفّافَةٌ تَكُونُ عَلَمَ النَّصْرِ لَهُمُ - انْتَهى.
وزادَهُ مَدْحًا بِقَوْلِهِ: ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ أيِ الَّذِي (p-٤٢٢)طالَ إحْسانُهُ إلَيْكم وتَرْبِيَتُهُ بِاللُّطْفِ لَكم.
وقالَ الحَرالِيُّ وغَيْرُهُ: إنَّهُ كانَ في التّابُوتِ صُورَةٌ يَأْتِي مِنها عِنْدَ النَّصْرِ رِيحٌ تُسْمَعُ.
قالَ الحَرالِيُّ: كَما كانَتِ الصَّبا تَهُبُّ لِهَذِهِ الأُمَّةِ بِالنَّصْرِ، قالَ ﷺ: «نُصِرْتُ بِالصَّبا» فَكانَتْ سَكِينَتُها كُلِّيَّةَ آفاقِها وتابُوتِها كُلِّيَّةَ سَمائِها حَتّى لا تَحْتاجَ إلى مَحْمَلٍ يَحْمِلُها ولا عُدَّةٍ تُعِدُّها لِأنَّها أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ تَوَلّى اللَّهُ لَها إقامَةَ عِلْمِها وأعْمالِها - انْتَهى.
ولَمّا كانَ الكَلِيمُ وأخُوهُ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ أعْظَمَ أنْبِيائِهِ قالَ: ﴿وبَقِيَّةٌ﴾
قالَ الحَرالِيُّ: فَضْلَةُ جُمْلَةٍ ذَهَبَ جُلُّها ﴿مِمّا تَرَكَ﴾ مِنَ التَّرْكِ وهو أنْ لا يَعْرِضَ لِلْأمْرِ حِسًّا أوْ مَعْنًى ﴿آلُ مُوسى وآلُ هارُونَ﴾ أيْ وهي لَوْحا العَهْدِ.
قالَ الحَرالِيُّ: وفي إشْعارِ تَثْنِيَةِ (p-٤٢٣)ذِكْرِ الآلِ ما يُعْلَمُ بِاخْتِصاصِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِوَصْفٍ دُونَ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِما كانَ فِيهِ مِنَ الشِّدَّةِ في أمْرِ اللَّهِ وبِاخْتِصاصِ هارُونَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِما كانَ فِيهِ مِنَ اللِّينِ والِاحْتِمالِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ آلُ مُوسى وهارُونَ، لِأنَّ الآلَ حَقِيقَةً مَن يَبْدُو فِيهِ وصْفُ مَن هو آلُهُ.
وقالَ: الآلُ أصْلٌ مَعْناهُ السَّرابُ الَّذِي تَبْدُو فِيهِ الأشْياءُ البَعِيدَةُ كَأنَّهُ مِرْآةٌ تَجْلُو الأشْياءَ فَآلُ الرَّجُلِ مَن إذا حَضَرُوا فَكَأنَّهُ لَمْ يَغِبِ - انْتَهى.
ثُمَّ صَرَّحَ بِما أفْهَمَهُ إسْنادُ (p-٤٢٤)الإتْيانِ إلَيْهِ فَقالَ: ﴿تَحْمِلُهُ﴾ مِنَ الحَمْلِ وهو ما اسْتَقَلَّ بِهِ النّاقِلُ ﴿المَلائِكَةُ﴾ وما هَذا بِأغْرَبِ مِن قِصَّةِ سَفِينَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ومَعَهُ أصْحابُهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم فَثَقُلَ عَلَيْهِمْ مَتاعُهم فَقالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ابْسُطْ كِساءَكَ، فَبَسَطْتُهُ فَجَعَلُوا فِيهِ مَتاعَهم فَحَمَلُوهُ عَلَيَّ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: احْمِلْ فَإنَّما أنْتَ سَفِينَةُ ! قالَ: فَلَوْ حَمَلْتُ مِن يَوْمِئِذٍ وقْرَ بَعِيرٍ أوْ بَعِيرَيْنِ أوْ ثَلاثَةٍ أوْ أرْبَعَةٍ أوْ خَمْسَةٍ أوْ سِتَّةٍ أوْ سَبْعَةٍ ما ثَقُلَ عَلَيَّ» وأمّا مُقاتَلَةُ المَلائِكَةِ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ في غَزْوَةِ بَدْرٍ فَأمْرٌ شَهِيرٌ، كانَ الصَّحابِيُّ يَكُونُ قاصِدًا الكافِرَ لِيُقاتِلَهُ فَإذا رَأسُهُ قَدْ سَقَطَ مِن قَبْلِ أنْ يَصِلَ إلَيْهِ، ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا باهِرًا قالَ مُنَبِّهًا عَلى عَظَمَتِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرِ (p-٤٢٥)العَظِيمِ الشَّأْنِ ﴿لآيَةً﴾ أيْ باهِرَةً ﴿لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فَإنَّ المَواعِظَ لا تَنْفَعُ غَيْرَهم.
قالَ الحَرالِيُّ: ولَمّا ضَعُفَ قَبُولَهم عَنِ النَّظَرِ والِاسْتِبْصارِ صارَ حالُهم في صُورَةِ الضَّعْفِ الَّذِي يُقالُ فِيهِ: إنْ كانَ كَذا، فَكانَ في إشْعارِهِ خَلَلُهم وفِتْنَتُهم إلّا قَلِيلًا - انْتَهى.
وفِي هَذِهِ القِصَّةِ تَوْطِئَةٌ لِغَزْوَةِ بَدْرٍ وتَدْرِيبٌ لِمَن كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ وهو كُرْهٌ لَهم وتَأْدِيبٌ لَهم وتَهْذِيبٌ وإشارَةٌ عَظِيمَةٌ واضِحَةٌ إلى خِلافَةِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِما دَلَّ عَلَيْهِ مِن أمْرِ اسْتِخْلافِهِ في الإمامَةِ في الصَّلاةِ الَّتِي هي خُلاصَةُ هَذا الدِّينِ كَما أنَّ ما في تابُوتِ الشَّهادَةِ كانَ خُلاصَةَ ذَلِكَ الدِّينِ، وتَحْذِيرٌ لِمَن لَعَلَّهُ يُخالِفُ فِيها أوْ يَقُولُ إنَّهُ لَيْسَ مِن بَنِي هاشِمٍ ولا عَبْدِ مَنافٍ الَّذِينَ هم بَيْتُ الإمامَةِ والرِّئاسَةِ ونَحْوَ ذَلِكَ مِمّا حَمى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ مِنهُ، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يَأْبى اللَّهُ ذَلِكَ والمُؤْمِنُونَ» وفي تَوْجِيهِ الخِطابِ إلى النَّبِيِّ ﷺ إعْلامٌ بِأنَّ أوَّلَ مَقْصُودٍ بِهِ الأقْرَبُ مِنهُ ﷺ فالأقْرَبُ، وفِيها تَشْجِيعٌ لِلصَّحابَةِ رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ فِيما يَنْدُبُهم إلَيْهِ الصَّدِيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِن قِتالِ أهْلِ الرِّدَّةِ وما بَعْدَهُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الإشاراتِ الَّتِي تَقْصُرُ عَنْها العِباراتُ - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى المُوَفِّقُ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии