Аль-Бикаи · Тафсир · на арабском
Аль-Хаджж 22:12–25
22:12Страница 333
يَدۡعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُۥ وَمَا لَا يَنفَعُهُۥۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَٰلُ ٱلۡبَعِيدُ ١٢
Вместо Аллаха он взывает к тому, что не приносит ему ни вреда, ни пользы. Это и есть глубокое заблуждение!
ثُمَّ بَيَّنَ هَذا الخُسْرانَ الَّذِي رَدَّهُ إلى ما كانَ فِيهِ قَبْلَ الإيمانِ الحَرْفِيِّ بِقَوْلِهِ: ﴿يَدْعُو﴾ أيْ يَعْبُدُ حَقِيقَةً أوْ مَجازًا مَعَ التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ بِالِاعْتِمادِ عَلى غَيْرِ اللَّهِ ومُنابَذَةِ ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] ولَمّا كانَ كُلُّ ما سِوى اللَّهِ دُونَهُ، نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ عَنْ أدْنى رُتْبَةٍ مِن رُتَبِ المُسْتَجْمِعِ لِصِفاتِ الكَمالِ.
ولَمّا كانَ المُقْتَضِي لِلْعِبادَةِ إنَّما هو الفِعْلُ بِالِاخْتِيارِ، وأمّا الفِعْلُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الطَّبْعُ والقَسْرُ عَلَيْهِ فَلا عِبْرَةَ بِهِ في ذَلِكَ، فَإنَّهُ لا قُدْرَةَ عَلى الِانْفِكاكِ عَنْهُ فَلا حَمْدَ لِفاعِلِهِ، نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لا يَضُرُّهُ﴾ أيْ بِوَجْهٍ (p-١٩)مِنَ الوُجُوهِ حَتّى ولا بِقَطْعِ النَّفْعِ إنْ كانَ يُتَصَوَّرُ مِنهُ.
ولَمّا قَدَّمَ الضُّرَّ لِأنَّهُ مِنَ الأعْذارِ المَقْبُولَةِ في ارْتِكابِ الخَطَأِ، أتْبَعَهُ النَّفْعَ قَطْعًا لِكُلِّ مَقالٍ فَقالَ: ﴿وما لا يَنْفَعُهُ﴾ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ولا بِتَرْكِ الضُّرِّ إنْ وُجِدَ مِنهُ، ولَوْ أُسْقِطَتْ ”ما“ مِنَ الثّانِي لَظُنَّ أنَّ الذَّمَّ يُشْتَرَطُ فِيهِ انْتِفاءُ الضُّرِّ والنَّفْعِ مَعًا حَتّى أنَّ مَنِ ادَّعى ما انْتَفى عَنْهُ أحَدُهُما لَمْ يُذَمَّ ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الفِعْلُ الدّالُّ عَلى أعْظَمِ السَّفَهِ وهو دُعاءُ شَيْءٍ انْتَفى عَنْهُ القُدْرَةُ عَلى النَّفْعِ، أوْ شَيْءٍ انْتَفى عَنْهُ القُدْرَةُ عَلى الضُّرِّ ﴿هُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿الضَّلالُ البَعِيدُ﴾ عَنِ الحَقِّ والرَّشادِ الَّذِي أوْصَلَ إلى فَيافِي مَجاهِلَ لا يَتَأتّى الرُّجُوعُ مِنها، وذَلِكَ لِأنَّ الأوَّلَ لَوْ تَرَكَ عِبادَتَهُ ما قَدَرَ عَلى مَنعِ إحْسانِهِ، والثّانِي لَوْ تَقاداهُ ما وصَلَ إلى نَفْعِهِ ولا بِتَرْكِ ضُرِّهِ، فَعِبادَتُهُما عَبَثٌ، لِأنَّهُ اسْتَوى فِعْلُها وتَرْكُها.
22:13Страница 333
يَدۡعُواْ لَمَن ضَرُّهُۥٓ أَقۡرَبُ مِن نَّفۡعِهِۦۚ لَبِئۡسَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَلَبِئۡسَ ٱلۡعَشِيرُ ١٣
Он взывает к тому, кто может быстрее навредить, чем принести пользу. Плох такой господин! Плох такой товарищ!
ولَمّا كانَ الإحْسانُ جالِبًا لِلْإنْسانِ، مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى مَوْرِدِهِ، لِأنَّ القُلُوبَ جُبِلَتْ عَلى حُبِّ مَن أحْسَنَ إلَيْها، بَيَّنَ أنَّ ما قِيلَ في جانِبِ النَّفْعِ إنَّما هو عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ فَقالَ: ﴿يَدْعُو﴾ ولَمّا كانَ ما فُرِضَ أوَّلًا فِيما عَبَّرَ عَنْهُ بِ ”ما“ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ عاقِلٍ، فَيَكُونُ ما صَدَرَ مِنهُ لِعَدَمِهِ (p-٢٠)العَقْلَ، أزالَ هَذا الإبْهامَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَمَن﴾ أيْ زاعِمًا أنَّ مَن ﴿ضَرُّهُ﴾ ولَوْ بِعِبادَتِهِ المُوجِبَةِ لِأعْظَمِ الشَّقاءِ ﴿أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ﴾ الَّذِي يُتَوَقَّعُ مِنهُ - إلَهٌ.
ولَمّا كانَتِ الوِلايَةُ الكامِلَةُ لا تَنْبَغِي إلّا لِمَن يَكُونُ تَوَقُّعُ النَّفْعِ مِنهُ والضُّرِّ عَلى حَدٍّ سَواءٍ، لِقُدْرَتِهِ عَلى كُلٍّ مِنهُما بِاخْتِيارِهِ، وكانَ العَشِيرُ لا يَصْلُحُ إلّا إنْ كانَ مَأْمُونَ العاقِبَةِ، وكانَ هَذا المَدْعُوُّ إنْ نُظِرَ إلَيْهِ في جانِبِ الضُّرِّ وُجِدَ غَيْرَ قادِرٍ عَلَيْهِ، أوْ في جانِبِ النَّفْعِ فَكَذَلِكَ، وإنْ فُرِضَ تَوَقُّعُ نَفْعِهِ أوْ ضُرِّهِ كانَ خَوْفُ ضُرِّهِ أقْرَبَ مِن رَجاءِ نَفْعِهِ، اسْتَحَقَّ غايَةَ الذَّمِّ فَلِذَلِكَ اسْتَأْنَفَ تَعالى وصْفَهُ بِقَوْلِهِ مُعَبِّرًا في ذَمِّهِ بِالأداةِ المَوْضُوعَةِ لِمَجامِعِ الذَّمِّ: ﴿لَبِئْسَ المَوْلى﴾ لِكَوْنِهِ لَيْسَ مَرْجُوَّ النَّفْعِ كَما هو مَخْشِيَّ الضُّرِّ ﴿ولَبِئْسَ العَشِيرُ﴾ لِكَوْنِهِ لَيْسَ مَأْمُونَ الضُّرِّ فَهو غَيْرُ صالِحٍ لِوِلايَةٍ ولا لِعِشْرَةِ بِوَجْهٍ.
22:14Страница 333
إِنَّ ٱللَّهَ يُدۡخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يُرِيدُ ١٤
А тех, которые уверовали и совершали праведные деяния, Аллах введет в Райские сады, в которых текут реки. Воистину, Аллах поступает так, как пожелает.
ولَمّا أفْهَمَ ما تَقَدَّمَ أنَّ هَذا الإلَهَ المَدْعُوَّ إلَيْهِ قادِرٌ عَلى كُلٍّ مِنَ النَّفْعِ والضُّرِّ بِالِاخْتِبارِ، وأنَّ تَجْوِيزَ الوُقُوعِ لِكُلٍّ مِنهُما مِنهُ عَلى حَدٍّ سَواءٍ، نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُسْتَأْنِفًا: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الحائِزَ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ المُنَزَّهِ عَنْ جَمِيعِ شَوائِبِ النَّقْصِ ﴿يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِرُسُلِهِ وما دَعَتْ إلَيْهِ مِن شَأْنِهِ ﴿وعَمِلُوا﴾ تَصْدِيقًا لِإيمانِهِمْ ﴿الصّالِحاتِ﴾ الخالِصَةَ (p-٢١)الشّاهِدَةَ بِثَباتِهِمْ في الإيمانِ بَعْدَ ما ضَرَّهم في الدُّنْيا بِأنْواعِ المَعايِبِ، تَطْهِيرًا لَهم مِمّا اقْتَرَفُوهُ مِنَ الزَّلّاتِ، وأهْوَتْهم إلَيْهِ الهَفَواتُ ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها﴾ أيْ مِن أيِّ مَكانٍ أرَدْتَ مِن أرْضِها ﴿الأنْهارُ﴾ ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا باهِرًا دَلَّ عَلى سُهُولَتِهِ بِقَوْلِهِ: تَصْرِيحًا بِما أفْهَمَهُ السِّياقُ مِن وصْفِ الِاخْتِيارِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المُحِيطَ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا ﴿يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ مِن كُلِّ نَفْعٍ وضُرٍّ.
22:15Страница 333
مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ فَلۡيَمۡدُدۡ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ثُمَّ لۡيَقۡطَعۡ فَلۡيَنظُرۡ هَلۡ يُذۡهِبَنَّ كَيۡدُهُۥ مَا يَغِيظُ ١٥
Кто полагает, что Аллах не окажет ему (Мухаммаду) помощи в этом мире и в Последней жизни, пусть подвяжет веревку к небу (или потолку), а затем перережет ее и посмотрит, устранит ли его хитрость то, что вызывает его ярость.
ولَمّا أتَمَّ الدَّلِيلَ عَلى خُسْرانِ هَذا المُنْقَلَبِ ورِبْحِ الثّابِتِ، وكانَ هَذا مُفْهِمًا لِأنَّ مَن رَجاهُ لِما وعَدَ بِهِ بادَرَ الإقْبالَ عَلَيْهِ ولَمْ يَنْفَعْ إلّا نَفْسَهُ، ومَن لا يَرْجُ ذَلِكَ أعْرَضَ عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ مُنْقَلِبًا عَلى وجْهِهِ فَلَمْ يَضُرَّ إلّا نَفْسَهُ، تَرْجَمَ عَنْ حالِ هَذا الثّانِي العابِدِ عَلى حَرْفٍ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ يَظُنُّ﴾ أيْ مِمَّنْ أصابَتْهُ فِتْنَةٌ ﴿أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ في حالٍ مِن أحْوالِهِ ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ فَأعْرَضَ عَنْهُ انْقِلابًا عَلى وجْهِهِ فَإنَّهُ لا يَضُرُّ إلّا نَفْسَهُ وإنْ ظَنَّ أنَّهُ لا يَضُرُّها ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾ أيْ حَبْلٍ أوْ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ المُوصِلَةِ لَهُ ﴿إلى السَّماءِ﴾ الَّتِي يُرِيدُها مِن سَقْفٍ أوْ سَحابٍ أوْ غَيْرِهِما.
ولَمّا كانَ مَدُّهُ ذَلِكَ مُتَعَسِّرًا أوْ مُتَعَذِّرًا، عَبَّرَ عَمّا يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ بِأداةِ (p-٢٢)التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ لِيَقْطَعْ﴾ أيْ لِيُوجِدْ مِنهُ وصْلٌ وقَطْعٌ، أيْ لِيَبْذُلْ جُهْدَهُ في دَفْعِ القَضاءِ والقَدَرِ عَنْهُ، وهي لامُ أمْرٍ عِنْدَ مَن حَرَّكَها بِالكَسْرِ إفْهامًا لِشِدَّةِ الحَرَكَةِ في المُزاوَلَةِ لِلذَّهابِ إلى السُّفْلِ الدّالِّ عَلى عَدَمِ العَقْلِ، وهم أبُو عَمْرٍو وابْنِ عامِرٍ ووَرْشٍ عَنْ نافِعٍ ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ، أوْ أسْكَنَها وهُمُ الباقُونَ ﴿فَلْيَنْظُرْ﴾ بِبَصَرِهِ وبَصِيرَتِهِ ﴿هَلْ يُذْهِبَنَّ﴾ وإنِ اجْتَهَدَ ﴿كَيْدُهُ ما يَغِيظُ﴾ أيْ شَيْئًا يَحْصُلُ لَهُ مِنهُ غَيْظٌ، أوْ يَكُونُ المَعْنى: فَلْيَفْعَلْ ما يَفْعَلُهُ مَن بَلَغَ مِنهُ الغَيْظُ بِأنْ يَرْبُطَ حَبْلًا بِسَقْفِ بَيْتِهِ ثُمَّ لِيَرْبِطْهُ في عُنُقِهِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ ما بَيْنَ رِجْلَيْهِ وبَيْنَ الأرْضِ لِيَخْتَنِقَ، وهَذا كَما يُقالُ لِمَن أدْبَرَ عَنْهُ أمْرٌ فَجَزِعَ: اضْرِبْ بِرَأْسِكَ الجِدارَ إنْ لَمْ تَرْضَ هَذا، مُتْ غَيْظًا - ونَحْوَ ذَلِكَ، والحاصِلُ أنَّهُ إنْ لَمْ يَصْبِرْ عَلى المَصائِبِ لِلَّهِ طَوْعًا صَبَرَ عَلَيْها كُرْهًا مَعَ ما نالَهُ مِن أسْبابِ الشَّقاءِ.
22:16Страница 334
وَكَذَٰلِكَ أَنزَلۡنَٰهُ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖ وَأَنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يُرِيدُ ١٦
Таким образом Мы ниспослали его (Коран) в виде ясных аятов, и Аллах ведет прямым путем того, кого пожелает.
ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ هَذِهِ الآياتِ المَرْئِيَّةَ، في هَذِهِ الأسالِيبِ العَلِيَّةِ، هَذا البَيانَ الشّافِيَ الهادِيَ بِإعْجازِ حُكْمِهِ، بَيَّنَ أنَّهُ مُعْجِزٌ أيْضًا بِنَظْمِهِ، فَقالَ: ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ ومِثْلَ ما بَيَّنّا هَذِهِ الآياتِ المَرْئِيَّةَ الَّتِي أنْزَلْنا كَلامَنا لِبَيانِ حُكْمِها وإظْهارِ أسْرارِها ﴿أنْـزَلْناهُ﴾ أيِ الكَلامَ كُلَّهُ بِما لَنا (p-٢٣)مِنَ العَظَمَةِ الباهِرَةِ ﴿آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ مُعْجِزًا نَظْمُها، كَما كانَ مُعْجِزًا حُكْمِها.
ولَمّا كانَ الكَلامُ بَيِّنًا في أنَّ التَّقْدِيرَ: لِيَعْلَمَ إذا ضَلَّ ضالٌّ مَعَ هَذا البَيانِ أنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يُرِيدُ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وأنَّ﴾ أيْ ولِيَعْلَمَ أنَّ ﴿اللَّهَ﴾ أيِ المَوْصُوفَ بِالإكْرامِ، كَما هو مَوْصُوفٌ بِالِانْتِقامِ ﴿يَهْدِي﴾ أيْ بِآياتِهِ ﴿مَن يُرِيدُ﴾ أيْ لِتَبَيُّنِ قُدْرَتِهِ واخْتِيارِهِ إزاحَةً لِغَمِّ مَن يَقُولُ: إذا كانَتِ الآياتُ المَرْئِيَّةُ والمَسْمُوعَةُ في هَذا الحَدِّ مِنَ البَيانِ فَما لِأكْثَرِ النّاسِ عَلى ضَلالِهِمْ يَتَخَلَّفُ فِيهِمُ المُسَبِّباتُ عَنْ أسْبابِها.
22:17Страница 334
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّٰبِـِٔينَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلۡمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡصِلُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ ١٧
В День воскресения Аллах рассудит между верующими, исповедующими иудаизм, сабиями, христианами, огнепоклонниками и многобожниками. Воистину, Аллах является Свидетелем всякой вещи.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ مُوجِبًا لِلسُّؤالِ، عَنْ حالِ الفَرِيقَيْنِ: المَهْدِيِّ والضّالِّ، أجابَ عَنْ ذَلِكَ بِبَيانِ جَمِيعِ فِرَقِ الضَّلالِ، لِأنَّ لِهَذِهِ السُّورَةِ أتَمَّ نَظَرٍ إلى يَوْمِ الجَمْعِ الَّذِي هو مَقْصُودُ السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَها، فَقَصَدَ إلى اسْتِيعابِ الفَرْقِ تَصْوِيرًا لِذَلِكَ اليَوْمِ بِألْيَقِ صُورَةٍ، وقَرَنَ بِكُلٍّ مِن فَرِيقَيْ أهْلِ الكِتابِ مُوافَقَةً في مَعْناهُ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ مِن أيِّ فِرْقَةٍ كانُوا، وعَبَّرَ بِالفِعْلِ لِيَشْمَلَ الإقْرارُ بِاللِّسانِ، الَّذِي هو أدْنى وُجُوهِ الإيمانِ ﴿والَّذِينَ هادُوا﴾ أيِ انْتَحَلُوا اليَهُودِيَّةَ، عَلى أيِّ حالٍ كانُوا مِن إيمانٍ أوْ كُفْرانٍ.
ولَمّا كانَ اليَهُودُ عَبَدُوا الأصْنامَ مُتَقَرِّبِينَ بِها إلى النُّجُومِ (p-٢٤)كَما مَضى في المائِدَةِ، أتْبَعَهم مَن شابَهُوهُ فَقالَ: ﴿والصّابِئِينَ﴾ ثُمَّ تَلا بِثانِي فَرِيقَيْ أهْلِ الكِتابِ فَقالَ: ﴿والنَّصارى﴾ ثُمَّ أتْبَعَهم مِن أشْبَهَهُ بَعْضُ فِرَقِهِمْ في قَوْلِهِمْ بِإلَهَيْنِ اثْنَيْنِ فَقالَ: ﴿والمَجُوسَ﴾ وهم عَبَدَةُ النّارِ؛ ثُمَّ خَتَمَ بِأعَمِّ الكُلِّ في الضَّلالِ كَما فَتَحَ بِأعَمِّهِمْ في الهُدى فَقالَ: ﴿والَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ لِشُمُولِهِ كُلَّ شِرْكٍ حَتّى الأصْغَرَ مِنَ الرِّبا وغَيْرِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكَ الأعْظَمَ الَّذِي لَهُ المُلْكُ كُلُّهُ وهو أحْكَمُ الحاكِمِينَ ﴿يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ فَيُجازِي كُلّا بِعَمَلِهِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ في مَجارِي عاداتِكُمْ، ويَقْتَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ، ويُمَيِّزُ الخَبِيثَ مِنهم مِنَ الطَّيِّبِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الجامِعَ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ كُلِّها ﴿شَهِيدٌ﴾ فَلا شَيْءَ إلّا وهو بِهِ عَلِيمٌ، فَهو لِذَلِكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، كَما مَضى بَيانُهُ في ﴿وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه: ٩٨] في طَهَ، وقالَ الحَرالِيُّ في شَرْحِ الأسْماءِ الحُسْنى: الشَّهادَةُ رُؤْيَةُ خِبْرَةٍ بِطَيَّةِ الشَّيْءِ ودُخْلَتِهِ مِمَّنْ لَهُ غِنًى في أمْرِهِ، فَلا شَهادَةَ إلّا بِخِبْرَةٍ وغِنًى مِمَّنْ لَهُ اعْتِدالٌ في نَفْسِهِ بِأنْ لا يَحِيفَ عَلى غَيْرِهِ، فَيَكُونُ مِيزانَ عَدْلٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ، فَيَحِقُّ لَهُ أنْ يَكُونَ مِيزانًا بَيْنَ كُلِّ مُتَداعِيَيْنِ مِمَّنْ يُحِيطُ بِخِبْرَةِ أمْرِهِما ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] وبِحَسَبِ إحاطَةِ عِلْمِ الشَّهِيدِ (p-٢٥)تُرْهَبُ شَهادَتُهُ، ولِذَلِكَ أرْهَبُ شَهادَةٍ شَهادَةُ اللَّهِ عَلى خَلْقِهِ ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٩] ولَمّا كانَ أيُّما الإحاطَةِ والخِبْرَةِ والرُّقْبَةِ لِلَّهِ كانَ بِالحَقِيقَةِ لا شَهِيدَ إلّا هو - انْتَهى.
22:18Страница 334
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسۡجُدُۤ لَهُۥۤ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلۡجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٞ مِّنَ ٱلنَّاسِۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيۡهِ ٱلۡعَذَابُۗ وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّكۡرِمٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يَشَآءُ۩ ١٨
Неужели ты не видишь, что перед Аллахом падают ниц те, кто на небесах и на земле, солнце, луна, звезды, горы, деревья, животные и многие люди. А многие из них заслуживают мучений. Никто не окажет почтения тому, кого унизит Аллах. Воистину, Аллах поступает так, как пожелает.
ولَمّا كانَ جَمِيعُ ما تَقَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ دالًّا عَلى أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وأنَّهُ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ، وخَتَمَ ذَلِكَ بِأنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ لَمْ يَغِبْ ولا يَغِيبُ شَيْءٌ عَنْهُ، فاقْتَضى ذَلِكَ قَيُّومِيَّتَهُ، وكانَ بِحَيْثُ يُسْتَعْظَمُ لِكَثْرَةِ الخَلائِقِ فَكَيْفَ بِأحْوالِهِمْ، قَرَّرَ ذَلِكَ في جَوابِ مَن كَأنَّهُ سَألَ فَهي في مَعْنى العِلَّةِ، فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الحائِزَ لِجَمِيعِ الكَمالِ المُبَرَّأ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ ﴿يَسْجُدُ لَهُ﴾ أيْ يَخْضَعُ مُنْقادًا لِأمْرِهِ مُسَخِّرًا لِما يُرِيدُ مِنهُ تَسْخِيرَ مَن هو في غايَةِ الِاجْتِهادِ في العِبادَةِ والإخْلاصِ فِيها ﴿مَن في السَّماواتِ﴾
ولَمّا كانَ في السِّياقِ مُقْتَضِيًا لِلْإبْلاغِ في صِفَةِ القَيُّومِيَّةِ بِشَهادَةٍ ذَكَرَ الفَصْلَ بَيْنَ جَمِيعِ الفِرَقِ، أكَّدَ بِإعادَةِ المَوْصُولِ فَقالَ: ﴿ومَن في الأرْضِ﴾ إنْ أخْلَتْ غَيْرَ العاقِلِ فَبِالتَّغْلِيبِ، وإنْ خَصَّصَتْ فَبِالعاقِلِ أفْهَمَ خُضُوعَ غَيْرِهِ مِن بابِ الأوْلى. ولَمّا ذَكَرَ ما يَعُمُّ العاقِلَ وغَيْرَهُ، أتْبَعَهُ بِأشْرَفِ (p-٢٦)ما ذَكَرَ مِمّا لا يَعْقِلُ لِأنَّ كُلّا مِنهُما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْ عُبِدَ شَيْءٌ مِنهُ فَقالَ: ﴿والشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ﴾ مِنَ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ فَعَبَدَ الشَّمْسَ حِمْيَرٌ، والقَمَرَ كِنانَةُ، والدَّبَرانِ تَمِيمٌ، والشِّعْرى لَخْمٌ، والثُّرَيّا طَيِّئٌ وعُطارِدًا أسْدٌ، والمُرْزِمَ رَبِيعَةُ - قالَهُ أبُو حَيّانَ. ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ أعْلامَ الذَّواتِ السُّفْلِيَّةِ فَقالَ: ﴿والجِبالُ﴾ أيِ الَّتِي تُنْحَتُ مِنها الأصْنامُ ﴿والشَّجَرُ﴾ الَّتِي عُبِدَ بَعْضُها ﴿والدَّوابُّ﴾ الَّتِي عُبِدَ مِنها البَقَرُ، كُلُّ هَذِهِ الأشْياءِ تَنْقادُ لِأمْرِ اللَّهِ، ومِنَ المَعْلُومِ لِكَوْنِ هَذِهِ لا تَعْقِلُ - أنَّ أمْرَهُ لَها هو مُرادُهُ مِنها.
ولَمّا كانَ العُقَلاءُ مِنَ المُكَلَّفِينَ قَدْ دَخَلُوا في قَوْلِهِ ﴿ومَن في الأرْضِ﴾ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وكانَ السُّجُودُ المَمْدُوحُونَ عَلَيْهِ إنَّما هو المُوافِقُ لِلْأمْرِ، لا المُوافِقُ لِلْإرادَةِ المُجَرَّدَةِ عَنِ الأمْرِ، قالَ دالًّا عَلى إرادَتِهِ هُنا بِتَكْرِيرِهِمْ وتَقْسِيمِهِمْ بَعْدَ إدْخالِهِمْ في سُجُودِ الإرادَةِ وتَعْمِيمِهِمْ: ﴿وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ﴾ أيْ يَسْجُدُ سُجُودًا هو مِنهُ عِبادَةٌ شَرْعِيَّةٌ فَحَقَّ لَهُ الثَّوابُ ﴿وكَثِيرٌ﴾ أيْ مِنهم ﴿حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ﴾ بِقِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ بِكَوْنِهِ لَمْ يَسْجُدْ، فَجَحَدَ الأمْرَ الَّذِي مَن جَحَدَهُ كانَ كافِرًا وإنْ كانَ ساجِدًا عابِدًا بِالمَعْنى اللُّغَوِيِّ الَّذِي هو الجَرْيُ مَعَ المُرادِ، وعَلى القَوْلِ بِأنَّ (p-٢٧)هَذا في تَقْدِيرِ عامِلٍ مِن لَفْظِ الأوَّلِ بِغَيْرِ مَعْناهُ هو قَرِيبٌ مِنَ الِاسْتِخْدامِ الَّذِي يَعْلُو فِيهِ ضَمِيرٌ عَلى لَفْظٍ مُرادٍ مِنهُ مَعْنًى آخَرُ، والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: إثْباتُ السُّجُودِ في الأوَّلِ دَلِيلٌ عَلى انْتِفائِهِ في الثّانِي، وذِكْرُ العَذابِ في الثّانِي دَلِيلٌ عَلى حَذْفِ الثَّوابِ في الأوَّلِ.
ولَمّا عُلِمَ بِهَذا أنَّ الكُلَّ جارُونَ مَعَ الإرادَةِ مُنْقادُونَ أتَمَّ انْقِيادٍ تَحْتَ طَوْعِ المَشِيئَةِ، وأنَّهُ إنَّما جَعَلَ الأمْرَ والنَّهْيَ لِلْمُكَلَّفِينَ سَبَبًا لِإسْعادِ السَّعِيدِ مِنهم وإشْقاءِ الشَّقِيِّ، لِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ عَلى ما يَتَعارَفُونَهُ مِن أحْوالِهِمْ فِيما بَيْنَهُمْ، كانَ المَعْنى: فَمَن يُكْرِمِ اللَّهُ بِتَوْفِيقِهِ لِامْتِثالِ أمْرِهِ فَما لَهُ مِن مُهِينٍ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ:﴿ومَن يُهِنِ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ بِمُنابَذَةِ أمْرِهِ ﴿فَما لَهُ مِن مُكْرِمٍ﴾ لِأنَّهُ لا قُدْرَةَ لِغَيْرِهِ أصْلًا، ولَعَلَّهُ إنَّما ذَكَرَهُ وطَوى الأوَّلَ لِأنَّ السِّياقَ لِإظْهارِ القُدْرَةِ، وإظْهارُها في الإهانَةِ أتَمُّ، مَعَ أنَّ أصْلَ السِّياقِ لِلتَّهْدِيدِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ أنَّ الفِعْلَ لَهُ لا لِغَيْرِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكَ الأعْظَمَ ﴿يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ أيْ كُلَّهُ، فَلَوْ جازَ أنْ يُمانِعَهُ غَيْرُهُ ولَوْ في لَحْظَةٍ لَمْ يَكُنْ فاعِلًا لِما يَشاءُ، فَصَحَّ أنَّهُ لا فِعْلَ لِغَيْرِهِ، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قالَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ شَيْبانَ الرَّمْلِيُّ عَنِ القَدّاحِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (p-٢٨)أنَّهُ قِيلَ لَهُ: إنَّ هَهُنا رَجُلًا يَتَكَلَّمُ في المَشِيئَةِ، فَقالَ لَهُ عَلِيٌّ: يا عَبْدَ اللَّهِ خَلَقَكَ اللَّهُ كَما شاءَ أوْ كَما شِئْتَ؟ قالَ: بَلْ كَما شاءَ، قالَ: فَيُمْرِضُكَ إذا شاءَ أوْ إذا شِئْتَ؟ قالَ: بَلْ إذا شاءَ، قالَ: فَيَشْفِيكَ إذا شاءَ أوْ إذا شِئْتَ؟ قالَ: بَلْ إذا شاءَ، قالَ: فَيُدْخِلُكَ حَيْثُ شِئْتَ أوْ حَيْثُ يَشاءُ؟ قالَ: بَلْ حَيْثُ يَشاءُ، قالَ: واللَّهِ لَوْ قُلْتَ غَيْرَ ذَلِكَ لَضَرَبْتُ الَّذِي فِيهِ عَيْناكَ بِالسَّيْفِ، وقَدْ مَرَّ في سُورَةِ يُوسُفَ عِنْدَ
﴿إنِ الحُكْمُ إلا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ [يوسف: ٦٧] ما يَنْفَعُ هُنا.
22:19Страница 334
۞ هَٰذَانِ خَصۡمَانِ ٱخۡتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمۡۖ فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتۡ لَهُمۡ ثِيَابٞ مِّن نَّارٖ يُصَبُّ مِن فَوۡقِ رُءُوسِهِمُ ٱلۡحَمِيمُ ١٩
Вот две тяжущиеся группы, которые препирались по поводу своего Господа. Для тех, которые не уверовали, выкроят одеяния из Огня, а на головы им будут лить кипяток.
ولَمّا قَسَّمَ النّاسَ إلى مُخالِفٍ ومُؤالِفٍ، أتْبَعَهُ جَزاءَهم بِما يُرَغِّبُ المُؤالِفَ ويُرَهِّبُ المُخالِفَ عَلى وجْهٍ مُوجِبٍ لِلْأمْرِ بِالمَعْرُوفِ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ الجِهادُ لِوَجْهِهِ خالِصًا فَقالَ: ﴿هَذانِ﴾ أيِ السّاجِدُ والجاحِدُ مِن جَمِيعِ الفِرَقِ ﴿خَصْمانِ﴾ لا يُمْكِنُ مِنهُما المُسالَمَةُ الكامِلَةُ إذْ كُلٌّ مِنهُما في طَرَفٍ.
ولَمّا أشارَ بِالتَّثْنِيَةِ إلى كُلِّ فِرْقَةِ مِنهم صارَتْ - مَعَ كَثْرَتِها وانْتِشارِها بِاتِّحادِ الكَلِمَةِ في العَقِيدَةِ - كالجَسَدِ الواحِدِ، صَرَّحَ بِكَثْرَتِهِمْ بِالتَّعْبِيرِ بِالجَمْعِ فَقالَ: ﴿اخْتَصَمُوا﴾ أيْ أوْقَعُوا الخُصُومَةَ بِغايَةِ الجُهْدِ، ولَمّا كانَتِ الفِرَقُ المَذْكُورَةُ كُلُّها مُثْبَتَةً وقَدْ جَحَدَ أكْثَرُهُمُ (p-٢٩)النِّعْمَةَ، قالَ: ﴿فِي رَبِّهِمْ﴾ أيِ الَّذِي هم بِإحْسانِهِ إلَيْهِمْ مُعْتَرِفُونَ، لَمْ يَخْتَصِمُوا بِسَبَبٍ غَيْرِهِ أصْلًا، وحَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ أسَدُ اللَّهِ وأسَدُ رَسُولَهُ وعُبَيْدَةُ بْنُ الحارِثِ وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - الَّذِينَ هم أوَّلُ مَن بَرَزَ لِلْمُخاصَمَةِ بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ ورَضِيَ عَنْهم - لِلْكَفَرَةِ مَن بَنِي عَمِّهِمْ: عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ والوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، في غَزْوَةِ بَدْرٍ - أوْلى النّاسِ بِهَذِهِ الآيَةِ لِما رُوِيَ في الصَّحِيحِ عَنْ أبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "أنَّهُ كانَ يُقْسِمُ أنَّها نَزَلَتْ فِيهِمْ، ولِذَلِكَ قالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنا أوَّلُ مَن يَجْثُو بَيْنَ يَدَيِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وجَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ لِلْخُصُومَةِ أخْرَجَهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ، ولَعَلَّهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أوَّلُ الثَّلاثَةِ، قامَ لِمُنابَذَتِهِمُ النَّبِيَّ ﷺ فَإنَّهُ كانَ أشْبَّهم.
ولَمّا ذَكَرَ خُصُومَتَهم وشَرْطَها، ذَكَرَ جَزاءَهم عَلَيْها في فَصْلِ الأمْرِ الَّذِي قَدَّمَ ذِكْرَهُ، وبَدَأ بِالتَّرْهِيبِ لِأنَّ الإنْسانَ إلَيْهِ أحْوَجُ فَقالَ: ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مُنابِذِينَ لِأمْرِ رَبِّهِمْ ﴿قُطِّعَتْ﴾ تَقْطِيعًا لا يَعْلَمُ كَثْرَتَهُ إلّا اللَّهُ، بِأيْسَرِ أمْرٍ مِمَّنْ لا أمْرَ لِغَيْرِهِ ﴿لَهُمْ﴾ الآنَ وهُيِّئَتْ وإنْ وافَقُوا مُرادَ رَبِّهِمْ بِمُخالَفَتِهِمْ أمْرَهُ ﴿ثِيابٌ مِن نارٍ﴾ تُحِيطُ بِهِمْ وهي عَلى مَقادِيرِهِمْ سابِغَةٌ عَلَيْهِمْ كَما كانُوا يَسْلُبُونَ الثِّيابَ في الدُّنْيا (p-٣٠)تَعاظُمًا وتَكَبُّرًا حالَ كَوْنِهِمْ ﴿يُصَبُّ﴾ إذا دَخَلُوها ﴿مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ أيِ الماءَ الحارَّ حَرارَةً لا يَدْرِي مِقْدارَها إلّا بِالذَّوْقِ - أعاذَنا اللَّهُ مِنهُ.
22:20Страница 334
يُصۡهَرُ بِهِۦ مَا فِي بُطُونِهِمۡ وَٱلۡجُلُودُ ٢٠
От него будут плавиться их внутренности и кожа.
واسْتَأْنَفَ الإخْبارَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يُصْهَرُ﴾ أيْ يُذابُ، وأصْلُهُ المُخالَطَةُ الشَّدِيدَةُ ﴿بِهِ﴾ مِن شِدَّةِ حَرارَتِهِ ﴿ما في بُطُونِهِمْ﴾ مِن شَحْمٍ وغَيْرِهِ ﴿والجُلُودُ﴾ فَيَكُونُ أثَرُهُ في الباطِنِ والظّاهِرِ سَواءً.
﴿ولَهم مَقامِعُ﴾ جَمْعُ مِقْمَعَةٍ بِكَسْرٍ ثُمَّ فَتْحٍ، وهي عَمُودُ حَدِيدٍ يُضْرَبُ بِهِ الرَّأْسُ والوَجْهُ لِيَرُدَّ المَضْرُوبَ عَنْ مُرادِهِ رَدًّا عَنِيفًا، ثُمَّ نَفى المَجازَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن حَدِيدٍ﴾ أيْ يَقْمَعُونَ بِها.
22:22Страница 334
كُلَّمَآ أَرَادُوٓاْ أَن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَا مِنۡ غَمٍّ أُعِيدُواْ فِيهَا وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ ٢٢
Каждый раз, когда они захотят выбраться оттуда и избавиться от печали, их вернут обратно. Вкусите мучения от обжигающего Огня!
﴿كُلَّما أرادُوا﴾ أيْ كُلُّهم فالبَعْضُ بِطَرِيقِ الأوْلى ﴿أنْ يَخْرُجُوا مِنها﴾ أيْ مِن تِلْكَ الثِّيابِ أوْ مِنَ النّارِ.
ولَمّا كانَ السِّياقُ لِخُصُومَةِ أوْلِياءِ اللَّهِ المُتَّصِفِينَ بِما هو مَقْصُودُ السُّورَةِ مِنَ التَّقْوى لِلْكُفّارِ، المُنابِذِينَ لَها بِكُلِّ اعْتِبارٍ، اقْتَضى ذَلِكَ بِشارَةً لِلْأوْلِياءِ ونِذارَةً لِلْأعْداءِ - قَوْلُهُ زِيادَةً عَلى ما في السَّجْدَةِ: ﴿مِن غَمٍّ﴾ عَظِيمٍ لا يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهِ إلّا اللَّهُ ﴿أُعِيدُوا﴾ كُلُّ مَن ﴿فِيها﴾ كَأنَّهم يُضْرَبُونَ بِلَهِيبِ النّارِ فَيَرْفَعُهم حَتّى إذا كانُوا في أعْلاها ضَرَبُوا بِالمَقامِعِ فَهَوَوُا فِيها سَبْعِينَ خَرِيفًا - قالَهُ الحَسَنُ، أوْ أنَّهم يَضْطَرِبُونَ في تِلْكَ الثِّيابِ المُقَطَّعَةِ مِنَ النّارِ إلى أنْ يَكادُوا (p-٣١)أنْ يَنْفَصِلُوا مِنها وهم في النّارِ ثُمَّ يُرَدُّونَ كَما كانُوا، وذَلِكَ أشَدُّ في العَذابِ، مَقُولًا لَهُمْ: ارْجِعُوا صاغِرِينَ مُقاسِينَ لِغُمُومِها ﴿وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ أيِ العَذابَ البالِغَ في الإحْراقِ.
22:23Страница 334
إِنَّ ٱللَّهَ يُدۡخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ يُحَلَّوۡنَ فِيهَا مِنۡ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٖ وَلُؤۡلُؤٗاۖ وَلِبَاسُهُمۡ فِيهَا حَرِيرٞ ٢٣
А тех, которые уверовали и совершали праведные деяния, Аллах введет в Райские сады, в которых текут реки. Там они будут украшены золотыми браслетами и жемчугом, а их одеяния будут из шелка.
ولَمّا ذَكَرَ ما لِأحَدِ الخِصْمَيْنِ وهُمُ الكافِرُونَ، أتْبَعَهُ ما لِلْآخَرِ وهُمُ المُؤْمِنُونَ، وغَيَّرَ السِّياقَ بِالتَّأْكِيدِ لِمَن كَأنَّهُ سَألَ عَنْهُ، مُعَظِّمًا لَهُ بِإثْباتِ الِاسْمِ العِلْمِ الجامِعِ إيذانًا بِالِاهْتِمامِ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ عَبَّرَ في الإيمانِ بِالماضِي تَرْغِيبًا في المُبادَرَةِ إلى إيقاعِهِ ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ تَصْدِيقًا لِإيمانِهِمْ، وعَبَّرَ بِالماضِي إشارَةً إلى أنَّ مَن عَمِلَ الصّالِحَ انْكَشَفَ لَهُ ما كانَ مَحْجُوبًا عَنْهُ مِن حُسْنِهِ فَأحَبَّهُ ولَمْ يَنْفَكَّ عَنْهُ ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي﴾ أيْ دائِمًا ﴿مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ أيِ المِياهُ الواسِعَةُ، أيْنَما أرَدْتَ مِن أرْضِها جَرى لَكَ نَهْرٌ في مُقابَلَةِ ما يَجْرِي مِن فَوْقٍ رُؤُوسِ أهْلِ النّارِ ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها﴾ في مُقابَلَةِ ما يَزالُ مِن بَواطِنِ الكَفَرَةِ وظَواهِرِهِمْ ﴿مِن أساوِرَ﴾
ولَمّا كانَ مَقْصُودُها الحَثَّ عَلى التَّقْوى المُعْلِيَةِ إلى الإنْعامِ بِالفَضْلِ، شَوَّقَ إلَيْهِ بِأغْلى ما نَعْرِفُ مِنَ الحِلْيَةِ فَقالَ: ﴿مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا﴾ وقِراءَةُ نافِعٍ وعاصِمٍ بِنَصْبِهِ دَلِيلٌ عَلى عَطْفِهِ بِالجَرِّ عَلى ”أساوِرَ“ ﴿ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾ في مُقابَلَةِ ثِيابِ الكُفّارِ كَما كانَ لِباسُ الكُفّارِ (p-٣٢)فِي الدُّنْيا حَرِيرًا، ولِباسُ المُؤْمِنِينَ دُونَ ذَلِكَ، وقَدْ ورَدَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: «لا تَلْبَسُوا الحَرِيرَ فَإنَّ مَن لَبِسَهُ في الدُّنْيا لَمْ يَلْبَسْهُ في الآخِرَةِ» قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ ”ومَن لَمْ يَلْبَسِ الحَرِيرَ في الآخِرَةِ لَمْ يَدْخُلِ الجَنَّةَ“ قالَ تَعالى: ﴿ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾ انْتَهى "وذَلِكَ أنَّ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ قالَ: «إنَّما يَلْبَسُ هَذِهِ مَن لا خَلاقَ لَهُ في الآخِرَةِ» فَيُوشِكُ لِتَشَبُّهِهِ بِالكُفّارِ في لِباسِهِمْ - أنْ يُلْحِقَهُ اللَّهُ بِهِمْ فَلا يَمُوتُ مُسْلِمًا - واللَّهُ الهادِي.
22:24Страница 335
وَهُدُوٓاْ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ وَهُدُوٓاْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلۡحَمِيدِ ٢٤
Их научили благим словам и наставили на путь Достохвального.
﴿وهُدُوا﴾ أيْ بِأسْهَلِ أمْرٍ بِهِدايَةِ اللَّهِ أعَمَّ مِن أنْ يَكُونَ السَّبَبَ القَرِيبَ لِذَلِكَ العَقْلِ وحْدَهُ أوْ مَعَ الرَّسُولِ أوِ الكِتابِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ وهو حالٌ مِنَ ”الَّذِينَ آمَنُوا“، وما بَعْدَها خَتَمَ بِهِ لِئَلّا يَطُولَ الفَصْلُ بَيْنَ الفِعْلِ ومَفْعُولِهِ ولِتَكُونَ مَحاسِنُهم مُحِيطَةً بِذِكْرِ دُخُولِهِمُ الجَنَّةَ إشارَةً إلى دَوامِها ﴿إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ﴾ فَلَمْ يَزالُوا في حالٍ حَسَنٍ ﴿وهُدُوا﴾ وبَنى الفِعْلَ أيْضًا لِلْمَفْعُولِ إشارَةً إلى سُهُولَةِ الهِدايَةِ لَهم ولِلْأتْقِياءِ مِنهُمْ، ولِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرِ العِزَّةَ، واكْتَفى بِذِكْرِ الحَمْدِ فَقِيلَ: ﴿إلى صِراطِ الحَمِيدِ﴾ الَّذِي وفَّقَهم لِسُلُوكِ ما يُحْمَدُونَ عَلَيْهِ (p-٣٣)فَيُحْمَدُونَ عاقِبَةً، فَكانَ فِعْلُهم حَسَنًا كَما كانَ قَوْلُهم حَسَنًا، فَدَخَلُوا الجَنَّةَ الَّتِي هي أشْرَفُ دارٍ عِنْدَ خَيْرِ جارٍ وحُلُّوا فِيها أشْرَفَ الحُلِيِّ كَما تَحَلَّوْا في الدُّنْيا بِأشْرَفِ الطَّرائِقِ، هَذا بَعْدَ أنْ حازُوا أشْرَفَ الذِّكْرِ في الدُّنْيا عَكْسَ حالِ الكُفّارِ في اقْتِرافِ ما أدْخَلَهم ما كَلَّما أرادُوا الخُرُوجَ مِنهُ أُعِيدُوا فِيهِ، مَعَ ما نالَهم مِن سُوءِ الذِّكْرِ، بِإقْبالِهِمْ كالبَهائِمِ عَلى الفانِي مَعَ خِسَّتِهِ لِحُضُورِهِ، وإعْراضِهِمْ عَنِ الباقِي مَعَ شَرَفِهِ لِغِيابِهِ.
22:25Страница 335
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ ٱلَّذِي جَعَلۡنَٰهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ٱلۡعَٰكِفُ فِيهِ وَٱلۡبَادِۚ وَمَن يُرِدۡ فِيهِ بِإِلۡحَادِۭ بِظُلۡمٖ نُّذِقۡهُ مِنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ ٢٥
Воистину, тем, которые не веруют, сбивают других с пути Аллаха, не пускают их в Заповедную мечеть, которую Мы воздвигли для всех людей, независимо от того, проживают они в ней или кочуют, а также тем, кто желает там уклониться от истины по несправедливости, Мы дадим вкусить мучительные страдания.
ولَمّا بَيَّنَ ما لِلْفَرِيقَيْنِ، وتَضَمَّنَ ما لِلْفَرِيقِ الثّانِي بَيانُ أعْمالِهِمُ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِ إيمانِهِمْ، كَرَّرَ ذِكْرَ الفَرِيقِ الأوَّلِ لِبَيانِ ما يَدُلُّ عَلى اسْتِمْرارِ كُفْرِهِمْ، ويُؤَكِّدُ بَيانَ جَزائِهِمْ، فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ أوْقَعُوا هَذا الفِعْلَ الخَبِيثَ. ولَمّا كانَ المُضارِعُ قَدْ لا يُلْحَظُ مِنهُ زَمانٌ مُعَيَّنٌ مِن حالٍ أوِ اسْتِقْبالٍ، بَلْ يَكُونُ المَقْصُودُ مِنهُ الدَّلالَةَ عَلى مُجَرَّدِ الِاسْتِمْرارِ كَقَوْلِهِمْ: فُلانٌ يُعْطِي ويَمْنَعُ، قالَ عاطِفًا لَهُ عَلى الماضِي: ﴿ويَصُدُّونَ﴾ أيْ ويُدِيمُونَ الصَّدَّ ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ، بِاقْتِسامِهِمْ طُرَقَ مَكَّةَ، وقَوْلُ بَعْضِهِمْ لِمَن يَمُرُّ بِهِ: خَرَجَ فِينا ساحِرٌ، وآخَرُ يَقُولُ شاعِرٌ، وآخَرُ: كاهِنٌ، فَلا تَسْمَعُوا مِنهُ، فَإنَّهُ يُرِيدُ أنْ يَرُدَّكم عَنْ دِينِكُمْ؛ قالَ بَعْضُ مَن أسْلَمَ: لَمْ يَزالُوا بِي حَتّى جَعَلْتُ في أُذُنَيَّ الكُرْسُفَ مَخافَةَ أنْ أسْمَعَ شَيْئًا مِن كَلامِهِمْ. وكانُوا يُؤْذُونَ مَن أسْلَمَ - إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أعْمالِهِمْ، ولَعَلَّهُ إنَّما عَبَّرَ بِالمُضارِعِ رَحْمَةً مِنهُ لَهم لِيَكُونَ كالشَّرْطِ في الكُفْرِ فَيَدُلُّ عَلى (p-٣٤)أنَّ مَن تَرَكَ الصَّدَّ زالَ عَنْهُ الكُفْرُ وإنْ طالَ ذَلِكَ مِنهُ ( و ) يَصُدُّونَ عَنِ ”المَسْجِد الحَرام“ أنْ تُقامَ شَعائِرُهُ مِنَ الطَّوافِ فِيهِ بِالبَيْتِ والصَّلاةِ والحَجِّ والِاعْتِمارِ مِمَّنْ هو أهْلُ ذَلِكَ مِن أوْلِيائِنا. ثُمَّ وصَفَهُ بِما يُبَيِّنُ شَدِيدَ ظُلْمِهِمْ في الصَّدِّ عَنْهُ فَقالَ: ﴿الَّذِي جَعَلْناهُ﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿لِلنّاسِ﴾ أيْ كُلِّهِمْ؛ ثُمَّ بَيَّنَ جَعْلَهُ لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿سَواءً العاكِفُ فِيهِ﴾ أيِ المُقِيمُ ﴿والبادِ﴾ أيِ الزّائِرُ لَهُ مِنَ البادِيَةِ؛ قالَ الرّازِي في اللَّوامِعِ: ﴿سَواءً﴾ رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، و﴿العاكِفُ﴾ خَبَرَهُ، وصَلَحَ مِن تَنْكِيرِهِ لِلِابْتِداءِ، لِأنَّهُ كالجِنْسِ في إفادَةِ العُمُومِ الَّذِي هو أحْسَنُ العَهْدِ.
ولَمّا ذَكَرَ الكُفّارَ ودَلِيلَ كُفْرِهِمْ بِما اسْتَعْطَفَهُمْ، وزادَ في الِاسْتِعْطافِ بِحَذْفِ الخَبَرِ عَنْهُمْ، ودَلَّ آخِرُ الآيَةِ عَلى أنَّهُ يُذِيقُهُمُ العَذابَ الألِيمَ، عَطَفَ عَلَيْهِ ما يُنَفِّرُ عَنْ وصْفِهِمْ فَقالَ: ﴿ومَن يُرِدْ فِيهِ﴾ أيْ شَيْئًا مِن أفْعالِ الكُفّارِ مِنَ الصَّدِّ المَذْكُورِ وغَيْرِهِ، أيْ يَقَعُ مِنهُ إرادَةٌ لِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ ﴿بِإلْحادٍ﴾ أيْ مُصاحَبَةُ تِلْكَ الإرادَةِ ومُلْتَبِسَةٌ بِجَوْرٍ عَنِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ ومَيْلٍ واعْوِجاجٍ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ يَقَعُ عَلى مُطْلَقِ هَذا المَعْنى، بَيَّنَ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿بِظُلْمٍ﴾ أيْ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وأمّا صَدُّ الكُفّارِ عَنْهُ فَإنَّهُ بِحَقٍّ، لِأنَّهم نَجَسٌ لا يَنْبَغِي قُرْبانُهُمُ المَحالَّ المُقَدَّسَةَ، وكَذا صَدُّ الحائِضِ والجُنُبِ والخائِنِ ﴿نُذِقْهُ﴾ ولَمّا كانَ المَشْرُوطُ نَوْعًا مِنَ الإلْحادِ، لا الإلْحادَ الكامِلَ، عَبَّرَ بِقَوْلِهِ (p-٣٥)﴿مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ ودَلَّ هَذا الخَبَرُ عَمَّنْ أرادَ شَيْئًا مِمّا فَعَلَهُ الكُفّارُ أنَّ الخَبَرَ عَنِ الكُفّارِ الفاعِلِينَ لِما رُتِّبَ هَذا الجَزاءُ عَلى إرادَتِهِ ما قَدَّرْتُهُ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии