Аль-БикаиАль Имран · 3:181–190

Аль-Бикаи · Тафсир · на арабском

Аль Имран 3:181–190

3:181Страница 74

لَّقَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٞ وَنَحۡنُ أَغۡنِيَآءُۘ سَنَكۡتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتۡلَهُمُ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ ١٨١

Аллах услышал слова тех, которые сказали: «Аллах беден, а мы богаты». Мы запишем то, что они сказали, и то, как несправедливо они убивали пророков, и скажем: «Вкусите мучения от обжигающего Огня.

ولَمّا كانَ العَمَلُ شامِلًا لِتَصَرُّفاتِ الجَوارِحِ كُلِّها؛ مِنَ القَلْبِ؛ واللِّسانِ؛ وسائِرِ الأرْكانِ؛ قالَ - دالًا عَلى خَبَرِهِ بِسَماعِ ما قالُوهُ؛ مُتَجاوِزِينَ وهَدَةَ البُخْلِ؛ إلى حَضِيضِ القُبْحِ؛ مُرِيدِينَ التَّشْكِيكَ لِأهْلِ الإسْلامِ بِما يُورِدُونَهُ مِنَ الشُّبَهِ؛ قِياسًا عَلى ما يَعْرِفُونَهُ مِن أنْفُسِهِمْ؛ مِن أنَّهُ - كَما تَقَدَّمَ - لا يَطْلُبُ إلّا مُحْتاجٌ -: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ الكَمالِ؛ ﴿قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا﴾؛ أيْ: مِنَ اليَهُودِ؛ ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: المَلِكَ الأعْظَمَ؛ ﴿فَقِيرٌ﴾ (p-١٤٠)؛ أيْ: لِطَلَبِهِ القَرْضَ؛ ﴿ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾ لِكَوْنِهِ يَطْلُبُ مِنّا؛ وهَذا رُجُوعٌ مِنهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - إلى إتْمامِ ما نَبَّهَ عَلَيْهِ قَبْلَ هَذِهِ القِصَّةِ؛ مِن بُغْضِ أهْلِ الكِتابِ لِأهْلِ هَذا الدِّينِ؛ وحَسَدِهِمْ لَهُمْ؛ وإرادَةِ تَشْكِيكِهِمْ فِيهِ؛ لِلرُّجُوعِ عَنْهُ؛ عَلى أسْنى المَناهِجِ؛ وأعْلى الأسالِيبِ.

ولَمّا تَشَوَّفَتِ النُّفُوسُ إلى جَزائِهِمْ عَلى هَذِهِ العَظِيمَةِ؛ وكانَتِ المُلُوكُ إذا عَلِمَتِ انْتِقاصَ أحَدِها وهي قادِرَةٌ؛ عاجَلَتْهُ؛ لِما عِنْدَها مِن نَقْصِ الأذى بِالغَيْظِ؛ قالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - مُهَدِّدًا لَهُمْ؛ مُشِيرًا إلى أنَّهُ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ -: ﴿سَنَكْتُبُ﴾؛ أيْ: عَلى عَظَمَتِنا؛ لِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ؛ عَلى ما يَتَعارَفُونَهُ في الدُّنْيا؛ ﴿ما قالُوا﴾؛ أيْ: مِن هَذا الكُفْرِ؛ وأمْثالِهِ؛ والسِّينُ لِلتَّأْكِيدِ؛ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَلى بابِها مِنَ المُهْلَةِ؛ لِلْحَثِّ عَلى التَّوْبَةِ قَبْلَ خَتْمِ رُتَبِ الشَّهادَةِ؛ وسَيَأْتِي في ”الزُّخْرُفِ“ لَهُ مَزِيدُ بَيانٍ.

ولَمّا كانَ هَذا اجْتِراءً عَلى الخالِقِ؛ أتْبَعَهُ اجْتِراءَهم عَلى أشْرَفِ الخَلائِقِ؛ فَقالَ - مُشِيرًا؛ بِإضافَةِ المَصْدَرِ إلى ضَمِيرِهِمْ؛ وبِجَمْعِ التَّكْسِيرِ الدّالِّ عَلى الكَثِيرِ؛ إلى أنَّهم أشَدُّ النّاسِ تَمَرُّدًا؛ وتَمَرُّنًا عَلى ارْتِكابِ العَظائِمِ؛ وأنَّ الِاجْتِراءَ عَلى أعْظَمِ أنْواعِ الكُفْرِ قَدْ صارَ لَهم خُلُقًا -: ﴿وقَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ﴾ (p-١٤١)؛ أيْ: الَّذِينَ أقَمْناهم فِيهِمْ؛ لِتَجْدِيدِ ما أوْهَوْهُ مِن بُنْيانِ دِينِهِمْ؛ ولَمّا لَمْ يَكُنْ في قَتْلِهِمْ شُبْهَةٌ أصْلًا؛ قالَ: ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾؛ فَهو أعْظَمُ ذَمًّا مِمّا قَبْلَهُ مِنَ التَّعْبِيرِ بِالفِعْلِ المُضارِعِ؛ في قَوْلِهِ ﴿ويَقْتُلُونَ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران: ١١٢]؛ ثُمَّ عَطَفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿سَنَكْتُبُ﴾؛ قَوْلَهُ: ﴿ونَقُولُ﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ الجَلالِ؛ ﴿ذُوقُوا﴾؛ أيْ: بِما نَمَسُّكم بِهِ مِنَ المَصائِبِ في الدُّنْيا؛ والعِقابِ في الأُخْرى؛ كَما كُنْتُمْ تَذُوقُونَ الأطْعِمَةَ الَّتِي كُنْتُمْ تَبْخَلُونَ بِها؛ فَلا تُؤَدُّونَ حُقُوقَها؛ ﴿عَذابَ الحَرِيقِ﴾؛ جَزاءً عَلى ما أحْرَقْتُمْ بِهِ قُلُوبَ عِبادِنا؛

3:182Страница 74

ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيكُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيۡسَ بِظَلَّامٖ لِّلۡعَبِيدِ ١٨٢

Это - за то, что приготовили ваши руки, ведь Аллах не поступает несправедливо с рабами».

ثُمَّ بَيَّنَ السَّبَبَ فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾؛ أيْ: العَذابُ العَظِيمُ؛ ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾؛ أيْ: مِنَ الكُفْرِ؛ بِقَتْلِهِمْ؛ وبِغَيْرِهِ؛ ﴿وأنَّ﴾؛ أيْ: وبِسَبَبِ أنَّ ﴿اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ ﴿لَيْسَ بِظَلامٍ﴾؛ أيْ: بِذِي ظُلْمٍ؛ ﴿لِلْعَبِيدِ﴾؛ ولَوْ لَمْ يُعَذِّبْكم لَكانَ تَرَكَكم عَلى صُورَةِ الظُّلْمِ؛ لِمَن عادَوْكم فِيهِ؛ واشْتَدَّ أذاكم لَهم.

3:183Страница 74

ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيۡنَآ أَلَّا نُؤۡمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأۡتِيَنَا بِقُرۡبَانٖ تَأۡكُلُهُ ٱلنَّارُۗ قُلۡ قَدۡ جَآءَكُمۡ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِي بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَبِٱلَّذِي قُلۡتُمۡ فَلِمَ قَتَلۡتُمُوهُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٨٣

Они сказали: «Аллах взял с нас обещание не верить ни одному посланнику, пока он не явится к нам с жертвой, которую будет пожирать огонь». Скажи: «До меня к вам приходили посланники с ясными знамениями и с тем, о чем вы говорите. Почему же вы убили их, если вы говорите правду?».

ولَمّا كانَ القُرْبانُ مِن جِنْسِ النَّفَقاتِ؛ ومِمّا يَتَبَيَّنُ بِهِ سَماحُ النُّفُوسِ وشُحِّها؛ حَسُنَ نَظْمُ آيَةِ القُرْبانِ هُنا؛ بِقَوْلِهِ - رادًّا شُبْهَةً لَهم أُخْرى؛ ومُبَيِّنًا قَتَلَهُمُ الأنْبِياءَ -: ﴿الَّذِينَ قالُوا﴾؛ تَقاعُدًا عَمّا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنَ المُسارَعَةِ بِالإيمانِ؛ ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ؛ ﴿عَهِدَ إلَيْنا﴾؛ وقَدْ كَذَبُوا في ذَلِكَ؛ ﴿ألا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ﴾؛ أيْ: كائِنٍ مَن كانَ؛ (p-١٤٢)﴿حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ﴾؛ أيْ: عَظِيمٍ؛ نُقَرِّبُهُ لِلَّهِ (تَعالى)؛ فَيَكُونَ مُتَّصِفًا بِأنَّهُ ﴿تَأْكُلُهُ النّارُ﴾؛ عِنْدَ تَقْرِيبِهِ لَهُ؛ وفي ذَلِكَ أعْظَمُ بَيانٍ لِأنَّهم ما أرادُوا - بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨١]؛ حَيْثُ طَلَبَ الصَّدَقَةَ - إلّا التَّشْكِيكَ؛ حَيْثُ كانَ التَّقَرُّبُ إلى اللَّهِ بِالمالِ مِن دِينِهِمُ الَّذِي يَتَقَرَّبُونَ إلى اللَّهِ بِهِ؛ بَلْ وادَّعَوْا أنَّهُ لا يَصِحُّ دِينٌ بِغَيْرِهِ.

ولَمّا افْتَرَوْا هَذا التَّشْكِيكَ أمَرَ - سُبْحانَهُ - بِنَقْضِهِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ قَدْ جاءَكم رُسُلٌ﴾؛ فَضْلًا عَنْ رَسُولٍ؛ ولَمّا كانَتْ مُدَّتُهم لَمْ تَسْتَغْرِقِ الزَّمانَ الماضِيَ أثْبَتَ الجارَّ؛ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِي﴾ كَزَكَرِيّا؛ وابْنِهِ يَحْيى؛ وعِيسى - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - ﴿بِالبَيِّناتِ﴾؛ أيْ: مِنَ المُعْجِزاتِ؛ ﴿وبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾؛ أيْ: مِنَ القُرْبانِ؛ فَإنَّ الغَنائِمَ لَمْ تُحَلَّ - كَما في الصَّحِيحِ - لِأحَدٍ كانَ قَبْلَنا؛ فَلَمْ تُحَلَّ لِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَلَمْ تَكُنْ مِمّا نَسَخَهُ مِن أحْكامِ التَّوْراةِ؛ وقَدْ كانَتْ تُجْمَعُ؛ فَتَنْزِلُ نارٌ مِنَ السَّماءِ فَتَأْكُلُها؛ إلّا إنْ وقَعَ فِيها غُلُولٌ؛ ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾؛ أيْ: (p-١٤٣)قَتَلَهم أسْلافُكُمْ؛ ورَضِيتُمْ أنْتُمْ بِذَلِكَ؛ فَشارَكْتُمُوهم فِيهِ؛ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾؛ أيْ: في أنَّكم تُؤْمِنُونَ لِمَن أتاكم عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ؛ وفي ذَلِكَ رَدٌّ عَلى الفَرِيقَيْنِ؛ اليَهُودِ المُدَّعِينَ أنَّهم قَتَلُوهُ؛ الزّاعِمِينَ أنَّهُ عُهِدَ إلَيْهِمْ في الإيمانِ بِمَن أتاهم بِذَلِكَ؛ والنَّصارى المُسَلِّمِينَ لِما ادَّعى اليَهُودُ مِن قَتْلِهِ؛ المُسْتَلْزِمِ لِكَوْنِهِ لَيْسَ بِإلَهٍ.

3:184Страница 74

فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدۡ كُذِّبَ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِكَ جَآءُو بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلزُّبُرِ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُنِيرِ ١٨٤

Если они сочтут тебя лжецом, то ведь лжецами считали многих посланников до тебя, которые принесли ясные знамения, книги и озаряющее Писание.

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ مُتَضَمِّنَةً لِكَثِيرٍ مِنَ الدَّقائِقِ الَّتِي أخْفَوْها مِن كِتابِهِمُ الَّذِي جَعَلُوهُ قَراطِيسَ؛ يُبْدُونَها؛ ويُخْفُونَ كَثِيرًا؛ وفي هَذِهِ الآيَةِ بِخُصُوصِها؛ مِن ذَلِكَ ما يَقْتَضِي تَصْدِيقَهُ ﷺ وكانَ - سُبْحانَهُ - عالِمًا بِأنَّ أكْثَرَهم يُعانِدُونَ؛ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنْ سَلّاهُ في تَكْذِيبِ المُكَذِّبِينَ مِنهُمْ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ﴾؛ فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا الَّذِي أعْلَمْتُكَ بِهِ يُوجِبُ تَصْدِيقَكَ؛ فَإنْ لَمْ يَفْعَلُوا؛ بَلْ كَذَّبُوا؛ ﴿فَقَدْ﴾؛ ولَمّا كانَ السِّياقُ لِإثْباتِ مُبالَغَتِهِمْ في الغِلْظَةِ؛ والجَفاءِ؛ (p-١٤٤)والكُفْرِ؛ وعَدَمِ الوَفاءِ؛ وكانَتِ السُّورَةُ سُورَةَ التَّوْحِيدِ؛ والرُّسُلُ مُتَّفِقُونَ عَلَيْهِ؛ وقَدْ أتى كُلٌّ مِنهم فِيهِ بِأنْهى البَيانِ؛ وأزالَ كُلَّ لَبْسٍ؛ أسْقَطَ تاءَ التَّأْنِيثِ؛ لِأنَّها رُبَّما دَلَّتْ عَلى نَوْعِ ضَعْفٍ؛ فَقالَ: ﴿كُذِّبَ رُسُلٌ﴾؛ ولَمّا كانَتْ تَسْلِيَةُ الإنْسانِ بِمَن قارَبَهُ في الزَّمانِ أشَدَّ؛ أثْبَثَ الجارَّ؛ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِكَ﴾؛ أيْ: فَلَكَ فِيهِمْ مَسْلاةٌ؛ وبِهِمْ أُسْوَةٌ؛ ﴿جاءُوا بِالبَيِّناتِ﴾؛ أيْ: مِنَ المُعْجِزاتِ؛ ﴿والزُّبُرِ﴾؛ أيْ: مِنَ الصُّحُفِ المُضَمَّنَةِ لِلْمَواعِظِ؛ والحِكَمِ الزَّواجِرِ؛ والرَّقائِقِ الَّتِي يَزْبُرُ العالِمُ بِها عَنِ المَساوِي؛ ﴿والكِتابِ المُنِيرِ﴾؛ أيْ: الجامِعِ لِلْأحْكامِ؛ وغَيْرِها؛ المُوَضِّحِ لِأنَّهُ الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ.

3:185Страница 74

كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوۡنَ أُجُورَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ فَمَن زُحۡزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدۡخِلَ ٱلۡجَنَّةَ فَقَدۡ فَازَۗ وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ ١٨٥

Каждая душа вкусит смерть, но только в День воскресения вы получите вашу плату сполна. Кто будет удален от Огня и введен в Рай, тот обретет успех, а земная жизнь - всего лишь наслаждение обольщением.

ولَمّا تَقَدَّمَ في قِصَّةِ ”أُحُدٍ“؛ رُجُوعُ المُنافِقِينَ؛ وهَزِيمَةُ بَعْضِ المُؤْمِنِينَ؛ مِمّا كانَ سَبَبَ ظَفَرِ الكافِرِينَ؛ وعابَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم هَرَبُوا مِن مُوجِباتِ السَّعادَةِ والحَياةِ الأبَدِيَّةِ إلى ما لا بُدَّ مِنهُ؛ وإلى ذَلِكَ أشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ في بُيُوتِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤] ﴿ولَئِنْ قُتِلْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٧] ﴿قُلْ فادْرَءُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ﴾ [آل عمران: ١٦٨] ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٩]؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ مِمّا (p-١٤٥)بَكَّتَهم بِهِ في رُجُوعِهِمْ حَذَرَ المَوْتِ؛ وطَلَبَ امْتِدادِ العُمْرِ؛ مَعَ ما افْتَتَحَ بِهِ مِن أنَّ مَوْتَ هَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ؛ وقَتْلَهُ مُمْكِنٌ؛ كَما كانَ مَن قَبْلَهُ مِن إخْوانِهِ مِنَ الرُّسُلِ - عَلى جَمِيعِهِمْ أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ؛ والتَّحِيَّةِ والإكْرامِ -؛ وخَتَمَ بِالإخْبارِ بِأنَّهُ وقَعَ قَتْلُ كَثِيرٍ مِنَ الرُّسُلِ؛ فَكانَ ذَلِكَ مُحَقَّقًا؛ لِأنَّهُ لا يُصانُ مِنَ المَوْتِ خاصٌّ ولا عامٌّ؛ مَضْمُومًا إلى ما نُشاهِدُ مِن ذَلِكَ في كُلِّ لَحْظَةٍ؛ صَوَّرَ ذَلِكَ المَوْتَ بَعْدَ أنْ صارَ مُسْتَحْضَرًا لِلْعِيانِ تَصْوِيرًا أوْجَبَ التَّصْرِيحَ بِهِ؛ إشارَةً إلى أنَّ حالَهم في هَرَبِهِمْ؛ ورُجُوعِهِمْ؛ وما تَبِعَ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِمْ حالَ مَن هو في شَكٍّ مِنهُ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾؛ أيْ: مَنفُوسَةٍ؛ مِن عِيسى؛ وغَيْرِهِ؛ مِن أهْلِ الجَنَّةِ؛ والنّارِ؛ ﴿ذائِقَةُ المَوْتِ﴾؛ أيْ: وهو المَعْنى الَّذِي يَبْطُلُ مَعَهُ تَصَرُّفُ الرُّوحِ في البَدَنِ؛ وتَكُونُ هي باقِيَةً بَعْدَ مَوْتِهِ؛ لِأنَّ الذّائِقَ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ حالَ ذَوْقِهِ حَيًّا؛ حَسّاسًا؛ ومَن يَجُوزُ عَلَيْهِ ذَوْقُ المَوْتِ يَجُوزُ عَلَيْهِ ذَوْقُ النّارِ؛ وهو عَبْدٌ؛ مُحْتاجٌ؛ فالعاقِلُ مَن سَعى في النَّجاةِ مِنها؛ والإنْجاءِ؛ كَما فَعَلَ الخُلَّصُ الَّذِينَ مِنهم عِيسى؛ ومُحَمَّدٌ - عَلَيْهِما أفْضَلُ الصَّلاةِ وأزْكى السَّلامِ -؛ وكانَ نَظْمُها بَعْدَ الآياتِ المُقْتَضِيَةِ لِتَوْفِيَةِ الأُجُورِ بِالإثابَةِ عَلَيْها؛ وأنَّهُ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ؛ شَدِيدَ الحُسْنِ؛ وذَلِكَ مُناسِبٌ أيْضًا لَخَتْمِ الآيَةِ بِالتَّصْرِيحِ؛ (p-١٤٦)لِتَوْفِيَةِ الأُجُورِ يَوْمَ الدِّينِ؛ وأنَّ الزَّحْزَحَةَ عَنِ النّارِ؛ ودُخُولَ الجَنَّةِ؛ لَهو الفَوْزُ؛ لا الشُّحُّ في الدُّنْيا بِالنَّفْسِ والمالِ؛ الَّذِي رُبَّما كانَ سَبَبًا لِامْتِدادِ العُمْرِ؛ وسَعَةِ المالِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّما تُوَفَّوْنَ﴾؛ أيْ: تُعْطَوْنَ؛ ﴿أُجُورَكُمْ﴾؛ عَلى التَّمامِ؛ جَزاءً عَلى ما عَمِلْتُمُوهُ؛ مِن خَيْرٍ؛ وشَرٍّ؛ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾؛ وأمّا ما يَكُونُ قَبْلَ ذَلِكَ مِن نَعِيمِ القَبْرِ؛ ونَحْوِهِ؛ فَبَعْضٌ؛ لا وفاءٌ؛ ﴿فَمَن زُحْزِحَ﴾؛ أيْ: أُبْعِدَ في ذَلِكَ اليَوْمِ إبْعادًا عَظِيمًا؛ سَرِيعًا؛ ﴿عَنِ النّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ﴾؛ أيْ: بِالحَياةِ الدّائِمَةِ؛ والنَّعِيمِ الباقِي.

والمَعْنى أنَّ كُلَّ نَفْسٍ تُوَفّى ما عَمِلَتْ؛ فَتُوَفّى أنْتَ أجْرَكَ عَلى صَبْرِكَ عَلى أذاهُمْ؛ وكَذا مَن أطاعَكَ؛ ويُجازَوْنَ هم عَلى ما فَرَّطُوا في حَقِّكَ؛ فَيُقْذَفُونَ في غَمْرَةِ النّارِ؛ وكانَ الحَصْرُ إشارَةً إلى تَقْبِيحِ إقْبالِهِمْ عَلى الغَنِيمَةِ وغَيْرِها مِنَ التَّوَسُّعِ العاجِلِ؛ أيْ: إنَّما مُقْتَضى الدِّينِ الَّذِي دَخَلْتُمْ فِيهِ هَذا؛ وذَلِكَ تَرْهِيبًا مِنَ الِالتِفاتِ إلى تَعَجُّلِ شَيْءٍ مِنَ الأجْرِ في الدُّنْيا - كَما قالَ أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في أوَّلِ إسْلامِهِ: ”وجَدْتُ بِضاعَةً بِنَسِيئَةٍ؛ ما وقَعْتُ عَلى بِضاعَةٍ قَطُّ أنْفَسَ مِنها؛ وهي (لا إلَهَ إلّا اللَّهُ)“؛ فالحاصِلُ أنَّ كُلَّ نَفْسٍ - أيْ: حَذِرَةٍ مِنَ المَوْتِ؛ ومُسْتَسْلِمَةٍ - ذائِقَةُ المَوْتِ؛ أيْ: فَعَلامَ الِاحْتِراسُ مِنهُ بِقُعُودٍ عَنِ الغَزْوِ؛ أوْ هَرَبٍ مِنَ العَدُوِّ؟! وإنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكم - أيْ: يا أهْلَ الإسْلامِ - الَّتِي وُعِدْتُمُوها عَلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ؛ (p-١٤٧)يَوْمَ القِيامَةِ؛ أيْ: فَما لَكم تُرِيدُونَ تَعَجُّلَها بِإسْراعِكم إلى الغَنائِمِ؛ أوْ غَيْرِها مِمّا يَزِيدُ في أعْراضِ الدُّنْيا؛ فَتَكُونُوا مِمَّنْ تَعَجَّلَ طَيِّباتِهِ في الحَياةِ الدُّنْيا؛ فَمَن - أيْ: فَحَيْثُ عُلِمَ أنَّهُ لا فَوْزَ في الدُّنْيا إلّا بِما يُقَرِّبُ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنَّهُ مَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ - أيْ: بِكَوْنِهِ وُفِّيَ أجْرَهُ؛ ولَمْ يَتَعَجَّلْ طَيِّباتِهِ - وأُدْخِلَ الجَنَّةَ - أيْ: بِما عَمِلَ مِنَ الصّالِحاتِ؛ فَحازَ الحَياةَ الدّائِمَةَ؛ مَعَ الطَّيِّباتِ الباقِيَةِ - فَقَدْ فازَ؛ أيْ: كُلِّ الفَوْزِ.

ولَمّا صَحَّ أنَّهُ لا فَوْزَ إلّا ذَلِكَ؛ صَحَّ قَوْلُهُ: ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا﴾؛ أيْ: الَّتِي أُمْلِي لَهم فِيها؛ وأُزِيلَتْ عَنِ الشُّهَداءِ؛ ﴿إلا مَتاعُ الغُرُورِ﴾؛ أيْ: المَتاعُ الَّذِي يُدَلِّسُ الشَّيْطانُ أمْرَهُ عَلى النّاسِ حَتّى يَغْتَرُّوا بِهِ؛ فَيُغْبَنُوا بِتَرْكِ الباقِي؛ وأخْذِ الأشْياءِ الزّائِلَةِ؛ بِانْقِضاءِ لَذّاتِها؛ والنَّدَمِ عَلى شَهَواتِها بِالخَوْفِ مِن تَبِعاتِها.

وفِي ذَلِكَ أيْضًا مُناسَبَةٌ مِن وجْهٍ آخَرَ؛ وهو أنَّهُ لَمّا سَلّاهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِالرُّسُلِ الَّذِينَ لازَمُوا الصَّبْرَ؛ والِاجْتِهادَ في الطّاعَةِ؛ حَتّى ماتُوا؛ وأُمَمِهِمْ؛ وتَرَكُوا ما كانَ بِأيْدِيهِمْ؛ عاجِزِينَ عَنِ المُدافَعَةِ؛ ولَمْ يَبْقَ إلّا مُلْكُهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ وأنَّ الفَرِيقَيْنِ يَنْتَظِرُونَ الجَزاءَ؛ فالرُّسُلُ لِتَمامِ الفَوْزِ؛ والكُفّارُ لِتَمامِ الهَلاكِ؛ أخْبَرَ أنَّ كُلَّ نَفْسٍ كَذَلِكَ؛ لِيَجْتَهِدَ الطّائِعُ؛ ويَقْتَصِرَ العاصِي؛ وفي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِالمُنافِقِينَ الَّذِينَ رَجَعُوا عَنْ ”أُحُدٍ“؛ خَوْفَ القَتْلِ؛ وقالُوا عَنِ الشُّهَداءِ: ﴿لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٦٨]؛ أيْ: إنَّ الَّذِي فَرَرْتُمْ (p-١٤٨)مِنهُ لا بُدَّ مِنهُ؛ والحَياةُ الَّتِي آثَرْتُمُوها مَتاعٌ يَنْدَمُ عَلَيْهِ مَن مَحَّضَهُ لِلتَّمَتُّعِ؛ كَما يَنْدَمُ المَغْرُورُ بِالمَتاعِ الَّذِي غُرَّ بِهِ؛ فالسَّعِيدُ مَن سَعى في أنْ يَكُونَ مَوْتُهُ في رِضا مَوْلاهُ الَّذِي لا مَحِيصَ لَهُ عَنِ الرُّجُوعِ إلَيْهِ؛ والوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ.

3:186Страница 74

۞ لَتُبۡلَوُنَّ فِيٓ أَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ وَلَتَسۡمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ أَذٗى كَثِيرٗاۚ وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ ١٨٦

Вы непременно будете испытаны своим имуществом и самими собой, и вы непременно услышите от тех, кому было даровано Писание до вас, и от многобожников много неприятных слов. Но если вы будете терпеливы и богобоязненны, то ведь в этих делах надлежит проявлять решимость.

ولَمّا سَلّى اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - نَبِيَّهُ ﷺ عَنْ تَكْذِيبِهِمْ لَهُ بِما لَقِيَ إخْوانُهُ مِنَ الرُّسُلِ؛ وبِأنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الِانْقِلابِ إلَيْهِ؛ فَيَفُوزُ مَن كانَ مِن أهْلِ حِزْبِهِ؛ ويَشْقى مَن والى أعْداءَهُ؛ وذَوِي حِزْبِهِ؛ أعادَ التَّسْلِيَةَ عَلى وجْهٍ يَشْمَلُ المُؤْمِنِينَ؛ وساقَها مَساقَ الإخْبارِ بِحُلُولِ المَصائِبِ الكِبارِ الَّتِي هي مِن شَعائِرِ الأخْيارِ؛ في دارِ الأكْدارِ؛ المُعْلِيَةِ لَهم في دارِ القَرارِ؛ فَقالَ - مُؤَكِّدًا لِأنَّ الواقِفَ في الخِدْمَةِ يُنْكِرُ أنْ يُصِيبَهُ مَعْبُودُهُ بِسُوءٍ؛ هَذا طَبْعُ البَشَرِ؛ وإنْ تَطَبَّعَ بِخِلافِهِ؛ وأفادَ ذِكْرُهُ قَبْلَ وُقُوعِهِ تَهْوِينَهُ؛ بِتَوْطِينِ النَّفْسِ عَلَيْهِ؛ وأفادَ بِناؤُهُ لِلْمَفْعُولِ أنَّ المُنَكّى البَلاءُ؛ لا كَوْنُهُ مِن جِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ -: ﴿لَتُبْلَوُنَّ﴾؛ أيْ: تُعامَلُونَ مُعامَلَةَ المُخْتَبَرِ؛ لِتَبْيِينِ المُؤْمِنِ مِنَ المُنافِقِ؛ ﴿فِي أمْوالِكُمْ﴾؛ أيْ: بِأنْواعِ الإنْفاقِ؛ ﴿وأنْفُسِكُمْ﴾؛ أيْ: بِالإصابَةِ في الجِهادِ؛ وغَيْرِهِ؛ فَكَما نالَكم ما نالَكم مِنَ الأذى بِإذْنِي؛ لَيَلْحَقَنَّكم بَعْدَهُ مِنَ الأذى ما أمْضَيْتُ بِهِ سُنَّتِي في خُلَّصِ عِبادِي؛ وذَوِي مَحَبَّتِي؛ وكانَ إيلاءُ ذَلِكَ لِلْآيَةِ الَّتِي فِيها الإشارَةُ إلى أنَّ تَوْفِيَةَ الأُجُورِ لِلْأعْمالِ الصّالِحَةِ مِمّا يُنِيلُ (p-١٤٩)الفَوْزَ؛ مُناسِبًا مِن حَيْثُ التَّرْغِيبُ في كُلِّ ما يَكُونُ سَبَبًا لِذَلِكَ؛ مِنَ الصَّبْرِ عَلى ما يَبْتَلِي بِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - مِن كُلِّ ما يَأْمُرُ بِهِ مِنَ التَّكالِيفِ؛ أوْ يَأْذَنُ فِيهِ مِنَ المَصائِبِ؛ وقَدَّمَ المالَ لِأنَّهُ - كَما قِيلَ - عَدِيلُ الرُّوحِ؛ ورُبَّما هانَ عَلى الإنْسانِ المَوْتُ دُونَ الفَقْرِ المُؤَدِّي إلى الذُّلِّ؛ بِالشَّماتَةِ والعارِ؛ بِما تُقَصِّرُ عَنْهُ يَدُهُ بِفَقْدِهِ مِن أفْعالِ المَكارِمِ؛ وما أحْسَنَ ذِكْرَ هَذِهِ الآيَةِ إثْرَ قِصَّةِ ”أُحُدٍ“؛ الَّتِي وقَعَ فِيها القَتْلُ؛ بِسَبَبِ الإقْبالِ عَلى المالِ؛ وكانَ ذِكْرُها تَعْلِيلًا لِبَغَضَةِ أهْلِ الكِتابِ؛ وغَيْرِهِمْ مِنَ الكُفّارِ.

ولَمّا كانَ يَوْمُها يَوْمَ بَلاءٍ وتَمْحِيصٍ؛ وكانَ رُبَّما أطْمَعَ في العافِيَةِ بَعْدَهُ؛ فَتَوَطَّنَتِ النَّفْسُ عَلى ذَلِكَ؛ فاشْتَدَّ انْزِعاجُها بِما يَأْتِي مِن أمْثالِهِ؛ ولَيْسَ ذَلِكَ مِن أخْلاقِ المُشَمِّرِينَ؛ أرادَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - تَوْطِينَ النُّفُوسِ عَلى ما طُبِعَتْ عَلَيْهِ الدّارُ مِنَ الأثْقالِ؛ والآصارِ؛ فَأخْبَرَ أنَّ البَلاءَ لَمْ يَنْقُصْ بِهِ؛ بَلْ لا بُدَّ بَعْدَهُ مِن بَلايا؛ وسَماعِ أذًى مِن سائِرِ الكُفّارِ؛ ورَغَّبَ في شِعارِ المُتَّقِينَ؛ الصَّبْرِ؛ الَّذِي قَدَّمَهُ في أوَّلِ السُّورَةِ؛ ثُمَّ قَبْلَ قِصَّةِ ”أُحُدٍ“؛ وبَناها عَلَيْهِ؛ مُعْلِمًا أنَّهُ مِمّا يَسْتَحِقُّ أنْ يُعْزَمَ عَلَيْهِ؛ ولا يُتَرَدَّدُ فِيهِ؛ فَقالَ: ﴿ولَتَسْمَعُنَّ﴾؛ أيْ: بَعْدَ هَذا اليَوْمِ؛ ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾؛ ولَمّا كانَ المُرادُ تَسْوِيَةَ العالِمِ بِالجاهِلِ في الذَّمِّ؛ نَزَّهَ المُعْلَمَ عَنِ الذِّكْرِ؛ فَبَنى لِلْمَفْعُولِ؛ (p-١٥٠)قَوْلَهُ: ﴿أُوتُوا الكِتابَ﴾ [آل عمران: ١٨٧]؛ ولَمّا كانَ إيتاؤُهم لَهُ لَمْ يَسْتَغْرِقِ الزَّمَنَ الماضِيَ؛ أدْخَلَ الجارَّ؛ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِكُمْ﴾؛ أيْ: مِنَ اليَهُودِ؛ والنَّصارى؛ ﴿ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾؛ أيْ: مِنَ الأُمِّيِّينَ؛ ﴿أذًى كَثِيرًا﴾؛ أيْ: مِنَ الطَّعْنِ في الدِّينِ؛ وغَيْرِهِ؛ بِسَبَبِ هَذِهِ الوَقْعَةِ؛ أوْ غَيْرِها؛ ﴿وإنْ تَصْبِرُوا﴾؛ أيْ: تَتَخَلَّقُوا بِالصَّبْرِ عَلى ذَلِكَ؛ وغَيْرِهِ؛ ﴿وتَتَّقُوا﴾؛ أيْ: وتَجْعَلُوا بَيْنَكُمْ؛ وبَيْنَ ما يُسْخِطُ اللَّهَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - وِقايَةً؛ بِأنْ تَغُضُّوا عَنْ كَثِيرٍ مِن أجْوِبَتِهِمُ اعْتِمادًا عَلى رَدِّهِمْ بِالسُّيُوفِ؛ وإنْزالِ الحُتُوفِ؛ ﴿فَإنَّ ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الأمْرَ العالِي الرُّتْبَةِ؛ ﴿مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾؛ أيْ: الأشْياءِ الَّتِي هي أهْلٌ لِأنْ يُعْزَمَ عَلى فِعْلِها؛ ولا يُتَرَدَّدَ فِيهِ؛ ولا يَعُوقَ عَنْهُ عائِقٌ؛ فَقَدْ خُتِمَتْ قِصَّةُ ”أُحُدٍ“؛ بِمِثْلِ ما سُبِقَتْ؛ دَلِيلًا عَلَيْهِ؛ مِن قَوْلِهِ: ﴿قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ [آل عمران: ١١٨]؛ إلى أنْ خَتَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٢٠]؛ ما أخْبَرَ بِهِ هُنا بِأنَّهُ مِن عَزْمِ الأُمُورِ.

3:187Страница 75

وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكۡتُمُونَهُۥ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمۡ وَٱشۡتَرَوۡاْ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلٗاۖ فَبِئۡسَ مَا يَشۡتَرُونَ ١٨٧

Вот Аллах взял завет с тех, кому было даровано Писание: «Вы обязательно будете разъяснять его людям и не будете скрывать его». Но они бросили его за спины и продали его за ничтожную цену. Как же скверно то, что они приобретают!

ولَمّا قَدَّمَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - في أوائِلِ قَصَصِ اليَهُودِ أنَّهُ أخَذَ عَلى النَّبِيِّينَ المِيثاقَ بِما أخَذَ؛ وأخْبَرَهم أنَّهُ مَن تَوَلّى بَعْدَ ذَلِكَ فَهو الفاسِقُ؛ ثُمَّ أخْبَرَ بِقَوْلِهِ: ﴿قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي﴾ [آل عمران: ١٨٣] ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٨٤]؛ أنَّ النَّبِيِّينَ وفَّوْا بِالعَهْدِ؛ وأنَّ كَثِيرًا مِن أتْباعِهِمْ خانَ؛ ثَنّى هُنا بِالتَّذْكِيرِ بِذَلِكَ العَهْدِ؛ عَلى وجْهٍ يَشْمَلُ العُلَماءَ؛ بَعْدَ الإخْبارِ بِسَماعِ الأذى المُتَضَمِّنِ لِنَقْضِهِمْ لِلْعَهْدِ؛ فَكانَ التَّذْكِيرُ بِهَذا المِيثاقِ كالدَّلِيلِ عَلى (p-١٥١)مَضْمُونِ الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها؛ وكَأنَّهُ قِيلَ: ”فاذْكُرُوا قَوْلِي لَكُمْ؛“لَتُبْلَوُنَّ”؛ واجْعَلُوهُ نُصْبَ أعْيُنِكُمْ؛ لِتُوَطِّنُوا أنْفُسَكم عَلَيْهِ؛ فَلا يَشْتَدَّ جَزَعُكم بِحُلُولِ ما يَحُلُّ مِنهُ“؛ و؛ اذْكُرُوا؛ إذْ أخَذَ اللَّهُ؛ الَّذِي لا عَظِيمَ إلّا هُوَ؛ ﴿مِيثاقَ الَّذِينَ﴾؛ ولَمّا كانَتِ الخِيانَةُ مِنَ العالِمِ أشْنَعَ؛ وكانَ ذِكْرُ العِلْمِ دُونَ تَعْيِينِ المُعْلَمِ كافِيًا في ذَلِكَ؛ بَنى لِلْمَجْهُولِ قَوْلَهُ: ﴿أُوتُوا الكِتابَ﴾؛ أيْ: في البَيانِ؛ فَخافُوا؛ فَما آذَوْا إلّا أنْفُسَهُمْ؛ وإذا آذَوْا أنْفُسَهم بِخِيانَةِ عَهْدِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - كانُوا في أذاكم أشَدَّ؛ وإلَيْهِ أسْرَعَ؛ أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: ”واذْكُرُوا ما أخْبَرْتُكم بِهِ؛ عِنْدَما أُنْزِلُهُ بِكُمْ؛ واصْبِرُوا لِتَفُوزُوا؛ واذْكُرُوا إذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ مَن قَبْلَكُمْ؛ فَضَيَّعُوهُ؛ كَيْلا تَفْعَلُوا فِعْلَهُمْ؛ فَيَحِلَّ بِكم ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ الذُّلِّ؛ والصَّغارِ في الدُّنْيا؛ مَعَ ما يُدَّخَرُ في الآخِرَةِ مِن عَذابِ النّارِ“.

هَذا ما كانَ ظَهَرَ لِي أوَّلًا؛ ثُمَّ بانَ أنَّ الَّذِي لا مَعْدِلَ عَنْهُ أنَّهُ لَمّا انْقَضَتْ قِصَّةُ ”أُحُدٍ“؛ وما تَبِعَها؛ إلى أنْ خُتِمَتْ بَعْدَ الوَعْظِ بِتَحَتُّمِ المَوْتِ؛ الَّذِي فَرَّ مَن فَرَّ مِنهم مِنهُ؛ وخَوَّفَ الباقِينَ أمْرُهُ؛ بِمِثْلِ ما تَقَدَّمَ؛ أنَّهُ جَعَلَها (p-١٥٢)دَلِيلًا عَلَيْهِ؛ مِن بُغْضِ أهْلِ الكِتابِ؛ وما تَبِعَهُ؛ عَطَفَ عَلى ”إذْ“؛ المُقَدَّرَةِ - لِعَطْفِ ﴿وإذْ غَدَوْتَ﴾ [آل عمران: ١٢١]؛ عَلَيْها - قَوْلَهُ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: اذْكُرُوا ذَلِكَ؛ يَدُلَّكم عَلى عَداوَتِهِمْ؛ واذْكُرُوا ما صَحَّ عِنْدَكم مِن إخْبارِ اللَّهِ (تَعالى) المُشاهَدِ؛ بِإخْبارِ مَن أسْلَمَ مِنَ الأحْبارِ؛ والقِسِّيسِينَ أنَّ اللَّهَ أخَذَ ﴿مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾؛ أيْ: مِنَ اليَهُودِ؛ والنَّصارى؛ بِما أكَّدَ في كُتُبِهِ؛ وعَلى ألْسِنَةِ رُسُلِهِ: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ﴾؛ أيْ: الكِتابَ؛ ﴿لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ﴾؛ أيْ: نَصِيحَةً مِنهم لِلَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - ولِرَسُولِهِ ﷺ؛ ولِأئِمَّةِ المُؤْمِنِينَ؛ وعامَّتِهِمْ؛ لِيُؤْمِنُوا بِالنَّبِيِّ المُبَشَّرِ بِهِ؛ ﴿فَنَبَذُوهُ﴾؛ أيْ: المِيثاقَ؛ بِنَبْذِ الكِتابِ؛ ﴿وراءَ ظُهُورِهِمْ﴾؛ حَسَدًا لَكُمْ؛ وبُغْضًا؛ وهو تَمْثِيلٌ لِتَرْكِهِمُ العَمَلَ بِهِ؛ لِأنَّ مَن تَرَكَ شَيْئًا وراءَهُ نَسِيَهُ؛ ﴿واشْتَرَوْا بِهِ﴾؛ ولَمّا كانَ الثَّمَنُ الَّذِي اشْتَرَوْهُ خَسارَةً؛ لا رِبْحَ فِيهِ أصْلًا؛ عَلى العَكْسِ مِمّا بَذَلُوهُ؛ عَلى أنَّهُ ثَمَنٌ؛ وكانَ الثَّمَنُ إذا نَضَّ زالَتْ مَظِنَّةُ الرِّبْحِ مِنهُ؛ عَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثَمَنًا﴾؛ وزادَ في بَيانِ سَفَهِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قَلِيلا﴾؛ أيْ: بِالِاسْتِكْثارِ مِنَ المالِ؛ والِاسْتِئْمارِ لِلرِّئاسَةِ؛ فَكَتَمُوا ما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ بِهَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ؛ ﴿فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ﴾؛ أيْ: لِأنَّهُ مَعَ فَنائِهِ أوْرَثَهُمُ العارَ الدّائِمَ؛ والنّارَ (p-١٥٣)الباقِيَةَ؛ وعَبَّرَ عَنْ هَذا الأخْذِ بِالشِّراءِ؛ إعْلامًا بِلَجاجِهِمْ فِيهِ؛ ونَبَّهَ بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ عَلى مُبالَغَتِهِمْ في اللَّجاجِ.

3:188Страница 75

لَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡرَحُونَ بِمَآ أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحۡمَدُواْ بِمَا لَمۡ يَفۡعَلُواْ فَلَا تَحۡسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٖ مِّنَ ٱلۡعَذَابِۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٨٨

Не думай же, что те, которые радуются своим поступкам и любят, чтобы их хвалили за то, чего они не совершали, спасутся от мучений. Им уготованы мучительные страдания.

ولَمّا أخْبَرَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِأنَّهُمُ احْتَوَوْا عَلى المالِ؛ والجاهِ؛ بِما كَتَمُوا مِنَ العِلْمِ؛ وأظْهَرُوا مِن خِلافِهِ المُتَضَمِّنِ لِمَحَبَّةِ أهْلِ دِينِهِمْ فِيهِمْ؛ وثَنائِهِمْ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم عَلى الدِّينِ الصَّحِيحِ؛ وأنَّهم أهْلُ العِلْمِ؛ فَهم أهْلُ الِاقْتِداءِ بِهِمْ؛ قالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - مُخْبِرًا عَنْ مَآلِهِمْ؛ تَحْذِيرًا مِن مِثْلِ حالِهِمْ؛ عَلى وجْهٍ يَعُمُّ كُلَّ امْرِئٍ: ﴿لا تَحْسَبَنَّ﴾؛ عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ؛ بِالغَيْبِ؛ ﴿الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا﴾؛ أيْ: مِمّا يُخالِفُ ظاهِرُهُ باطِنَهُ؛ وتَوَصَّلُوا بِهِ إلى الأغْراضِ الدُّنْيَوِيَّةِ؛ مِنَ الأمْوالِ والرِّئاسَةِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ أيْ: لا يَحْسَبَنَّ أنْفُسَهُمْ؛ وفي قِراءَةِ الكُوفِيِّينَ؛ ويَعْقُوبَ؛ بِالخِطابِ؛ المَعْنى: لا تَحْسَبَنَّهم أيُّها النّاظِرُ لِمَكْرِهِمْ؛ ورَواجِهِمْ بِسَبَبِهِ؛ في الدُّنْيا؛ واصِلِينَ إلى خَيْرٍ؛ ﴿ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا﴾؛ أيْ: يُوجَدَ الثَّناءُ بِالوَصْفِ الجَمِيلِ عَلَيْهِمْ؛ ﴿بِما لَمْ يَفْعَلُوا﴾؛ أيْ: بِذَلِكَ الباطِنِ الَّذِي لَمْ يَفْعَلُوهُ؛ قالَ ابْنُ هِشامٍ؛ في السِّيرَةِ: ”أنْ يَقُولَ النّاسُ:“عُلَماءُ”؛ ولَيْسُوا بِأهْلِ عِلْمٍ؛ لَمْ يَتَحَمَّلُوهم عَلى هُدًى؛ ولا حَقٍّ“.

ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ العِلْمُ بِهَلاكِهِمْ؛ قالَ: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ﴾؛ أيْ: تَحْسَبَنَّ أنْفُسَهُمْ؛ عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ؛ وأبِي عَمْرٍو؛ بِالغَيْبِ؛ وضَمِّ الباءِ؛ (p-١٥٤)وعَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ المَعْنى: لا تَحْسَبَنَّهُمْ؛ أيُّها النّاظِرُ؛ ﴿بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ﴾؛ بَلْ هم بِمَهْلَكَةٍ مِنهُ؛ ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾

3:189Страница 75

وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ١٨٩

Аллаху принадлежит власть над небесами и землей, и Аллах способен на всякую вещь.

ولَمّا أخْبَرَ بِهَلاكِهِمْ؛ دَلَّ عَلَيْهِ بِحالٍ مِن فاعِلِ ”تَحْسَبُ“؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ولِلَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ؛ وحْدَهُ؛ ﴿مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾؛ أيْ: لا يَقَعْ في فِكْرِهِمْ ذَلِكَ؛ والحالُ أنَّ مُلْكَهُ مُحِيطٌ بِهِمْ؛ ولَهُ جَمِيعُ ما يُمْكِنُهم الِانْحِيازُ إلَيْهِ؛ ولَهُ ما لا تَبْلُغُهُ قُدَرُهم مِن مُلْكِ الخافِقَيْنِ؛ فَهو بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾؛ وهو شامِلُ القُدْرَةِ؛ فَمَن كانَ في مُلْكِهِ كانَ في قَبْضَتِهِ؛ ومَن كانَ في قَبْضَتِهِ كانَ عاجِزًا عَنِ التَّفَصِّي عَمّا يُرِيدُ بِهِ؛ لِأنَّهُ الحَيُّ القَيُّومُ؛ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو - كَما افْتَتَحَ بِهِ السُّورَةَ.

3:190Страница 75

إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ١٩٠

Воистину, в сотворении небес и земли, а также в смене ночи и дня заключены знамения для обладающих разумом,

ولَمّا ذَكَرَ هَذا المُلْكَ العَظِيمَ؛ وخَتَمَ بِشُمُولِ القُدْرَةِ؛ دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِالتَّنْبِيهِ عَلى التَّفَكُّرِ فِيهِ؛ المُوجِبِ لِلتَّوْحِيدِ؛ الَّذِي هو المَقْصِدُ الأعْظَمُ مِن هَذِهِ السُّورَةِ؛ الدّاعِي إلى الإيمانِ؛ المُوجِبِ لِلْمَفازَةِ مِنَ العَذابِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ الأعْظَمَ مِن إنْزالِ القُرْآنِ تَنْوِيرُ القُلُوبِ بِالمَعْرِفَةِ؛ وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بِغايَةِ التَّسْلِيمِ؛ وذَلِكَ هو اتِّباعُ المِلَّةِ الحَنِيفِيَّةِ؛ وهو مُتَوَقِّفٌ عَلى صِدْقِ النَّبِيِّ ﷺ؛ فَبَدَأ - سُبْحانَهُ وتَعالى - السُّورَةَ بِدَلائِلِ صِدْقِهِ؛ بِإعْجازِ القُرْآنِ؛ بِكَشْفِهِ - مَعَ الإعْجازِ بِنَظْمِهِ عَلى لِسانِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ - (p-١٥٥)لِلشُّبُهاتِ؛ وبَيانِهِ لِلْخَفِيّاتِ؛ وأظْهَرَ مُكابَرَةَ أهْلِ الكِتابِ؛ وفَضَحَهم أتَمَّ فَضِيحَةٍ؛ فَلَمّا تَمَّ ذَلِكَ عَلى أحْسَنِ وجْهٍ؛ مُنْظَمًا بِبَدائِعِ الحِكَمِ؛ مِنَ التَّرْغِيبِ؛ والتَّرْهِيبِ؛ شَرَعَ في بَثِّ أنْوارِ المَعْرِفَةِ؛ بِنَصْبِ دَلائِلِها القَرِيبَةِ؛ وكَشْفِ أسْتارِها العَجِيبَةِ؛ فَقالَ: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾؛ أيْ: عَلى كِبَرِهِما؛ وما فِيهِما مِنَ المَنافِعِ؛ ونَبَّهَ عَلى التَّغَيُّرِ الدّالِّ عَلى المُغَيِّرِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾؛ أيْ: اخْتِلافًا هو - كَما تَرَوْنَ - عَلى غايَةِ الإحْكامِ؛ بِكَوْنِهِ عَلى مِنهاجٍ قَوِيمٍ؛ وسَيْرٍ لا يَكُونُ إلّا بِتَقْدِيرِ العَزِيزِ العَلِيمِ؛ ﴿لآياتٍ﴾؛ أيْ: عَلى جَمِيعِ ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ عَنِ الخالِقِ؛ وزادَ الحَثَّ عَلى التَّفَكُّرِ والتَّهْيِيجِ إلَيْهِ؛ والإلْهابِ مِن أجْلِهِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿لأُولِي الألْبابِ﴾؛ وذَكَرَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - في أُخْتِ هَذِهِ الآيَةِ؛ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“؛ ثَمانِيَةَ أنْواعٍ مِنَ الأدِلَّةِ؛ واقْتَصَرَ هُنا عَلى ثَلاثَةٍ؛ لِأنَّ السّالِكَ يَفْتَقِرُ في ابْتِداءِ السُّلُوكِ إلى كَثْرَةِ الأدِلَّةِ؛ فَإذا اسْتَنارَ قَلَّتْ حاجَتُهُ إلى ذَلِكَ؛ وكانَ الإكْثارُ مِنَ الأدِلَّةِ كالحِجابِ الشّاغِلِ لَهُ عَنِ اسْتِغْراقِ القَلْبِ في لُجَجِ المَعْرِفَةِ؛ واقْتَصَرَ هُنا مِن آثارِ الخَلْقِ عَلى السَّماوِيَّةِ؛ لِأنَّها أقْهَرُ؛ وأبْهَرُ؛ والعَجائِبَ فِيها أكْثَرُ؛ وانْتِقالَ القَلْبِ مِنها إلى عَظَمَتِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - وكِبْرِيائِهِ أشَدُّ وأسْرَعُ؛ وخَتَمَ تِلْكَ بِما هو لِأوَّلِ السُّلُوكِ؛ العَقْلِ؛ وخَتَمَ هَذِهِ بِلُبِّهِ؛ لِأنَّها لِمَن تَخَلَّصَ مِن وساوِسِ الشَّيْطانِ؛ وشَوائِبِ هَواجِسِ الوَهْمِ المانِعَةِ مِنَ الوُصُولِ إلى حَقِّ اليَقِينِ؛ بَلْ عِلْمِ اليَقِينِ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English