Аль-БикаиАль Имран · 3:12–16

Аль-Бикаи · Тафсир · на арабском

Аль Имран 3:12–16

3:12Страница 51

قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغۡلَبُونَ وَتُحۡشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ ١٢

Скажи тем, которые не уверовали: «Вы будете побеждены и собраны в Геенне. Как же скверно это ложе!».

(p-٢٦١)ولَمّا تَمَّ ذَلِكَ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ الظّاهِرَةِ الَّتِي أوْجَبَتِ اليَقِينَ لِكُلِّ مُنْصِفٍ بِأنَّهم مَغْلُوبُونَ وصَلَ بِها أمْرَهُ ﷺ وهو الحَبِيبُ العَزِيزُ بِأنْ يُصَرِّحَ لَهم بِمَضْمُونِ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ مِن أهْلِ زَمانِكَ جَرْيًا عَلى مِنهاجِ أُولَئِكَ الَّذِينَ أخَذْناهم ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ كَما غُلِبُوا وإنْ كُنْتُمْ مَلَأ الأرْضِ لِأنَّكم إنَّما تُغالِبُونَ خالِقَكم وهو الغالِبُ لِكُلِّ شَيْءٍ: ”ولَيُغْلَبَنَّ مُغالِبُ الغَلّابِ“ واللّامُ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِالخِطابِ مَعْدِيَّةٌ، وعَلى قِراءَةِ الغَيْبِ مُعَلِّلَةٌ، أيْ قُلْ لِأجْلِهِمْ، أوْ هي بِمَعْنى عَنْ، أيْ قُلْ عَنْهُمْ، وقَدْ أفْهَمَ الإخْبارُ بِمُجَرَّدِ الغَلَبَةِ دُونَ ذِكْرِ العَذابِ كَما كانَ يُذْكَرُ في تَهْدِيدِ مَن قَبْلَهم أنَّ أخْذَهم بِيَدِ المُغالَبَةِ والمُدافَعَةِ والنُّصْرَةِ تَشْرِيفًا لِنَبِيِّهِمْ ﷺ لِأنَّهُ عُرِضَ عَلَيْهِ عَذابُهم فَأبى إلّا المُدافَعَةَ عَلى سُنَّةِ المُصابَرَةِ، فَكانَ أوَّلُ ذَلِكَ غَلَبَتَهُ ﷺ عَلى مَكَّةَ المُشَرَّفَةِ، وكانَ فَتْحُها فَتْحًا لِجَمِيعِ الأرْضِ لِأنَّها أُمُّ القُرى نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ الحَرالِّيُّ.

﴿وتُحْشَرُونَ﴾ أيْ تُجْمَعُونَ بَعْدَ مَوْتِكم أحْياءً كَما كُنْتُمْ قَبْلَ المَوْتِ (p-٢٦٢)﴿إلى جَهَنَّمَ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: وهي مِنَ الجَهامَةِ، وهي كَراهَةُ المَنظَرِ انْتَهى؛ فَتَكُونُ مِهادَكُمْ، لا مِهادَ لَكم غَيْرُها ﴿وبِئْسَ﴾ أيْ والحالُ أنَّها بِئْسَ ﴿المِهادُ﴾

3:13Страница 51

قَدۡ كَانَ لَكُمۡ ءَايَةٞ فِي فِئَتَيۡنِ ٱلۡتَقَتَاۖ فِئَةٞ تُقَٰتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخۡرَىٰ كَافِرَةٞ يَرَوۡنَهُم مِّثۡلَيۡهِمۡ رَأۡيَ ٱلۡعَيۡنِۚ وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصۡرِهِۦ مَن يَشَآءُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبۡرَةٗ لِّأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ ١٣

Знамением для вас стали две армии при Бадре: одна армия сражалась на пути Аллаха, другая же состояла из неверующих. Своими глазами они увидели, что неверующие вдвое превышают их числом. Аллах оказывает поддержку тому, кому пожелает. Воистину, в этом есть назидание для обладающих зрением.

ولَمّا كانَ الكَفَرَةُ مِن أهْلِ الكِتابِ وغَيْرِهِمْ مِنَ العَرَبِ بِمَعْرِضِ أنْ يَقُولُوا حِينَ قِيلَ لَهم ذَلِكَ: كَيْفَ نُغْلَبُ وما هم فِينا إلّا كالشَّعْرَةِ البَيْضاءِ في جِلْدِ الثَّوْرِ الأسْوَدِ ؟ قِيلَ لَهُمْ: إنْ كانَتْ قِصَّةُ آلِ فِرْعَوْنَ لَمْ تَنْفَعْكم لِجَهْلٍ أوْ طُولِ عَهْدٍ فَإنَّهُ ﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ﴾ أيْ عَظِيمَةٌ بِدَلالَةِ تَذْكِيرِ كانَ ﴿فِي فِئَتَيْنِ﴾ تَثْنِيَةِ فِئَةٍ لِلطّائِفَةِ الَّتِي يَفِيءُ إلَيْها أيْ يَرْجِعُ مَن يَسْتَعْظِمُ شَيْئًا، اسْتِنادًا إلَيْها حِمايَةً بِها لِقُوَّتِها ومَنَعَتِها ﴿التَقَتا﴾ أيْ في بَدْرٍ ﴿فِئَةٌ﴾ أيْ مِنهُما مُؤْمِنَةٌ، لِما يُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا، ومَن كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ قَطْعًا إلّا مُؤْمِنًا ﴿وأُخْرى﴾ أيْ مِنهُما ﴿كافِرَةٌ﴾ (p-٢٦٣)أيْ تُقاتِلُ في سَبِيلِ الشَّيْطانِ، فالآيَةُ كَما تَرى مِن وادِي الِاحْتِباكِ، وهو أنْ يُؤْتى بِكَلامَيْنِ يُحْذَفُ مِن كُلٍّ مِنهُما شَيْءٌ إيجازًا، يَدُلُّ ما ذُكِرَ مِن كُلٍّ عَلى ما حُذِفَ مِنَ الآخَرِ، وبِعِبارَةٍ أُخْرى: هو أنْ يُحْذَفَ مِن كُلِّ جُمْلَةٍ شَيْءٌ إيجازًا ويُذْكَرَ في الجُمْلَةِ الأُخْرى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ.

ولَمّا نَبَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى الِاعْتِبارِ بِذِكْرِ الآيَةِ نَبَّهَ عَلى مَوْضِعِها بِقَوْلِهِ: ﴿يَرَوْنَهُمْ﴾ وضَمَّنَ يَرى البَصِيرِيَّةَ القاصِرَةَ عَلى مَفْعُولٍ واحِدٍ فِعْلَ الظَّنِّ، وانْتَزَعَ مِنهُ حالًا ودَلَّ عَلَيْها بِنَصْبِ مَفْعُولٍ ثانٍ فَصارَ التَّقْدِيرُ: ظانِّيهِمْ ﴿مِثْلَيْهِمْ﴾ فَعَلى قِراءَةِ نافِعٍ بِالتّاءِ الفَوْقانِيَّةِ يَكُونُ المَعْنى: تَرَوْنَ أيُّها المُخاطَبُونَ الكُفّارَ المُقاتِلِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ، وعَلى قِراءَةِ غَيْرِهِ بِالغَيْبِ المَعْنى، يَرى المُسْلِمُونَ الكُفّارَ مَثَلَيِ المُسْلِمِينَ ﴿رَأْيَ العَيْنِ﴾ أيْ بِالحَزْرِ والتَّخْمِينِ، لا بِحَقِيقَةِ العَدَدِ، هَذا أقَلُّ (p-٢٦٤)ما يُجَوِّزُونَهُ فِيهِمْ، وقَدْ كانُوا ثَلاثَةَ أمْثالِهِمْ ومَعَ ذَلِكَ فَجَزاهُمُ اللَّهُ عَلى مُصادَمَتِهِمْ ونَصَرَهم عَلَيْهِمْ، أوْ يَرى الكُفّارُ المُسْلِمِينَ مَثَلَيِ الكُفّارِ مَعَ كَوْنِهِمْ عَلى الثُّلُثِ مِن عِدَّتِهِمْ، كَما هو المَشْهُورُ في الآثارِ تَأْيِيدًا مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِأوْلِيائِهِ لِيُرْعِبَ الأعْداءَ فَيَنْهَزِمُوا، أوْ يَرى الكُفّارُ المُسْلِمِينَ ضِعْفَيْ عَدَدِ المُسْلِمِينَ قالَ الحَرالِّيُّ: لِتَقَعَ الإراءَةُ عَلى صِدْقِهِمْ في مَوْجُودِ الإسْلامِ الظّاهِرِ والإيمانِ الباطِنِ، فَكانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم بِما هو مُسْلِمٌ ذاتًا، وبِما هو مُؤْمِنٌ ذاتًا، فالمُؤْمِنُ المُسْلِمُ ضِعْفانِ أبَدًا ﴿فَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإنْ يَكُنْ مِنكم ألْفٌ يَغْلِبُوا ألْفَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦] وذَلِكَ بِما أنَّ الكافِرَ ظاهِرٌ لا باطِنَ لَهُ فَكانَ ذاتَ عَيْنٍ، لا ذاتَ قَلْبٍ لَهُ، فَكانَ المُؤْمِنُ ضِعْفَهُ، فَوَقَعَتِ الإراءَةُ لِلْفِئَةِ المُؤْمِنَةِ عَلى ما هي عَلَيْهِ شَهادَةً مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِثَباتِ إسْلامِهِمْ وإيمانِهِمْ، وكانَ ذَلِكَ أدْنى الإراءَةِ لِمَزِيدِ مَوْجُودِ الفِئَةِ المُقاتِلَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ بِمِقْدارِ الضِّعْفِ الَّذِي هو أقَلُّ (p-٢٦٥)الزِّيادَةِ الصَّحِيحَةِ، وأمّا بِالحَقِيقَةِ فَإنَّ التّامَّ الدِّينَ بِما هو مُسْلِمٌ مُؤْمِنٌ صاحِبُ يَقِينٍ إنَّما هو بِالحَقِيقَةِ عَشْرٌ تامٌّ نَظِيرَ مَوْجُودِ الوُجُودِ الكامِلِ، فَهو عَشْرُ ذَواتٍ بِما هو صاحِبُ يَقِينٍ ودِينٍ

﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥] انْتَهى. وهَذا التَّقْلِيلُ والتَّكْثِيرُ واقِعٌ بِحَسَبِ أوَّلِ القِتالِ وآخِرِهِ، وقَبْلَ اللِّقاءِ وبَعْدَهُ، لِما أرادَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مِنَ الحُكْمِ كَما في آيَةِ الأنْفالِ، والمَعْنى: إنّا فاعِلُونَ بِكم أيُّها الكُفّارُ عَلى أيْدِيهِمْ ما فَعَلْناهُ بِأُولَئِكَ، وقَدْ كانُوا قائِلِينَ أعْظَمَ مِن مَقالاتِكُمْ، فَلَمْ تُغْنِ عَنْهم كَثْرَتُهم شَيْئًا، ولا شِدَّةُ شَكِيمَتِهِمْ ونَخْوَتُهم فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى ولِيُّ المُؤْمِنِينَ لِطِيبِهِمْ ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ والطَّيِّبُ ولَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ﴾ [المائدة: ١٠٠]

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَنَصَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى الفِئَةَ القَلِيلَةَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿يُؤَيِّدُ﴾ والأيْدُ تَضْعِيفُ القُوَّةِ الباطِنَةِ ﴿بِنَصْرِهِ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: والنَّصْرُ لا يَكُونُ إلّا لِمُحِقٍّ، وإنَّما (p-٢٦٦)يَكُونُ لِغَيْرِ المُحِقِّ الظَّفَرُ والِانْتِقامُ انْتَهى.

﴿مَن يَشاءُ﴾ أيْ فَلا عَجَبَ فِيهِ في التَّحْقِيقِ، فَلِذَلِكَ اتَّصَلَ بِهِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرِ الباهِرِ، وفي أداةِ البُعْدِ كَما قالَ الحَرالِّيُّ إشارَةُ بُعْدٍ إلى مَحَلِّ عُلُوِّ الآيَةِ ﴿لَعِبْرَةً﴾ قالَ: هي المُجاوَزَةُ مِن عُدْوَةٍ دُنْيا إلى عُدْوَةٍ قُصْوى، ومِن عِلْمٍ أدْنى إلى عِلْمٍ أعْلى، فَفي لَفْظِها بُشْرى بِما يَنالُونَ مِن ورائِها مِمّا هو أعْظَمُ مِنها إلى غايَةِ العِبْرَةِ العُظْمى مِنَ الغَلَبَةِ الخاتِمَةِ الَّتِي عِنْدَها تَضَعُ الحَرْبُ أوْزارَها حَيْثُ يَكُونُ مِن أهْلِ الكَمالِ بِعَدَدِ أهْلِ بَدْرٍ ثَلاثُمِائَةِ ثَلاثَةَ عَشَرَ، فَهو غايَةُ العِبْرَةِ لِمَن لَهُ بَصَرٌ نافِذٌ ونَظَرٌ جامِعٌ بَيْنَ البِدايَةِ والخاتِمَةِ ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] انْتَهى.

﴿لأُولِي الأبْصارِ﴾ أيْ يَصِيرُونَ بِها مِن حالٍ إلى أشْرَفَ مِنها في قُدْرَةِ اللَّهِ وعَظَمَتِهِ وفِعْلِهِ بِالِاخْتِيارِ. قالَ الحَرالِّيُّ: أوَّلُ مَوْقِعِ العَيْنِ عَلى الصُّورَةِ نَظَرٌ، ومَعْرِفَةُ خِبْرَتِها الحِسِّيَّةِ بَصَرٌ، ونُفُوذُهُ إلى حَقِيقَتِها رُؤْيَةٌ، فالبَصَرُ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ النَّظَرِ والرُّؤْيَةِ (p-٢٦٧)كَما قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ وهم لا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٨] فالعِبْرَةُ هي المَرْتَبَةُ الأُولى لِأُولِي الأبْصارِ الَّذِينَ يُبْصِرُونَ الأواخِرَ بِالأوائِلِ، فَأعْظَمُ غَلَبَةِ بَطْشِهِ في الِابْتِداءِ غَلَبَةُ بَدْرٍ، وأعْظَمُها في الِانْتِهاءِ الغَلَبَةُ الخاتِمَةُ الَّتِي لا حَرْبَ وراءَها، الَّتِي تَكُونُ بِالشّامِ في آخِرِ الزَّمانِ. انْتَهى.

3:14Страница 51

زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلۡبَنِينَ وَٱلۡقَنَٰطِيرِ ٱلۡمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلۡفِضَّةِ وَٱلۡخَيۡلِ ٱلۡمُسَوَّمَةِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ وَٱلۡحَرۡثِۗ ذَٰلِكَ مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلۡمَـَٔابِ ١٤

Приукрашена для людей любовь к удовольствиям, доставляемым женщинами, сыновьями, накопленными кантарами золота и серебра, прекрасными конями, скотиной и нивами. Таково преходящее удовольствие мирской жизни, но у Аллаха есть лучшее место возвращения.

ولَمّا عُلِمَ بِهَذا أنَّ الَّذِي وقَفَ بِهِمْ عَنِ الإيمانِ مِنَ الأمْوالِ والأوْلادِ وسائِرِ المَتاعِ إنَّما هو شَهَواتٌ وعَرَضٌ زائِلٌ، لا يُؤْثِرُهُ عَلى اتِّباعِ ما شَرَعَهُ المَلِكُ إلّا مَنِ انْسَلَخَ مِن صِفاتِ البَشَرِ إلى طَوْرِ البَهائِمِ الَّتِي لا تَعْرِفُ إلّا الشَّهَواتِ، وخَتَمَ ذَلِكَ بِذِكْرِ آيَةِ الفِئَتَيْنِ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: الآيَةُ العَلامَةُ، ومِن شَأْنِها الظُّهُورُ، فَما حَجَبَها عَنْهُمْ؟ فَقِيلَ: تَزْيِينُ الشَّهَواتِ لِمَن دَنَتْ هِمَّتُهُ. وقالَ (p-٢٦٨)الحَرالِّيُّ: لَمّا أظْهَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ ما أظْهَرَهُ بَقاءً لِعَلَنِ قَيُّومِيَّتِهِ مِن تَنْزِيلِ الكِتابِ الجامِعِ الأوَّلِ، وإنْزالِ الكُتُبِ الثَّلاثَةِ: إنْزالِ التَّوْراةِ بِما أنْشا عَلَيْهِ قَوْمَها مِن وضْعِ رَغْبَتِهِمْ ورَهْبَتِهِمْ في أمْرِ الدُّنْيا، فَكانَ وعِيدُهم فِيها ووَعْدُهم عَلى إقامَةِ ما فِيها إنَّما هو بِرَغْبَةٍ في الدُّنْيا ورَهْبَتِها، لِأنَّ كُلَّ أُمَّةٍ تُدْعى لِنَحْوِ ما جُبِلَتْ عَلَيْهِ مِن رَغْبَةٍ ورَهْبَةٍ، فَمِن مَجْبُولٍ عَلى رَغْبَةٍ ورَهْبَةٍ في أمْرِ الدُّنْيا، ومِن مَجْبُولٍ عَلى ما هو مِن نَحْوِ ذَلِكَ في أمْرِ الآخِرَةِ ومِن مَفْطُورٍ عَلى ما هو مِن غَيْرِ ذَلِكَ مِن أمْرِ اللَّهِ، فَيَرِدُ خِطابُ كُلِّ أُمَّةٍ ويَنْزِلُ عَلَيْها كِتابُها مِن نَحْوِ ما جُبِلَتْ عَلَيْهِ، فَكانَ كِتابُ التَّوْراةِ كِتابَ رَجاءٍ ورَغْبَةٍ وخَوْفٍ ورَهْبَةٍ في مَوْجُودِ الدُّنْيا، وكانَ كِتابُ الإنْجِيلِ كِتابَ دَعْوَةٍ إلى مَلَكُوتِ الآخِرَةِ، وكانا مُتَقابِلَيْنِ، بَيْنَهُما مُلابَسَةٌ، لَمْ يَفْصِلْ أمْرَهُما فُرْقانٌ واضِحٌ، فَكَثُرَ فِيهِما الِاشْتِباهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الفُرْقانَ لِرَفْعِ لَبْسِ ما فِيهِما فَأبانَ فِيهِ المُحْكَمَ والمُتَشابِهَ مِن مَنزِلِ الوَحْيِ، وكَما أبانَ فِيهِ فُرْقانَ الوَحْيِ أبانَ فِيهِ أيْضًا فُرْقانَ الخَلْقِ وما اشْتَبَهَ مِن أمْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ وما التَبَسَ عَلى (p-٢٦٩)أهْلِ الدُّنْيا مِن أمْرِ الخَلْقِ بِلَوائِحِ آياتِ الحَقِّ عَلَيْهِمْ، فَتَبَيَّنَ في الفُرْقانِ مُحْكَمُ الوَحْيِ مِن مُتَشابِهِهِ، ومُحْكَمُ الخَلْقِ مِن مُتَشابِهِهِ وكانَ مُتَشابِهُ الخَلْقِ هو المُزَيَّنَ مِن مَتاعِ الدُّنْيا، ومُحْكَمُ الخَلْقِ هو المُحَقَّقَ مِن دَوامِ خَلْقِ الآخِرَةِ، فاطَّلَعَ نَجْمُ هَذِهِ الآيَةِ لِإنارَةِ غَلَسِ ما بُنِيَ عَلَيْهِ أمْرُ التَّوْراةِ مِن إثْباتِ أمْرِ الدُّنْيا لَهم وعْدًا ووَعِيدًا، لِتَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ تَوْطِئَةً لِتَحْقِيقِ صَرْفِ النُّهى عَنْ مَدِّ اليَدِ والبَصَرِ إلى ما مَتَّعَ بِهِ أهْلَها، فَأنْبَأ تَعالى أنَّ مَتاعَ الدُّنْيا أمْرٌ مُزَيَّنٌ، لا حَقِيقَةَ لِزِينَتِهِ ولا حُسْنَ لِما وراءَ زُخْرُفِهِ فَقالَ: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ﴾ فَأبْهَمَ المُزَيِّنَ لِتَرْجِعَ إلَيْهِ ألْسِنَةُ التَّزْيِينِ مِمّا كانَتْ في رُتْبَةِ عُلُوٍّ أوْ دُنُوٍّ، وفي إناطَةِ التَّزْيِينِ بِالنّاسِ دُونَ الَّذِينَ آمَنُوا ومَن فَوْقَهم إيضاحٌ لِنُزُولِ سِنِّهِمْ في أسْنانِ القُلُوبِ وأنَّهم مُلُوكُ الدُّنْيا وأتْباعُهم ورُؤَساءُ القَبائِلِ وأتْباعُهُمُ الَّذِينَ هم أهْلُ الدُّنْيا ﴿حُبُّ الشَّهَواتِ﴾ جَمْعُ شَهْوَةٍ، وهي (p-٢٧٠)نُزُوعُ النَّفْسِ إلى مَحْسُوسٍ لا تَتَمالَكُ عَنْهُ. انْتَهى.

وفِي هَذا الكَلامِ إعْلامٌ بِأنَّ الَّذِي وقَعَ عَلَيْهِ التَّزَيُّنُ الحُبُّ، لا الشَّيْءُ المَحْبُوبُ، فَصارَ اللّازِمُ لِأهْلِ الدُّنْيا إنَّما هو مَحَبَّةُ الأمْرِ الكُلِّيِّ مِن هَذِهِ المُسَمَّياتِ ورُبَّما إذا تَشَخَّصَ في الجُزْئِيّاتِ لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الجُزْئِيّاتُ مَحْبُوبَةً لَهُمْ، وفِيهِ تَحْرِيكٌ لِهِمَمِ أهْلِ الفُرْقانِ إلى العُلُوِّ عَنْ رُتْبَةِ النّاسِ الَّذِينَ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ ولا يَشْكُرُونَ ولا يَعْقِلُونَ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ بِما هو مَحَطُّ القَصْدِ كُلِّهِ، وآخِرُ العَمَلِ مِن حَيْثُ إنَّ الأعْلَقَ بِالنَّفْسِ حُبُّ أُنْثاها الَّتِي هي مِنها ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها﴾ [النساء: ١] فَقالَ: ﴿مِنَ النِّساءِ﴾ أيِ المُبْتَدِئَةِ مِنهُنَّ، وأتْبَعَهُ ما هو مِنهُ أيْضًا وهو بَيْنَهُ وبَيْنَ الأُنْثى فَقالَ: ﴿والبَنِينَ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: وأخْفى فِتْنَةَ النِّساءِ بِالرِّجالِ سَتْرًا لَهُنَّ، كَما أخْفى أمْرَ حَوّاءَ في ذِكْرِ المَعْصِيَةِ لِآدَمَ حَيْثُ قالَ: ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ﴾ [طه: ١٢١] فَأخْفاهُنَّ لِما في سَتْرِ الحُرُمِ مِنَ الكَرَمِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى حَيِيٌّ كَرِيمٌ. انْتَهى.

ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ ما يُكْمِلُ بِهِ أمْرَهُ فَقالَ: ﴿والقَناطِيرِ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: جَمْعُ (p-٢٧١)قِنْطارٍ، يُقالُ: هو مِائَةُ رِطْلٍ ويُقالُ: إنَّ الرِّطْلَ اثْنَتا عَشْرَةَ أُوقِيَّةً، والأُوقِيَّةُ أرْبَعُونَ دِرْهَمًا، والدِّرْهَمُ خَمْسُونَ حَبَّةً وخَمْسًا مِن حَبِّ الشَّعِيرِ، وأحَقُّهُ أنْ يَكُونَ مِن شَعِيرِ المَدِينَةِ ﴿المُقَنْطَرَةِ﴾ أيِ المُضاعَفَةِ مَرّاتٍ. انْتَهى. ثُمَّ بَيَّنَها بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ﴾ ثُمَّ أتْبَعَها الزِّينَةَ الظّاهِرَةَ الَّتِي هي أكْبَرُ الأسْبابِ في تَحْصِيلِ الأمْوالِ فَقالَ: ﴿والخَيْلِ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: اسْمُ جَمْعٍ لِهَذا الجِنْسِ المَجْبُولِ عَلى هَذا الِاخْتِيالِ لِما خُلِقَ لَهُ مِنَ الاعْتِزازِ بِهِ وقُوَّةِ المِنَّةِ في الِافْتِراسِ عَلَيْهِ الَّذِي مِنهُ سُمِّيَ واحِدُهُ فَرَسًا ﴿المُسَوَّمَةِ﴾ أيِ المُعَلَّمَةِ بِأعْلامٍ هي سِمَتُها وسِيماها الَّتِي تَشْتَهِرُ بِها جَوْدَتُها، مِنَ السُّومَةِ - بِضَمِّ السِّينِ، وهي العَلامَةُ الَّتِي تُجْعَلُ عَلى الشّاةِ لِتُعْرَفَ بِها، وأصْلُ السَّوْمِ (p-٢٧٢)بِالفَتْحِ الإرْسالُ لِلرَّعْيِ مُكْتَفىً في المُرْسَلِ بِعَلاماتٍ تُعْرَفُ بِها نِسْبَتُها لِمَن تَتَوَفَّرُ الدَّواعِي لِلْحَفِيظَةِ عَلَيْها مِن أجْلِهِ مِنَ الواقِعِ عَلَيْها مِنَ الخاصِّ والعامِّ، فَهي مُسَوَّمَةٌ بِسِيمَةٍ تُعْرَفُ بِها جَوْدَتُها ونِسْبَتُها ﴿والأنْعامِ﴾ وهي جَمْعُ نَعَمٍ، وهي الماشِيَةُ فِيها إبِلٌ، والإبِلُ واحِدُها، فَإذا خَلَتْ مِنها الإبِلُ لَمْ يَجْرِ عَلى الماشِيَةِ اسْمُ نَعَمٍ. انْتَهى. وقالَ في القامُوسِ: النَّعَمُ - وقَدْ تُسَكَّنُ عَيْنُهُ - الإبِلُ والشِّياءُ جَمْعُ أنْعامٍ، وجَمْعُ جَمْعِهِ أناعِيمٌ. وقالَ القَزّازُ في جامِعِهِ: النَّعَمُ اسْمٌ يَلْزَمُ الإبِلَ خاصَّةً، ورُبَّما دَخَلَ في النَّعَمِ سائِرُ المالِ، وجَمْعُ النَّعَمِ أنْعامٌ، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ أنَّ النَّعَمَ في الإبِلِ خاصَّةً، فَإذا قُلْتَ: الأنْعامُ - دَخَلَ فِيها البَقَرُ والغَنَمُ، قالَ: وإنْ أفْرَدْتَ الإبِلَ والغَنَمَ لَمْ يُقَلْ فِيها نَعَمٌ ولا أنْعامٌ. وقالَ قَوْمٌ: النَّعَمُ والأنْعامُ بِمَعْنىً، وقالَ في المُجْمَلِ: والأنْعامُ البَهائِمُ، وقالَ الفارابِيُّ في دِيوانِ الأدَبِ: والنَّعَمُ واحِدُ الأنْعامِ، وأكْثَرُ ما يَقَعُ هَذا الِاسْمُ عَلى الإبِلِ. ولَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الأعْيانَ الَّتِي زُيِّنَ حُبُّها في نَفْسِها أتْبَعَها ما يُطْلَبُ لِأجْلِ تَحْصِيلِها (p-٢٧٣)أوْ تَنْمِيَتِها وتَكْثِيرِها فَقالَ: ﴿والحَرْثِ﴾

ولَمّا فَصَّلَها وخَتَمَها بِما هو مِثْلُ الدُّنْيا في البِدايَةِ والنِّهايَةِ والإعادَةِ أجْمَلَ الخَبَرَ عَنْ ثَمَرَتِها وبَيانِ حَقِيقَتِها فَقالَ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ ما ذَكَرَ مِنَ الشَّهَواتِ المُفَسَّرُ بِهَذِهِ الأعْيانِ تَأْكِيدًا لِتَخْسِيسِهِ البَعِيدِ مِن إخْلادِ ذَوِي الهِمَمِ إلَيْهِ لِيَقْطَعَهم عَنِ الدّارِ الباقِيَةِ. وقالَ الحَرالِّيُّ: الإشارَةُ إلى بُعْدِهِ عَنْ حَدِّ التَّقْرِيبِ إلى حَضْرَةِ الجَنَّةِ انْتَهى.

﴿مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيِ الَّتِي هي مَعَ دَناءَتِها إلى فَناءٍ. قالَ الحَرالِّيُّ: جَعَلَ سُبْحانَهُ وتَعالى ما أحاطَ بِهِ حِسُّ النَّظَرِ العاجِلِ مِن مَوْجُودِ العادِلِ أدْنى، فَأفْهَمَ أنَّ ما أنْبَأ بِهِ عَلى سَبِيلِ السَّمْعِ أعْلى، فَجَعَلَ تَعالى مِن أمْرِ اشْتِباهِ كِتابِ الكَوْنِ المَرْئِيِّ بِهِ وذِكْرِ المَشْهُودِ أنْ عَجَّلَ مَحْسُوسَ العَيْنِ وحَمَلَ عَلى تَرْكِهِ وقَبَضَ اليَدَ بِالوَرَعِ والقَلْبَ بِالحُبِّ عَنْهُ، وأخَّرَ مَشْهُودَ مَسْمُوعِ الأُذُنِ مِنَ الآخِرَةِ (p-٢٧٤)وأنْبَأ بِالصِّدْقِ عَنْهُ ونَبَّهَ بِالآياتِ عَلَيْهِ لِيُؤْثِرَ المُؤْمِنُ مَسْمَعَهُ عَلى مَنظَرِهِ، كَما آثَرَ النّاسُ مَنظَرَهم عَلى مَسْمَعِهِمْ، حَرَّضَ لِسانُ الشَّرْعِ عَلى تَرْكِ الدُّنْيا والرَّغْبَةِ في الأُخْرى، فَأبَتِ الأنْفُسُ وقَبِلَتْ قُلُوبٌ وهَيَّمَ لِسانُ الشِّعْرِ في زِينَةِ الدُّنْيا فَقَبِلَتْهُ الأنْفُسُ ولَمْ تَسْلَمِ القُلُوبُ مِنهُ إلّا بِالعِصْمَةِ، فَلِسانُ الحَقِّ يَصْرِفُ إلى حَقِّ الآخِرَةِ ولِسانُ الخَلْقِ يَصْرِفُهُ إلى زِينَةِ الدُّنْيا، فَأنْبَأ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّ ما في الدُّنْيا مَتاعٌ، والمَتاعُ ما لَيْسَ لَهُ بَقاءٌ، وهو في نَفْسِهِ خَسِيسٌ خَساسَةَ الجِيفَةِ انْتَهى.

ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ سُبْحانَهُ وتَعالى حالًا مِن فاعِلِ مَعْنى الإشارَةِ فَقالَ: ﴿واللَّهُ﴾ الَّذِي بِيَدِهِ كُلُّ شَيْءٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: وهو سُوءُ المَبْدَإ في هَذا الذَّهابِ إلى غايَةِ الحَياةِ، واللَّهُ ﴿عِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: مَفْعِلٌ مِنَ الأوْبِ وهو الرُّجُوعُ إلى ما مِنهُ كانَ الذَّهابُ انْتَهى. فَأرْشَدَ هَذا الخِطابُ اللَّطِيفُ كُلَّ مَن يَنْصَحُ نَفْسَهُ إلى مُنافَرَةِ هَذا العَرَضِ الخَسِيسِ بِأنَّهُ إنْ حَصَلَ لَهُ يُعْرِضُ عَنْهُ بِأنْ يَكُونَ في يَدِهِ، لا في قَلْبِهِ فَلا يَفْرَحُ بِهِ بِحَيْثُ (p-٢٧٥)يَشْغَلُهُ عَنِ الخَيْرِ، بَلْ يُجْعَلُ عَوْنًا عَلى الطّاعَةِ وأنَّهُ إنْ مُنِعَ مِنهُ لا يَتَأسَّفُ عَلَيْهِ لِتَحَقُّقِ زَوالِهِ ولِرَجاءِ الأوَّلِ إلى ما عِنْدَ خالِقِهِ الَّذِي تَرَكَ ذَلِكَ لِأجْلِهِ.

3:15Страница 51

۞ قُلۡ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيۡرٖ مِّن ذَٰلِكُمۡۖ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ عِندَ رَبِّهِمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَأَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞ وَرِضۡوَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ ١٥

Скажи: «Рассказать ли вам о том, что лучше этого? Для тех, кто богобоязнен, у Господа есть Райские сады, в которых текут реки, и в которых они пребудут вечно, а также очищенные супруги и довольство от Аллаха». Аллах видит рабов,

ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى ما أوْجَبَ الإعْراضَ عَنْ هَذا العَرَضِ فَكانَ السّامِعُ جَدِيرًا بِأنْ يَقُولَ فَعَلامَ أُقْبِلُ؟ أمَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى أقْرَبَ الخَلْقِ إلَيْهِ وأعَزَّهم لَدَيْهِ بِجَوابِهِ لِتَكُونَ البِشارَةُ داعِيَةً إلى حُبِّهِ فَقالَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ لِمَن فِيهِ قابِلِيَّةُ الإقْبالِ إلَيْنا، ولَمّا أجْرى سُبْحانَهُ وتَعالى هَذِهِ البِشارَةَ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ ﷺ لِتَقُومَ الحُجَّةُ عَلى العِبادِ بِحالِهِ كَما تَقُومُ بِمَقالِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ لا يَدْعُو إلى شَيْءٍ إلّا كانَ أوَّلَ فاعِلٍ لَهُ، ولا يَنْهى عَنْ شَيْءٍ إلّا كانَ أوَّلَ تارِكٍ لَهُ، لِإيثارِهِ الغائِبَ المَسْمُوعَ مِن بِناءِ الآخِرَةِ عَلى العاجِلِ المَشْهُودِ مِن أثَرِ الدُّنْيا كَما «قالَ ﷺ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حِينَ أشْفَقَ عَلَيْهِ مِن تَأْثِيرِ رِمالِ السَّرِيرِ في جَنْبِهِ فَذَكَرَ ما فِيهِ فارِسُ والرُّومُ مِنَ النَّعِيمِ: ”أوَ في شَكٍّ أنْتَ يا ابْنَ الخَطّابِ ؟ (p-٢٧٦)أما تَرْضى أنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيا ولَنا الآخِرَةُ؟“» شَوَّقَ إلَيْها بِالِاسْتِفْهامِ في قَوْلِهِ: ﴿أأُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكُمْ﴾ أيِ الَّذِي ذَكَرَ مِنَ الشَّهَواتِ، وعَظَّمَهُ بِأداةِ البُعْدِ ومِيمِ الجَمْعِ لِعَظَمَتِهِ عِنْدَهم والزِّيادَةِ في التَّعْظِيمِ ما يُرْشِدُ إلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ بَيانَ هَذا الخَيْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أيِ اتَّصَفُوا بِالتَّقْوى فَكانَ مِمّا أثْمَرَ لَهُمُ اتِّصافُهم بِها أنْ أعْرَضُوا عَنْ هَذِهِ الشَّهَواتِ مِن حَيْثُ إنَّها شَهَواتٌ وجَعَلُوها عِباداتٍ واقِيَةً لَهم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ، فَتَلَذَّذُوا بِالنِّساءِ لا لِمُجَرَّدِ الشَّهْوَةِ بَلْ لِغَضِّ البَصَرِ مِنَ الجانِبَيْنِ وابْتِغاءَ ما كُتِبَ لَهم مِنَ الوَلَدِ إنْفاذًا لِمُرادِ رَبِّهِمْ مِن تَكْثِيرِ خَلائِفِهِمْ في الأرْضِ لِلْإصْلاحِ، ولِقَوْلِهِ ﷺ:

«تَناكَحُوا تَناسَلُوا فَإنِّي مُكاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ يَوْمَ القِيامَةِ» ونَحْوِ ذَلِكَ وفَرِحُوا بِالبَنِينَ لا لِمُجَرَّدِ المُكاثَرَةِ بَلْ لِتَعْلِيمِهِمُ العِلْمَ وحَمْلِهِمْ عَلى الذِّكْرِ والجِهادِ والشُّكْرِ وأنْواعِ السَّعْيِ في رِضى السَّيِّدِ، وحازُوا النَّقْدَيْنِ لا لِلْكَنْزِ، بَلْ لِلْإنْفاقِ في سَبِيلِ الخَيْراتِ، ورَبَطُوا (p-٢٧٧)لِلْجِهادِ، لا لِلْفَخْرِ والرِّئاسَةِ عَلى العِبادِ بَلْ لِقَمْعِ أوْلِياءِ الشَّيْطانِ ورَفْعِ أوْلِياءِ الرَّحْمَنِ المُسْتَلْزَمِ لِظُهُورِ الإيمانِ، كَما بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ مُتَشابِهَ اقْتِنائِها فَقالَ: «”وهِيَ لِرَجُلٍ أجْرٌ ولِرَجُلٍ سَتْرٌ وعَلى رَجُلٍ وِزْرٌ»“ ثُمَّ عَظَّمَ سُبْحانَهُ وتَعالى ما لَهم بِقَوْلِهِ مُرَغِّبًا بِلَفْتِ القَوْلِ إلى وصْفِ الإحْسانِ المُقْتَضِي لِتَرْبِيَةِ الصَّدَقاتِ وغَيْرِها مِنَ الأعْمالِ الصّالِحاتِ: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْهِمْ بِلِباسِ التَّقْوى المُوجِبِ لِإيثارِهِمُ الآخِرَةَ عَلى الدُّنْيا، وقَوْلُهُ: ﴿جَنّاتٌ﴾ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ إذا كانَ (لِلَّذِينَ)، مُتَعَلِّقًا بِـ (خَيْرٌ)، ثُمَّ وصَفَها بِقَوْلِهِ: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ أيْ أنَّ ماءَها غَيْرُ مَجْلُوبٍ، بَلْ كُلُّ مَكانٍ مِنها مُتَهَيِّئٌ لِأنْ يَنْبُعَ مِنهُ ماءٌ يَجْرِي لِتَثْبُتَ بَهْجَتُها وتَدُومَ زَهْرَتُها ونَضْرَتُها، ثُمَّ أشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ إلى أنَّها هي المُشْتَمِلَةُ عَلى جَمِيعِ الإحْسانِ المُغْنِيَةُ عَنِ الحَرْثِ والأنْعامِ، (p-٢٧٨)وأنَّ ذَلِكَ عَلى وجْهٍ لا انْقِطاعَ لَهُ. قالَ الحَرالِّيُّ: وفي مَعْنى لَفْظِ الخُلُودِ إعْلامٌ بِسُكُونِ الأنْفُسِ إلَيْها لِما فِيها مِن مُوافَقَتِها انْتَهى. ولَعَلَّهُ إنَّما خَصَّ مِن بَيْنِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الشَّهَواتِ ذِكْرَ النِّسْوانِ في قَوْلِهِ: ﴿وأزْواجٌ﴾ لِأنَّها أعْظَمُ المُشْتَهَياتِ، ولا يَكْمُلُ التَّلَذُّذُ بِها إلّا بِحُصُولِ جَمِيعِ ما يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَصارَ ذِكْرُهُنَّ عَلى سَبِيلِ الِامْتِنانِ مِنَ القادِرِ كِنايَةً عَنْ جَمِيعِ ما تَشْتَهِي الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ.

ولَمّا كانَتِ التَّقْوى حامِلَةً عَلى تَطْهِيرِ الأنْفُسِ مِن أوْضارِ الأدْناسِ مِنَ الأوْصافِ السَّيِّئَةِ وكانَ الوَصْفُ بِالمُفْرَدِ أدَلَّ عَلى أنَّهُنَّ في أصْلِ الطَّهارَةِ كَأنَّهُنَّ نَفْسٌ واحِدَةٌ قالَ عادِلًا عَمّا هو الأوْلى مِنَ الوَصْفِ بِالجَمْعِ لِجَمْعِ مَن يَعْقِلُ: ﴿مُطَهَّرَةٌ﴾ لِأنَّهُنَّ مُقْتَبَساتٌ مِن أنْفُسِهِمْ ﴿خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ [الروم: ٢١]

ولَمّا ذَكَرَ حَظَّ البَدَنِ قَرَّرَ لَذَّةَ هَذا النَّعِيمِ بِما لِلرُّوحِ، وزادَهُ مِنَ الأضْعافِ المُضاعَفَةِ ما لا حَدَّ لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ورِضْوانٌ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: بِكَسْرِ الرّاءِ وضَمِّها، اسْمُ مُبالَغَةٍ في مَعْنى الرِّضى، وهو عَلى عِبْرَةِ امْتِلاءٍ بِما تُعْرِبُ عَنْهُ الألِفُ والنُّونُ وتُشْعِرُ ضَمَّةُ رائِهِ بِظاهِرِ إشْباعِهِ، وكَسْرَتُها بِباطِنِ إحاطَتِهِ - انْتَهى. (p-٢٧٩)ولَمّا جَرى وعْدُ الجَنّاتِ عَلى اسْمِ الرُّبُوبِيَّةِ النّاظِرِ إلى الإحْسانِ بِالتَّرْبِيَةِ فَخَّمَ أمْرَ هَذا الجَزاءِ وأعْلاهُ عَلى ذَلِكَ بِنَوْطِهِ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ فَقالَ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ المُحِيطِ بِصِفاتِ الكَمالِ. ولَمّا كانَ شامِلًا لِجَمِيعِهِمْ وكانَ رُبَّما ظُنَّ أنَّهم فِيهِ مُتَساوُونَ أشارَ إلى التَّفاوُتِ بِقَوْلِهِ مُظْهِرًا في مَوْضِعِ الإضْمارِ إشارَةً إلى الإطْلاقِ عَنِ التَّقْيِيدِ بِحَيْثِيَّةٍ ما: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الحِكْمَةُ البالِغَةُ ﴿بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ أيْ بِنِيّاتِهِمْ ومَقادِيرِ ما يَسْتَحِقُّونَهُ بِها عَلى حَسَبِ إخْلاصِها، وبِغَيْرِ ذَلِكَ مِن أعْمالِهِمْ وأقْوالِهِمْ وسائِرِ أحْوالِهِمْ.

3:16Страница 52

ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ١٦

которые говорят: «Господь наш! Воистину, мы уверовали. Прости же нам наши грехи и защити нас от мучений в Огне».

ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِأنَّهُ بَصِيرٌ بِمَن يَسْتَحِقُّ ما أعَدَّ مِنَ الفَوْزِ أتْبَعَهُ ما اسْتَحَقُّوا ذَلِكَ بِهِ مِنَ الأوْصافِ تَفَضُّلًا مِنهُ عَلَيْهِمْ بِها وبِإيجابِ ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ حَثًّا لَهم عَلى التَّخَلُّقِ بِتِلْكَ الأوْصافِ فَقالَ: - وقالَ الحَرالِّيُّ: لَمّا وصَفَ تَعالى قُلُوبَهم بِالتَّقْوى وبَرَّأهم مِنَ الاسْتِغْناءِ بِشَيْءٍ مِن دُونِهِ وصَفَ أدَبَهم في المَقالِ فَقالَ؛ انْتَهى - ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا﴾ أيْ يا مَن رَبّانا بِإحْسانِهِ وعادَ عَلَيْنا بِفَضْلِهِ، وأسْقَطَ أداةَ (p-٢٨٠)النِّداءِ إشْعارًا بِما لَهم مِنَ القُرْبِ لِأنَّهم في حَضْرَةِ المُراقَبَةِ؛ ولَمّا كانَتْ أحْوالُهم في تَقْصِيرِها عَنْ أنْ يُقَدَّرَ اللَّهُ حَقَّ قَدْرِهِ كَأنَّها أحْوالُ مَن لَمْ يُؤْمِنِ اقْتَضى المَقامُ التَّأْكِيدَ فَقالُوا: ﴿إنَّنا﴾ فَأثْبَتُوا النُّونَ إبْلاغًا فِيهِ ﴿آمَنّا﴾ أيْ بِما دَعَوْتَنا إلَيْهِ، وأظْهَرُوا هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِمْ: ﴿فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾ أيْ فَإنَّنا عاجِزُونَ عَنْ دَفْعِها ورَفْعِ الهِمَمِ عَنْ مُواقَعَتِها وإنِ اجْتَهَدْنا لِما جُبِلْنا عَلَيْهِ مِنَ الضَّعْفِ والنَّقْصِ، تَنْبِيهًا مِنهُ تَعالى عَلى أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لا يَقْدَحُ في التَّقْوى إذا هُدِمَ بِالتَّوْبَةِ لِأنَّهُ ما أصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ، والتَّوْبَةُ تَجُبُّ ما قَبْلَها. قالَ الحَرالِّيُّ: وبَيَّنَ المَغْفِرَةَ عَلى مُجَرَّدِ الإيمانِ إشارَةً إلى أنَّهُ لا تُغَيِّرُها الأفْعالُ، مَن تَرَتَّبَ إيمانُهُ عَلى تَقْوى غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ، فَكانَتْ مَغْفِرَةُ الذُّنُوبِ لِأهْلِ هَذا الأدَبِ في مُقابَلَةِ الَّذِينَ آخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا، فَفي شُمُولِ ذِكْرِ الذُّنُوبِ في الصِّنْفَيْنِ إعْلامٌ بِإجْراءِ قَدْرِ الذُّنُوبِ عَلى الجَمِيعِ، فَما كانَ مِنها مَعَ التَّكْذِيبِ أخَذَ بِهِ، وما كانَ مِنها مَعَ التَّقْوى والإيمانِ غَفَرَ لَهُ. انْتَهى.

ولَمّا رَتَّبَ سُبْحانَهُ وتَعالى الغُفْرانَ عَلى التَّقْوى ابْتِداءً رَتَّبَ عَلَيْها الوِقايَةَ انْتِهاءً فَقالَ: ﴿وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ أيِ الَّذِي اسْتَحْقَقْناهُ بِسُوءِ أعْمالِنا.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English