Аль-БикаиАль Имран · 3:44–50

Аль-Бикаи · Тафсир · на арабском

Аль Имран 3:44–50

3:44Страница 55

ذَٰلِكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ نُوحِيهِ إِلَيۡكَۚ وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ يُلۡقُونَ أَقۡلَٰمَهُمۡ أَيُّهُمۡ يَكۡفُلُ مَرۡيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ يَخۡتَصِمُونَ ٤٤

Это - часть рассказов о сокровенном, которое Мы сообщаем тебе в откровении. Ты не был с ними, когда они бросали свои письменные трости, чтобы решить, кто из них будет опекать Марьям (Марию). Ты не был с ними, когда они препирались.

ولَمّا أتى نَبِيُّنا ﷺ بِهَذِهِ الأخْبارِ الغَرِيبَةِ المُحَرَّرَةِ العَجِيبَةِ الَّتِي لا يَعْرِفُها عَلى وجْهِها إلّا الحُذّاقُ مِن عُلَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ كانَ مِن حَقِّ سامِعِها أنْ يَتَنَبَّهَ مِن غَفْلَتِهِ ويَسْتَيْقِظَ مِن رَقْدَتِهِ، لِأنَّها مُنَبِّهَةٌ بِنَفْسِها لِلْمُنْصِفِ الفَطِنِ عَلى أنَّ الآتِيَ بِها - والسّامِعُ خَبِيرٌ بِأنَّهُ لَمْ يُخالِطْ عالِمًا قَطُّ - صادِقٌ لا مِرْيَةَ في صِدْقِهِ في كُلِّ ما يَدَّعِيهِ عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وكانَ مِن حَقِّ مَن يَتَنَبَّهُ أنْ يُبادِرَ إلى الإذْعانِ فَيُصَرِّحَ بِالإيمانِ، فَلَمّا لَمْ يَفْعَلُوا التَفَتَ إلى تَنْبِيهِ الغَبِيِّ وتَبْكِيتِ (p-٣٩٤)العَتِيِّ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الخِطابُ العَلِيُّ المَقامِ الصّادِقُ المَرامِ البَدِيعُ النِّظامِ ﴿مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ﴾ أيْ نُجَدِّدُ إيحاءَهُ في أمْثالِهِ ﴿إلَيْكَ﴾ في كُلِّ حِينٍ فَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ في هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ لَكَ يَوْمًا عَلى هَذا التَّحْرِيرِ مَعَ الإعْجازِ في البَلاغَةِ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ حالًا تَقْدِيرُها: ”و“ الحالُ أنَّكَ ”ما كُنْت“ ولَمّا كانَ هَذا مَعَ كَوْنِهِ مِن أبْطَنِ السِّرِّ هو مِن أخْفى العِلْمِ عَبَّرَ فِيهِ بِـ (لَدى) لِما هو في أعْلى رُتَبِ الغَرابَةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٣٧] وكَرَّرَها زِيادَةً في تَعْظِيمِهِ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ مِمّا يُسْتَغْرَبُ جِدًّا حَتّى عِنْدَ أهْلِ الِاصْطِفاءِ فَقالَ: ﴿لَدَيْهِمْ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: لَدى هي (عِنْدَ) حاضِرَةٌ لِرِفْعَةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي يُنَبَّأُ بِهِ عَنْهُ. انْتَهى.

﴿إذْ يُلْقُونَ﴾ لِأجْلِ القُرْعَةِ - ﴿أقْلامَهُمْ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: جَمْعُ قَلَمٍ، وهو مُظْهِرُ الآثارِ المُنْبِئَةِ عَمّا وراءَها مِنَ الاعْتِبارِ - انْتَهى ﴿أيُّهُمْ﴾ (p-٣٩٥)أيْ يَسْتَهِمُونَ أيُّهم ﴿يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ أيْ يَحْضُنُها ويُرَبِّيها تَنافُسًا في أمْرِها لِما شَرَّفَها اللَّهُ تَعالى بِهِ ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ﴾ أيْ حِينَ ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ أيْ في ذَلِكَ حَتّى نَقُصَّ مِثْلَ هَذِهِ الأخْبارِ عَلى هَذا الوَجْهِ السَّدِيدِ - يَعْنِي أنَّهُ لا وجْهَ لَكَ إلى عِلْمِ ذَلِكَ إلّا بِالكَوْنِ مَعَهم إذْ ذاكَ، أوْ أخْذِ ذَلِكَ عَنْ أهْلِ الكِتابِ، أوْ بِوَحْيٍ مِنّا؛ ومِنَ الواضِحِ الجَلِيِّ أنَّ بُعْدَ نِسْبَتِكَ إلى التَّعَلُّمِ مِنَ البَشَرِ كَبُعْدِ نِسْبَتِكَ إلى الحُضُورِ بَيْنَهم في ذَلِكَ الوَقْتِ، لِشُهْرَتِكَ بِالنَّشْأةِ أُمِّيًّا مُباعِدًا لِلْعِلْمِ والعُلَماءِ حَتّى ما يَتَفاخَرُ بِهِ قَوْمُكَ مِنَ السَّجْعِ ومُعاناةِ الصَّوْغِ لِفُنُونِ الكَلامِ عَلى الوُجُوهِ الفائِقَةِ، فانْحَصَرَ إخْبارُكَ بِذَلِكَ في الوَحْيِ مِنّا، وجُعِلَ هَذا التَّنْبِيهُ في نَحْوٍ وسَطَ هَذا القَصَصِ لِيَكُونَ السّامِعُ عَلى ذِكْرٍ مِمّا مَضى ويُلْقِي السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ لِما بَقِيَ، وجَعَلَهُ بَعْدَ الِافْتِتاحِ بِقِصَّةِ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ تَنْبِيهًا عَلى عِظَمِ شَأْنِها وأنَّها المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ لِلرَّدِّ عَلى وفْدِ نَصارى نَجْرانَ، وكَأنَّهُ أتْبَعَ التَّنْبِيهَ ما كانَ في أوَّلِ (p-٣٩٦)القِصَّةِ مِنَ اقْتِراعِهِمْ بِالأقْلامِ واخْتِصامِهِمْ في كَفالَتِها لِخَفائِهِ إلّا عَلى خَواصِّ أهْلِ الكِتابِ، هَذا مَعَ ما في مُناسَبَةِ الأقْلامِ لِلْبِشارَةِ بِمَن يَعْلَمُهُ الكِتابُ، واسْتَمَرَّ في إكْمالِ المَقالِ عَلى ذَلِكَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ حَتّى تَمَّتِ الحُجَّةُ واسْتَقامَتِ المَحَجَّةُ فَقالَ تَعالى مُبْدِلًا مِن (إذْ) الأُولى إيذانًا بِأنَّ ما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ لِما نَبَّهَ عَلَيْهِ مِن شَرِيفِ الأغْراضِ:

3:45Страница 55

إِذۡ قَالَتِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَٰمَرۡيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٖ مِّنۡهُ ٱسۡمُهُ ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ وَجِيهٗا فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَمِنَ ٱلۡمُقَرَّبِينَ ٤٥

Вот сказали ангелы: «О Марьям (Мария)! Воистину, Аллах радует тебя вестью о слове от Него, имя которому - Мессия Иса (Иисус), сын Марьям (Марии). Он будет почитаем в этом мире и в Последней жизни и будет одним из приближенных.

﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ﴾ ولَمّا كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ سُورَةَ التَّوْحِيدِ المُقْتَضِي لِلتَّفَرُّدِ بِالعَظَمَةِ عَبَّرَ بِما صُدِّرَتْ بِهِ مِنَ اسْمِ الذّاتِ الجامِعِ لِجَمِيعِ الصِّفاتِ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكَ الأعْظَمَ الَّذِي لا كُفْؤَ لَهُ، فَلا رادَّ لِأمْرِهِ ﴿يُبَشِّرُكِ﴾ وكَرَّرَ هَذا الِاسْمَ الشَّرِيفَ في هَذا المَقامِ زِيادَةً في إيضاحِ هَذا المَرامِ بِخِلافِ ما يَأْتِي في سُورَةِ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ، وقَوْلُهُ: ﴿بِكَلِمَةٍ﴾ أيْ مُبْتَدِئَةٍ ﴿مِنهُ﴾ مِن غَيْرِ واسِطَةِ أبٍ هو مِن تَسْمِيَةِ المُسَبَّبِ بِاسْمِ السَّبَبِ، والتَّعْبِيرُ بِها أوْفَقُ لِمَقْصُودِ السُّورَةِ وأنْفى لِما يَدَّعِيهِ المُجادِلُونَ في أمْرِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِالكَلِمَةِ حَقِيقَتَها، بَلْ ما يَكُونُ عَنْها ويَكُونُ فَعّالًا بِها فَقالَ مُذَكِّرًا لِلضَّمِيرِ: ﴿اسْمُهُ﴾ أيِ الَّذِي يَتَمَيَّزُ بِهِ عَمَّنْ سِواهُ مَجْمُوعُ ثَلاثَةِ أشْياءَ: (p-٣٩٧)﴿المَسِيحُ﴾ أصْلُ هَذا الوَصْفِ أنَّهُ كانَ في شَرِيعَتِهِمْ: مَن مَسَحَهُ الإمامُ بِدُهْنِ القُدْسِ كانَ طاهِرًا مُتَأهِّلًا لِلْمُلْكِ والعِلْمِ والمَزايا الفاضِلَةِ مُبارَكًا، فَدَلَّ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى أنَّ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُلازِمٌ لِلْبَرَكَةِ النّاشِئَةِ عَنِ المَسْحِ وإنْ لَمْ يُمْسَحْ؛ وأمّا وصْفُ الدَّجّالِ بِذَلِكَ فَإمّا أنْ يَكُونَ لَمّا كانَ هَلاكُهُ عَلى يَدِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وُصِفَ بِوَصْفِهِ - مِن بابِ التَّسْمِيَةِ بِالضِّدِّ، وإمّا أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى أنَّهُ مُلازِمٌ لِلنَّجاسَةِ فَهو بِحَيْثُ لا يَنْفَكُّ - ولَوْ مُسِحَ - عَنِ الاحْتِياجِ إلى التَّطْهِيرِ بِالمَسْحِ مِنَ الدُّهْنِ الَّذِي يُمْسَحُ بِهِ المُذْنِبُونَ ومَن كانَ بِهِ بَرَصٌ ونَحْوُهُ فَيَبْرَأُ - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ.

ولَمّا وصَفَهُ بِهَذا الوَصْفِ الشَّرِيفِ ذَكَرَ اسْمَهُ فَقالَ ﴿عِيسى﴾ وبَيَّنَ أنَّهُ يَكُونُ مِنها وحْدَها مِن غَيْرِ ذَكَرٍ بِقَوْلِهِ مَوْضِعَ ابْنِكِ: ﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾ وذَلِكَ أنْفى لِما ضَلَّ بِهِ مَن ضَلَّ في أمْرِهِ، وأوْضَحُ في تَقْرِيرِ مَقْصُودِ السُّورَةِ وفي تَفْخِيمِ هَذا الذِّكْرِ بِجَعْلِهِ نَفْسَ الكَلِمَةِ وبِإبْهامِهِ أوَّلًا ثُمَّ تَفْسِيرِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿اسْمُهُ﴾ تَعْظِيمٌ لِقَدْرِهِ وبَيانٌ لِفَضْلِهِ (p-٣٩٨)عَلى يَحْيى عَلَيْهِما السَّلامُ حَيْثُ لَمْ يُجْعَلُ لَهُ في البِشارَةِ بِهِ مِثْلُ هَذا الذِّكْرِ، ثُمَّ أتَمَّ لَها البِشارَةَ بِأوْصافٍ جَعَلَها أحْوالًا دالَّةً عَلى أنَّهُ يَظْهَرُ اتِّصافُهُ بِها حالَ الوِلادَةِ تَحْقِيقًا لِظُهُورِ أثَرِ الكَلِمَةِ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿وجِيهًا﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: صِيغَةُ مُبالَغَةٍ مِمّا مِنهُ الوَجاهَةُ، وأصْلُ مَعْناهُ الوَجْهُ وهو المُلاحَظُ المُحْتَرَمُ بِعُلُوٍّ ظاهِرٍ فِيهِ. انْتَهى.

﴿فِي الدُّنْيا﴾ ولَمّا كانَ ذَلِكَ قَدْ لا يُلازِمُ الوَجاهَةَ بَعْدَ المَوْتِ قالَ: ﴿والآخِرَةِ﴾ ولَمّا كانَتِ الوَجاهَةُ ثَمَّ مُخْتَلِفَةً ذَكَرَ أعْلاها عاطِفًا بِالواوِ إشارَةً إلى تَمَكُّنِهِ في الصِّفاتِ فَقالَ: ﴿ومِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ أيْ عِنْدَ اللَّهِ.

3:46Страница 56

وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلۡمَهۡدِ وَكَهۡلٗا وَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٤٦

Он будет разговаривать с людьми в колыбели и взрослым и станет одним из праведников».

ولَمّا كانَ ذَلِكَ قَدْ لا يَقْتَضِي خَرْقَ العاداتِ قالَ: ﴿ويُكَلِّمُ النّاسَ﴾ أيْ مَن كَلَّمَهُ مِن جَمِيعِ هَذا النَّوْعِ، بِأيِّ لِسانٍ كانَ كَلِمُهُ، حالَ كَوْنِهِ ﴿فِي المَهْدِ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: هو مَوْطِنُ الهُدُوءِ والسُّكُونِ لِلْمُتَحَسِّسِ اللَّطِيفِ الَّذِي يَكُونُ بِذَلِكَ السُّكُونِ والهُدُوِّ قِوامُهُ. انْتَهى.

وبَشَّرَها بِطُولِ حَياتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وكَهْلا﴾ أيْ بَعْدَ نُزُولِهِ مِنَ السَّماءِ في خاتِمَةِ اليَوْمِ المُحَمَّدِيِّ، ويَكُونُ كَلامُهُ في الحالَتَيْنِ كَلامَ الأنْبِياءِ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ. (p-٣٩٩)قالَ الحَرالِّيُّ: والكُهُولَةُ سِنٌّ مِن أسْنانِ أرابِيعِ الإنْسانِ، وتَحْقِيقُ حَدِّهِ أنَّهُ الرُّبُعُ الثّالِثُ المُوتِرُ لِشَفْعِ مُتَقَدِّمِ سِنِيهِ مِنَ الصِّبا والشَّبابِ فَهو خَيْرُ عُمْرِهِ، يَكُونُ فِيمَن عُمْرُهُ ألْفُ شَهْرٍ - بِضْعٌ وثَمانُونَ سَنَةً - مِن حَدِّ نَيِّفٍ وأرْبَعِينَ إلى بِضْعٍ وسِتِّينَ، إذا قُسِّمَ الأرْباعُ لِكُلِّ رُبُعٍ إحْدى وعِشْرُونَ سَنَةً صِبًا، وإحْدى وعِشْرُونَ شَبابًا، وإحْدى وعِشْرُونَ كُهُولَةً، وإحْدى وعِشْرُونَ شُيُوخَةً، فَذَلِكَ بِضْعٌ وثَمانُونَ سَنَةً. انْتَهى. وهَذا تَحْقِيقُ ما اخْتَلَفَ مِن كَلامِ أهْلِ اللُّغَةِ، وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُ الإمامِ أبِي مَنصُورٍ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ أحْمَدَ الثَّعالِبِيِّ في البابِ الرّابِعَ عَشَرَ مِن كِتابِهِ (فِقْهُ اللُّغَةِ): ثُمَّ ما دامَ بَيْنَ الثَّلاثِينَ والأرْبَعِينَ فَهو شابٌّ، ثُمَّ كَهْلٌ إلى أنْ يَسْتَوْفِيَ السِّتِّينَ؛ ويُقالُ: شابَ الرَّجُلُ، ثُمَّ شَمِطَ، ثُمَّ شاخَ، ثُمَّ كَبُرَ. انْتَهى. والكَهْلُ - قالَ أهْلُ اللُّغَةِ - مَأْخُوذٌ مِنِ: اكْتَهَلَ النَّباتُ - إذا تَمَّ طُولُهُ قَبْلَ أنْ يَهِيجَ، وكَلامُ الفُقَهاءِ لا يُخالِفُهُ، فَإنَّ مَبْناهُ العُرْفُ، فالنَّصُّ عَلى كُهُولَتِهِ إشارَةٌ لِأُمِّهِ بِأنَّهُ مَمْنُوعٌ مِن أعْدائِهِ إذا قَصَدُوهُ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ دَعْواهم لِصَلْبِهِ كاذِبَةٌ. (p-٤٠٠)ولَمّا كانَتْ رُتْبَةُ الصَّلاحِ في غايَةِ العَظَمَةِ قالَ مُشِيرًا إلى عُلُوِّ مِقْدارِها: ﴿ومِنَ الصّالِحِينَ﴾ ومُعْلِمًا بِأنَّها مُحِيطَةٌ بِأمْرِهِ، شامِلَةٌ لِآخِرِ عُمْرِهِ، كَما كانَتْ مُقارِنَةً لِأوَّلِهِ،

3:47Страница 56

قَالَتۡ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٞ وَلَمۡ يَمۡسَسۡنِي بَشَرٞۖ قَالَ كَذَٰلِكِ ٱللَّهُ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٤٧

Она сказала: «Господи! Как я могу иметь сына, если меня не касался ни один мужчина». Он сказал: «Так Аллах творит, что пожелает! Когда Он принимает решение, то Ему стоит лишь сказать: «Будь!» - как это сбывается.

وكَأنَّها لَمّا سَمِعَتْ ذَلِكَ امْتَلَأتْ تَعَجُّبًا فاسْتَخَفَّها ذَلِكَ إلى الِاسْتِعْجالِ بِالسُّؤالِ قَبْلَ إكْمالِ المَقالِ بِأنْ ﴿قالَتْ رَبِّ﴾ أيُّها المُحْسِنُ إلَيَّ ﴿أنّى﴾ أيْ مِن أيْنَ وكَيْفَ ﴿يَكُونُ لِي﴾ ولَمّا كانَ اسْتِبْعادُها لِمُطْلَقِ الحَبَلِ، لا بِقَيْدِ كَوْنِهِ ذَكَرًا كَما في قِصَّةِ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ قالَتْ ﴿ولَدٌ﴾ وقالَتْ: ﴿ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ لِفَهْمِها ذَلِكَ مِن نِسْبَتِهِ إلَيْها فَقَطْ. قالَ الحَرالِّيُّ: والبَشَرُ هو اسْمُ المَشْهُودِ مِنَ الآدَمِيِّ في جُمْلَتِهِ بِمَنزِلَةِ الوَجْهِ في أعْلى قامَتِهِ، مِن مَعْنى البَشَرَةِ، وهو ظاهِرُ الجِلْدِ انْتَهى (ولَعَلَّ هَذا الكَلامَ خَطَرَ لَها ولَمْ تَلْفِظْ بِهِ فَعَلِمَ المَلَكُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ شَغَلَ فِكْرَها فَأجابَها عَنْهُ لِتَفْرِيغِ الفَهْمِ بِأنْ ﴿قالَ كَذَلِكِ﴾ أيْ مِثْلِ هَذا الفِعْلِ العَظِيمِ الشَّأْنِ العالِي الرُّتْبَةِ يَكُونُ ما بَشَّرْتُكِ بِهِ) ولَمّا كانَ اسْتِبْعادُها لِمُطْلَقِ التَّكْوِينِ مِن (p-٤٠١)غَيْرِ سَبَبٍ أصْلًا عَبَّرَ في تَعْلِيلِ ذَلِكَ بِالخَلْقِ فَقالَ: ﴿اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْظَمُ الَّذِي لا اعْتِراضَ عَلَيْهِ ﴿يَخْلُقُ﴾ أيْ يُقَدِّرُ ويَصْنَعُ ويَخْتَرِعُ ﴿ما يَشاءُ﴾ فَعَبَّرَ بِالخَلْقِ إشارَةً إلى أنَّ العَجَبَ فِيهِ لا في مُطْلَقِ الفِعْلِ كَما في يَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن جَعْلِ الشَّيْخِ كالشّابِّ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِما بَيَّنَ سُهُولَتَهُ فَقالَ: ﴿إذا قَضى أمْرًا﴾ أيْ جَلَّ أوْ قَلَّ ﴿فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ بَيانًا لِلْكَلِمَةِ،

3:48Страница 56

وَيُعَلِّمُهُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ ٤٨

Он научит его Писанию и мудрости, Таурату (Торе) и Инджилу (Евангелию).

فَلَمّا أجابَها عَمّا شَغَلَ قَلْبَها مِنَ العَجَبِ فَتَفَرَّغَ الفَهْمُ أخَذَ في إكْمالِ المَقالِ بِقَوْلِهِ عَطْفًا عَلى ﴿ويُكَلِّمُ النّاسَ﴾ [آل عمران: ٤٦] بِالياءِ كَما قَبْلَهُ في قِراءَةِ نافِعٍ وعاصِمٍ، وبِالنُّونِ في قِراءَةِ الباقِينَ نَظَرًا إلى العَظَمَةِ إظْهارًا لِعَظَمَةِ العِلْمِ: ﴿ويُعَلِّمُهُ﴾ أوْ يَكُونُ مُسْتَأْنَفًا فَيُعْطَفُ عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَنَخْلُقُهُ كَذَلِكَ ونُعَلِّمُهُ ﴿الكِتابَ﴾ أيِ الكِتابَةَ أوْ جِنْسَ الكِتابِ فَيَشْمَلُ ذَلِكَ مَعْرِفَةَ الكِتابِ وحِفْظَهُ وفَهْمَهُ وغَيْرَ ذَلِكَ مِن أمْرِهِ ﴿والحِكْمَةَ﴾ أيِ العُلُومَ الإلَهِيَّةَ (p-٤٠٢)لِتُفِيدَهُ تَهْذِيبَ الأخْلاقِ فَيَفِيضُ عَلَيْهِ قَوْلُ الحَقِّ وفِعْلُهُ عَلى أحْكَمِ الوُجُوهِ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى نَقْضِ شَيْءٍ مِمّا يُبْرِمُهُ.

ولَمّا وصَفَهُ بِالعُلُومِ النَّظَرِيَّةِ والعَمَلِيَّةِ فَصارَ مُتَأهِّلًا لِأسْرارِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ قالَ: ﴿والتَّوْراةَ﴾ أيِ الَّتِي تَعْرِفِينَها ﴿والإنْجِيلَ﴾ بِإنْزالِهِ عَلَيْهِ تالِيًا لَهُما، وتَأْخِيرُهُ في الذِّكْرِ يُفِيدُ تَعْظِيمَهُ بِأنَّ ما قَبْلَهُ مُقَدِّماتٌ لِتَلَقِّيهِ، ولا يَصِحُّ عَطْفُهُ عَلى: فَيَكُونُ، لِأنَّهُ في حَيِّزِ الشَّرْطِ فَيَقْتَضِي اتِّصافَ كُلِّ مَقْضِيٍّ بِهَذِهِ الأوْصافِ كُلِّها.

3:49Страница 56

وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَنِّي قَدۡ جِئۡتُكُم بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ أَنِّيٓ أَخۡلُقُ لَكُم مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيۡـَٔةِ ٱلطَّيۡرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيۡرَۢا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۖ وَأُبۡرِئُ ٱلۡأَكۡمَهَ وَٱلۡأَبۡرَصَ وَأُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۖ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأۡكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٤٩

Он сделает его посланником к сынам Исраила (Израиля). Он скажет: «Я принес вам знамение от вашего Господа. Я сотворю вам из глины подобие птицы, подую на него, и оно станет птицей с позволения Аллаха. Я исцелю слепого (или лишенного зрения от рождения; или обладающего слабым зрением) и прокаженного и оживлю мертвых с позволения Аллаха. Я поведаю вам о том, что вы едите и что припасаете в своих домах. Воистину, в этом есть знамение для вас, если только вы являетесь верующими.

ولَمّا ذَكَرَ الكِتابَ المُنَزَّلَ عَلَيْهِ حَسُنَ ذِكْرُ الرِّسالَةِ فَقالَ بَعْدَ ما أفادَ عَظَمَتَها بِجَعْلِهِ ما مَضى مُقَدِّماتٍ لَها: ﴿ورَسُولا﴾ عَطْفًا عَلى ”تالِيًا“ المُقَدَّرِ، أوْ يُنْصَبُ بِتَقْدِيرِ: يَجْعَلُهُ ﴿إلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ بِالإنْجِيلِ. ولَمّا كانَ ذِكْرُ الرِّسالَةِ مُوجِبًا لِتَوَقُّعِ الآيَةِ دَلالَةً عَلى صِحَّتِها، وكانَ مِن شَأْنِ الرَّسُولِ مُخاطَبَةُ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ وإقْبالُهُ بِجَمِيعِ رِسالَتِهِ عَلَيْهِمْ أتْبَعَهُ بِبَيانِ الرِّسالَةِ مَقْرُونًا بِحَرْفِ التَّوَقُّعِ فَقالَ: ﴿أنِّي﴾ أيْ ذاكِرًا أنِّي ﴿قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيِ الَّذِي طالَ إحْسانُهُ إلَيْكُمْ، ثُمَّ أبْدَلَ مِن ”آيَةٍ“ ﴿أنِّي أخْلُقُ لَكُمْ﴾ أيْ لِأجْلِ تَرْبِيَتِكم بِصَنائِعِ اللَّهِ (p-٤٠٣)﴿مِنَ الطِّينِ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: هو مُتَخَمِّرُ الماءِ والتُّرابِ حَيْثُ يَصِيرُ مُتَهَيِّئًا لِقَبُولِ وقْعِ الصُّورَةِ فِيهِ ﴿كَهَيْئَةِ﴾ وهي كَيْفِيَّةُ وضْعِ أعْضاءِ الصُّورَةِ بَعْضِها مِن بَعْضٍ الَّتِي يُدْرِكُها ظاهِرُ الحِسِّ - انْتَهى وهي الصُّورَةُ المُتَهَيِّئَةُ لِما يُرادُ مِنها ﴿الطَّيْرِ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ احْتِياجَهُ في إحْيائِهِ إلى مُعالَجَةٍ بِقَوْلِهِ مُعْقِبًا لِلتَّصْوِيرِ: ﴿فَأنْفُخُ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ النَّفْخِ، وهو إرْسالُ الهَواءِ مِن مُنْبَعَثِهِ بِقُوَّةٍ انْتَهى.

﴿فِيهِ﴾ أيْ في ذَلِكَ الَّذِي هو مِثْلُ الهَيْئَةِ ﴿فَيَكُونُ طَيْرًا﴾ أيْ طائِرًا بِالفِعْلِ - كَما في قِراءَةِ نافِعٍ، وذَكَرَ المُعالَجَةَ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّهُ خالِقٌ حَقِيقَةً، ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ إزالَةً لِجَمِيعِ الشُّبَهِ بِقَوْلِهِ: ﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ بِتَمْكِينِ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ، لَهُ رُوحٌ كامِلٌ لِحَمْلِهِ في الهَواءِ تَذْكِيرًا بِخَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن تُرابٍ، وإشارَةً إلى أنَّ هَذا أعْجَبُ مِن خَلْقِ آدَمِيٍّ مِن أُنْثى فَقَطْ فَلا تَهْلِكُوا في ذَلِكَ.

ولَمّا ذَكَرَ ما يُشْبِهُ أمْرَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أتْبَعَهُ عِلاجَ أجْسادِ أوْلادِهِ بِما يَرُدُّها إلى مُعْتادِها بِما يُعْجِزُ أهْلَ زَمانِهِ، وكانَ الغالِبُ عَلَيْهِمُ الطِّبَّ وبَدَأ بِأجْزائِها فَقالَ: ﴿وأُبْرِئُ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ الإبْراءِ (p-٤٠٤)وهُوَ تَمامُ التَّخَلُّصِ مِنَ الدّاءِ، والدّاءُ ما يُوهِنُ القُوى ويُغَيِّرُ الأفْعالَ العامَّةَ لِلطَّبْعِ والِاخْتِيارِ. انْتَهى.

﴿الأكْمَهَ والأبْرَصَ﴾ بِإيجادِ ما فُقِدَ مِنها مِنَ الرُّوحِ المَعْنَوِيِّ؛ والكَمَهُ - قالَ الحَرالِّيُّ - ذَهابُ البَصَرِ في أصْلِ الخِلْقَةِ كالَّذِي يُولَدُ أعْمى أوْ يَعْمى قَبْلَ أنْ يُمَيِّزَ الأشْياءَ أوْ يُدْرِكَها. والبَرَصُ أصْلُ مَعْناهُ: تَلَمُّعُ الشَّيْءِ بِلَمْعٍ خِلافَ ما هو عَلَيْهِ، ومِنهُ بِراصُ الأرْضِ - لِبُقَعٍ لا نَبْتَ فِيها، ومِنهُ البَرِيصُ في مَعْنى البَصِيصِ، فَما تَلَمَّعَ مِنَ الجِلْدِ عَلى غَيْرِ حالِهِ فَهو لِذَلِكَ بَرَصٌ وقالَ الحَرالِّيُّ: البَرَصُ عِبارَةٌ عَنْ سُوءِ مِزاجٍ يَحْصُلُ بِسَبَبِهِ تَكَرُّجٌ، أيْ فَسادُ بَلْغَمٍ يُضْعِفُ القُوَّةَ المُغَيِّرَةَ عَنْ إحالَتِهِ إلى لَوْنِ الجَسَدِ. انْتَهى.

ولَمّا فَرَغَ مِن رَدِّ الأرْواحِ إلى أجْزاءِ الجِسْمِ أتْبَعَهُ رَدَّ الرُّوحِ الكامِلَ في جَمِيعِهِ المُحَقِّقَ لِأمْرِ البَعْثِ المُصَوِّرَ لَهُ بِإخْراجِهِ مِن عالَمِ الغَيْبِ إلى عالَمِ الشَّهادَةِ في بَعْضِ الآدَمِيِّينَ فَقالَ: ﴿وأُحْيِي المَوْتى﴾ أيْ بِرَدِّ أرْواحِهِمْ إلى أشْباحِهِمْ، بَعْضُهم بِالفِعْلِ وبَعْضُهم بِالقُوَّةِ، لِأنَّ الَّذِي أقْدَرَنِي عَلى البَعْضِ قادِرٌ عَلى ذَلِكَ في الكُلِّ، وقَدْ أعْطانِي قُوَّةَ ذَلِكَ، (p-٤٠٥)وهَذا كَما نَقَلَ القُضاعِيُّ أنَّ الحَسَنَ قالَ: «أتى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ أنَّهُ طَرَحَ بُنَيَّةً لَهُ في وادِي كَذا، فَمَضى مَعَهُ إلى الوادِي وناداها بِاسْمِها: يا فُلانَةُ! أجِيبِي بِإذْنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى! فَخَرَجَتْ وهي تَقُولُ: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ! فَقالَ لَها: إنَّ أبَوَيْكِ قَدْ أسْلَما فَإنْ أحْبَبْتِ أرُدُّكِ إلَيْهِما، فَقالَتْ: لا حاجَةَ لِي بِهِما، وجَدْتُ اللَّهَ خَيْرًا لِي مِنهُما» وقَدْ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ عِنْدَ ﴿أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾ [البقرة: ٢٦٠] ما يَنْفَعُ هُنا، وقِصَّةُ قَتادَةَ بْنِ دِعامَةٍ في رَدِّهِ ﷺ عَيْنَهُ بَعْدَ أنْ أصابَها سَهْمٌ فَسالَتْ عَلى خَدِّهِ، فَصارَتْ أحْسَنَ مِن أُخْتِها شَهِيرَةٌ، وقِصَّةُ أُوَيْسٍ القَرْنِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في إبْراءِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لَهُ مِنَ البَرَصِ بِبِرِّهِ لِأُمِّهِ كَذَلِكَ.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ مِن أمْرِ الإحْياءِ الَّذِي هو مِن خَواصِّ الإلَهِيَّةِ وأبْطَنِ آياتِ المَلَكُوتِيَّةِ رُبَّما أوْرَثَ لَبْسًا في أمْرِ الإلَهِ تَبَرَّأ مِنهُ ورَدَّهُ إلى مَن هو لَهُ، مُزِيلًا لِلَّبْسِ ومُوَضِّحًا لِلْأمْرِ فَقالَ مُكَرِّرًا لِما قَدَّمَهُ في مِثْلِهِ مُعَبِّرًا بِما يَدُلُّ عَلى عِظَمِهِ: ﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ بِعِلْمِهِ وتَمْكِينِهِ، (p-٤٠٦)ثُمَّ أتْبَعَهُ ما هو مِن جِنْسِهِ في الإخْراجِ مِن عالَمِ الغَيْبِ إلى عالَمِ الشَّهادَةِ فَقالَ: ﴿وأُنَبِّئُكُمْ﴾ أيْ مِنَ الأخْبارِ الجَلِيلَةِ مِن عالَمِ الغَيْبِ ﴿بِما تَأْكُلُونَ﴾ أيْ مِمّا لَمْ أُشاهِدْهُ، بَلْ تَقْطَعُونَ بِأنِّي كُنْتُ غائِبًا عَنْهُ ﴿وما تَدَّخِرُونَ﴾ ولَمّا كانَ مَسْكَنُ الإنْسانِ أعَزَّ البُيُوتِ عِنْدَهُ وأخْفى لِما يُرِيدُ أنْ يُخْفِيَهُ قالَ: ﴿فِي بُيُوتِكُمْ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ الادِّخارِ: افْتِعالٌ مِنَ الدُّخْرَةِ، قُلِبَ حَرْفاهُ الدّالُ لِتَوَسُّطِ الدّالِ بَيْنَ تَطَرُّفِهِما في مُتَقابِلَيْ حالِهِما؛ والدُّخْرَةُ ما اعْتُنِيَ بِالتَّمَسُّكِ بِهِ عُدَّةً لِما شَأْنُهُ أنْ يُحْتاجَ إلَيْهِ فِيهِ، فَما كانَ لِصَلاحٍ خاصَّةِ الماسِكِ فَهو ادِّخارٌ، وما كانَتْ لِتُكْسَبَ فِيما يَكُونُ مِنَ القِوامِ فَهو احْتِكارٌ. انْتَهى.

ولَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الخَوارِقَ نَبَّهَ عَلى أمْرِها بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرِ العَظِيمِ ﴿لآيَةً لَكُمْ﴾ أيْ أيُّها المُشاهِدُونَ عَلى أنِّي عَبْدُ اللَّهِ ومُصْطَفاهُ، فَلا تَهْلِكُوا في تَكْوِينِي مِن أُنْثى فَقَطْ فَتُطْرُونِي، فَإنِّي لَمْ أعْمَلْ شَيْئًا مِنها إلّا ناسِبًا لَهُ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وصانِعًا فِيهِ ما يُؤْذِنُ بِالحاجَةِ المُنافِيَةِ لِلْإلَهِيَّةِ ولَوْ بِالدُّعاءِ، وأفْرَدَ كافَ الخِطابِ أوَّلًا لِكَوْنِ ما عَدَّهُ ظاهِرًا لِكُلِّ أحَدٍ عَلى انْفِرادِهِ أنَّهُ آيَةٌ لِجَمِيعِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ، وكَذا (p-٤٠٧)جَمَعَ ثانِيًا قَطْعًا لِتَعَنُّتِ مَن قَدْ يَقُولُ: إنَّها لا تَدُلُّ إلّا بِاجْتِماعِ أنْظارِ جَمِيعِهِمْ - لَوْ جَمَعَ الأوَّلَ، وإنَّها لَيْسَتْ آيَةً لِكُلِّهِمْ بَلْ لِواحِدٍ مِنهم - لَوْ وحَّدَ في الثّانِي، ولَمّا كانَتِ الآياتُ لا تَنْفَعُ مَعَ المُعانَداتِ قالَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ مُذْعِنِينَ بِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى قادِرٌ عَلى ما يُرِيدُ، وأهْلًا لِتَصْدِيقِ ما يَنْبَغِي التَّصْدِيقُ بِهِ.

3:50Страница 56

وَمُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعۡضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيۡكُمۡۚ وَجِئۡتُكُم بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ٥٠

Я пришел, чтобы подтвердить истинность того, что было в Таурате (Торе) до меня, и чтобы разрешить вам часть того, что было вам запрещено. Я принес вам знамение от вашего Господа. Бойтесь же Аллаха и повинуйтесь мне.

ولَمّا كانَ تَرْجَمَةُ ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩] آتِيًا إلَيْكم بِآيَةِ كَذا، مُصَدِّقًا بِها لِما أتَيْتُ بِهِ، عَطَفَ عَلى الحالِ المُقَدَّرِ مِنهُ تَأْكِيدًا لِأنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ قَوْلَهُ: ﴿ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ﴾ أيْ كانَ قَبْلَ إتْيانِي إلَيْكم ﴿مِنَ التَّوْراةِ﴾ أيِ المُنْزَلَةِ عَلى أخِي مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، لِأنَّ القَبْلِيَّةَ تَقْتَضِي العَدَمَ الَّذِي هو صِفَةُ المَخْلُوقِ؛ أوْ يُعْطَفُ عَلى ﴿بِآيَةٍ﴾ إذا جَعَلْنا الباءَ لِلْحالِ، لا لِلتَّعْدِيَةِ، أيْ وجِئْتُكم مَصْحُوبًا بِآيَةٍ ومُصَدِّقًا.

ولَمّا ذَكَرَ التَّوْراةَ أتْبَعَها ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ كَمَن بَيْنَهُ وبَيْنَ مُوسى مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ في إقْرارِها كُلِّها عَلى (p-٤٠٨)ما هي عَلَيْهِ وتَحْدِيدِ أمْرِها عَلى ما كانَ زَمَنَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَلْ هو مَعَ تَصْدِيقِها يَنْسَخُ بَعْضَها فَقالَ: ﴿ولأُحِلَّ﴾ أيْ صَدَّقْتُها لِأحُثَّكم عَلى العَمَلِ بِها ولِأُحِلَّ ﴿لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ فِيها تَخْفِيفًا عَلَيْكم ﴿وجِئْتُكُمْ﴾ الآيَةُ لَيْسَ مُكَرَّرًا لِتَأْكِيدِ: ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم أنِّي أخْلُقُ لَكم مِنَ الطِّينِ﴾ [آل عمران: ٤٩] عَلى ما تُوُهِّمَ، بَلِ المَعْنى - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ - أنَّ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا أتاهم بِهَذِهِ الخَوارِقِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها إحْياءُ المَوْتى، وكانَ مِنَ المُقَرَّرِ عِنْدَهم - كَما ورَدَ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ - التَّحْذِيرُ مِنَ الدَّجّالِ، وكانَ مِنَ المَعْلُومِ مِن حالِهِ أنَّهُ يَأْتِي بِخَوارِقَ، مِنها إحْياءُ مَيِّتٍ ويَدَّعِي الإلَهِيَّةَ، كانَ مِنَ الجائِزِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِشُبْهَةٍ تَعْرِضُ لِبَعْضِ النّاسِ، فَخَتَمَ هَذا الدَّلِيلَ عَلى رِسالَتِهِ بِما هو البُرْهانُ الأعْظَمُ عَلى عُبُودِيَّتِهِ، وذَلِكَ مُطابَقَتُهُ لِما دَعا إلَيْهِ الأنْبِياءُ والمُرْسَلُونَ كُلُّهم مِن إخْلاصِ العِبادَةِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى فَقالَ: وجِئْتُكم ﴿بِآيَةٍ﴾ أيْ عَظِيمَةٍ خارِقَةٍ لِلْعادَةِ ﴿مِنَ﴾ عِنْدِ ﴿رَبِّكُمْ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكم بَعْدَ التَّفَرُّدِ بِخَلْقِكُمْ، وهي أجَلُّ الأماراتِ وأدَلُّها عَلى صِدْقِي في رِسالَتِي، هو عَدَمُ تُهْمَتِي بِوُقُوعِ شُبْهَةٍ في عُبُودِيَّتِي. (p-٤٠٩)ولَمّا تَقَرَّرَ بِذِكْرِ الآيَةِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ مَعَ ما أفادَتْهُ مِن تَأْسِيسِ التَّفْصِيلِ لِأنْواعِ الآياتِ تَأْكِيدُ رِسالَتِهِ تَلْطِيفًا لِطِباعِهِمُ الكَثِيفَةِ، فَيَنْقَطِعُ مِنها ما كانَتْ ألِفَتْهُ في الأزْمانِ المُتَطاوِلَةِ مِنَ العَوائِدِ الباطِلَةِ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ ما يُصَرِّحُ بِعُبُودِيَّتِهِ أيْضًا فَقالَ مُبادِرًا لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الأدَبَ مَعَ المُحْسِنِ آكَدُ والخَوْفَ مِنهُ أحَقُّ وأوْجَبُ لِئَلّا يَقْطَعَ إحْسانَهُ ويُبَدِّلَ امْتِنانَهُ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿وأطِيعُونِ﴾ أيْ في قَبُولِها فَإنَّ التَّقْوى مُسْتَلْزِمَةٌ لِطاعَةِ الرَّسُولِ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English