Аль-БикаиАль Имран · 3:118–123

Аль-Бикаи · Тафсир · на арабском

Аль Имран 3:118–123

3:118Страница 65

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةٗ مِّن دُونِكُمۡ لَا يَأۡلُونَكُمۡ خَبَالٗا وَدُّواْ مَا عَنِتُّمۡ قَدۡ بَدَتِ ٱلۡبَغۡضَآءُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَمَا تُخۡفِي صُدُورُهُمۡ أَكۡبَرُۚ قَدۡ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡقِلُونَ ١١٨

О те, которые уверовали! Не берите своими помощниками тех, кто не из вас. Они не упускают случая навредить вам и радуются вашим трудностям. Ненависть уже проявилась у них на устах, но в их сердцах кроется еще большая ненависть. Мы уже разъяснили вам знамения, если вы только разумеете!

ولَمّا كانَ الجَمالُ بِالمالِ؛ لا سِيَّما مَعَ الإنْفاقِ؛ مِن أعْظَمِ المُرَغِّباتِ في المُوالاةِ؛ وكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَدْ صَيَّرَتْ جَمِيلَهُ قَبِيحًا؛ وبَذُولَهُ شَحِيحًا؛ قالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - - مُكَرِّرًا التَّنْبِيهَ عَلى مَكْرِ ذَوِي الأمْوالِ؛ والجَمالِ؛ الَّذِينَ يُرِيدُونَ إيقاعَ الفِتْنَةِ بَيْنَهم مِنَ اليَهُودِ؛ والمُنافِقِينَ؛ لِيَضْمَحِلَّ أمْرُهُمْ؛ وتَزُولَ شَوْكَتُهُمْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: إيمانًا صَحِيحًا؛ مُصَدَّقًا ادِّعاؤُهُ بِالعَمَلِ الصّالِحِ الَّذِي مِن أعْظَمِهِ الحُبُّ في اللَّهِ؛ والبُغْضُ في اللَّهِ؛ ﴿لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً﴾؛ أيْ: مَن تُباطِنُونَهم بِأسْرارِكُمْ؛ وتَخْتَصُّونَهم بِالمَوَدَّةِ (p-٣٨)والصَّفاءِ؛ ومُبادَلَةِ المالِ؛ والوَفاءِ؛ ﴿مِن دُونِكُمْ﴾؛ أيْ: لَيْسُوا مِنكم أيُّها المُؤْمِنُونَ؛ وعَبَّرَ بِذَلِكَ إعْلامًا بِأنَّهم يَهْضِمُونَ أنْفُسَهم ويُنْزِلُونَها عَنْ عَلِيِّ دَرَجَتِها بِمُوادَّتِهِمْ؛ ثُمَّ وصَفَهم تَعْلِيلًا لِلنَّهْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَأْلُونَكم خَبالا﴾؛ أيْ: يَقْصُرُونَ بِكم مِن جِهَةِ الفَسادِ؛ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ عَلى سَبِيلِ التَّعْلِيلِ أيْضًا: ﴿ودُّوا ما عَنِتُّمْ﴾؛ أيْ: تَمَنَّوْا مَشَقَّتَكم.

ولَمّا كانَ هَذا قَدْ يَخْفى؛ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ - مُعَلِّلًا -: ﴿قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ﴾؛ أيْ: هي بَيِّنَةٌ في حَدِّ ذاتِها؛ مَعَ اجْتِهادِهِمْ في إخْفائِها؛ لِأنَّ الإنْسانَ إذا امْتَلَأ مِن شَيْءٍ غَلَبَهُ بِفَيْضِهِ؛ ولَكِنَّكم لِحُسْنِ ظَنِّكُمْ؛ وصَفاءِ نِيّاتِكُمْ؛ لا تَتَأمَّلُونَها؛ فَتَأمَّلُوا؛ ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ عِلْمِهِ - سُبْحانَهُ - قَطْعًا؛ وعِلْمِ الفَطِنِ مِن عِبادِهِ بِالقِياسِ ظَنًّا؛ بِقَوْلِهِ: ﴿وما تُخْفِي صُدُورُهم أكْبَرُ﴾؛ مِمّا ظَهَرَ عَلى سَبِيلِ الغَلَبَةِ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ عَلى طَرِيقِ الإلْهابِ والتَّهْيِيجِ قَوْلَهُ: ﴿قَدْ بَيَّنّا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿لَكُمُ﴾؛ أيْ: بِهَذِهِ الجُمَلِ؛ ﴿الآياتِ﴾؛ أيْ: الدّالاتِ عَلى سَعادَةِ الدّارَيْنِ؛ ومَعْرِفَةِ الشَّقِيِّ؛ والسَّعِيدِ؛ والمُخالِفِ؛ والمُؤالِفِ؛ وزادَهم إلْهابًا بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ﴾؛ أيْ: جِبِلَّةً؛ وطَبْعًا؛ ﴿تَعْقِلُونَ﴾؛

3:119Страница 65

هَٰٓأَنتُمۡ أُوْلَآءِ تُحِبُّونَهُمۡ وَلَا يُحِبُّونَكُمۡ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱلۡكِتَٰبِ كُلِّهِۦ وَإِذَا لَقُوكُمۡ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ عَضُّواْ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَنَامِلَ مِنَ ٱلۡغَيۡظِۚ قُلۡ مُوتُواْ بِغَيۡظِكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ١١٩

Вот вы любите их, а они вас не любят. И вы верите во все Писания. Когда они встречаются с вами, то говорят: «Мы уверовали». Когда же остаются одни, то кусают кончики пальцев от злобы к вам. Скажи: «Умрите от своей злобы! Аллаху известно о том, что в груди».

ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ عَنْ مُلَخَّصِ حالِهِمْ مَعَهُمْ؛ (p-٣٩)فَقالَ - مُنَبِّهًا؛ أوْ مُبْدِلًا الهاءَ مِن هَمْزَةِ الإنْكارِ -: ﴿ها أنْتُمْ أُولاءِ﴾؛ أيْ: المُؤْمِنُونَ المُسْلِمُونَ المُسْتَسْلِمُونَ؛ ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾؛ أيْ: لِاغْتِرارِكم بِإقْرارِهِمْ بِالإيمانِ؛ لِصَفاءِ بَواطِنِكُمْ؛ ﴿ولا﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّهم لا ﴿يُحِبُّونَكُمْ﴾؛ لِمُخالَفَتِهِمْ لَكم في الدِّينِ؛ فَإنَّهم كاذِبُونَ في إقْرارِهِمْ بِالإيمانِ؛ ﴿وتُؤْمِنُونَ﴾؛ أيْ: أنْتُمْ؛ ﴿بِالكِتابِ كُلِّهِ﴾؛ أيْ: ويَكْفُرُونَ هم بِهِ كُلِّهِ؛ إمّا بِالقَصْدِ الأوَّلِ؛ وإمّا بِالإيمانِ بِالبَعْضِ؛ والكُفْرِ بِالبَعْضِ؛ ﴿وإذا لَقُوكم قالُوا﴾؛ أيْ: لَكم ﴿آمَنّا﴾؛ لِتَغْتَرُّوا بِهِمْ؛ ﴿وإذا خَلَوْا﴾؛ أيْ: مِنكُمْ؛ وصَوَّرَ شِدَّةَ حَنَقِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ﴾؛ لِما يَرَوْنَ مِنَ ائْتِلافِكُمْ؛ وحُسْنِ أحْوالِكُمْ؛ ﴿الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾؛ أيْ: المُفْرِطِ مِنكُمْ؛ ومَن جَعَلَ الهاءَ في ﴿ها أنْتُمْ﴾؛ بَدَلًا عَنْ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ؛ فالمُرادُ عِنْدَهُ: ”أأنْتُمْ يا هَؤُلاءِ القُرَباءُ مِنِّي تُحِبُّونَهُمْ؛ والحالُ أنَّهم عَلى ما هم عَلَيْهِ مِن مُنابَذَتِكُمْ؛ وأنْتُمْ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الفِطْنَةِ؛ بِصَفاءِ الأفْكارِ؛ وعَلِيِّ الآراءِ بِقَبُولِكُمُ الحَقَّ كُلَّهُ؛ لِأنَّ المُؤْمِنَ كَيِّسٌ فَطِنٌ؛ فَهو اسْتِفْهامٌ - وإنْ كانَ مِن وادِي التَّوْبِيخِ - المُرادُ بِهِ التَّنْبِيهُ والتَّهْيِيجُ المُنْقَلُ مِن سافِلِ الدِّرَكاتِ إلى عالِي الدَّرَجاتِ؛ واللَّهُ المُوَفِّقُ. (p-٤٠)ولَمّا كانُوا كَأنَّهم قالُوا:“فَما نَفْعَلُ؟"؛ قالَ مُخاطِبًا لِلرَّأْسِ المَسْمُوعِ الأمْرِ؛ المُجابِ الدُّعاءِ: ﴿قُلْ﴾؛ أيْ: لَهُمْ؛ ﴿مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾؛ أيْ: ازْدِراءً بِهِمْ؛ ودُعاءً عَلَيْهِمْ؛ بِدَوامِ الغَيْظِ مِنَ القَهْرِ؛ وزِيادَتِهِ؛ حَتّى يُمِيتَهُمْ؛ ولَمّا كانُوا يَحْلِفُونَ عَلى نَفْيِ هَذا لِيُرْضُوهم قالَ (تَعالى) مُؤَكِّدًا لِما أخْبَرَ بِهِ؛ لِئَلّا يُظَنَّ أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ غَيْرُ الحَقِيقَةِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الجامِعَ لِصِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾؛ أيْ: فَلا تَظُنُّوا أنَّهُ أرادَ بَعْضَ ما يُتَجَوَّزُ بِالغَيْظِ عَنْهُ.

3:120Страница 65

إِن تَمۡسَسۡكُمۡ حَسَنَةٞ تَسُؤۡهُمۡ وَإِن تُصِبۡكُمۡ سَيِّئَةٞ يَفۡرَحُواْ بِهَاۖ وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّكُمۡ كَيۡدُهُمۡ شَيۡـًٔاۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ ١٢٠

Если с вами случается доброе, это огорчает их; если же вас постигает беда, они радуются. Но если вы будете терпеливы и богобоязненны, то их козни не причинят вам никакого вреда. Воистину, Аллах объемлет все, что они совершают.

ولَمّا كانَ ما أخْبَرَتْ بِهِ هَذِهِ الجُمَلُ مِن بُغْضِهِمْ؛ وشِدَّةِ عَداوَتِهِمْ؛ مُحْتاجًا؛ لِيَصِلَ إلى المُشاهَدَةِ؛ إلى بَيانٍ؛ دَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَمْسَسْكُمْ﴾؛ أيْ: مُجَرَّدَ مَسٍّ؛ ﴿حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾؛ ولَمّا كانَ هَذا دَلِيلًا شُهُودِيًّا؛ ولَكِنَّهُ لَيْسَ صَرِيحًا؛ أتْبَعَهُ الصَّرِيحَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تُصِبْكُمْ﴾؛ أيْ: بِقُوَّةِ مَرِّها؛ وشِدَّةِ وقْعِها؛ وضُرِّها؛ ﴿سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها﴾؛ ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا مُبَكِّتًا غائِظًا مُؤْلِمًا؛ داواهم بِالإشارَةِ إلى النَّصْرِ؛ مَشْرُوطًا بِشَرْطِ التَّقْوى؛ والصَّبْرِ؛ فَقالَ: ﴿وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا﴾؛ أيْ: تَكُونُوا مِن أهْلِ الصَّبْرِ والتَّقْوى؛ ﴿لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا﴾؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (p-٤١)﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: ذا الجَلالِ والإكْرامِ؛ ﴿بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾؛ أيْ: فَهو يُعِدُّ لِكُلِّ كَيْدٍ ما يُبْطِلُهُ؛ والمَعْنى- عَلى قِراءَةِ الخِطابِ -: ”بِعَمَلِكم كُلِّهِ؛ فَمَن صَبَرَ واتَّقى ظَفَّرْتُهُ؛ ومَن عَمِلَ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ انْتَقَمْتُ مِنهُ“.

3:121Страница 65

وَإِذۡ غَدَوۡتَ مِنۡ أَهۡلِكَ تُبَوِّئُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ مَقَٰعِدَ لِلۡقِتَالِۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ١٢١

Вот ты покинул свою семью рано утром, чтобы расставить верующих по местам для сражения при Ухуде. Аллах - Слышащий, Знающий.

ولَمّا كانَ ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ مِنَ الإخْبارِ؛ ومِنَ الوَعْدِ؛ ومِنَ الوَعِيدِ؛ مَنطُوقًا؛ ومَفْهُومًا؛ مُحْتاجًا إلى الِاجْتِلاءِ في صُوَرِ الجُزْئِيّاتِ ذَكَّرَهم - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِالوَقائِعِ الَّتِي شُوهِدَتْ فِيها أحْوالُهم مِنَ النَّصْرِ عِنْدَ العَمَلِ بِمَنطُوقِ الوَعْدِ؛ مِنَ الصَّبْرِ؛ والتَّقْوى؛ وعَدَمِهِ عِنْدَ العَمَلِ بِالمَفْهُومِ؛ وشُوهِدَتْ فِيها أحْوالُ عَدُوِّهِمْ مِنَ المَساءَةِ عِنْدَ السُّرُورِ؛ والسُّرُورِ عِنْدَ المَساءَةِ؛ وذَلِكَ غَنِيٌّ عَنْ دَلِيلٍ؛ لِكَوْنِهِ مِنَ المُشاهَداتِ؛ مُشِيرًا إلى ذَلِكَ بِواوِ العَطْفِ؛ عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ؛ مُخاطِبًا لِأعْظَمِ عِبادِهِ فِطْنَةً؛ وأقْرَبِهِمْ إلَيْهِ رُتْبَةً؛ تَهْيِيجًا لِغَيْرِهِ إلى تَدْقِيقِ النَّظَرِ؛ واتِّباعِ الدَّلِيلِ؛ مِن غَيْرِ أدْنى وُقُوفٍ مَعَ المَأْلُوفِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وإذْ﴾؛ أيْ: ”اذْكُرْ ما يُصَدِّقُ ذَلِكَ مِن أحْوالِكُمُ الماضِيَةِ؛ حِينَ صَبَرْتُمْ؛ واتَّقَيْتُمْ (p-٤٢)فَنُصِرْتُمْ؛ وحِينَ ساءَهم نَصْرُكم في كُلِّ ذَلِكَ؛ في سَرِيَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ إلى“نَخْلَةَ”؛ ثُمَّ في“بَدْرٍ”؛ ثُمَّ في غَزْوَةِ بَنِي قَيْنُقاعٍ“؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ ”واذْكُرْ إذْ لَمْ يَصْبِرْ أصْحابُكَ؛ فَأُصِيبُوا؛ وإذْ سَرَّتْهم مُصِيبَتُكم في وقْعَةِ“أُحُدٍ”؛ إذْ ﴿غَدَوْتَ﴾؛ أيْ: يا خاتَمَ الأنْبِياءِ؛ وأكْرَمَ المُرْسَلِينَ؛ ﴿مِن أهْلِكَ﴾؛ أيْ: بِالمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ؛ صَبِيحَةَ يَوْمِ الجُمُعَةِ؛ إلى أصْحابِكَ في مَسْجِدِكَ؛ لِتَسْتَشِيرَهم في أمْرِ المُشْرِكِينَ؛ وقَدْ نَزَلُوا بِـ“أُحُدٍ”؛ في أواخِرِ يَوْمِ الأرْبِعاءِ؛ أوْ في يَوْمِ الخَمِيسِ؛ لِقِتالِكُمْ“؛ وبَنى مِن ”غَدَوْتَ“؛ حالًا؛ إعْلامًا بِأنَّ الشُّرُوعَ في السَّبَبِ؛ شُرُوعُ في مُسَبِّبِهِ؛ فَقالَ: ﴿تُبَوِّئُ﴾؛ أيْ: تُنْزِلُ؛ ﴿المُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: صَبِيحَةَ يَوْمِ السَّبْتِ؛ وعَبَّرَ بِقَوْلِهِ: ﴿مَقاعِدَ﴾؛ إشارَةً إلى أنَّهُ ﷺ تَقَدَّمَ إلى كُلِّ أحَدٍ بِالثَّباتِ في مَرْكَزِهِ؛ وأوْعَزَ إلَيْهِ في ألّا يَفْعَلَ شَيْئًا إلّا بِأمْرِهِ؛ لا سِيَّما الرُّماةَ؛ ثُمَّ ذَكَرَ عِلَّةَ ذَلِكَ؛ فَقالَ: ﴿لِلْقِتالِ﴾

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”وتَتَقَدَّمُ إلَيْهِمْ بِأبْلَغِ مَقالٍ في تَشْدِيدِ الأقْوالِ؛ والأفْعالِ“؛ أشارَ (تَعالى) إلى أنَّهُ وقَعَ في غُضُونِ ذَلِكَ مِنهُ؛ ومِنهم كَلامٌ (p-٤٣)كَثِيرٌ؛ خَفِيٌّ؛ وجَلِيٌّ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّ المَلِكَ الأعْظَمَ؛ الَّذِي أنْتُمْ في طاعَتِهِ؛ ﴿سَمِيعٌ﴾؛ أيْ: لِأقْوالِكُمْ؛ ﴿عَلِيمٌ﴾؛ أيْ: بِنِيّاتِكم في ذَلِكَ؛ وغَيْرِهِ؛ فاحْذَرُوهُ؛ ولَعَلَّهُ خَصَّ النَّبِيَّ ﷺ بِلَذِيذِ الخِطابِ في التَّذْكِيرِ؛ تَحْرِيضًا لَهُمْ؛ مَعَ ما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ؛ عَلى المُراقَبَةِ؛ تَعْرِيضًا لَهم بِأنَّهم خَفُّوا مَعَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ؛ أمْرَ بُعاثٍ؛ حَتّى تَواثَبُوا حِينَ تَغاضَبُوا إلى السِّلاحِ - كَما ذُكِرَ في سَبَبِ نُزُولِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [آل عمران: ١٠٠] -؛ فَوَقَفُوا عَنْ نافِذِ الفَهْمِ؛ وصافِي الفِكْرِ؛ خِفَّةً إلى ما أرادَ بِهِمْ عَدُوُّهُمْ؛ فاقْتَضى هَذا التَّحْذِيرَ كُلَّهُ؛ ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ إقْبالُهُ في الخِطابِ عَلَيْهِمْ؛ عِنْدَ نِسْبَةِ الفَشَلِ إلَيْهِمْ - كَما يَأْتِي قَرِيبًا -؛ ولَعَلَّهُ إنَّما خَصَّ هَذِهِ الغَزْوَةَ بِالذِّكْرِ؛ دُونَ ما ذَكَرْتُ؛ أنَّ واوَ عَطْفِها دَلَّتْ عَلَيْهِ مِمّا أُيِّدُوا فِيهِ بِالنَّصْرِ؛ لِأنَّ الشَّماتَةَ بِالمُصِيبَةِ أدَلُّ عَلى البَغْضاءِ؛ والعَداوَةِ؛ مِنَ الحُزْنِ بِما يَسُرُّ؛ ودَلَّ ذِكْرُها عَلى المَحْذُوفِ؛ لِأنَّ المُدَّعِيَ فِيما قَبْلَها شَيْئانِ: المَساءَةُ بِالحَسَنَةِ؛ (p-٤٤)والفَرَحُ والمَسَرَّةُ بِالمُصِيبَةِ؛ فَإذا بَرْهَنَ المُتَكَلِّمُ عَلى الثّانِي عُلِمَ - ولا بُدَّ - أنَّهُ حَذَفَ بُرْهانَ الأوَّلِ؛ وأنَّهُ إنَّما حَذَفَهُ - وهو حَكِيمٌ - لِنُكْتَةٍ؛ وهي هُنا عَدَمُ الِاحْتِياجِ إلى ذِكْرِهِ؛ لِوُضُوحِهِ بِدَلالَةِ السِّياقِ؛ مَعَ واوِ العَطْفِ عَلَيْهِ؛ وما تَقَدَّمَ مِن كَوْنِهِ غَيْرَ صَرِيحِ الدَّلالَةِ في أمْرِ البُغْضِ عَلى أنَّهُ (تَعالى) قَدْ ذَكَرَ ”بَدْرًا“ - كَما تَرى - بَعْدَ مُحْكَمَةٍ سَتُذْكَرُ؛ وأطْلَقَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - كَما عَنِ الطَّبَرِيِّ؛ وغَيْرِهِ - التَّبَوُّءَ عَلى ابْتِداءِ القِتالِ بِالِاسْتِشارَةِ؛ «فَإنَّ الكُفّارَ لَمّا نَزَلُوا يَوْمَ الأرْبِعاءِ ثانِيَ عَشَرَ شَوّالٍ؛ سَنَةَ ثَلاثٍ مِنَ الهِجْرَةِ؛ في سَفْحِ ”أُحُدٍ“؛ مَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْتَظِرُ فِيهِمْ ما يَأْتِيهِ مِنَ الوَحْيِ بَقِيَّةَ يَوْمِ الأرْبِعاءِ؛ ويَوْمَ الخَمِيسِ؛ ولَيْلَةَ الجُمُعَةِ؛ وباتَتْ وُجُوهُ الأنْصارِ في المَسْجِدِ بِبابِ النَّبِيِّ ﷺ يَحْرُسُونَهُ ﷺ؛ وحَرَسَتِ المَدِينَةَ الشَّرِيفَةَ؛ ثُمَّ دَعا النّاسَ صَبِيحَةَ يَوْمِ الجُمُعَةِ؛ فاسْتَشارَهم في أمْرِهِمْ؛ وأخْبَرَهم بِرُؤْياهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ: ”البَقَرِ المَذْبُوحَةُ؛ والثَّلْمِ في سَيْفِهِ؛ وإدْخالِ يَدِهِ في الدِّرْعِ الحَصِينَةِ“؛ وكانَ رَأْيُهُ مَعَ رَأْيِ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحابَةِ؛ المُكْثَ في المَدِينَةِ؛ فَإنْ قاتَلُوهم فِيها قاتَلَهُمُ الرِّجالُ مُواجَهَةً؛ والنِّساءُ والصِّبْيانُ مِن فَوْقِ الأسْطِحَةِ؛ وكانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ؛ المُنافِقُ؛ عَلى هَذا الرَّأْيِ؛ فَلَمْ يَزَلْ ناسٌ مِمَّنْ أكْرَمَهُمُ اللَّهُ (p-٤٥)بِالشَّهادَةِ - مِنهم أسَدُ اللَّهِ؛ وأسَدُ رَسُولِهِ؛ عَمُّهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ يُلِحُّونَ عَلَيْهِ ﷺ في الخُرُوجِ إلَيْهِمْ؛ حَتّى أجابَ؛ فَدَخَلَ بَيْتَهُ؛ ولَبِسَ لَأْمَتَهُ؛ بَعْدَ أنْ صَلّى الجُمُعَةَ؛ فَنَدِمُوا عَلى اسْتِكْراهِهِمْ لَهُ ﷺ؛ وهو يَأْتِيهِ الوَحْيُ؛ فَلَمّا خَرَجَ إلَيْهِمْ أخْبَرُوهُ؛ وسَألُوهُ في الإقامَةِ إنْ شاءَ؛ فَقالَ: ”ما كانَ يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ إذا لَبِسَ لَأْمَتَهُ أنْ يَضَعَها حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَهُ؛ وبَيْنَ عَدُوِّهِ“.

وفِي رِوايَةٍ ”حَتّى يُلاقِيَ“؛ فَأتى الشَّيْخَيْنِ - وهُما أُطْمانِ - فَعَرَضَ بِهِما عَسْكَرَهُ؛ فَفَرَغَ مَعَ غِيابِ الشَّمْسِ؛ ورَآهُ المُشْرِكُونَ حِينَ نَزَلَ بِهِما؛ واسْتَعْمَلَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ عَلى حَرَسِهِ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ؛ واسْتَعْمَلَ المُشْرِكُونَ عَلى حَرَسِهِمْ عِكْرِمَةَ بْنَ أبِي جَهْلٍ؛ ثُمَّ أدْلَجَ مِن سَحَرِ لَيْلَةِ السَّبْتِ؛ ونَدَبَ الأدِلّاءَ لِيَسِيرُوا أمامَهُ؛ وحانَتْ صَلاةُ الصُّبْحِ في الشَّوْطِ؛ وهم بِحَيْثُ يَرَوْنَ المُشْرِكِينَ؛ فَأمَرَ بِلالًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَأذَّنَ وأقامَ؛ وصَلّى بِأصْحابِهِ ﷺ الصُّبْحَ صُفُوفًا؛ فانْخَذَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بِثُلُثِ العَسْكَرِ؛ فَرَجَعَ؛ وقالَ: أطاعَ الوِلْدانَ؛ ومَن لا رَأْيَ لَهُ؛ وعَصانِي؛ وما نَدْرِي عَلامَ نَقْتُلُ أنْفُسَنا؟! وتَبِعَهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو (p-٤٦)بْنِ حَرامٍ؛ أبُو جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ» - أحَدِ بَنِي سَلَمَةَ؛ وأحَدِ مَنِ اسْتُشْهِدَ في ذَلِكَ اليَوْمِ - وكَلَّمَهُ عَبْدُ اللَّهِ قَبْلًا؛ يُناشِدُهُمُ اللَّهَ في الرُّجُوعِ؛ فَلَمْ يَرْجِعُوا؛ فَقالَ: أبْعَدَكُمُ اللَّهُ؛ سَيُغْنِي اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ عَنْكُمْ؛ ورَجَعَ؛ فَوافَقَ النَّبِيَّ ﷺ يَصُفُّ أصْحابَهُ؛ وكادَتْ طائِفَتانِ مِنَ الباقِينَ - وهُما بَنُو سَلَمَةَ؛ عَشِيرَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو؛ وبَنُو حارِثَةَ - أنْ تَفْشَلا؛ لِرُجُوعِ المُنافِقِينَ؛ ثُمَّ ثَبَّتَهُمُ اللَّهُ (تَعالى)؛ ونَزَلَ ﷺ الشِّعْبَ مِن ”أُحُدٍ“؛ فَجَعَلَ ظَهْرَهُ وعَسْكَرَهُ إلى ”أُحُدٍ“؛ وعَبَّأ أصْحابُهُ؛ وقالَ: ”لا يُقاتِلَنَّ أحَدٌ حَتّى نَأْمُرَهُ“؛ وعَيَّنَ طائِفَةً مِنَ الرُّماةِ؛ وأنْزَلَهم بِـ ”عَيْنَيْنِ“ - جُبَيْلٍ هُناكَ مِن ورائِهِمْ -؛ وأوْعَزَ إلَيْهِمْ في ألّا يَتَغَيَّرُوا مِنهُ حَتّى يَأْمُرَهُمْ؛ إنْ كانَتْ لَهُ؛ أوْ عَلَيْهِ؛ حَتّى قالَ لَهُمْ: ”إنْ رَأيْتُمُونا تَخْطَفُنا الطَّيْرُ فَلا تُعِينُونا؛ وإنْ رَأيْتُمُونا هَزَمْناهم فَلا تُشْرِكُونا في الغَنِيمَةِ؛ وانْضَحُوا الخَيْلَ عَنّا إذا أتَتْ مِن ورائِنا“؛ وبَرَزَ (p-٤٧)صاحِبُ لِواءِ المُشْرِكِينَ؛ وطَلَبَ المُبارَزَةَ؛ فَبَرَزَ إلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ؛ فَقَتَلَهُ المُسْلِمُ؛ فَحَمَلَهُ آخَرُ؛ وبَرَزَ فَقُتِلَ؛ وفَعَلُوا ذَلِكَ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ؛ حَتّى تَمُّوا عَشْرَةً؛ كُلُّهم يُقْتَلُ؛ فَلَمّا انْكَسَرَتْ قُلُوبُ المُشْرِكِينَ بِتَوالِي القَتْلِ في أصْحابِ اللِّواءِ؛ أمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أصْحابَهُ؛ فَشَدُّوا؛ فَهَزَمُوا المُشْرِكِينَ؛ وخَلَّوْا عَسْكَرَهُمْ؛ ونِساءَهُمْ؛ وكانَ الخَيْلُ كُلَّما أتَتْ مِن وراءِ المُسْلِمِينَ نَضَحَهُمُ الرُّماةُ بِالنِّبْلِ؛ فَرَجَعُوا؛ فَلَمّا وقَعَ الصَّحابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - في نَهْبِ العَسْكَرِ؛ خَلّى الرُّماةُ ثَغْرَهُمْ؛ فَنَهاهم أمِيرُهُمْ؛ وحَذَّرَهم مُخالَفَةَ أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَلَمْ يُطِعْهُ مِنهم إلّا نَحْوُ العَشْرَةِ؛ فَأتى أصْحابُ الخَيْلِ؛ فَقَتَلُوا مَن بَقِيَ مِنَ الرُّماةِ؛ ثُمَّ أتَوُا الصَّحابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - مِن ورائِهِمْ؛ وهم يَنْتَهِبُونَ؛ فَأسْرَعُوا فِيهِمُ القَتْلَ؛ ونادى إبْلِيسُ: إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ؛ فانْهَزَمَ الصَّحابَةُ - رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -؛ ولَمْ يَثْبُتْ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مِنهم إلّا قَلِيلٌ؛ ما بَيْنَ العَشَرَةِ إلى الثَّلاثِينَ - عَلى اخْتِلافِ الأقْوالِ؛ فاسْتَمَرَّ يُحاوِلُ بِهِمُ العَدُوُّ؛ واللَّهُ (تَعالى) يَحْفَظُهُ؛ ويُدافِعُ عَنْهُ؛ حَتّى دَنَتِ الشَّمْسُ لِلْمَغْرِبِ؛ وصَرَفَ اللَّهُ العَدُوَّ؛ فَدَفَنَ النَّبِيُّ ﷺ الشُّهَداءُ؛ وصَفَّ أصْحابَهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - فَأثْنى عَلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - ثَناءً عَظِيمًا؛ ذَكَرَ فِيهِ فَضْلَهُ - سُبْحانَهُ - وعَدْلَهُ؛ وأنَّ المُلْكَ مُلْكُهُ؛ يَتَصَرَّفُ فِيهِ كَيْفَ يَشاءُ؛ ورَجَعَ إلى المَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ؛ وقَدْ أصابَتْهُ الجِراحَةُ في (p-٤٨)مَواضِعَ مِن وجْهِهِ - بِنَفْسِي هُوَ؛ وأبِي وأُمِّي؛ ووَجْهِي؛ وعَيْنَيَّ.

3:122Страница 66

إِذۡ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمۡ أَن تَفۡشَلَا وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَاۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١٢٢

Когда два отряда среди вас готовы были пасть духом, Аллах был их Покровителем. Пусть же на Аллаха уповают верующие!

ولَمّا كانَ رُجُوعُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ المُنافِقِ - كَما يَأْتِي في صَرِيحِ الذِّكْرِ آخِرَ القِصَّةِ - مِنَ الأدِلَّةِ عَلى أنَّ المُنافِقِينَ؛ فَضْلًا عَنِ المُصارِحِينَ بِالمُصارَمَةِ؛ مُتَّصِفُونَ بِما أخْبَرَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُمْ؛ مِنَ العَداوَةِ؛ والبَغْضاءِ؛ مَعَ أنَّهُ كانَ سَبَبًا في هَمِّ الطّائِفَتَيْنِ مِنَ الأنْصارِ بِالفَشَلِ؛ كانَ إيلاءُ هَذِهِ القِصَّةِ لِلنَّهْيِ عَنِ اتِّخاذِ بِطانَةِ السُّوءِ؛ الَّذِينَ لا يَقْصُرُونَ عَنْ فَسادٍ في غايَةِ المُناسَبَةِ؛ ولِذَلِكَ افْتَتَحَها - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِقَوْلِهِ - مُبْدِلًا مِن: ”إذْ غَدَوْتَ“؛ دَلِيلًا عَلى ما قَبْلَهُ؛ مِن أنَّ بِطانَةَ السُّوءِ لا تَأْلُوهم خَبالًا؛ وغَيْرِ ذَلِكَ -: ﴿إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ﴾؛ وكانا جَناحَيِ العَسْكَرِ؛ ﴿مِنكُمْ﴾؛ أيْ: بَنُو سَلَمَةَ؛ مِنَ الخَزْرَجِ؛ وبَنُو حارِثَةَ؛ مِنَ الأوْسِ؛ ﴿أنْ تَفْشَلا﴾؛ أيْ: تَكْسَلا؛ وتَراخَيا؛ وتَضْعُفا؛ وتَجْبُنا؛ لِرُجُوعِ المُنافِقِينَ عَنْ نَصْرِهِمْ ووِلايَتِهِمْ؛ فَتَرْجِعا كَما رَجَعَ المُنافِقُونَ؛ ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: ”والحالُ أنَّ ذا الجَلالِ والإكْرامِ؛ ﴿ولِيُّهُما﴾؛ وناصِرُهُما؛ لِأنَّهُما مُؤْمِنَتانِ؛ فَلا يَتَأتّى وُقُوعُ الفَشَلِ وتَحَقُّقُهُ مِنهُما لِذَلِكَ؛ فَلْيَتَوَكَّلا عَلَيْهِ وحْدَهُ؛ لِإيمانِهِما“؛ (p-٤٩)أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: ”فالعَجَبُ مِنهُما؛ كَيْفَ تَعْتَمِدانِ عَلى غَيْرِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ لِتَضْعُفا بِخِذْلانِهِ؟“؛ و؛ الحالُ أنَّهُ؛ عَلى اللَّهِ؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ وحْدَهُ؛ ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ صارَ الإيمانُ صِفَةً لَهم ثابِتَةً؛ أجْمَعُونَ؛ لِيَنْصُرَهُمْ؛ لا عَلى كَثْرَةِ عَدَدٍ؛ ولا قُوَّةِ جَلَدٍ؛ والأحْسَنُ تَنْزِيلُ الآيَةِ عَلى الِاحْتِباكِ؛ ويَكُونُ أصْلُ نَظْمِها: ”واللَّهُ ولِيُّهُما؛ لِتَوَكُّلِهِما؛ وإيمانِهِما؛ فَلَمْ يُمْكِنِ الفَشَلُ مِنهُما؛ فَتَوَلَّوُا اللَّهَ؛ وتَوَكَّلُوا عَلَيْهِ؛ لِيَصُونَكم مِنَ الوَهْنِ؛ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ كُلُّهُمْ؛ لِيَفْعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ“؛ فالأمْرُ بِالتَّوَكُّلِ ثانِيًا دالٌّ عَلى وُجُودِهِ أوَّلًا؛ وإثْباتُ الوِلايَةِ أوَّلًا دالٌّ عَلى الأمْرِ بِها ثانِيًا؛ وفي البُخارِيِّ؛ في التَّفْسِيرِ؛ عَنْ جابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: فِينا نَزَلَتْ: ﴿إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنكم أنْ تَفْشَلا﴾؛ قالَ: نَحْنُ الطّائِفَتانِ: بَنُو حارِثَةَ؛ وبَنُو سَلَمَةَ؛ وما نُحِبُّ أنَّها لَمْ تَنْزِلْ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿واللَّهُ ولِيُّهُما﴾

3:123Страница 66

وَلَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدۡرٖ وَأَنتُمۡ أَذِلَّةٞۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ١٢٣

Аллах уже оказал вам поддержку при Бадре, когда вы были слабы. Бойтесь же Аллаха, - быть может, вы будете благодарны.

(p-٥٠)ولَمّا كانَ ظاهِرُ الحالِ فِيما أصابَ الكُفّارَ مِنَ المُسْلِمِينَ؛ في هَذِهِ الغَزْوَةِ؛ رُبَّما كانَ سَبَبًا في شَكِّ مَن لَمْ يُحَقِّقْ بَواطِنَ الأُمُورِ؛ ولا لَهُ أهْلِيَّةُ النُّفُوذِ في الدَّقائِقِ؛ مِن عَجائِبِ المَقْدُورِ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٠] ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ [آل عمران: ١٢]؛ ذَكَّرَهُمُ اللَّهُ (تَعالى) نَصْرَهُ لَهم في غَزْوَةِ ”بَدْرٍ“؛ وهم في القِلَّةِ دُونَ ما هُمُ الآنَ بِكَثِيرٍ؛ مُشِيرًا لَهم إلى ما أثْمَرَهُ تَوَكُّلُهم مِنَ النَّصْرِ؛ وحالُهم إذْ ذاكَ حالُ الآيِسِ مِنهُ؛ ولِذَلِكَ كانُوا في غايَةِ الكَراهَةِ لِلِّقاءِ؛ بِخِلافِ ما كانُوا عَلَيْهِ في هَذِهِ الكَرَّةِ؛ حَثًّا عَلى مُلازَمَةِ التَّوَكُّلِ؛ مُنَبِّهًا عَلى أنَّهُ لا يَزالُ يُرِيهِمْ مِثْلَ ذَلِكَ النَّصْرِ؛ ويُذِيقُ الكُفّارَ أضْعافَ ذَلِكَ الهَوانِ؛ حَتّى يُحِقَّ الحَقَّ؛ ويُبْطِلَ الباطِلَ؛ ويُظْهِرَ دِينَهُ؛ الإسْلامَ؛ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”فَمَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ نَصَرَهُ؛ وكَفاهُ؛ وإنْ كانَ قَلِيلًا؛ فَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ أوَّلَ النَّهارِ؛ في هَذِهِ الغَزْوَةِ؛ حَيْثُ صَبَرْتُمْ؛ واتَّقَيْتُمْ بِطاعَتِكم لِلرَّسُولِ ﷺ في مُلازَمَةِ التَّعَبِ؛ والإقْبالِ عَلى الحَرْبِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ بِما أمَرَكم بِهِ ﷺ؛ ولَمْ تَضُرَّكم قِلَّتُكُمْ؛ ولا ضَعْفُكم بِمَن رَجَعَ (p-٥١)عَنْكم شَيْئًا“ -: ﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ﴾؛ بِما لَهُ مِن صِفاتِ الجَلالِ؛ والجَمالِ؛ ﴿بِبَدْرٍ﴾؛ المُشارِ إلَيْها أوَّلَ السُّورَةِ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ في فِئَتَيْنِ التَقَتا﴾ [آل عمران: ١٣]؛ لَمّا صَبَرْتُمْ؛ واتَّقَيْتُمْ.

ولَمّا كانُوا في عَدَدٍ يَسِيرٍ؛ أشارَ إلَيْهِ بِجَمْعِ القِلَّةِ؛ فَقالَ: ﴿وأنْتُمْ أذِلَّةٌ﴾؛ أيْ: فاذْكُرُوا ذَلِكَ؛ واجْعَلُوهُ نُصْبَ أعْيُنِكُمْ؛ لِيَنْفَعَكُمْ؛ وكانَ الإتْيانُ بِأمْرِ ”بَدْرٍ“؛ بَعْدَ آيَةِ الفَشَلِ المُخْتَتَمَةِ بِالحَثِّ عَلى التَّوَكُّلِ؛ في الغايَةِ مِن حُسْنِ النَّظْمِ؛ وهو دَلِيلٌ أيْضًا عَلى مَنطُوقِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٢٠]؛ كَما كانَ أمْرُ ”أُحُدٍ“؛ دَلِيلًا عَلى مَنطُوقِها؛ ومَفْهُومِها؛ مَعًا؛ دَلَّ عَلى مَنطُوقِها بِنَصْرِهِمْ أوَّلَ النَّهارِ؛ عِنْدَ صَبْرِهِمْ؛ وعَلى مَفْهُومِها بِإدالَةِ العَدُوِّ عَلَيْهِمْ؛ عِنْدَ فَشَلِهِمْ؛ آخِرَهُ؛ واللَّهُ المُوَفِّقُ؛ عَلى أنَّكَ إذا أنْعَمْتَ التَّأمُّلَ في قِصَّةِ ”أُحُدٍ“؛ مِنَ السِّيَرِ؛ وكُتُبِ الأخْبارِ؛ عَلِمْتَ أنَّ الظَّفَرَ فِيها ما كانَ إلّا لِلنَّبِيِّ ﷺ؛ كَما سَيَأْتِي الخَبَرُ بِهِ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ إذْ تَحُسُّونَهم بِإذْنِهِ﴾ [آل عمران: ١٥٢]؛ فَإنَّ الصَّحابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - هَزَمُوهم - كَما مَضى - في أوَّلِ النَّهارِ؛ حَتّى لَمْ يَبْقَ في عَسْكَرِهِمْ أحَدٌ؛ ولا بَقِيَ عِنْدَ نِسائِهِمْ حامٍ؛ فَلَمّا خالَفَ الرُّماةُ أمْرَهُ ﷺ (p-٥٢)وأقْبَلُوا عَلى الغَنِيمَةِ؛ أرادَ اللَّهُ تَأْدِيبَهُمْ؛ وتَعْرِيفَهم أنَّ نُصْرَتَهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ غَيْرُ مُحْتاجَةٍ في الحَقِيقَةِ إلَيْهِمْ؛ حِينَ انْهَزَمُوا؛ حَتّى لَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مِنهم غَيْرُ نَفَرٍ يَسِيرٍ؛ ما يَبْلُغُونَ الخَمْسِينَ؛ والكُفّارُ ثَلاثَةُ آلافٍ؛ وخَيْلُهم مِائَتانِ؛ فاسْتَمَرَّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في نُحُورِهِمْ؛ يُحاوِلُهُمْ؛ ويُصاوِلُهُمْ؛ يُرامُونَهُ مَرَّةً؛ ويُطاعِنُونَ أُخْرى؛ ويَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ كَرَّةً؛ ويَفْتَرِقُونَ عَنْهُ أُخْرى؛ واللَّهُ (تَعالى) يَمْنَعُهُ مِنهم بِأيْدِهِ؛ ويَحْفَظُهُ بِقُوَّتِهِ؛ حَتّى تَدَلَّتِ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ؛ وقَتَلَ بِيَدِهِ ﷺ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ؛ مُبارَزَةً؛ تَصْدِيقًا لِما كانَ أوْعَدَهُ بِهِ قَبْلَ الهِجْرَةِ؛ وخالَطُوهُ غَيْرَ مَرَّةٍ؛ ولَمْ يُمَكِّنْهُمُ اللَّهُ مِنهُ؛ ولا أقْدَرَهم عَلى أسْرِ أحَدٍ مِن أصْحابِهِ؛ ثُمَّ رَدَّهم خائِبِينَ؛ بَعْدَ أنْ تَراجَعَ إلَيْهِ أصْحابُهُ في أثْناءِ النَّهارِ؛ ولَمْ يَرْجِعْ ﷺ مِن ”أُحُدٍ“؛ إلّا بَعْدَ انْصِرافِهِمْ؛ ودَفْنِ مَنِ اسْتُشْهِدَ مِن أصْحابِهِ؛ وأمّا هم فاسْتَمَرُّوا راجِعِينَ؛ ولَمْ يَلْوُوا عَلى أحَدٍ مِمَّنْ قُتِلَ مِنهُمْ؛ وهُمُ اثْنانِ وعِشْرُونَ رَجُلًا مِن سَرَواتِهِمْ؛ وحُمّالِ راياتِهِمْ؛ وقالَ الجَلالُ الخُجَنْدِيُّ؛ في كِتابِهِ ”فِرْدَوْسُ المُجاهِدِينَ“: ”إنَّهُ صَحَّ النَّقْلُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّهُ قالَ: ما نُصِرَ (p-٥٣)النَّبِيُّ ﷺ في مَوْطِنٍ مِنَ المَواطِنِ نُصْرَتَهُ في يَوْمِ“أُحُدٍ”؛ انْتَهى.

كَفى عَلى ذَلِكَ دَلِيلًا ما نَقَلَ مُوسى بْنُ عُقْبَةَ - وسِيرَتُهُ أصَحُّ السِّيَرِ؛ في غَزْوَةِ الفَتْحِ - عَنْ قائِدِ الجَيْشِ بِـ“أُحُدٍ”؛ أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ؛ أنَّهُ قالَ - عِنْدَما عَرَضَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ – الإسْلامُ -:“يا مُحَمَّدُ؛ قَدِ اسْتَنْصَرْتُ إلَهِي؛ واسْتَنْصَرْتَ إلَهَكَ؛ فَواللَّهِ ما لَقِيتُكَ مِن مَرَّةٍ إلّا ظَهَرْتَ عَلَيَّ؛ فَلَوْ كانَ إلَهِي مُحِقًّا وإلَهُكَ مُبْطِلًا؛ لَقَدْ ظَهَرْتُ عَلَيْكَ”؛ وإنَّما كانَتِ الهَزِيمَةُ وقَتْلُ مَن قُتِلَ؛ لِحِكَمٍ ومَصالِحَ لا تَخْفى عَلى مَن لَهُ رُسُوخٌ في الشَّرِيعَةِ وثَباتُ قَدَمٍ في السُّنَنِ؛ ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ القِصَّةُ مُنْدَرِجَةً في حُكْمِ النَّهْيِ؛ في القِصَّةِ الَّتِي قَبْلَها؛ عَنْ طاعَةِ فَرِيقٍ مِن أهْلِ الكِتابِ؛ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ (تَعالى):“ نِعْمَةَ ”؛ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ كُنْتُمْ أعْداءً فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٣]؛ لِتَشابُهِ القِصَّتَيْنِ في الإصْغاءِ إلى الكُفّارِ؛ قَوْلًا؛ أوْ فِعْلًا؛ المُقْتَضِي لِهَدْمِ الدِّينِ مِن أصْلِهِ؛ لِأنَّ هَمَّ الطّائِفَتَيْنِ بِالفَشَلِ إنَّما كانَ مِن أجْلِ رُجُوعِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ؛ المُنافِقِ؛ حَلِيفِ أهْلِ الكِتابِ؛ ومُوالِيهِمْ؛ ومُصادِقِهِمْ ومُصافِيهِمْ؛ ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ نَهْيُهُ (تَعالى)؛ في أثْناءِ هَذِهِ؛ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكم عَلى أعْقابِكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٩]؛ ويَكُونُ (p-٥٤)إسْنادُ الفِعْلِ في ﴿غَدَوْتَ﴾ [آل عمران: ١٢١]؛ وأمْثالِهِ إلى النَّبِيِّ ﷺ؛ والمُرادُ الإسْنادُ إلى الجَمْعِ؛ لِأنَّهُ الرَّئِيسُ؛ فَخِطابُهُ خِطابُهُمْ؛ ولِشَرَفِ هَذا الفِعْلِ؛ فَكانَ الألْيَقُ إفْرادَهُ بِهِ ﷺ؛ وأمّا الفَشَلُ؛ ونَحْوُهُ فَأُسْنِدَ إلَيْهِمْ؛ وقُصِرَ - كَما هو الواقِعُ - عَلَيْهِمْ.

ولَمّا امْتَنَّ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَلَيْهِمْ بِالنُّصْرَةِ في تِلْكَ الكَرَّةِ؛ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أمْرَهم بِالتَّقْوى؛ إشارَةً إلى أنَّها السَّبَبُ لِدَوامِ النِّعْمَةِ؛ فَقالَ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أيْ: في جَمِيعِ أوامِرِهِ؛ ونَواهِيهِ؛ مُراقِبِينَ لَهُ؛ بِذِكْرِ جَمِيعِ جَلالِهِ؛ وعَظَمَتِهِ؛ وكَمالِهِ؛ ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾؛ وقَدِ اسْتُشْكِلَ هَذا بِأنَّ التَّقْوى التَّنَزُّهُ عَنِ المَعاصِي؛ والشُّكْرَ فِعْلٌ يُنْبِئُ عَنْ تَعْظِيمِ المُنْعِمِ؛ وشُكْرَ اللَّهِ صَرْفُ جَمِيعِ ما أنْعَمَ بِهِ في طاعاتِهِ؛ فَحِينَئِذٍ التَّقْوى مِنَ الشُّكْرِ؛ فَإنْ أُرِيدَ العُمُومُ انْحَلَّ الكَلامُ إلى:“اشْكُرُوا لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ”؛ ولا يُتَحَرَّرُ الجَوابُ إلّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ التَّقْوى لُغَةً؛ قالَ الإمامُ عَبْدُ الحَقِّ؛ في كِتابِهِ“الواعِي”:“الواقِيَةُ: ما وقاكَ الشَّرَّ؛ وكُلُّ شَيْءٍ وقَيْتَ بِهِ شَيْئًا فَهو وِقاءٌ لَهُ؛ ووِقايَةٌ”؛ وقَوْلُهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى -:“ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ ”؛ قالَ ابْنُ عَرَفَةَ:“أيْ: لَعَلَّكم أنْ تَجْعَلُوا بِقَبُولِ ما آمُرُكم بِهِ وِقايَةً بَيْنَكم وبَيْنَ النّارِ”؛ انْتَهى.

فاتَّضَحَ أنَّ حَقِيقَةَ ﴿فاتَّقُوا﴾ اجْعَلُوا بَيْنَكم وبَيْنَ عَذابِهِ وِقايَةً؛ وأنَّ (p-٥٥)سَبَبَ اتِّخاذِ الوِقايَةِ الخَوْفُ مِن ضارٍّ؛ فالظّاهِرُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ“فاتَّقُوا”؛ بِمَعْنى: خافُوا - مَجازًا مُرْسَلًا؛ مِن إطْلاقِ اسْمِ المُسَبِّبِ عَلى السَّبَبِ -؛ فالمَعْنى:“خافُوا اللَّهَ لِتَكُونُوا عَلى رَجاءٍ مِن أنْ يَحْمِلَكم خَوْفُهُ عَلى طاعَتِهِ؛ عَلى سَبِيلِ التَّجْدِيدِ؛ والِاسْتِمْرارِ”؛ ولَئِنْ سَلَّمْنا أنَّ التَّقْوى مِنَ الشُّكْرِ؛ فالمَعْنى:“اشْكُرُوا هَذا الشُّكْرَ الخاصَّ لِيَحْمِلَكم عَلى جَمِيعِ الشُّكْرِ”؛ وغايَتُهُ أنَّهُ نَبَّهَ عَلى أنَّ هَذا الفَرْدَ مِنَ الشُّكْرِ؛ هو أصْلُ البابِ؛ الَّذِي يُثْمِرُ باقِيهِ؛ وهو المُرادُ بِقَوْلِ ابْنِ هِشامٍ في السِّيرَةِ:“إنَّ المَعْنى: فاتَّقُونِي؛ فَإنَّهُ شُكْرُ نِعْمَتِي”؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ:“لَعَلَّكم تَزْدادُونَ نِعَمًا؛ فَتَشْكُرُونَ عَلَيْها - إقامَةً لِلْمُسَبِّبِ مَقامَ السَّبَبِ - واللَّهُ أعْلَمُ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English