Аль-БикаиАль‑Муминун · 23:1–17

Аль-Бикаи · Тафсир · на арабском

المؤمنون

Аль-Муминун

Верующие · Мекканская · 118 аятов

23:1Страница 342

قَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١

Воистину, преуспели верующие,

(p-١٠٥)سُورَةُ المُؤْمِنُونَ

مَقْصُودُها اخْتِصاصُ المُؤْمِنِينَ بِالفَلاحِ، واسْمُها واضِحُ الدَّلالَةِ عَلى ذَلِكَ ( بِسْمِ اللَّهِ ) الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ، فَلا رادَّ لِأمْرِهِ ( الرَّحْمَنِ ) الَّذِي مِن عُمُومِ رَحْمَتِهِ الإبْلاغُ في البَيانِ (الرَّحِيمِ) الَّذِي خَصَّ مَن أرادَ بِالإيمانِ.

لَمّا خُتِمَتِ الحَجُّ بِنِداءِ الَّذِينَ آمَنُوا وأمْرِهِمْ بِأُمُورِ الدِّينِ خاصَّةً وعامَّةً، وخَتَمَ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ والعِصْمَةِ بِهِ سُبْحانَهُ مَوْصُوفًا بِما ذَكَرَ، أوْجَبَ ذَلِكَ تَوَقُّعَ المُنادِينَ كُلَّ خَيْرٍ، فابْتَدَأتْ هَذِهِ بِما يُثْمِرُ الِاعْتِصامَ بِهِ سُبْحانَهُ في الصَّلاةِ وغَيْرِها مِن خِلالِ الدِّينِ في الدّارَيْنِ، فَقالَ تَعالى مُفْتَتِحًا بِحَرْفِ التَّوَقُّعِ ﴿قَدْ﴾ وهي نَقِيضَةٌ لِما تُثْبِتُ المُتَوَقَّعَ وتُقَرِّبُ الماضِيَ مِنَ الحالِ ولِما تَنْفِيهِ ﴿أفْلَحَ﴾ أيْ فازَ وظَفِرَ الآنَ بِكُلِّ ما يُرِيدُ، ونالَ البَقاءَ الدّائِمَ في الخَيْرِ ﴿المُؤْمِنُونَ﴾ وعَبَّرَ بِالِاسْمِ إشارَةً إلى أنَّ مَن أقَرَّ بِالإيمانِ وعَمِلَ بِما أُمِرَ بِهِ في آخِرِ الَّتِي قَبْلَها، اسْتَحَقَّ الوَصْفَ الثّابِتَ لِأنَّهُ اتَّقى وأنْفَقَ مِمّا رُزِقَ فَأفْلَحَ ”ومَن يُوقَ شَحَّ نَفْسه فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ“ .

23:2Страница 342

ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي صَلَاتِهِمۡ خَٰشِعُونَ ٢

которые смиренны во время своих намазов,

ثُمَّ قَيَّدَهم بِما يَلْزَمُ مِنَ الصِّدْقِ في الإيمانِ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ هُمْ﴾ أيْ بِضَمائِرِهِمْ وظَواهِرِهِمْ ﴿فِي صَلاتِهِمْ﴾ أُضِيفَتْ إلَيْهِمْ تَرْغِيبًا لَهم في (p-١٠٦)حِفْظِها، لِأنَّها بَيْنَهم وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى، وهو غَنِيٌّ عَنْها، فَهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِها ﴿خاشِعُونَ﴾ أيْ أذِلّاءُ ساكِنُونَ مُتَواضِعُونَ مُطْمَئِنُّونَ قاصِرُونَ بَواطِنُهم وظَواهِرُهم عَلى ما هم فِيهِ؛ قالَ الرّازِي: خائِفُونَ خَوْفًا يَمْلَأُ القَلْبَ حُرْمَةً، والأخْلاقَ تَهْذِيبًا، والأطْرافَ تَأْدِيبًا، أيْ خَشْيَةَ أنْ تُرَدَّ عَلَيْهِمْ صَلاتُهُمْ، ومِن ذَلِكَ خَفْضُ البَصَرِ إلى مَوْضِعِ السُّجُودِ، قالَ الرّازِي: فالعَبْدُ إذا دَخَلَ في الصَّلاةِ رَفَعَ الحِجابَ، وإذا التَفَتَ أرْخى، قالَ: وهو خَوْفٌ مَمْزُوجٌ بِتَيَقُّظٍ واسْتِكانَةٍ، ثُمَّ قَدْ يَكُونُ في المُعامَلَةِ إيثارًا ومُجامَلَةً وإنْصافًا ومَعْدَلَةً، وفي الخِدْمَةِ حُضُورًا واسْتِكانَةً. وفي السِّرِّ تَعْظِيمًا وحَياءً وحُرْمَةً، والخُشُوعَ في الصَّلاةِ بِجَمْعِ الهِمَّةِ لَها، والإعْراضِ عَمّا سِواها، وذَلِكَ بِحُضُورِ القَلْبِ والتَّفَهُّمِ والتَّعْظِيمِ والهَيْبَةِ والرَّجاءِ والحَياءِ، وإذا كانَ هَذا حالَهم في الصَّلاةِ الَّتِي هي أقْرَبُ القُرُباتِ. فَهم بِهِ فِيما سِواها أوْلى.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: والخُشُوعُ في الصَّلاةِ إنَّما يَحْصُلُ لِمَن فَرَّغَ قَلْبَهُ لَها، واشْتَغَلَ بِها عَمّا عَداها، وآثَرَها عَلى غَيْرِها، وحِينَئِذٍ تَكُونُ راحَةً لَهُ وقُرَّةَ عَيْنٍ «وجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلاةِ» رَواهُ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «يا بِلالُ! أرِحْنا بِالصَّلاةِ» - رَواهُ أحْمَدُ عَنْ رَجُلٍ مِن أسْلَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

23:3Страница 342

وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَنِ ٱللَّغۡوِ مُعۡرِضُونَ ٣

которые отворачиваются от всего праздного,

(p-١٠٧)ولَمّا كانَ كُلٌّ مِنَ الصَّلاةِ والخُشُوعِ صادًّا عَنِ اللَّغْوِ، أتْبَعَهُ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ هُمْ﴾ بِضَمائِرِهِمُ الَّتِي تَبِعَها ظَواهِرُهم ﴿عَنِ اللَّغْوِ﴾ أيْ ما لا يَعْنِيهِمْ، وهو كُلُّ ما يَسْتَحِقُّ أنْ يُسْقَطَ ويُلْغى ﴿مُعْرِضُونَ﴾ أيْ تارِكُونَ عَمْدًا، فَصارُوا جامِعِينَ فِعْلَ ما يَعْنِي وتَرْكَ ما لا يَعْنِي.

23:4Страница 342

وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِلزَّكَوٰةِ فَٰعِلُونَ ٤

которые выплачивают закят,

ولَمّا جَمَعَ بَيْنَ قاعِدَتَيْ بِناءِ التَّكالِيفِ: فِعْلِ الخُشُوعِ وتَرْكِ اللَّغْوِ، وكانَ الإنْسانُ مَحِلَّ العَجْزِ ومَرْكَزِ التَّقْصِيرِ، فَهو لا يَكادُ يَخْلُو عَمّا لا يَعْنِيهِ، وكانَ المالُ مُكَفِّرًا لِما قَصَدَ مِنَ الإيمانِ فَضْلًا عَمّا ذَكَرَ مِنها عَلى سَبِيلِ اللَّغْوِ، فَكانَ مُكَفِّرًا لِلَّغْوٍ في غَيْرِ اليَمِينِ مِن بابِ الأوْلى ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ [التوبة: ١٠٣] أتْبَعَهُ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ هُمْ﴾ وأثْبَتَ اللّامَ تَقْوِيَةً لِاسْمِ الفاعِلِ فَقالَ: ﴿لِلزَّكاةِ﴾ أيِ التَّزْكِيَةِ، وهي إخْراجُ الزَّكاةِ، أوْ لِأداءِ الزَّكاةِ الَّتِي هي أعْظَمُ مُصَدِّقٍ لِلْإيمانِ ﴿فاعِلُونَ﴾ لِيَجْمَعُوا في طَهارَةِ الدِّينِ بَيْنَ القَلْبِ والقالَبِ والمالِ؛ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذِهِ مَكِّيَّةٌ، وإنَّما فُرِضَتِ الزَّكاةُ بِالمَدِينَةِ في سَنَةِ اثْنَتَيْنِ مِنَ الهِجْرَةِ، والظّاهِرُ أنَّ الَّتِي فُرِضَتْ بِالمَدِينَةِ إنَّما هي ذاتُ النَّصْبِ، وأنَّ أصْلَ الزَّكاةِ كانَ واجِبًا بِمَكَّةَ كَما قالَ تَعالى في سُورَةِ الأنْعامِ

﴿وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]

23:5Страница 342

وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِفُرُوجِهِمۡ حَٰفِظُونَ ٥

которые оберегают свои половые органы от всех,

(p-١٠٨).

ولَمّا أشارَ إلى أنَّ بَذْلَ المالِ عَلى وجْهِهِ طُهْرَةً، وأنَّ حَبْسَهُ عَنْ ذَلِكَ تَلْفَةٌ، أتْبَعُهُ الإيماءَ إلى أنَّ بَذْلَ الفَرْجِ في غَيْرِ وجْهِهِ نَجاسَةٌ، وحِفْظَهُ طُهْرَةٌ. فَقالَ: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ﴾ في الجِماعِ وما داناهُ بِالظّاهِرِ والباطِنِ ﴿حافِظُونَ﴾ أيْ دائِمًا لا يَتْبَعُونَها شَهْوَتَها، بَلْ هم قائِمُونَ عَلَيْها يُذِلُّونَها ويَضْبِطُونَها، وذِكْرُها بَعْدَ اللَّغْوِ الدّاعِي إلَيْها وبَذْلِ المالِ الَّذِي هو مِن أعْظَمَ أسْبابِها عَظِيمُ المُناسَبَةِ.

23:6Страница 342

إِلَّا عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِهِمۡ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُمۡ فَإِنَّهُمۡ غَيۡرُ مَلُومِينَ ٦

кроме своих жен или невольниц, которыми овладели их десницы, за что они не заслуживают порицания,

ثُمَّ اسْتَثْنى مِن ذَلِكَ فَقالَ: ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ﴾ اللّاتِي مَلَكُوا أبْضاعَهُنَّ بِعَقْدِ النِّكاحِ، ولِعُلُوِّ الذِّكْرِ عَبَّرَ بِ ”عَلى“ ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ رَقابَةً مِنَ السَّرارِي، وعَبَّرَ بِ ”ما“ لِقُرْبِهِنَّ مِمّا لا يَعْقِلُ لِنَقْصِهِنَّ عَنِ الحَرائِرِ النّاقِصاتِ عَنِ الذُّكُورِ ﴿فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ أيْ عَلى بَذْلِ الفَرْجِ في ذَلِكَ إذا كانَ عَلى وجْهِهِ.

23:7Страница 342

فَمَنِ ٱبۡتَغَىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡعَادُونَ ٧

тогда как желающие сверх этого являются преступниками;

ولَمّا كانَ مَن لَمْ يَكْتَفِ بِالحَلالِ مُكَلِّفًا نَفْسَهُ طَلَبَ ما يَضُرُّهُ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ مُعَبِّرًا بِما يُفْهِمُ العِلاجَ: ﴿فَمَنِ ابْتَغى﴾ أيْ تَطَلَّبَ مُتَعَدِّيًا ﴿وراءَ ذَلِكَ﴾ العَظِيمِ المَنفَعَةِ الَّذِي وقَعَ اسْتِثْناؤُهُ بِزِنًى أوْ لُواطٍ أوِ اسْتِمْناءِ يَدٍ أوْ بَهِيمَةٍ أوْ غَيْرِها ﴿فَأُولَئِكَ﴾ البَعِيدُونَ مِنَ الفَلاحِ ﴿هُمُ العادُونَ﴾ أيِ المُبالِغُونَ في تَعَدِّي الحُدُودِ، لِما يُورِثُ ذَلِكَ مِنِ اخْتِلاطِ الأنْسابِ، وانْتِهاكِ الأعْراضِ، وإتْلافِ الأمْوالِ، وإيقادِ الشَّرِّ بَيْنَ العِبادِ.

23:8Страница 342

وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِأَمَٰنَٰتِهِمۡ وَعَهۡدِهِمۡ رَٰعُونَ ٨

которые оберегают вверенное им на хранение и соблюдают договоры,

(p-١٠٩)ولَمّا كانَ ذَلِكَ مِنَ الأماناتِ العَظِيمَةِ، أتْبَعَهُ عُمُومَها فَقالَ: ﴿والَّذِينَ هم لأماناتِهِمْ﴾ أيْ في الفُرُوجِ وغَيْرِها، سَواءٌ كانَتْ بَيْنَهم وبَيْنَ اللَّهِ كالصَّلاةِ والصِّيامِ وغَيْرِهِما، أوْ في المَعانِي الباطِنَةِ كالإخْلاصِ والصِّدْقِ، أوْ بَيْنَهم وبَيْنَ خَلْقٍ كالوَدائِعِ والبَضائِعِ، فَعَلى العَبْدِ الوَفاءُ بِجَمِيعِها - قالَهُ الرّازِي. ولَمّا كانَ العَهْدُ أعْظَمَ أمانَةٍ، تَلاها بِهِ تَنْبِيهًا عَلى عِظَمِهِ فَقالَ: ﴿وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ أيِ الحافِظُونَ بِالقِيامِ والرِّعايَةِ والإصْلاحِ.

23:9Страница 342

وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَلَىٰ صَلَوَٰتِهِمۡ يُحَافِظُونَ ٩

которые регулярно совершают намаз.

ولَمّا كانَتِ الصَّلاةُ أجَلَّ ما عَهِدَ فِيهِ مِن أمْرِ الدِّينِ وآكُدُ، وهي مِنَ الأُمُورِ الخَفِيَّةِ الَّتِي وقَعَ الِائْتِمانُ عَلَيْها، لِما خَفَّفَ اللَّهُ فِيها عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ بِإيساعِ زَمانِها ومَكانِها، قالَ: ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ﴾ الَّتِي وُصِفُوا بِالخُشُوعِ فِيها ﴿يُحافِظُونَ﴾ أيْ يُجَدِّدُونَ تَعَهُّدَها بِغايَةِ جِدِّهِمْ، لا يَتْرُكُونَ شَيْئًا مِن مَفْرُوضاتِها ولا مَسْنُوناتِها، ويَجْتَهِدُونَ في كَمالاتِها، وُحِّدَتْ في قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ لِلْجِنْسِ، وجُمِعَتْ عِنْدَ الجَماعَةِ إشارَةً إلى أعْدادِها وأنْواعِها، ولا يَخْفى ما في افْتِتاحِ هَذِهِ الأوْصافِ واخْتِتامِها بِالصَّلاةِ مِنَ التَّعْظِيمِ لَها، كَما قالَ ﷺ: «واعْلَمُوا أنَّ خَيْرَ أعْمالِكُمُ الصَّلاةُ» .

23:10Страница 342

أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡوَٰرِثُونَ ١٠

Именно они являются наследниками,

ولَمّا ذَكَرَ مَجْمُوعَ هَذِهِ الأوْصافِ العَظِيمَةِ، فَخَّمَ جَزاءَهم فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ البالِغُونَ مِنَ الإحْسانِ أعْلى مَكانٍ ﴿هُمُ﴾ خاصَّةً (p-١١٠)﴿الوارِثُونَ﴾ أيِ المُسْتَحِقُّونَ لِهَذا الوَصْفِ المُشْعِرِ بِبَقائِهِمْ بَعْدَ أعْدائِهِمْ فَيَرْثُونَ دارَ اللَّهِ لِقُرْبِهِمْ مِنهُ واخْتِصاصِهِمْ بِهِ بَعْدَ إرْثِهِمْ أرْضَ الدُّنْيا الَّتِي قارَعُوا عَلَيْها عَلى قَتْلِهِمْ وضَعْفِهِمْ أعْداءَنا الكُفّارَ عَلى كَثْرَتِهِمْ وقُوَّتِهِمْ، فَكانَتِ العاقِبَةُ فِيها لَهم كَما كَتَبْنا في الزَّبُورِ ﴿أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] ﴿لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ١٣] ﴿ولَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ [إبراهيم: ١٤]

23:11Страница 342

ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلۡفِرۡدَوۡسَ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ١١

которые унаследуют Фирдаус, в котором они пребудут вечно.

﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ﴾ الَّتِي هي أعْلى الجَنَّةِ، وهي في الأصْلِ البُسْتانُ العَظِيمُ الواسِعِ، يَجْمَعُ مَحاسِنَ النَّباتِ والأشْجارِ مِنَ العِنَبِ وما ضاهاهُ مِن كُلِّ ما يَكُونُ في البَساتِينِ والأوْدِيَةِ الَّتِي تَجْمَعُ ضُرُوبًا مِنَ النَّبْتِ: فَيَحُوزُونَ مِنها بَعْدَ البَعْثِ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم فِيها مِنَ المَنازِلِ وما كانَ أعَدَّ لِلْكَفّارِ لَوْ آمَنُوا أوْ لَمْ يَخْرُجُوا بِخُرُوجِ أبَوَيْهِمْ مِنَ الجَنَّةِ ﴿هُمْ﴾ خاصَّةً ﴿فِيها﴾ أيْ لا في غَيْرِها ﴿خالِدُونَ﴾ وهَذِهِ الآياتُ أجْمَعُ ما ذُكِرَ في وصْفِ المُؤْمِنِينَ، رَوى الإمامُ أحْمَدُ في مَسْنَدِهِ والتِّرْمِذِيُّ في التَّفْسِيرِ مِن جامِعِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «كانَ إذا نَزَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الوَحْيُ يُسْمَعُ عِنْدَ وجْهِهِ كَدَوِيِّ النَّحْلِ فَنَزَلَ عَلَيْهِ يَوْمًا فَمَكَثْنا ساعَةً فاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ (p-١١١)ورَفَعَ يَدَيْهِ فَقالَ: اللَّهُمَّ زِدْنا ولا تَنْقُصْنا، وأكْرِمْنا ولا تُهِنّا، وأعْطِنا ولا تَحْرِمْنا، وآثِرْنا ولا تُؤْثِرْ عَلَيْنا، وارْضَ عَنّا وأرْضِنا، ثُمَّ قالَ: لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ عَشْرُ آياتٍ مَن أقامَهُنَّ دَخَلَ الجَنَّةَ، ثُمَّ قَرَأ ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] حَتّى خَتَمَ العَشْرَ»

- ورَواهُ النَّسائِيُّ في الصَّلاةِ وقالَ: مُنْكِرٌ لا يُعْرَفُ أحَدٌ رَواهُ غَيْرُ يُونُسَ بْنِ سَلِيمٍ ويُونُسُ لا نَعْرِفُهُ، وعَزى أبُو حَيّانَ آخِرَ الحَدِيثِ لِلْحاكِمِ في المُسْتَدْرَكِ.

وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: فَصَّلَ في افْتِتاحِها ما أجْمَلَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا واسْجُدُوا واعْبُدُوا رَبَّكم وافْعَلُوا الخَيْرَ﴾ [الحج: ٧٧] وأعْلَمَ بِما يَنْبَغِي لِلرّاكِعِ والسّاجِدِ التِزامُهُ مِنَ الخُشُوعِ، ولِالتِحامِ الكَلامَيْنِ ما ورَدَ الأوَّلُ أمْرًا والثّانِي مُدْحَةً وتَعْرِيفًا بِما بِهِ كَمالُ الحالِ، وكَأنَّهُ لَمّا أمَرَ المُؤْمِنِينَ، وأطْمَعَ بِالفَلاحِ جَزاءً لِامْتِثالِهِ، كانَ مَظِنَّةً لِسُؤالِهِ عَنْ تَفْصِيلِ ما أمَرَ بِهِ مِنَ العِبادَةِ وفِعْلِ الخَيْرِ الَّذِي بِهِ يَكْمُلُ فَلاحُهُ فَقِيلَ لَهُ: المُفْلِحُ مَنِ التَزَمَ كَذا وكَذا، وذَكَرَ سَبْعَةَ أضْرُبٍ مِنَ العِبادَةِ هي أُصُولٌ لِما وراءَها ومُسْتَتْبِعَةٌ سائِرَ التَّكالِيفِ، وقَدْ بَسَطَ حُكْمَ كُلِّ عِبادَةِ مِنها وما يَتَعَلَّقُ بِها في الكِتابِ والسُّنَّةِ؛ ولَمّا كانَتِ المُحافَظَةُ عَلى الصَّلاةِ مُنافِرَةً إتْيانَ المَأْثَمِ جُمْلَةً ﴿إنَّ الصَّلاةَ (p-١١٢)تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] لِذَلِكَ ما خُتِمَتْ بِها هَذِهِ العِباداتُ بَعْدَ التَّنْبِيهِ عَلى مَحَلِّ الصَّلاةِ مِن هَذِهِ العِبادَةِ بِذِكْرِ الخُشُوعِ فِيها أوَّلًا، واتَّبَعَتْ هَذِهِ الضُّرُوبَ السَّبْعَةَ بِذِكْرِ أطْوارٍ سَبْعَةٍ يَتَقَلَّبُ فِيها الإنْسانُ قَبْلَ خُرُوجِهِ إلى الدُّنْيا فَقالَ تَعالى ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] - إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] وكَأنْ قَدْ قِيلَ لَهُ: إنَّما كَمُلَ خَلْقُكَ وخُرُوجُكَ إلى الدُّنْيا بَعْدَ هَذِهِ التَّقَلُّباتِ السَّبْعَةِ. وإنَّما تَتَخَلَّصُ مِن دُنْياكَ بِالتِزامِ هَذِهِ العِباداتِ السَّبْعِ، وقَدْ وقَعَ عَقِبَ هَذِهِ الآياتِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكم سَبْعَ طَرائِقَ﴾ [المؤمنون: ١٧] ولَعَلَّ ذَلِكَ مِمّا يُقَرِّرُ هَذا الِاعْتِبارَ ووارِدٌ لِمُناسَبَتِهِ - واللَّهُ أعْلَمُ، وكَما أنَّ صَدْرَ هَذِهِ السُّورَةِ مُفَسِّرٌ لِما أُجْمِلَ في الآياتِ قَبْلَها فَكَذا الآياتُ بَعْدُ مُفَصِّلَةٌ لِمُجْمَلِ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ﴾ [الحج: ٥] وهَذا كافٍ في التِحامِ السُّورَتَيْنِ واللَّهُ سُبْحانَهُ المُسْتَعانُ - انْتَهى.

23:12Страница 342

وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن سُلَٰلَةٖ مِّن طِينٖ ١٢

Воистину, Мы сотворили человека из эссенции глины.

ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ الجَنَّةَ المُتَضَمِّنَ ذِكْرُها لِلْبَعْثِ، اسْتَدَلَّ عَلى القُدْرَةِ عَلَيْهِ بِابْتِداءِ الخَلْقِ لِلْإنْسانِ، ثُمَّ لِما هو أكْبَرُ مِنهُ مِنَ الأكْوانِ، وما فِيهِما مِنَ المَنافِعِ، فَلَمّا ثَبَتَ ذَلِكَ شَرَعَ يُهَدِّدُ مَنِ اسْتَكْبَرَ عَنْهُ بِإهْلاكِ الماضِينَ، وابْتَدَأ بِقِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلام لِأنَّهُ أوَّلُ، ولِأنَّ نَجاتَهُ كانَتْ في الفُلْكِ المَخْتُومِ بِهِ الآيَةُ الَّتِي قَبْلَهُ، وفي ذَلِكَ تَذْكِيرٌ بِنِعْمَةِ النَّجاةِ (p-١١٣)فِيهِ لِأنَّ الكُلَّ مِن نَسْلِهِ، فَلَمّا ثَبَتَ بِالتَّهْدِيدِ بِإهْلاكِ الماضِينَ القُدْرَةُ التّامَّةُ بِالِاخْتِيارِ، خَوَّفَ العَرَبَ مِثْلَ ذَلِكَ العَذابِ، فَلَمّا تَمَّ زاجِرُ الإنْذارِ بِالنِّقَمِ شَرَعَ في الِاسْتِعْطافِ إلى الشُّكْرِ بِالنِّعَمِ، بِتَمْيِيزِ الإنْسانِ عَلى سائِرِ الحَيَوانِ ونَحْوِ ذَلِكَ، ثُمَّ عادَ إلى دَلائِلِ القُدْرَةِ عَلى البَعْثِ بِالوَحْدانِيَّةِ والتَّنَزُّهِ عَنِ الشَّرِيكِ والوَلَدِ - إلى آخِرِها، ثُمَّ ذَكَرَ في أوَّلِ الَّتِي بَعْدَها عَلى ما ذَكَرَ هُنا مِن صَوْنِ الفُرُوجِ، فَذَكَرَ حُكْمَ مَن لَمْ يَصُنْ فَرْجَهُ وأتْبَعَهُ ما يُناسِبُهُ مِن تَوابِعِهِ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَلَقَدْ حَكَمْنا بِبَعْثِ جَمِيعِ العِبادِ بَعْدَ المَماتِ، فَرِيقًا مِنهم إلى النَّعِيمِ، وفَرِيقًا إلى الجَحِيمِ، فَإنّا قادِرُونَ عَلى الإعادَةِ وإنْ تَمَزَّقْتُمْ وصِرْتُمْ تُرابًا فَإنَّهُ تُرابٌ لَهُ أصْلٌ في الحَياةِ، كَما قَدَرْنا عَلى البُداءَةِ فَلَقَدْ خَلَقَنا أباكم آدَمَ مِن تُرابِ الأرْضِ قَبْلَ أنْ يَكُونَ لِلتُّرابِ أصْلٌ في الحَياةِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، دَلالَةً عَلى هَذا المُقَدَّرِ واسْتِدْلالًا عَلى البَعْثِ مُظْهِرًا لَهُ في مَقامِ العَظَمَةِ، مُؤَكِّدًا إقامَةً لَهم بِإنْكارِهِمْ لِلْبَعْثِ مَقامَ المُنْكِرِينَ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ أيْ هَذا النَّوْعَ الَّذِي تُشاهِدُونَهُ آنِسًا بِنَفْسِهِ مَسْرُورًا بِفِعْلِهِ وحِسِّهِ ﴿مِن سُلالَةٍ﴾ (p-١١٤)أيْ شَيْءٍ قَلِيلٍ، بِما تَدُلُّ عَلَيْهِ الصِّيغَةُ كالقُلامَةِ والقُمامَةِ، انْتَزَعْناهُ واسْتَخْلَصْناهُ بِرِفْقٍ، فَكانَ عَلى نِهايَةِ الِاعْتِدالِ، وهي طِينَةُ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، سَلَّها - بِما لَهُ مِنَ اللُّطْفِ - ﴿مِن طِينٍ﴾ أيْ جِنْسِ طِينِ الأرْضِ، رَوى الإمامُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والتَّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي مُوسى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ”«إنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَنْ قَبْضَةٍ قَبَضَها مِن جَمِيعِ الأرْضِ، فَجاءَ بَنُو آدَمَ عَلى قَدْرِ الأرْضِ، جاءَ مِنهُمُ الأحْمَرُ والأبْيَضُ والأسْوَدُ وبَيْنَ ذَلِكَ، والخَبِيثُ والطَّيِّبُ وبَيْنَ ذَلِكَ“» .

23:13Страница 342

ثُمَّ جَعَلۡنَٰهُ نُطۡفَةٗ فِي قَرَارٖ مَّكِينٖ ١٣

Потом Мы поместили его каплей в надежном месте.

ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ أصْلَ الآدَمِيِّ الأوَّلَ الَّذِي هو الطِّينُ الَّذِي شَرَّفَهُ بِهِ لِجَمْعِهِ الطَّهُورَيْنِ، وعَبَّرَ فِيهِ بِالخَلْقِ لِما فِيهِ مِنَ الخَلْطِ، لِأنَّ الخَلْقَ - كَما مَرَّ عَنِ الحَرالِيِّ في أوَّلِ البَقَرَةِ: تَقْدِيرُ أمْشاجِ ما يُرادُ إظْهارُهُ بَعْدَ الِامْتِزاجِ والتَّرْكِيبِ صُورَةً، مَعَ أنَّهُ لَيْسَ مِمّا يَجْرِي عَلى حِكْمَةِ التَّسْبِيبِ الَّتِي نَعْهَدُها أنْ يَكُونَ مِنَ الطِّينِ إنْسانٌ، أتْبَعُهُ سُبْحانَهُ أصْلَهُ الثّانِيَ الَّذِي هو أطْهَرُ الطَّهُورَيْنِ: الماءُ الَّذِي مِنهُ كُلُّ شَيْءٍ حَيٍّ، مُعَبِّرًا عَنْهُ بِالجَعْلِ لِأنَّهُ كَما مَرَّ أيْضًا إظْهارُ أمْرِ سَبَبٍ وتَصْيِيرٍ، وما هو مِنَ الطِّينِ (p-١١٥)مِمّا يَتَسَبَّبُ عَنْهُ مِنَ الماءِ ويَسْتَجْلِبُ مِنهُ وهو بَسِيطٌ لا خَلْطَ فِيهِ فَلا تَخْلِيقَ لَهُ، وعَبَّرَ بِأداةِ التَّراخِي لِأنَّ جَعْلَ الطِّينِ ماءً مُسْتَبْعَدٌ جِدًّا فَقالَ: ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ﴾ أيِ الطِّينَ أوْ هَذا النَّوْعَ المَسْلُولَ مِنَ المَخْلُوقِ مِنَ الطِّينِ بِتَطْوِيرِ أفْرادِهِ بِبَدِيعِ الصُّنْعِ ولَطِيفِ الوَضْعِ ﴿نُطْفَةً﴾ أيْ ماءً دافِقًا لا أثَرَ لِلطِّينِ فِيهِ ﴿فِي قَرارٍ﴾ أيْ مِنَ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ ثُمَّ الرَّحِمِ، مَصْدَرٌ جُعِلَ اسْمًا لِلْمَوْضِعِ ﴿مَكِينٍ﴾ أيْ مانِعٍ مِنَ الأشْياءِ المُفْسِدَةِ.

23:14Страница 342

ثُمَّ خَلَقۡنَا ٱلنُّطۡفَةَ عَلَقَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡعَلَقَةَ مُضۡغَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡمُضۡغَةَ عِظَٰمٗا فَكَسَوۡنَا ٱلۡعِظَٰمَ لَحۡمٗا ثُمَّ أَنشَأۡنَٰهُ خَلۡقًا ءَاخَرَۚ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحۡسَنُ ٱلۡخَٰلِقِينَ ١٤

Потом Мы создали из капли сгусток крови, потом создали из сгустка крови разжеванный кусочек, потом создали из этого кусочка кости, и потом облекли кости мясом. Потом Мы вырастили его в другом творении. Благословен же Аллах, Наилучший из творцов!

ولَمّا كانَ تَصْيِيرُ الماءِ دَمًا أمْرًا بالِغًا خارِجًا عَنِ التَّسْبِيبِ، وكانَتِ النُّطْفَةُ الَّتِي هي مَبْدَأُ الآدَمِيِّ تَفْسُدُ تارَةً وتَأْخُذُ في التَّكَوُّنِ أُخْرى، عَبَّرَ بِالخَلْقِ لِما يَخْلِطُها بِهِ مِمّا تَكْتَسِبُهُ مِنَ الرَّحِمِ عِنْدَ التَّحْمِيرِ وقَرَنَهُ بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ﴾ أيْ بَعْدَ تَراخٍ في الزَّمانِ وعُلُوٍّ في الرُّتْبَةِ والعَظْمَةِ ﴿خَلَقْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿النُّطْفَةَ﴾ أيِ البَيْضاءَ جِدًّا ﴿عَلَقَةً﴾ حَمْراءَ دَمًا عَبِيطًا شَدِيدَ الحُمْرَةِ جامِدًا غَلِيظًا.

(p-١١٦)ولَمّا كانَ ما بَعْدَ العَلَقَةِ مِنَ الأطْوارِ المُتَصاعِدَةِ مُسَبِّبًا كُلَّ واحِدٍ مِنهُ عَمّا قَبْلَهُ بِتَقْدِيرِ العَزِيزِ العَلِيمِ الَّذِي اخْتَصَّ بِهِ مِن غَيْرِ تَراخٍ، ولَيْسَ تَسَبُّبُهُ مِنَ العادَةِ الَّتِي يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرُهُ سُبْحانَهُ، عَبَّرَ بِالفاءِ والخَلْقُ فَقالَ: ﴿فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ أيْ قِطْعَةَ لَحْمٍ صَغِيرَةٍ لا شَكْلَ فِيها ولا تَخْطِيطَ ﴿فَخَلَقْنا المُضْغَةَ﴾ بِتَصْفِيَتِها وتَصْلِيبِها بِما سَبَّبْنا لَها مِنَ الحَرارَةِ والأُمُورِ اللَّطِيفَةِ الغامِضَةِ ﴿عِظامًا﴾ مِن رَأْسٍ ورِجْلَيْنِ وما بَيْنَهُما ﴿فَكَسَوْنا﴾ بِما لَنا مِن قُدْرَةٍ الِاخْتِراعِ، تِلْكَ ﴿العِظامَ لَحْمًا﴾ بِما ولَّدْنا مِنها تَرْجِيعًا لِحالِها قَبْلَ كَوْنِها عَظْمًا، فَسَتَرْنا تِلْكَ العِظامَ وقَوَّيْناها وشَدَدْناها بِالرَّوابِطِ والأعْصابِ.

ولَمّا كانَ التَّصْوِيرُ ونَفْخُ الرُّوحِ مِنَ الجَلالَةِ بِمَكانٍ أيِّ مَكانٍ، أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ﴾ أيْ هَذا المُحَدَّثَ عَنْهُ بِعَظَمَتِنا ﴿خَلْقًا آخَرَ﴾ أيْ عَظِيمًا جَلِيلًا مُتَحَرِّكًا ناطِقًا خَصِيمًا مُبِينًا بَعِيدًا مِنَ الطِّينِ جِدًّا؛ قالَ الرّازِي: وأصْلُ النُّونِ والشِّينِ والهَمْزَةِ يَدُلُّ عَلى ارْتِفاعِ شَيْءٍ وسُمُوِّهِ.

ولَمّا كانَ هَذا التَّفْصِيلُ لِتَطْوِيرِ الإنْسانِ سَبَبًا لِتَعْظِيمِ الخالِقِ: ﴿فَتَبارَكَ﴾ أيْ ثَبَتَ ثَباتًا لَمْ يُثْبِتْهُ شَيْءٌ، بِأنْ حازَ جَمِيعَ صِفاتِ الكَمالِ، وتَنَزَّهَ عَنْ كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ، فَكانَ قادِرًا عَلى كُلِّ شَيْءٍ، ولَوْ داناهُ (p-١١٧)شَيْءٌ مِن عَجْزٍ لَمْ يَكُنْ تامَّ الثَّباتِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿اللَّهُ﴾ فَعَبَّرَ بِالِاسْمِ العَلَمِ الجامِعِ لِجَمِيعِ الأسْماءِ الحُسْنى؛ وأشارَ إلى جَمالِ الإنْسانِ بِقَوْلِهِ: ﴿أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ أيِ المُقَدِّرِينَ، أيْ قَدْرَ هَذا الخَلْقِ العَجِيبِ هَذا التَّقْدِيرَ، ثُمَّ طَوَّرَهُ في أطْوارِهِ ما بَيْنَ طِفْلٍ رَضِيعٍ، ومُحْتَلِمٍ شَدِيدٍ، وشابٍّ نَشِيطٍ، وكَهْلٍ عَظِيمٍ، وشَيْخٍ هَرَمٍ - إلى ما بَيْنَ ذَلِكَ مِن شُؤُونٍ لا يُحِيطُ بِها إلّا اللَّطِيفُ الخَبِيرُ.

23:15Страница 342

ثُمَّ إِنَّكُم بَعۡدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ ١٥

После этого вы непременно умрете.

ولَمّا كانَتْ إماتَةُ ما صارَ هَكَذا - بَعْدَ القُوَّةِ العَظِيمَةِ والإدْراكِ التّامِّ - مِنَ الغَرائِبِ، وكانَ وجُودُها فِيهِ وتَكْرارُها عَلَيْهِ في كُلِّ وقْتٍ قَدْ صَيَّرَها أمْرًا مَأْلُوفًا، وشَيْئًا ظاهِرًا مَكْشُوفًا، وكانَ عُتُوُّ الإنْسانِ عَلى خالِقِهِ وتَمَرُّدُهُ ومُخالَفَتُهُ لِأمْرِهِ نِسْيانًا لِهَذا المَأْلُوفِ كالإنْكارِ لَهُ، أشارَ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى مُسَبِّبًا مُبالِغًا في التَّأْكِيدِ: ﴿ثُمَّ إنَّكُمْ﴾ ولَمّا كانَ مِنَ المُمْكِنِ لَيْسَ لَهُ مِن ذاتِهِ إلّا العَدَمُ، نَزَعَ الجارَّ فَقالَ: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرِ العَظِيمِ مِنَ الوَصْفِ بِالحَياةِ والمَدِّ في العُمْرِ في آجالٍ مُتَفاوِتَةٍ ﴿لَمَيِّتُونَ﴾ وأشارَ بِهَذا النَّعْتِ إلى أنَّ المَوْتَ أمْرٌ ثابِتٌ لِلْإنْسانِ حَيٌّ في حالِ حَياتِهِ لازِمٌ لَهُ، بَلْ لَيْسَ لِمُمْكِنٍ مِن ذاتِهِ إلّا العَدَمُ.

23:16Страница 342

ثُمَّ إِنَّكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ تُبۡعَثُونَ ١٦

А потом, в День воскресения, вы непременно будете воскрешены.

ولَمّا تَقَرَّرَ بِذَلِكَ القُدْرَةُ عَلى البَعْثِ تَقَرُّرًا لا يَشُكُّ فِيهِ عاقِلٌ، (p-١١٨)قالَ نافِيًا ما يُوهِمُهُ إعْراءُ الظَّرْفِ مِنَ الجارِّ: ﴿ثُمَّ إنَّكُمْ﴾ وعَيَّنَ البَعْثَ الأكْبَرَ التّامَّ، الَّذِي هو مَحَطُّ الثَّوابِ والعِقابِ، لِأنَّ مَن أقَرَّ بِما هو دُونَهُ مِنَ الحَياةِ في القَبْرِ وغَيْرِها، فَقالَ: ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيِ الَّذِي يَجْمَعُ فِيهِ جَمِيعَ الخَلائِقِ ﴿تُبْعَثُونَ﴾ فَنَقْصُهُ عَنْ تَأْكِيدِ المَوْتِ تَنْبِيهًا عَلى ظُهُورِهِ، ولَمْ يُخْلِهِ عَنِ التَّأْكِيدِ لِكَوْنِهِ عَلى خِلافِ العادَةِ، ولَيْسَ في ذِكْرِ هَذا نَفْيٌ لِلْحَياةِ في القَبْرِ عِنْدَ السُّؤالِ.

23:17Страница 342

وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا فَوۡقَكُمۡ سَبۡعَ طَرَآئِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلۡخَلۡقِ غَٰفِلِينَ ١٧

Воистину, Мы создали над вами семь небес одно над другим. Мы никогда не находились в неведении о творениях.

ولَمّا بَيَّنَ لَهم أنَّ فِكْرَهم فِيهِمْ يَكْفِيهِمْ، ولِاعْتِقادِ البَعْثِ يَعْنِيهِمْ، أتْبَعَهُ دَلِيلًا آخَرَ بِالتَّذْكِيرِ بِخَلْقِ ما هو أكْبَرُ مِنهُمْ، وبِتَدْبِيرِهِمْ بِخَلْقِهِ وخَلْقِ ما فِيهِ مِنَ المَنافِعِ لِاسْتِبْقائِهِمْ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ﴾ في جَمِيعِ جِهَةِ الفَوْقِ في ارْتِفاعٍ لا تُدْرِكُونَهُ حَقَّ الإدْراكِ ﴿سَبْعَ﴾ ولِإرادَةِ التَّعْظِيمِ أضافَ إلى جَمْعِ كَثْرَةٍ فَقالَ: ﴿طَرائِقَ﴾ أيْ سَماواتٍ لا تَتَغَيَّرُ عَنْ حالَتِها الَّتِي دَبَّرْناها عَلَيْها إلى أنْ نُرِيدَ، وبَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ مُتَطابِقَةً، وكُلُّ واحِدَةٍ مِنها عَلى طَرِيقَةٍ تَخُصُّها، وفِيها طُرُقٌ لِكَواكِبِها؛ قالَ الإمامُ عَبْدُ الحَقِّ الإشْبِيلِيُّ في كِتابِهِ الواعِي: سُمِّيَتْ طَرائِقَ لِأنَّها مُطارِقَةٌ بَعْضُها في أثَرِ بَعْضٍ - انْتَهى.

وهَذا مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ عَلى طَرِيقَةٍ - أيْ حالَةٍ - واحِدَةٍ، وهَذا مِطْراقُ هَذا، أيْ تَلْوُهُ ونَظِيرُهُ، ورِيشٌ طِراقٌ - إذا كانَ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ. وقالَ ابْنُ القَطّاعِ: (p-١١٩)وأُطْرِقَ جَناحُ الطّائِرِ - أيْ مَبْنِيًّا لِلْمَجْهُولِ: أُلْبِسَ الرِّيشُ الأعْلى الأسْفَلَ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ الهَرَوِيُّ: وأطْرَقَ جَناحُ الطَّيْرِ - إذا وقَعَتْ رِيشَةٌ عَلى الَّتِي تَحْتَها فَألْبَسَتْها، وفي رِيشِهِ طُرُقٌ - إذا رَكِبَ بَعْضُهُ بَعْضًا. وقالَ الصَّغانِيُّ في مَجْمَعِ البَحْرَيْنِ: والطَّرَقُ أيْضًا بِالتَّحْرِيكِ في الرِّيشِ أنْ يَكُونَ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، وقالَ ابْنُ الأثِيرِ في النِّهايَةِ: طارَقَ النَّعْلَ - إذا صَيَّرَها طاقًا فَوْقَ طاقٍ ورَكَّبَ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ، وفي القامُوسِ: والطِّراقُ - كَكِتابٍ: كُلُّ خَصْفَةٍ يُخْصَفُ بِها النَّعْلُ وتَكُونُ حَذْوَها سَواءً وأنْ يُقَوَّرَ جِلْدٌ عَلى مِقْدارِ التُّرْسِ فَيُلْزَقَ بِالتُّرْسِ، وقالَ القَزّازُ: يُقالُ: تُرْسٌ مُطْرَقٌ - إذا جُعِلَ لَهُ ذَلِكَ، وقالَ الصَّغانِيُّ في المَجْمَعِ: والمَجانُ المِطْرَقَةُ الَّتِي يَطْرُقُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ كالنَّعْلِ المُطْرَقَةِ - أيِ المَخْصُوفَةِ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، ويُقالُ: أُطْرِقَتْ بِالجِلْدِ والعَصَبِ، أيْ أُلْبِسَتْ، وقالَ أبُو عَبِيدٍ: طارَقَ النَّعْلَ - إذا صَيَّرَ خَصَفًا فَوْقَ خَصْفٍ، وقالَ في الخَصْفِ: هو إطْباقُ طاقٍ عَلى طاقٍ، وأصْلُ الخَصْفِ: الضَّمُّ والجَمْعُ، وقالَ القَزّازُ: وطارَقْتُ بَيْنَ النَّعْلَيْنِ والثَّوْبَيْنِ: جَعَلْتُ أحَدَهُما فَوْقَ الآخَرِ - انْتَهى. وأصْلُ الطَّرْقِ الضَّرْبُ، ومَعَ كَوْنِ السَّماواتِ مُطارِقَةٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ فَهي طُرُقٌ لِلْمَلائِكَةِ يَتَنَزَّلُونَ فِيها بِأوامِرِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى. (p-١٢٠)ولَمّا كانَ إهْمالُ الشَّيْءِ بَعْدَ إيجادِهِ غَفْلَةً عَنْهُ، وكانَ البَعْثُ إحْداثَ تَدْبِيرٍ لَمْ يَكُنْ كَما أنَّ المَوْتَ كَذَلِكَ، بَيْنَ أنَّ مِثْلَ تِلْكَ الأفْعالِ الشَّرِيفَةِ عادَتُهُ سُبْحانَهُ إظْهارًا لِلْقُدْرَةِ وتَنَزُّهًا عَنِ العَجْزِ والغَفْلَةِ فَقالَ: ﴿وما كُنّا﴾ أيْ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿عَنِ الخَلْقِ﴾ أيِ الَّذِي خَلَقْناهُ وفَرَغْنا مِن إيجادِهِ وعَنْ إحْداثِ ما لَمْ يَكُنْ، بِقُدْرَتِنا التّامَّةِ وعِلْمِنا الشّامِلِ ﴿غافِلِينَ﴾ بَلْ دَبَّرْناهُ تَدْبِيرًا مُحْكَمًا رَبَطْناهُ بِأسْبابٍ تَنْشَأُ عَنْها مُسَبِّباتٌ يَكُونُ بِها صَلاحُهُ، وجَعَلْنا في كُلِّ سَماءٍ ما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ فِيها مِنَ المَنافِعِ، وفي كُلِّ أرْضٍ كَذَلِكَ، وحَفِظْناهُ مِنَ الفَسادِ إلى الوَقْتِ الَّذِي نُرِيدُ فِيهِ طَيَّ هَذا العالَمِ وإبْرازَ غَيْرِهِ، ونَحْنُ مَعَ ذَلِكَ كُلَّ يَوْمٍ في شَأْنٍ، وإظْهارُ بُرْهانٍ، نَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها، وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعْرُجُ فِيها، إذا شِئْنا أنَفَذْنا السَّبَبَ فَنَشَأ عَنْهُ المُسَبَّبُ، وإذا شِئْنا مَنَعْناهُ مِمّا هُيِّئَ لَهُ، فَلا يَكُونُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ إلّا بِخَلْقٍ جَدِيدٍ، فَكَيْفَ يُظَنُّ بِنا أنّا نَتْرُكُ الخَلْقَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ سُدًى، مَعَ أنَّ فِيهِمُ المُطِيعَ الَّذِي لَمْ نُوفِّهِ ثَوابَهُ، والعاصِي الَّذِي لَمْ نُنْزِلْ بِهِ عِقابَهُ، أمْ كَيْفَ لا نَقْدِرُ عَلى إعادَتِهِمْ إلى ما كانُوا عَلَيْهِ بَعْدَ ما قَدَرْنا عَلى إبْداعِهِمْ ولَمْ يَكُونُوا شَيْئًا.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English