Аль-БикаиАль‑Фуркан · 25:34–46

Аль-Бикаи · Тафсир · на арабском

Аль-Фуркан 25:34–46

25:34Страница 363

ٱلَّذِينَ يُحۡشَرُونَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمۡ إِلَىٰ جَهَنَّمَ أُوْلَٰٓئِكَ شَرّٞ مَّكَانٗا وَأَضَلُّ سَبِيلٗا ٣٤

Тем, которые будут собраны в Геенну ничком, уготовано наихудшее место, и они более других сбились с пути.

ولَمّا أنْتَجَتْ هَذِهِ الآياتُ كُلُّها أنَّهم مُعانِدُونَ لِرَبِّهِمْ، وأنَّهم يُرِيدُونَ بِهَذِهِ السُّؤالاتِ أنْ يُضَلِّلُوا سَبِيلَهُ، ويَحْتَقِرُوا مَكانَتَهُ، ويُهْدِرُوا مَنزِلَتَهُ، (p-٣٨٢)عُلِمَ قَطْعًا أنَّهُ يَعْمُرُ بِهِمْ دارَ الشَّقاءِ، وكانَ ذَلِكَ أدَلَّ عَلى أنَّهم أعْمى النّاسِ عَنِ الطُّرُقِ المَحْسُوسَةِ، فَضْلًا عَنِ الأمْثالِ المَعْلُومَةِ، والتَّمْثِيلِ لِلْمَدارِكِ الغامِضَةِ، وأنَّهم أحْقَرُ النّاسِ لِأنَّهُ لا يَنْتَقِصُ الأفاضِلَ إلّا ناقِصٌ، ولا يَتَكَلَّمُ الإنْسانُ إلّا فِيمَن هو خَيْرٌ مِنهُ، قالَ مُعادِلًا لِقَوْلِهِ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ﴾ [الفرقان: ٢٤] واصِفًا لِما تَقَدَّمَ أنَّهُ أظْهَرَهُ مَوْضِعَ الإضْمارِ مِن قَوْلِهِ ”الَّذِينَ كَفَرُوا“ ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ﴾ أيْ يَجْمَعُونَ قَهْرًا ماشِينَ مَقْلُوبِينَ ﴿عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ أوْ مَسْحُوبَيْنِ ﴿إلى جَهَنَّمَ﴾ كَما أنَّهم في الدُّنْيا كانُوا يَعْمَلُونَ ما كَأنَّهم مَعَهُ لا يُبْصِرُونَ ولا تَصَرُّفَ لَهم في أنْفُسِهِمْ، تَؤُزُّهُمُ الشَّياطِينُ أزًّا، فَإنَّ الآخِرَةَ مِرْآةُ الدُّنْيا، مَهْما عَمِلَ هُنا رُئِيَ هُناكَ، كَما أنَّ الدُّنْيا مَزْرَعَةُ الآخِرَةِ، مَهْما عَمِلَ فِيها جُنِيَتْ ثَمَرَتُهُ هُناكَ ”رَوى البُخارِيُّ «عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنْ رَجُلًا قالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ! كَيْفَ يُحْشَرُ الكافِرُ عَلى وجْهِهِ يَوْمَ القِيامَةِ؟ قالَ:“ ألَيْسَ الَّذِي أمْشاهُ عَلى الرِّجْلَيْنِ في الدُّنْيا قادِرًا عَلى أنْ يُمْشِيَهُ عَلى وجْهِهِ يَوْمَ القِيامَةِ؟ قالَ قَتادَةُ: يَعْنِي الرّاوِي عَنْ أنَسٍ: بَلى وعِزَّةِ رَبِّنا ”» .

(p-٣٨٣)ولَمّا وصَفَ المُتَعَنِّتِينَ في أمْرِ القُرْآنِ بِهَذا الوَصْفِ، اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ بِأنَّهم مُتَّصِفُونَ بِما أُلْزِمُوا بِهِ مِن أنَّ الإتْيانَ بِالقُرْآنِ مُفَرَّقًا وضْعٌ لِلشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ البُعَداءُ البُغَضاءُ ﴿شَرٌّ﴾ أيْ شَرُّ خَلْقٍ ﴿مَكانًا وأضَلُّ سَبِيلا﴾ حَيْثُ عَمُوا عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ الَّتِي لا أجْلى مِنها ولا أوْسَعَ، وسَلَكُوا طَرِيقَ النّارِ الَّتِي لا أضْيَقَ مِنهُ ولا أوْعَرَ، وعَمُوا عَنْ أنَّ إنْزالَ القُرْآنِ نُجُومًا أوْلى لِما تَقَدَّمَ مِنَ اللَّطائِفِ وغَيْرِها مِمّا لا يُحِيطُ بِهِ إلّا اللَّهُ تَعالى،“ وسَبِيلًا "تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنِ الفاعِلِ أصْلُهُ: ضَلَّ سَبِيلُهُمْ، وإسْنادُ الضَّلالِ إلَيْهِ مِنَ الإسْنادِ المَجازِيِّ.

25:35Страница 363

وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلۡنَا مَعَهُۥٓ أَخَاهُ هَٰرُونَ وَزِيرٗا ٣٥

Воистину, Мы даровали Мусе (Моисею) Писание и сделали его брата Харуна (Аарона) помощником ему.

ولَمّا بَيَّنَ أنَّهم كَذَّبُوهُ وعادَوْهُ، وأشارَ بِآيَةِ الحَشْرِ إلى جَهَنَّمَ إلى أنَّهُ لا يُهْلِكُهم بِعامَّةٍ، عَطَفَ عَلى عامِلِ”لِنُثَبِّتَ“تَسْلِيَةً لَهُ وتَخْوِيفًا لَهم قَوْلَهُ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿مُوسى الكِتابَ﴾ كَما آتَيْناكَ، بَيَّنا فِيهِ الشَّرائِعَ والسُّنَنَ والأحْكامَ، وجَعَلْناهُ هُدًى ورَحْمَةً، وأنْزَلْناهُ إلَيْهِ مُنَجَّمًا في نَحْوِ عِشْرِينَ سَنَةً يُقالُ: إنَّها ثَمانِي عَشْرَةَ كَما أنْزَلْنا إلَيْكَ هَذا القُرْآنَ في نَيِّفٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، كَما بَيَّنْتُ ذَلِكَ (p-٣٨٤)فِي آخِرِ سُورَةِ النِّساءِ وغَيْرِها، عَلى أنَّ أحَدًا مِمَّنْ طالَعَ التَّوْراةَ لا يَقْدِرُ عَلى إنْكارِ ذَلِكَ، فَإنَّهُ بَيِّنٌ مِن نُصُوصِها.

وزادَ في التَّسْلِيَةِ بِذِكْرِ الوَزِيرِ، لِأنَّ الرَّدَّ لِلِاثْنَيْنِ أبْعَدُ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَنْفَعُ في إيمانِهِمْ إرْسالُ مَلَكٍ كَما اقْتَرَحُوا لِيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا، فَقالَ: ﴿وجَعَلْنا﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿مَعَهُ أخاهُ﴾ ثُمَّ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿هارُونَ﴾ وبَيَّنَ مَحَطَّ الجَعْلِ بِقَوْلِهِ: ﴿وزِيرًا﴾ أيْ مُعِينًا في كُلِّ أمْرٍ بَعَثْناهُ بِهِ، وهو مَعَ ذَلِكَ نَبِيٌّ، ولا تَنافِيَ بَيْنَ الوَزارَةِ والنُّبُوَّةِ.

25:36Страница 363

فَقُلۡنَا ٱذۡهَبَآ إِلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا فَدَمَّرۡنَٰهُمۡ تَدۡمِيرٗا ٣٦

Мы повелели: «Ступайте вдвоем к народу, который счел ложью Наши знамения». А потом Мы уничтожили его до основания.

ولَمّا كانَتِ الواوُ لا تُرَتِّبُ، فَلَمْ يَلْزَمْ مِن هَذا أنَّ يَكُونَ هَذا الجَعْلُ بَعْدَ إنْزالِ الكِتابِ كَما هو الواقِعُ، رَتَّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿فَقُلْنا﴾ أيْ بَعْدَ جَعْلِنا لَهُ وزِيرًا. ولَمّا كانَ المَقْصُودُ هُنا مِنَ القِصَّةِ التَّسْلِيَةَ والتَّخْوِيفَ، ذَكَرَ حاشِيَتَها أوَّلَها وآخِرَها، وهُما إلْزامُ الحُجَّةِ والتَّدْمِيرِ، فَقالَ: ﴿اذْهَبا إلى القَوْمِ﴾ أيِ الَّذِينَ فِيهِمْ قُوَّةٌ وقُدْرَةٌ عَلى ما يُعانُونَهُ وهُمُ القِبْطُ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أيِ المَرْئِيَّةِ والمَسْمُوعَةِ مِنَ الأنْبِياءِ الماضِينَ قَبْلَ إتْيانِكُما في عِلْمِ الشَّهادَةِ، والمَرْئِيَّةِ والمَسْمُوعَةِ مِنكُما بَعْدَ إتْيانِكُما في عِلْمِنا. فَذَهَبا إلَيْهِمْ فَكَذَّبُوهُما فِيما أرَياهم وأخْبَراهم بِهِ مِنَ الآياتِ، (p-٣٨٥)لِما طَبَعْناهم عَلَيْهِ مِنَ الطَّبْعِ المُهَيِّئِ لِذَلِكَ.

ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلْإنْذارِ بِالفُرْقانِ، طُوِيَ أمْرُهم إلّا في عَذابِهِمْ فَقالَ: ﴿فَدَمَّرْناهُمْ﴾ أيْ لِذَلِكَ ﴿تَدْمِيرًا﴾ بِإغْراقِهِمْ أجْمَعِينَ عَلى يَدِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في البَحْرِ، لَمْ نُبْقِ مِنهم أحَدًا مَعَ ما أصَبْناهم بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ مِنَ المَصائِبِ، مَعَ اجْتِهادِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في إحْيائِهِمْ بِالإيمانِ، المُوجِبِ لِإبْقائِهِمْ في الدّارَيْنِ، عَكْسُ ما فَعَلْناهُ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن إنْجائِهِ مِنَ الهَلاكِ بِإلْقائِهِ في البَحْرِ، وإبْقائِهِ بِمَنِ اجْتَهَدَ في إعْدامِهِ، وجَعَلْنا لِكُلٍّ مِنهُما حَظًّا مِن بَحْرِهِ ”هَذا مِلْح أُجاج“ هو غِطاءُ جَهَنَّمَ، ”وهَذا عَذْب فُرات“ عُنْصُرُهُ مِنَ الجَنَّةِ، فَلْيُحَذِّرْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ تَدْعُوهم مِن مِثْلِ ذَلِكَ إنْ فَعَلُوا مِثْلَ فِعْلِ أُولَئِكَ.

25:37Страница 363

وَقَوۡمَ نُوحٖ لَّمَّا كَذَّبُواْ ٱلرُّسُلَ أَغۡرَقۡنَٰهُمۡ وَجَعَلۡنَٰهُمۡ لِلنَّاسِ ءَايَةٗۖ وَأَعۡتَدۡنَا لِلظَّٰلِمِينَ عَذَابًا أَلِيمٗا ٣٧

Мы потопили народ Нуха (Ноя), когда они сочли лжецами посланников, и сделали их знамением для людей. Мы приготовили беззаконникам мучительные страдания.

ولَمّا هَدَّدَ المُكَذِّبِينَ، بِإهْلاكِ الأوَّلِينَ، الَّذِينَ كانُوا أقْوى مِنهم وأكْثَرَ، وقَدَّمَ قِصَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِمُناسَبَةِ الكِتابِ في نَفْسِهِ أوَّلًا؛ وفي تَنْجِيمِهِ ثانِيًا، أتْبَعَهُ أوَّلَ الأُمَمِ، لِأنَّهم أوَّلُ، ولِما في عَذابِهِمْ مِنَ الهَوْلِ، ولِمُناسَبَةِ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ عَذابِ القِبْطِ، فَقالَ: ﴿وقَوْمَ﴾ أيْ ودَمَّرْنا قَوْمَ ﴿نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ بِتَكْذِيبِهِمْ نُوحًا؛ لِأنَّ مَن كَذَّبَ واحِدًا مِنَ الأنْبِياءِ بِالفِعْلِ فَقَدْ كَذَّبَ الكُلَّ بِالقُوَّةِ، لِأنَّ (p-٣٨٦)المُعْجِزاتِ هي البُرْهانُ عَلى صِدْقِهِمْ، وهي مُتَساوِيَةُ الأقْدامِ في كَوْنِها خَوارِقَ، لا يَقْدِرُ عَلى مُعارَضَتِها، فالتَّكْذِيبُ بِشَيْءٍ مِنها تَكْذِيبٌ بِالجَمِيعِ لِأنَّهُ لا فَرْقَ، ولِأنَّهم كَذَّبُوا مَن مَضى مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيما سَمِعُوهُ مِن أخْبارِهِمْ، ولِأنَّهم عَلَّلُوا تَكْذِيبَهم بِأنَّهُ مِنَ البَشَرِ فَلَزِمَهم تَكْذِيبُ كُلِّ رَسُولٍ مِنَ البَشَرِ.

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: بِأيِّ شَيْءٍ دُمِّرُوا؟ قالَ: ﴿أغْرَقْناهُمْ﴾ كَما أغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِأعْظَمَ مِمّا أغْرَقْناهم ﴿وجَعَلْناهُمْ﴾ أيْ قَوْمَ نُوحٍ في ذَلِكَ ﴿لِلنّاسِ آيَةً﴾ أيْ عَلامَةً عَلى قُدْرَتِنا عَلى ما نُرِيدُ مِن إحْداثِ الماءِ وغَيْرِهِ وإعْدامِهِ والتَّصَرُّفِ في ذَلِكَ بِكُلِّ ما نَشاءُ، وإنْجاءِ مَن نُرِيدُ بِما أهْلَكْنا بِهِ عَدُوَّهُ ﴿وأعْتَدْنا﴾ أيْ هَيَّأْنا تَهْيِئَةً قَرِيبَةً جِدًّا وأحْضَرْنا عَلى وجْهٍ ضَخْمٍ شَدِيدٍ تامِّ التَّقْدِيرِ؛ وكانَ الأصْلُ: لَهُمْ، ولَكِنَّهُ أظْهَرَ تَعْمِيمًا وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ فَقالَ: ﴿لِلظّالِمِينَ﴾ أيْ كُلِّهِمْ في أيِّ زَمانٍ كانُوا، لِأجْلِ ظُلْمِهِمْ بِوَضْعِهِمُ الأشْياءَ في غَيْرِ مَواضِعِها ﴿عَذابًا ألِيمًا﴾ لاسِيَّما في الآخِرَةِ.

25:38Страница 363

وَعَادٗا وَثَمُودَاْ وَأَصۡحَٰبَ ٱلرَّسِّ وَقُرُونَۢا بَيۡنَ ذَٰلِكَ كَثِيرٗا ٣٨

А также адитов, самудян, жителей Расса и многие поколения, которые были между ними.

ولَمّا ذَكَرَ آخِرَ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ بِعامَّةٍ وأوَّلَها، وكانَ إهْلاكُهُما بِالماءِ، ذَكَرَ مِن بَيْنِهِما مِمَّنْ أهْلَكَ بِغَيْرِ ذَلِكَ، إظْهارًا لِلْقُدْرَةِ والِاخْتِيارِ، وطَوى (p-٣٨٧)خَبَرَهم بِغَيْرِ العَذابِ لِأنَّهُ كَما مَضى في سِياقِ الإنْذارِ فَقالَ: ﴿وعادًا﴾ أيْ ودَمَّرْنا عادًا بِالرِّيحِ ﴿وثَمُودَ﴾ بِالصَّيْحَةِ ﴿وأصْحابَ الرَّسِّ﴾ أيِ البِئْرِ الَّتِي هي غَيْرُ مَطْوِيَّةٍ؛ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والرَّسُّ في كَلامِ العَرَبِ كُلُّ مَحْفُورٍ مِثْلُ البِئْرِ والقَبْرِ ونَحْوِ ذَلِكَ. أيْ دَمَّرْناهم بِالخَسْفِ ﴿وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرِ العَظِيمِ المَذْكُورِ، وهو بَيْنَ كُلِّ أُمَّتَيْنِ مِن هَذِهِ الأُمَمِ ﴿كَثِيرًا﴾ وناهِيكَ بِما يَقُولُ فِيهِ العَلِيُّ الكَبِيرُ: إنَّهُ كَثِيرٌ؛ أسْنَدَ البَغَوِيُّ في تَفْسِيرِ ﴿أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] في البَقَرَةِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «قامَ فِينا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا بَعْدَ العَصْرِ، فَما تَرَكَ شَيْئًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ إلّا ذَكَرَهُ في مَقامِهِ ذَلِكَ حَتّى إذا كانَتِ الشَّمْسُ عَلى رُؤُوسِ النَّخْلِ وأطْرافِ الحِيطانِ قالَ: ”أما إنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيا فِيما مَضى إلّا كَما بَقِيَ مِن يَوْمِكم هَذا، ألا وإنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ تُوفِي سَبْعِينَ أُمَّةً هي آخِرُها وأكْرَمُها عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ“» . أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ في الفِتَنِ وأحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ ماجَهْ في الفِتَنِ أيْضًا لَكِنْ بِبَعْضِهِ ولَيْسَ عِنْدَ واحِدٍ مِنهُمُ اللَّفْظُ المَقْصُودُ مِنَ السَّبْعِينَ (p-٣٨٨)أُمَّةً، وفي بَعْضِ ألْفاظِهِمْ وجَعَلَنا نَلْتَفِتُ إلى الشَّمْسِ هَلْ بَقِيَ مِنها شَيْءٌ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِي كانَ قَدْ بَقِيَ مِنَ النَّهارِ نَحْوُ العُشْرِ مِنَ العَشْرِ، وهَذا يَقْتَضِي إذا اعْتَبَرْنا ما مَضى لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِنَ الزَّمانِ أنْ يَكُونَ الماضِي مِنَ الدُّنْيا مِن خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في يَوْمِ الجُمْعَةِ الَّذِي يَلِي السِّتَّةَ الأيّامِ الَّتِي خُلِقَتْ فِيها السَّماواتُ والأرْضُ أكْثَرَ مِن مِائَةِ ألْفِ سَنَةٍ - واللَّهُ أعْلَمُ.

25:39Страница 363

وَكُلّٗا ضَرَبۡنَا لَهُ ٱلۡأَمۡثَٰلَۖ وَكُلّٗا تَبَّرۡنَا تَتۡبِيرٗا ٣٩

Каждому из них Мы приводили притчи, и каждый из них Мы подвергли полному истреблению.

ولَمّا قَدَّمَ سُبْحانَهُ أنَّهُ يَأْتِي في هَذا الكِتابِ بِما هو الحَقُّ في جَوابِ أمْثالِهِمْ، بَيَّنَ أنَّهُ فُعِلَ بِالجَمِيعِ نَحْوٌ مَن هَذا، فَقالَ تَسْلِيَةً لِنَبِيِّهِ ﷺ وتَأْسِيَةً وبَيانًا لِتَشْرِيفِهِ بِالعَفْوِ عَنْ أُمَّتِهِ: ﴿وكُلا﴾ أيْ مِن هَذِهِ الأُمَمِ ﴿ضَرَبْنا﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿لَهُ الأمْثالَ﴾ حَتّى وضُحَ لَهُ السَّبِيلُ، وقامَ - مِن غَيْرِ شُبْهَةٍ - الدَّلِيلُ ﴿وكُلا تَبَّرْنا تَتْبِيرًا﴾ أيْ جَعَلْناهم فُتاتًا قِطَعًا بَلِيغَةَ التَّقْطِيعِ، لا يُمْكِنُ غَيْرَنا أنْ يَصِلَها ويُعِيدَها إلى ما كانَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ التَّفْتِيتِ.

25:40Страница 363

وَلَقَدۡ أَتَوۡاْ عَلَى ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلَّتِيٓ أُمۡطِرَتۡ مَطَرَ ٱلسَّوۡءِۚ أَفَلَمۡ يَكُونُواْ يَرَوۡنَهَاۚ بَلۡ كَانُواْ لَا يَرۡجُونَ نُشُورٗا ٤٠

Они уже проходили мимо селения, на которое выпал недобрый дождь. Разве они не видели его? О нет! Они не надеялись на то, что будут воскрешены.

(p-٣٨٩)ولَمّا ذَكَرَ الإهْلاكَ بِالماءِ وبِغَيْرِهِ، وكانَ الإهْلاكُ بِالماءِ تارَةً بِالبَحْرِ، وتارَةً بِالإمْطارِ، وخَتَمَ بِالخَسْفِ، ذَكَرَ الخَسْفَ النّاشِئَ عَنِ الأمْطارِ، بِحِجارَةِ النّارِ، مَعَ الغَمْرِ بِالماءِ، دَلالَةً عَلى تَمامِ القُدْرَةِ، وباهِرِ العَظَمَةِ، وتَذْكِيرًا بِما يَرَوْنَهُ كُلَّ قَلِيلٍ في سَفَرِهِمْ إلى الأرْضِ المُقَدَّسَةِ لِمَتْجَرِهِمْ، وافْتَتَحَ القِصَّةَ بِاللّامِ المُؤْذِنَةِ بِعَظِيمِ الِاهْتِمامِ، مَقْرُونَةً بِحَرْفِ التَّحْقِيقِ، إشارَةً إلى أنَّهم لِعَدَمِ الِانْتِفاعِ بِالآياتِ كالمُنْكِرِينَ لِلْمَحْسُوساتِ، وغَيَّرَ الأُسْلُوبَ تَنْبِيهًا عَلى عَظِيمِ الشَّأْنِ وهَزًّا لِلسّامِعِ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ أتَوْا﴾ أيْ هَؤُلاءِ المُكَذِّبُونَ مِن قَوْمِكَ، وقالَ: ﴿عَلى القَرْيَةِ﴾ - وإنْ كانَتْ مَدائِنَ سَبْعًا أوْ خَمْسًا كَما قِيلَ - تَحْقِيرًا لِشَأْنِها في جَنْبِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ، وإهانَةً لِمَن يُرِيدُ عَذابَهُ، ودَلالَةً عَلى جَمْعِ الفاحِشَةِ لَهم حَتّى كانُوا كَأنَّهم شَيْءٌ واحِدٌ كَما دَلَّ عَلَيْهِ التَّعْبِيرُ بِمادَّةِ ”قَرا“ الدّالَّةِ عَلى الجَمْعِ ﴿الَّتِي أُمْطِرَتْ﴾ أيْ وقَعَ إمْطارُها مِمَّنْ لا يَقْدِرُ عَلى الإمْطارِ سِواهُ بِالحِجارَةِ، ولِذا قالَ: ﴿مَطَرَ السَّوْءِ﴾ وهي قُرى قَوْمِ لُوطٍ، ثُمَّ خَسَفَ بِها وغُمِرَتْ بِما لَيْسَ في الأرْضِ مِثْلُهُ في أنْواعِ الخُبْثِ؛ قالَ البَغَوِيُّ: كانَتْ خَمْسَ قُرًى فَأهْلَكَ اللَّهُ أرْبَعًا مِنها ونَجَتْ واحِدَةٌ وهي أصْغَرُها، وكانَ أهْلُها (p-٣٩٠)لا يَعْمَلُونَ العَمَلَ الخَبِيثَ.

ولَمّا كانُوا يَمُرُّونَ عَلَيْها في أسْفارِهِمْ، وكانَ مِن حَقِّهِمْ أنْ يَتَّعِظُوا بِحالِهِمْ، فَيَرْجِعُوا عَنْ ضَلالِهِمْ، تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ اسْتِحْقاقُهم لِلْإنْكارِ الشَّدِيدِ في قَوْلِهِ: ﴿أفَلَمْ يَكُونُوا﴾ أيْ بِما في جِبِلّاتِهِمْ مِنَ الأخْلاقِ العالِيَةِ ﴿يَرَوْنَها﴾ أيْ في أسْفارِهِمْ إلى الشّامِ لِيَعْتَبِرُوا بِما حَلَّ بِأهْلِها مِن عَذابِ اللَّهِ فَيَتُوبُوا.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: بَلْ رَأوْها، أضْرَبَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ﴾ أيْ لَمْ يَكُنْ تَكْذِيبُهم بِسَبَبِ عَدَمِ رُؤْيَتِها وعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِما حَلَّ بِأهْلِها، بَلْ بِسَبَبِ أنَّهم ﴿كانُوا﴾ يُكَذِّبُونَ بِالقِيامَةِ كَأنَّهُ لَهم طَبْعٌ.

ولَمّا كانَ عَوْدُ الإنْسانِ إلى ما كانَ مِن صِحَّتِهِ مَحْبُوبًا لَهُ، كانَ يَنْبَغِي لَهم لَوْ عَقَلُوا أنْ يُعَلِّقُوا رَجاءَهم بِالبَعْثِ لِأنَّهُ لا رُجُوعَ إلى الحَياةِ، فَهو كَرُجُوعِ المَرِيضِ لا سِيَّما المُدْنَفُ إلى الصِّحَّةِ، فَلِذَلِكَ قالَ مُعَبِّرًا بِالرَّجاءِ تَنْبِيهًا عَلى هَذا: ﴿لا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ بَعْدَ المَوْتِ لِيَخافُوا اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ فَيُخْلِصُوا لَهُ فَيُجازِيَهِمْ عَلى ذَلِكَ، لِأنَّهُ اسْتَقَرَّ في أنْفُسِهِمُ اعْتِقادَهُمُ التَّكْذِيبَ بِالآخِرَةِ، واسْتَمَرُّوا عَلَيْهِ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ حَتّى تَمَكَّنَ تَمَكُّنًا لا يَنْفَعُ مَعَهُ الِاعْتِبارُ إلّا لِمَن شاءَ اللَّهُ.

25:41Страница 363

وَإِذَا رَأَوۡكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَٰذَا ٱلَّذِي بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولًا ٤١

Завидев тебя, они лишь насмехаются над тобой: «Неужели это - тот, кого Аллах отправил посланником?

(p-٣٩١)ولَمّا أثْبَتَ تَكْذِيبَهم بِالآخِرَةِ، عَطَفَ عَلَيْهِ تَحْقِيقًا قَوْلَهُ، مُبَيِّنًا أنَّهم لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى التَّكْذِيبِ بِالمُمْكِنِ المَحْبُوبِ حَتّى ضَمُّوا إلَيْهِ الِاسْتِهْزاءَ بِمَن لا يُمْكِنُ أصْلًا في العادَةِ أنْ يَكُونَ مَوْضِعًا لِلْهُزْءِ: ﴿وإذا رَأوْكَ﴾ أيْ مَعَ ما يَعْلَمُونَ مِن صِدْقِ حَدِيثِكَ وكَرَمِ أفْعالِكَ لَوْ لَمْ تَأْتِهِمْ بِمُعْجِزَةٍ، فَكَيْفَ وقَدْ أتَيْتَهم بِما بَهَرَ العُقُولَ ﴿إنْ﴾ أيْ ما ﴿يَتَّخِذُونَكَ إلا هُزُوًا﴾ عَبَّرَ بِالمَصْدَرِ إشارَةً إلى مُبالَغَتِهِمْ في الِاسْتِهْزاءِ مَعَ شِدَّةٍ بَعْدَهُ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، يَقُولُونَ مُحْتَقِرِينَ: ﴿أهَذا﴾ وتَهَكَّمُوا مَعَ الإنْكارِ في قَوْلِهِمْ ﴿الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ﴾ أيِ المُسْتَجْمِعِ لِنُعُوتِ العَظَمَةِ ﴿رَسُولا﴾ فَإخْراجُهُمُ الكَلامَ في مَعْرِضِ التَّسْلِيمِ والإقْرارِ - وهو في غايَةِ الجُحُودِ - بالِغُ الذِّرْوَةِ مِنَ الِاسْتِهْزاءِ، فَصارَ المُرادُ عِنْدَهم أنَّ هَذا الَّذِي ادَّعاهُ مِنَ الرِّسالَةِ مِمّا لا يَجُوزُ أنْ يُعْتَقَدَ.

25:42Страница 363

إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنۡ ءَالِهَتِنَا لَوۡلَآ أَن صَبَرۡنَا عَلَيۡهَاۚ وَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ حِينَ يَرَوۡنَ ٱلۡعَذَابَ مَنۡ أَضَلُّ سَبِيلًا ٤٢

Он готов был отвратить нас от наших богов, если бы мы не проявили терпение». Когда они увидят наказание, они узнают, кто больше других сбился с пути.

ثُمَّ اسْتَأْنَفُوا مُعْجَبِينَ مِن أنْفُسِهِمْ، مُخَيِّلِينَ غَيْرَهم مِنَ الِالتِفاتِ إلى ما يَأْتِي بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ، قائِلِينَ: ﴿إنْ﴾ أيْ إنَّهُ ﴿كادَ﴾ وعُرِفَ بِأنَّ ”إنْ“ مُخَفَّفَةٌ لا نافِيَةٌ بِاللّامِ فَقالَ: ﴿لَيُضِلُّنا﴾ أيْ بِما يَأْتِي بِهِ مِن هَذِهِ الخَوارِقِ الَّتِي لا يَقْدِرُ غَيْرُهُ عَلى مِثْلِها، واجْتِهادِهِ في إظْهارِ النُّصْحِ ﴿عَنْ آلِهَتِنا﴾ هَذِهِ الَّتِي سَبَقَ إلى عِبادَتِها مَن هو أفْضَلُ مِنّا رَأْيًا وأكْثَرُ لِلْأُمُورِ تَجْرِبَةً. ولَمّا كانَتْ هَذِهِ العِبارَةُ مُفْهِمَةً لِمُقارَبَةِ الصَّرْفِ عَنِ الأصْنامِ، نَفَوْهُ بِقَوْلِهِمْ: (p-٣٩٢)﴿لَوْلا أنْ صَبَرْنا﴾ بِما لَنا مِنَ الِاجْتِماعِ والتَّعاضُدِ ﴿عَلَيْها﴾ أيْ عَلى التَّمَسُّكِ بِعِبادَتِها.

ولَمّا لَزِمَ قَوْلُهم هَذا أنَّ الأصْنامَ تُغْنِي عَنْهُمْ، نَفاهُ مُهَدِّدًا مُؤَكِّدًا التَّهْدِيدَ لِفَظاعَةِ فِعْلِهِمْ بِقَوْلِهِ، عَطْفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَسَوْفَ يَرَوْنَ - أوْ مَن يَرى مِنهم - أكْثَرُهم قَدْ رَجَعَ عَنِ اعْتِقادِ أنَّ هَذِهِ الأصْنامَ آلِهَةٌ: ﴿وسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ في حالٍ لا يَنْفَعُهم فِيهِ العَمَلُ وإنْ طالَتْ مُدَّةُ الإمْهالِ والتَّمْكِينِ ﴿حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ﴾ أيْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴿مَن أضَلُّ سَبِيلا﴾ هم أوَ الدّاعِي لَهم إلى تَرْكِ الأصْنامِ الَّذِي ادَّعَوْا إضْلالَهُ بِقَوْلِهِمْ ﴿لَيُضِلُّنا﴾

25:43Страница 363

أَرَءَيۡتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَٰهَهُۥ هَوَىٰهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيۡهِ وَكِيلًا ٤٣

Видел ли ты того, кто обожествил свою прихоть? Разве ты являешься его попечителем и хранителем?

ولَمّا أخْبَرَهُ تَعالى بِحَقِيقَةِ حالِهِمْ، في ابْتِدائِهِمْ ومَآلِهِمْ، وكانَ ذَلِكَ مِمّا يُحْزِنُهُ ﷺ لِشِدَّةِ حِرْصِهِ عَلى رُجُوعِهِمْ، ولُزُومِ ما يَنْفَعُهم واجْتِنابِ ما يَضُرُّهُمْ، سَلّاهُ بِقَوْلِهِ مُعَجِّبًا مِن حالِهِمْ: ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ﴾ أيْ كَلَّفَ نَفْسَهُ أنْ أخَذَ ﴿إلَهَهُ هَواهُ﴾ أيْ أنَّهم حَقَّرُوا الإلَهَ بِإنْزالِهِ إلى رُتْبَةِ الهَوى فَهم لا يَعْبُدُونَ إلّا الهَوى، وهو مَيْلُ الشَّهْوَةِ ورَمِيُ النَّفْسِ إلى الشَّيْءِ، لا شُبْهَةَ لَهم أصْلًا في عِبادَةِ الأصْنامِ يَرْجِعُونَ عَنْها إذا جَلَّتْ، فَهم لا يَنْفَكُّونَ عَنْ عِبادَتِها ما دامَ (p-٣٩٣)هَواهم مَوْجُودًا، فَلا يَقْدِرُ عَلى كَفِّهِمْ عَنْ ذَلِكَ إلّا القادِرُ عَلى صَرْفِ تِلْكَ الأهْواءِ، وهو اللَّهُ وحْدَهُ وهَذا كَما تَقُولُ: فُلانٌ اتَّخَذَ سَمِيرَهُ كِتابَهُ، أيْ أنَّهُ قَصَرَ نَفْسَهُ عَلى مُسامَرَةِ الكِتابِ فَلا يُسامِرُ غَيْرَ الكِتابِ، وقَدْ يُشارِكُهُ في مُسامَرَةِ الكِتابِ غَيْرُهُ، ولَوْ قُلْتَ: اتَّخَذَ كِتابَهُ سَمِيرَهُ، لانْعَكَسَ الحالُ فَكانَ المَعْنى أنَّهُ قَصَرَ نَفْسَهُ عَلى مُطالَعَةِ السَّمِيرِ ولَمْ يَنْظُرْ في كِتابٍ في وقْتِ السَّمَرِ وقَدْ يُشارِكُهُ غَيْرُهُ في السَّمِيرِ، أوْ قَصَرَ السَّمِيرَ عَلى الكِتابِ والكِتابَ عَلى السَّمِيرِ كَما قَصَرَ الطِّينَ عَلى الخَزَفِيَّةِ في قَوْلِكَ: اتَّخَذْتُ الطِّينَ خَزَفًا، فالمَعْنى أنَّ هَذا المَذْمُومَ قَصَرَ نَفْسَهُ عَلى تَألُّهِ الهَوى فَلا صَلاحَ لَهُ ولا رَشادَ وقَدْ يَتَألَّهُ الهَوى غَيْرَهُ، ولَوْ قِيلَ: مَنِ اتَّخَذَ هَواهُ إلَهَهُ، لَكانَ المَعْنى أنَّهُ قَصَرَ هَواهُ عَلى الإلَهِ فَلا غَيَّ لَهُ، لِأنَّ هَواهُ تابِعٌ لِأمْرِ الإلَهِ، وقَدْ يُشارِكُهُ في تَألُّهِ الإلَهِ غَيْرُهُ؛ قالَ أبُو حَيّانَ: والمَعْنى أنَّهُ لَمْ يَتَّخِذْ إلَهًا إلّا هَواهُ - انْتَهى.

فَلَوْ عَكَسَ لَقِيلَ: لَمْ يَتَّخِذْ هَوًى إلّا إلَهَهُ، وهو إذا فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ سَلَبَ نَفْسَهُ الهَوى فَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ إلّا فِيما وافَقَ أمْرَ إلَهِهِ ومِمّا يُوَضِّحُ لَكَ (p-٣٩٤)انْعِكاسَ المَعْنى بِالتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ أنَّكَ لَوْ قُلْتَ: فُلانٌ اتَّخَذَ عَبْدَهُ أباهُ، لَكانَ مَعْناهُ أنَّهُ عَظَّمَ العَبْدَ، ولَوْ قِيلَ: إنَّهُ اتَّخَذَ أباهُ عَبْدَهُ، لَكانَ مَعْناهُ أنَّهُ أهانَ الأبَ، وسَواءٌ في ذَلِكَ إتْيانُكَ بِهِ هَكَذا عَلى وِزانِ ما في القُرْآنِ أوْ نَكَّرْتَ أحَدَهُما، فَإنَّكَ لا تَجِدُ ذَوْقَكَ فِيهِ يَخْتَلِفُ في أنَّهُ إذا قَدَّمَ الحَقِيرَ شَرَّفَهُ، وإذا قَدَّمَ الشَّرِيفَ حَقَّرَهُ، وكَذا لَوْ قُلْتَ: اتَّخَذَ إصْطَبْلَهُ مَسْجِدًا أوْ صَدِيقَهُ أبًا أوْ عَكَسْتَ، ولَوْ كانَ التَّقْدِيمُ بِمُجَرَّدِ العِنايَةِ مِن غَيْرِ اخْتِلافٍ في الدَّلالَةِ قَدَّمَ في الجاثِيَةِ الهَوى، فَإنَّ السِّياقَ والسِّباقَ لَهُ، وحاصِلُ المَعْنى أنَّهُ اضْمَحَلَّ وصْفُ الإلَهِ، ولَمْ يَبْقَ إلّا الهَوى، فَلَوْ قَدَّمَ الهَوى لَكانَ المَعْنى أنَّهُ زالَ وغَلَبَتْ عَلَيْهِ صِفَةُ الإلَهِ، ولَمْ يَكُنْ يَنْظُرُ إلّا إلَيْهِ، ولا حُكْمَ إلّا لَهُ، كَما في الطِّينِ بِالنِّسْبَةِ إلى الخَزَفِ سَواءً - واللَّهُ أعْلَمُ.

ولَمّا كانَ لا يَقْدِرُ عَلى صَرْفِ الهَوى إلّا اللَّهُ، تَسَبَّبَ عَنْ شِدَّةِ حِرْصِهِ عَلى هُداهم قَوْلُهُ: ﴿أفَأنْتَ تَكُونُ﴾ ولَمّا كانَ مُرادُهُ ﷺ حِرْصًا عَلَيْهِمْ ورَحْمَةً لَهم رَدَّهم عَنِ الغَيِّ ولا بُدَّ، عَبَّرَ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ في قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِ وكِيلا﴾ أيْ مِن قِبَلِ اللَّهِ بِحَيْثُ يَلْزَمُكَ أنْ تَرُدَّهُ عَنْ هَواهُ إلى ما أمَرَ بِهِ اللَّهُ قَسْرًا، لَسْتَ بِوَكِيلٍ، ولَكِنَّكَ (p-٣٩٥)رَسُولٌ، لَيْسَ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ، فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ.

25:44Страница 364

أَمۡ تَحۡسَبُ أَنَّ أَكۡثَرَهُمۡ يَسۡمَعُونَ أَوۡ يَعۡقِلُونَۚ إِنۡ هُمۡ إِلَّا كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّ سَبِيلًا ٤٤

Или ты полагаешь, что большинство их способны слышать или разуметь? Они - всего лишь подобие скотов, но они еще больше сбились с пути.

ولَمّا انْتَفى الرَّدُّ عَنِ الهَوى قَسْرًا بِالوِكالَةِ، نَفى الرَّدَّ طَوْعًا بِتَقْبِيحِ الضَّلالَةِ، فَذَكَرَ المانِعَ مِنهُ بِقَوْلِهِ مُعادِلًا لِما قَبْلَهُ، مُنْكِرًا حُسْبانَهُ، لا كَوْنَهُ هو الحاسِبَ، أوْ أنْكَرَ كَوْنَهُ هو الحاسِبَ، مَعَ ما لَهُ مِنَ العَقْلِ الرَّزِينِ، والرَّأْيِ الرَّصِينِ، ويَكُونُ ﴿تَحْسَبُ﴾ مَعْطُوفًا عَلى ”تَكُونُ“: ﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهُمْ﴾ أيْ هَؤُلاءِ المَدْعُوِّينَ ﴿يَسْمَعُونَ﴾ أيْ سَماعَ مَن يَنْزَجِرُ ولَوْ كانَ غَيْرَ عاقِلٍ كالبَهائِمِ ﴿أوْ يَعْقِلُونَ﴾ ما يَرَوْنَ ولَوْ لَمْ يَكُنْ لَهم سَمْعٌ حَتّى يَطْمَعَ في رُجُوعِهِمْ بِاخْتِيارِهِمْ مِن غَيْرِ قَسْرٍ.

ولَمّا كانَ هَذا الِاسْتِفْهامُ مُفِيدًا لِلنَّفْيِ، أثْبَتَ ما أفْهَمَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ﴾ أيْ ما ﴿هم إلا كالأنْعامِ﴾ أيْ في عَدَمِ العَقْلِ لِعَدَمِ الِانْتِفاعِ بِهِ ﴿بَلْ هم أضَلُّ﴾ أيْ مِنها ﴿سَبِيلا﴾ لِأنَّهم لا يَنْزَجِرُونَ بِما يَسْمَعُونَ وهي تَنْزَجِرُ، ولا يَشْكُرُونَ لِلْمُحْسِنِ وهو ولِيُّهُمْ، لا يُجانِبُونَ المُسِيءَ وهو عَدُوُّهُمْ، ولا يَرْغَبُونَ في الثَّوابِ، ولا يَخافُونَ العِقابَ، وذَلِكَ لِأنّا حَجَبْنا شُمُوسَ عُقُولِهِمْ بِظِلالِ الجِبالِ الشّامِخَةِ مِن ضَلالِهِمْ، ولَوْ آمَنُوا لانْقَشَعَتْ تِلْكَ الحُجُبُ، وأضاءَتْ أنْوارُ الإيمانِ، فَأبْصَرُوا غَرائِبَ المَعانِي، وتَبَدَّتْ لَهم خَفايا الأسْرارِ

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ (p-٣٩٦)يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ﴾ [يونس: ٩] فَكَما أنَّ الإنْسانَ - وإنْ كانَ بَصِيرًا - لا يُمَيِّزُ بَيْنَ المَحْسُوساتِ ما لَمْ يُشْرِقْ عَلَيْها نُورُ الشَّمْسِ، فَكَذَلِكَ الإنْسانُ - وإنْ كانَ عاقِلًا ذا بَصِيرَةٍ - لا تُدْرِكُ بَصِيرَتُهُ المَعانِيَ المَعْلُوماتِ عَلى ما هي عَلَيْهِ ما لَمْ يُشْرِقْ عَلَيْها نُورُ الإيمانِ، لِأنَّ البَصِيرَةَ عَيْنُ الرُّوحِ كَما أنَّ البَصَرَ عَيْنُ الجَسَدِ؛ ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهم يَسْمَعُونَ ويَعْقِلُونَ وأنَّ المَنفِيَّ إنَّما هو انْتِفاعُهم بِذَلِكَ، كانَ مَوْضِعَ عَجَبٍ مِن صَرْفِهِمْ عَنْ ذَلِكَ، فَعَقَّبَهُ سُبْحانَهُ بِتَصَرُّفِهِ في الأُمُورِ الحِسِّيَّةِ مِثالًا لِلْأُمُورِ المَعْنَوِيَّةِ، ولِأنَّ عَمَلَهُ في الباطِنِ يُنِيرُهُ إذا شاءَ بِشَمْسِ المَعارِفِ كَعَمَلِهِ في الظّاهِرِ سَواءً، دَلِيلًا عَلى سَلْبِهِمُ النَّفْعَ بِما أعْطاهُمُوهُ.

25:45Страница 364

أَلَمۡ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيۡفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ وَلَوۡ شَآءَ لَجَعَلَهُۥ سَاكِنٗا ثُمَّ جَعَلۡنَا ٱلشَّمۡسَ عَلَيۡهِ دَلِيلٗا ٤٥

Разве ты не видишь, как твой Господь простирает тень? Если бы Он захотел, то сделал бы ее неподвижной. Затем Мы делаем солнце ее путеводителем

ولَمّا بَيَّنَ جُمُودَ المُعْتَرِضِينَ عَلى دَلائِلِ الصّانِعِ، وتَناهِي جَهْلِهِمْ، وفَسادِ طَرِيقَتِهِمْ، وكانَ المُرادُ مِنَ العَبْدِ في تَعَرُّفِ ذَلِكَ أنْ يَنْظُرَ في أفْعالِ سَيِّدِهِ بِعَيْنِ الحَقِيقَةِ نَظَرًا تَفْنى لَدَيْهِ الأغْيارُ، فَلا يَرى إلّا الفاعِلَ المُخْتارَ، خاطَبَ رَأْسَ المُخْلِصِينَ النّاظِرِينَ هَذا النَّظَرَ، حَثًّا لِأهْلِ وُدِّهِ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ، فَقالَ ذاكِرًا لِأنْواعٍ مِنَ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، وإحاطَةِ عِلْمِهِ، وشُمُولِ قُدْرَتِهِ، مُشِيرًا إلى أنَّ النّاظِرَ في هَذا الدَّلِيلِ - لِوُضُوحِهِ في الدَّلالَةِ عَلى الخالِقِ - كالنّاظِرِ إلى الخالِقِ، مُعَبِّرًا بِوَصْفِ الإحْسانِ (p-٣٩٧)تَشْوِيقًا إلى إدامَةِ النَّظَرِ إلَيْهِ والإقْبالِ عَلَيْهِ: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ وأشارَ إلى عِظَمِ المَقامِ وعُلُوِّ الرُّتْبَةِ بِحَرْفِ الغايَةِ مَعَ أقْرَبِ الخَلْقِ مَنزِلَةً وأعْلاهم مَقامًا فَقالَ: ﴿إلى رَبِّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ، والأصْلُ: إلى فِعْلِهِ؛ وأشارَ إلى زِيادَةِ التَّعَجُّبِ مِن أمْرِهِ بِجَعْلِهِ في مَعْرِضِ الِاسْتِفْهامِ فَقالَ: ﴿كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ وهو ظُلْمَةُ ما مَنَعَ مُلاقاةَ نُورِ الشَّمْسِ، قالَ أبُو عُبَيْدٍ: وهو ما تَنْسَخُهُ الشَّمْسُ وهو بِالغَداةِ، والفَيْءُ ما نَسَخَ الشَّمْسَ وهو بَعْدَ الزَّوالِ. والظِّلُّ هُنا اللَّيْلُ لِأنَّهُ ظِلُّ الأرْضِ المَمْدُودِ عَلى قَرِيبٍ مِن نِصْفِ وجْهِها مُدَّةً تَحْجُبُ نُورَ الشَّمْسِ بِما قابَلَ قُرْصَها مِنَ الأرْضِ حَتّى امْتَدَّ بِساطُهُ، وضَرَبَ فُسْطاطُهُ، كَما حَجَبَ ظِلُّ ضَلالِهِمْ أنْوارَ عُقُولِهِمْ، وغَفْلَةُ طِباعِهِمْ نُفُوذَ أسْماعِهِمْ ﴿ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ﴾ أيِ الظِّلَّ ﴿ساكِنًا﴾ بِإدامَةِ اللَّيْلِ لا تُذْهِبُهُ الشَّمْسُ كَما في الجَنَّةِ لِقَوْلِهِ ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] وإنْ كانَ بَيْنَهُما فَرْقٌ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ بَلْ جَعَلَهُ مُتَحَرِّكًا بِسَوْقِ الشَّمْسِ لَهُ.

ولَمّا كانَ إيجادُ النَّهارِ بَعْدَ إعْدامِهِ، وتَبْيِينُ الظِّلِّ بِهِ غَبَّ إبْهامَهُ، أمْرًا عَظِيمًا، وإنْ كانَ قَدْ هانَ بِكَثْرَةِ الإلْفِ، أشارَ بِأداةِ التَّراخِي ومَقامِ العَظَمَةِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ جَعَلْنا﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا ﴿الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلا﴾ أيْ يَدُورُ مَعَها حَيْثُما دارَتْ، فَلَوْلا هي ما ظَهَرَ أنَّ لِشَيْءٍ ظِلًّا، ولَوْلا النُّورُ (p-٣٩٨)ما عُرِفَ الظَّلامُ، والأشْياءُ تُعْرَفُ بِأضْدادِها.

25:46Страница 364

ثُمَّ قَبَضۡنَٰهُ إِلَيۡنَا قَبۡضٗا يَسِيرٗا ٤٦

и затем постепенно сжимаем ее к Себе.

ولَمّا كانَتْ إزالَتُهُ شَيْئًا فَشَيْئًا بَعْدَ مُدَّةٍ كَذَلِكَ مِنَ العَظَمَةِ بِمَكانٍ. قالَ مُنَبِّهًا عَلى فَضْلِ مَدْخُولِ ”ثُمَّ“ وتَرَتُّبِهِ مُتَصاعِدًا في دَرْجِ الفَضْلِ، فَما هُنا أفْضَلُ مِمّا قَبْلَهُ، وما قَبْلَهُ أجَلُّ مِمّا تَقَدَّمَهُ، تَشْبِيهًا لِتَباعُدِ ما بَيْنَ المَراتِبِ الثَّلاثِ في الفَضْلِ بِتَباعُدِ ما بَيْنَ الحَوادِثِ في الوَقْتِ: ﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ﴾ أيِ الظِّلَّ، والقَبْضُ: جَمْعُ المُنْبَسِطِ ﴿إلَيْنا﴾ أيْ إلى الجِهَةِ الَّتِي نُرِيدُها، لا يَقْدِرُ أحَدٌ غَيْرُنا أنْ يُحَوِّلَهُ إلى جِهَةٍ غَيْرِها؛ قالَ الرّازِي رَحِمَهُ اللَّهُ في اللَّوامِعِ: وهَذِهِ الإضافَةُ لِأنَّ غايَةَ قِصَرِ الظِّلِّ عِنْدَ غايَةِ تَعالِي الشَّمْسِ، والعُلُوُّ مَوْضِعُ المَلائِكَةِ وجِهَةُ السَّماءِ الَّتِي فِيها أرْزاقُ العِبادِ، ومِنها نُزُولُ الغَيْثِ والغِياثِ، وإلَيْها تَرْتَفِعُ أيْدِي الرّاغِبِينَ، وتَشْخَصُ أبْصارُ الخائِفِينَ - انْتَهى.

﴿قَبْضًا يَسِيرًا﴾ أيْ هو - مَعَ كَوْنِهِ في القِلَّةِ بِحَيْثُ يَعْسُرُ إدْراكُهُ حَقَّ الإدْراكِ - سَهْلٌ عَلَيْنا، ولَمْ نَزَلْ نَنْقُصُهُ شَيْئًا فَشَيْئًا حَتّى اضْمَحَلَّ كُلُّهُ، أوْ إلّا يَسِيرًا، ثُمَّ مَدَدْناهُ أيْضًا بِسَيْرِ الشَّمْسِ وحَجْبِها بِبِساطِ الأرْضِ قَلِيلًا قَلِيلًا، أوَّلًا فَأوَّلًا بِالجِبالِ والأبْنِيَةِ والأشْجارِ، ثُمَّ بِالرَّوابِي والآكامِ والظِّرابِ وما دُونَ ذَلِكَ، حَتّى تَكامَلَ كَما كانَ، وفي تَقْدِيرِهِ هَكَذا مِنَ المَنافِعِ ما لا يُحْصى، ولَوْ قُبِضَ لَتَعَطَّلَتْ (p-٣٩٩)أكْثَرُ مَنافِعِ النّاسِ بِالظِّلِّ والشَّمْسِ جَمِيعًا، فالحاصِلُ أنَّهُ يَجْعَلُ بَواطِنَهم مُظْلِمَةً بِحَجْبِها عَنْ أنْوارِ المَعارِفِ فَيَصِيرُونَ كالماشِي في الظَّلامِ، ويَكُونُ نُفُوذُهم في الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ كالماشِي بِاللَّيْلِ في طُرُقٍ قَدْ عَرَفَها ودَرِبَها بِالتَّكْرارِ، وحَدِيثُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في الرُّوحِ الَّذِي مَضى عِنْدَ ﴿والطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ﴾ [النور: ٢٦] في النُّورِ شاهِدٌ حِسِّيٌّ لِهَذا الأمْرِ المَعْنَوِيِّ - واللَّهُ المُوَفِّقُ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English