Аль-БикаиАр‑Рум · 30:21–29

Аль-Бикаи · Тафсир · на арабском

Ар-Рум 30:21–29

30:21Страница 406

وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا لِّتَسۡكُنُوٓاْ إِلَيۡهَا وَجَعَلَ بَيۡنَكُم مَّوَدَّةٗ وَرَحۡمَةًۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ٢١

Среди Его знамений - то, что Он сотворил из вас самих жен для вас, чтобы вы находили в них успокоение, и установил между вами любовь и милосердие. Воистину, в этом - знамения для людей размышляющих.

ولَمّا كانَ أعْجَبَ مِن ذَلِكَ أنَّ هَذا الَّذِي خَلَقَهُ التُّرابَ ذَكَرًا خَلَقَ مِنهُ أُنْثى، وجَعَلَهُما شَبَهِي السَّماءِ والأرْضِ ماءً ونَبْتًا وطَهارَةً وفَضْلًا، قالَ: ﴿ومِن آياتِهِ﴾ أيْ عَلى ذَلِكَ؛ ولَمّا كانَ إيجادُ الأُنْثى مِنَ الذَّكَرِ خاصَّةً لَمْ يَكُنْ إلّا مَرَّةً واحِدَةً كالخَلْقِ مِنَ التُّرابِ، عَبَّرَ بِالماضِي فَقالَ: ﴿أنْ خَلَقَ لَكُمْ﴾ أيْ لِأجْلِكم لِيَبْقى نَوْعُكم بِالتَّوالُدِ، وفي تَقْدِيمِ الجارِّ دَلالَةٌ عَلى حُرْمَةِ التَّزَوُّجِ مِن غَيْرِ النَّوْعِ، والتَّعْبِيرُ بِالنَّفْسِ أظْهَرُ في كَوْنِها مِن بَدَنِ الرَّجُلِ في قَوْلِهِ: ﴿مِن أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ جِنْسِكم بَعْدَ إيجادِها مِن (p-٦٧)ذاتِ أبِيكم آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿أزْواجًا﴾ إناثًا هُنَّ شَفْعٌ لَكم ﴿لِتَسْكُنُوا﴾ مائِلِينَ ﴿إلَيْها﴾ بِالشَّهْوَةِ والأُلْفَةِ، مِن قَوْلِهِمْ: سَكَنَ إلَيْهِ - إذا مالَ وانْقَطَعَ واطْمَأنَّ إلَيْهِ، ولَمْ يَجْعَلْها مِن غَيْرِ جِنْسِكم لِئَلّا تَنْفِرُوا مِنها.

ولَمّا كانَ المَقْصُودُ بِالسَّكَنِ لا يَنْتَظِمُ إلّا بِدَوامِ الأُلْفَةِ قالَ: ﴿وجَعَلَ﴾ أيْ صَيَّرَ بِسَبَبِ الخَلْقِ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ ﴿بَيْنَكم مَوَدَّةً﴾ أيْ مَعْنًى مِنَ المَعانِي يُوجِبُ أنْ لا يُحِبَّ واحِدٌ مِنَ الزَّوْجَيْنِ أنْ يَصِلَ إلى صاحِبِهِ شَيْءٌ يَكْرَهُهُ مَعَ ما طُبِعَ عَلَيْهِ الإنْسانُ مِن مَحَبَّةِ الأذى، وإنَّما كانَ هَذا مَعْناهُ لِأنَّ مادَّةَ ”ودَدَ“ مُسْتَوِيًا ومَقْلُوبًا تَدُورُ عَلى الِاتِّساعِ والخُلُوِّ مِنَ الدَّوِّ والدَّوِيَّةِ بِتَشْدِيدِ الواوِ وهي الفَلاةُ، والوُدُّ والوَدادُ [قالَ في القامُوسِ: الحُبُّ]، وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ القَزّازُ ونَقَلَهُ عَنْهُ الإمامُ عَبْدُ الحَقِّ في واعِيهِ: الأُمْنِيَّةُ، تَقُولُ ودِدْتُ أنَّ ذاكَ كانَ، وذاكَ لِاتِّساعِ مَذاهِبِ الأمانِيِّ، وتَشَعُّبِ أوْدِيَةِ الحُبِّ، [وفِي القامُوسِ]: ودانَ: قَرْيَةٌ قُرْبَ الأبْواءِ وجَبَلٌ طَوِيلٌ قُرْبَ فَيَدٍ، والمَوَدَّةُ: الكِتابُ - لِاتِّساعِ الكَلامِ فِيهِ. وقالَ الإمامُ أبُو الحَسَنِ الحَرالِيُّ في شَرْحِ الأسْماءِ الحُسْنى: الوُدُّ خُلُوٌّ [عَنْ] إرادَةِ المَكْرُوهِ، فَإذا حَصَلَ إرادَةُ الخَيْرِ وإيثارُهُ (p-٦٨)كانَ حُبًّا، مَن لَمْ يُرِدْ سِواهُ فَقَدْ ودَّ ومَن أرادَ خَيْرًا فَقَدْ أحَبَّ، والوُدُّ أوَّلُ التَّخَلُّصِ مِن داءِ أثَرِ الدُّنْيا بِما يَتَوَلَّدُ لِطُلّابِها مِنَ الِازْدِحامِ عَلَيْها مِنَ الغِلِّ والشَّحْناءِ، وذَلِكَ ظُهُورٌ لِما يَتَهَيَّأُ لَهُ مِن طَيِّبِ الحُبِّ، فَمَن ودَّ لا يُقاطِعْ، ومَن أحَبَّ واصَلَ وآثَرَ، والوَدُودُ هو المُبَرَّأُ مِن جَمِيعِ جِهاتِ مَداخِلِ السُّوءِ ظاهِرِهِ وباطِنِهِ.

ولَمّا كانَ هَذا المَعْنى الحَسَنُ لا يَتِمُّ إلّا بِإرادَةِ الخَيْرِ قالَ: ﴿ورَحْمَةً﴾ أيْ [مَعْنًى] يَحْمِلُ كُلًّا عَلى أنْ يَجْتَهِدَ لِلْآخَرِ في جَلْبِ الخَيْرِ، ودَفْعِ الضَّيْرِ، لَكِنْ [لَمّا] كانَتْ إرادَةُ الخَيْرِ قَدْ تَكُونُ بِالمَنِّ بِبَعْضِ ما يُكْرَهُ جَمَعَ بَيْنَ الوَصْفَيْنِ، وهُما مِنَ اللَّهِ، والفَرْكُ - وهو البُغْضُ - مِنَ الشَّيْطانِ.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ مِنَ العَظَمَةِ بِمَكانٍ يَجِلُّ عَنِ الوَصْفِ، أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا لِمُعامَلَتِهِمْ لَهُ بِالإعْراضِ عَمّا يَهْدِي إلَيْهِ مُعامَلَةَ مَن يَدَّعِي أنَّهُ جُعِلَ سُدًى مِن غَيْرِ حِكْمَةٍ، مُقَدِّمًا الجارَّ إشارَةً إلى أنَّ دَلالَتَهُ في العِظَمِ بِحَيْثُ تَتَلاشى عِنْدَها كُلُّ آيَةٍ، وكَذا غَيْرُهُ مِمّا كانَ هَكَذا عَلى نَحْوِ

﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها﴾ [الزخرف: ٤٨] ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيِ الَّذِي تَقَدَّمَ مِن خَلْقِ الأزْواجِ عَلى الحالِ المَذْكُورِ وما يَتْبَعُهُ مِنَ المَنافِعِ ﴿لآياتٍ﴾ أيْ دَلالاتٍ واضِحاتٍ عَلى قُدْرَةِ فاعِلِهِ وحِكْمَتِهِ.

(p-٦٩)ولَمّا كانَ هَذا المَعْنى [مَعَ كَوْنِهِ] دَقِيقًا [يُدْرَكُ بِالتَّأمُّلِ] قالَ: ﴿لِقَوْمٍ﴾ أيْ رِجالٍ أوْ في حُكْمِهِمْ، لَهم قُوَّةٌ وجِدٌّ ونَشاطٌ في القِيامِ بِما يَجْعَلُ إلَيْهِمْ ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾ أيْ يَسْتَعْمِلُونَ أفْكارَهم عَلى القَوانِينِ المُحَرَّرَةِ ويَجْتَهِدُونَ في ذَلِكَ.

30:22Страница 406

وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ خَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفُ أَلۡسِنَتِكُمۡ وَأَلۡوَٰنِكُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّلۡعَٰلِمِينَ ٢٢

Среди Его знамений - сотворение небес и земли и различие ваших языков и цветов. Воистину, в этом - знамения для обладающих знанием.

ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ الذَّكَرَ والأُنْثى، المَخْلُوقَيْنِ مِنَ الأرْضِ، وكانَتِ السَّماءُ كالذِّكْرِ لِلْأرْضِ الَّتِي خُلِقَ مِنها الإنْسانُ، وكانَ خَلْقُهُما مَعَ كَوْنِهِما مَخْلُوقَيْنِ مِن غَيْرِ شَيْءٍ أعْجَبَ مِن خَلْقِهِ فَهو أدَلُّ عَلى القُدْرَةِ، [وكانَ خَلْقُ الأرْضِ الَّتِي هي كالأُنْثى مُتَقَدِّمًا عَلى عَكْسِ ما كانَ في الإنْسانِ]، أتْبَعَهُ ذِكْرَهُما بادِئًا بِما هو كالذِّكْرِ فَقالَ مُشِيرًا - بَعْدَ ما ذَكَرَ مِن آياتِ الأنْفُسِ - إلى آياتِ الآفاقِ: ﴿ومِن آياتِهِ﴾ أيِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ، ولَمّا كانَ مِنَ العَجَبِ إيجادُ الخافِقَيْنِ مِنَ العَدَمِ إيجادًا مُسْتَمِرًّا عَلى حالَةٍ واحِدَةٍ، عَبَّرَ بِالمَصْدَرِ فَقالَ: ﴿خَلْقُ السَّماواتِ﴾ عَلى عُلُوِّها وإحْكامِها ﴿والأرْضِ﴾ عَلى اتِّساعِها وإتْقانِها.

ولَمّا كانَ مِنَ النّاسِ مَن يَنْسُبُ الخَلْقَ إلى الطَّبِيعَةِ، قالَ تَعالى ذاكِرًا مِن صِفاتِ الأنْفُسِ ما يُبْطِلُ تَأْثِيرَ الآفاقِ بِأنْفُسِها مِن غَيْرِ خَلْقِهِ وتَقْدِيرِهِ، وتَكْوِينِهِ وتَدْبِيرِهِ: ﴿واخْتِلافُ ألْسِنَتِكُمْ﴾ أيْ لُغاتِكم ونَغَماتِكم وهَيْئاتِها، فَلا تَكادُ تَسْمَعُ مَنطِقَيْنِ مُتَّفِقَيْنِ في هَمْسٍ ولا جَهارَةٍ، لا حَدَّ ولا رَخاوَةَ، (p-٧٠)ولا لُكْنَةَ ولا فَصاحَةَ، ولا إسْهابَ ولا وجازَةَ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن صِفاتِ النُّطْقِ وأحْوالِهِ، ونُعُوتِهِ وأشْكالِهِ، وأنْتُمْ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ، فَلَوْ كانَ الحُكْمُ لِلطَّبِيعَةِ لَمْ يَخْتَلِفْ لِأنَّهُ لا اخْتِيارَ لَها مَعَ أنَّ نِسْبَةَ الكُلِّ إلَيْها واحِدَةٌ.

ولَمّا كانَ لَوْنُ السَّماءِ واحِدًا، وألْوانُ الأراضِي يُمْكِنُ حَصْرُها، قالَ: ﴿وألْوانِكُمْ﴾ أيِ اخْتِلافًا مَعَ تَفاوُتِهِ وتَقارُبِهِ لا ضَبْطَ لَهُ مَعَ وحْدَةِ النِّسْبَةِ، ولَوْلا هَذا الِاخْتِلافُ ما وقَعَ التَّعارُفُ، ولَضاعَتِ المَصالِحُ، وفاتَتِ المَنافِعُ، وطَوى سُبْحانَهُ ذِكْرَ الصُّوَرِ لِاخْتِلافِ صُوَرِ النُّجُومِ بِاخْتِلافِ أشْكالِها، والأراضِي بِمَقادِيرِ الجِبالِ والرَّوابِي وأحْوالِها، فَلَوْ كانَ الِاخْتِلافُ لِأجْلِ الطَّبِيعَةِ فَإمّا أنْ يَكُونَ بِالنَّظَرِ إلى السَّماءِ أوْ إلى الأرْضِ، فَإنْ كانَ لِلسَّماءِ فَلَوْنُها واحِدٌ، وإنْ كانَ لِلْأرْضِ فَلَوْنُ أهْلِ كُلِّ قُطْرٍ غَيْرُ مُناسِبٍ لِلَوْنِ أرْضِهِمْ. وأمّا الألْسِنَةُ فَأمْرُها أظْهَرُ.

ولَمّا كانَ هَذا مَعَ كَوْنِهِ في غايَةِ الوُضُوحِ لا يَخْتَصُّ بِجِنْسٍ مِنَ الخَلْقِ دُونَ غَيْرِهِ قالَ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ العَظِيمُ العالِي الرُّتْبَةِ في بَيانِهِ وظُهُورِ بُرْهانِهِ ﴿لآياتٍ﴾ أيْ دَلالاتٍ عِدَّةً واضِحَةً جِدًّا عَلى وحْدانِيَّتِهِ تَعالى وفِعْلِهِ بِالِاخْتِيارِ وبُطْلانِ ما يَقُولُهُ أصْحابُ الطَّبائِعِ مِن تِلْكَ الِاحْتِمالاتِ الَّتِي هي مَعَ خَفائِها واهِيَةٌ، ومَعَ بُعْدِها مُضْمَحِلَّةٌ مُتَلاشِيَةٌ (p-٧١)﴿لِلْعالِمِينَ﴾ كُلِّهِمْ لا يَخْتَصُّ بِهِ صِنْفٌ مِنهم دُونَ آخَرَ مَن جِنٍّ ولا إنْسٍ ولا غَيْرِهِمْ، وفي رِوايَةِ حَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِ اللّامِ حَثٌّ لِلْمُخاطَبِينَ عَلى النَّظَرِ لِيَكُونُوا مِن أهْلِ العِلْمِ، وفي قِراءَةِ الباقِينَ بِالفَتْحِ إيماءً إلى أنَّ ذَلِكَ مِنَ الوُضُوحِ بِحَيْثُ لَوْ نَطَقَ الجَمادُ لَأخْبَرَ بِمَعْرِفَتِهِ، فَفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهم عَدَمٌ، فَلا تَبْكِيتَ أوْجَعُ مِنهُ.

30:23Страница 406

وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ مَنَامُكُم بِٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱبۡتِغَآؤُكُم مِّن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَسۡمَعُونَ ٢٣

Среди Его знамений - ваш ночной и дневной сон и ваши поиски Его милости. Воистину, в этом - знамения для людей слышащих.

ولَمّا ذَكَرَ المُقِلَّةَ والمُظِلَّةَ ومَن فِيهِما، وبَعْضَ صِفاتِهِمُ اللّازِمَةِ، ذَكَرَ ما يَنْشَأُ عَنْ كُلٍّ مِن ذَلِكَ مِنَ الصِّفاتِ المُفارِقَةِ فَقالَ: ﴿ومِن آياتِهِ﴾ أيْ [عَلى] ذَلِكَ وغَيْرِهِ مِن أنْواعِ القُدْرَةِ والعِلْمِ ﴿مَنامُكُمْ﴾ أيْ نَوْمُكم ومَكانُهُ وزَمانُهُ الَّذِي يَغْلِبُكم بِحَيْثُ لا تَسْتَطِيعُونَ لَهُ دَفْعًا.

ولَمّا كانَ اللَّيْلُ مَحَلَّ السَّكَنِ والرّاحَةِ والنَّوْمِ، ذَكَرَ ما جَعَلَ مِن نَوْمِ النَّهارِ أيْضًا لِأنَّ ذَلِكَ أدَلُّ عَلى الفِعْلِ بِالِاخْتِبارِ فَقالَ: ﴿بِاللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ أيِ النّاشِئَيْنِ عَنِ السَّماواتِ والأرْضِ بِاخْتِلافِ الحَرَكاتِ الَّتِي لا تَنْشَأُ إلّا عَنْ فاعِلٍ مُخْتارٍ وانْقِطاعُكم بِالنَّوْمِ عَنْ مَعاشِكم [وكُلِّ ما يُهِمُّكُمْ] وقِيامُكم بَعْدَ مَنامِكم أمْرًا قَهْرِيًّا لا تَقْدِرُونَ عَلى الِانْفِكاكِ عَنْ واحِدٍ مِنهُما أصْلًا﴿وابْتِغاؤُكُمْ﴾ أيْ طَلَبُكم بِالجِدِّ والِاجْتِهادِ ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ بِالمَعاشِ فِيهِما، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: دَلَّ ذِكْرُ النَّوْمِ عَلى القِيامِ مِنهُ، ودَلَّ (p-٧٢)الِابْتِغاءُ عَلى الِانْقِطاعِ عَنْهُ، حَذَفَ نِهايَةَ الأوَّلِ وبِدايَةَ الثّانِي ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرِ العَظِيمِ العالِي الرُّتْبَةِ مِن إيجادِ النَّوْمِ بَعْدَ النَّشاطِ، والنَّشاطِ بَعْدَ النَّوْمِ الَّذِي هو المَوْتُ الأصْغَرُ، وإيجادِ كُلٍّ مِنَ المَلَوَيْنِ بَعْدَ إعْدامِهِما، والجِدِّ في الِابْتِغاءِ مَعَ المُفاوَتَةِ في التَّحْصِيلِ ﴿لآياتٍ﴾ أيْ عَدِيدَةً عَلى القُدْرَةِ والحِكْمَةِ لا سِيَّما البَعْثُ.

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآياتُ في دَلالَتِها عَلى ما تُشِيرُ إلَيْهِ مِنَ البَعْثِ والفِعْلِ بِالِاخْتِيارِ دَقِيقَةً لا يَسْتَقِلُّ العَقْلُ بِها دُونَ تَوْقِيفٍ مِنَ الدُّعاةِ لِأنَّهُ قَدْ يُسْنَدُ النَّوْمُ والِابْتِغاءُ إلى العِبادِ ولا يَتَجاوَزُ عَنْ ذَلِكَ إلى الخالِقِ إلّا الأفْرادُ مِن خُلَّصِ العِبادَ، وكانَ النّائِمُ يَقُومُ صافِيَ الذِّهْنِ فارِغَ السِّرِّ نَشِيطَ البَدَنِ. قالَ: ﴿لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ أيْ مِنَ الدُّعاةِ النُّصَحاءِ سَماعَ مَنِ انْتَبَهَ مِن نَوْمِهِ فَجِسْمُهُ مُسْتَرِيحٌ نَشِيطٌ وقَلْبُهُ فارِغٌ عَنْ مُكَدِّرٍ لِلنُّصْحِ مانِعٌ مِن قَبُولِهِ، أوِ المَعْنى: لِقَوْمٍ هم أهْلٌ لِلسَّمْعِ بِأنْ يَكُونُوا قَدْ تَنَبَّهُوا مِن رُقادِهِمْ، فَرَجَعُوا عَنْ عِنادِهِمْ، إشارَةً إلى أنَّ مَن لَمْ يَتَأمَّلْ في هَذِهِ الآياتِ فَهو نائِمٌ لا مُسْتَيْقِظٌ. فَهو غَيْرُ مُتَأهِّلٍ لِأنْ يَسْمَعَ.

30:24Страница 406

وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ يُرِيكُمُ ٱلۡبَرۡقَ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَيُحۡيِۦ بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَآۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ٢٤

Среди Его знамений - то, что Он показывает вам молнию, чтобы вызвать у вас страх и надежду, а также ниспосылает с неба воду и оживляет ею землю после ее смерти. Воистину, в этом - знамения для людей разумеющих.

ولَمّا خَتَمَ بِالسَّمْعِ آيَةً جَمَعَتْ آياتِ الأنْفُسِ والآفاقِ لِكَوْنِها [نَشَأتْ مِن أحْوالِ البَشَرِ والخافِقَيْنِ، افْتَتَحَ بِالرُّؤْيَةِ آيَةً أُخْرى جامِعَةً لَهُما لِكَوْنِها ناشِئَةً عَنْهُما مَعَ كَوْنِها] أدُلَّ عَلى المَقْصُودِ جامِعَةً بَيْنَ (p-٧٣)التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ فَقالَ: ﴿ومِن آياتِهِ﴾ ولَمّا كانَ لَمَعانُ البَرْقِ جَدِيرًا بِالتِماعِ البَصَرِ [عِنْدَ] أوَّلِ رُؤْيَةٍ، وكانَ يَتَجَدَّدُ في حِينٍ دُونَ حِينٍ، عَبَّرَ بِالمُضارِعِ حاذِفًا الدّالَّ عَلى إرادَةِ المَصْدَرِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ المُعْجِبِ مِنهُ فَقالَ: ﴿يُرِيكُمُ البَرْقَ﴾ أيْ عَلى هَيْئاتٍ وكَيْفِيّاتٍ طالَما شاهَدْتُمُوها تارَةً تَأْتِي بِما يَضُرُّ وتارَةً بِما يَسُرُّ، ولِذَلِكَ قالَ مُعَبِّرًا بِغايَةِ الإخافَةِ والإطْماعِ لِأنَّ الغاياتِ هي المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ: ﴿خَوْفًا﴾ أيْ لِلْإخافَةِ مِنَ الصَّواعِقِ المُحْرِقَةِ ﴿وطَمَعًا﴾ أيْ ولِلْطَماعِ في المِياهِ الغَدِقَةِ، وعَبَّرَ بِالطَّمَعِ لِعَدَمِ الأسْبابِ المُوصِلَةِ إلَيْهِ.

ولَمّا كانَ البَرْقُ غالِبًا مِنَ المُبَشِّراتِ بِالمَطَرِ، وكانَ ما يَنْشَأُ عَنِ الماءِ أدَلَّ شَيْءٍ عَلى البَعْثِ، أتْبَعَهُ شَرْحَ ما أشارَ إلَيْهِ بِهِ مِنَ الطَّمَعِ فَقالَ: ﴿ويُنَـزِّلُ﴾ ولَمّا كانَ إمْساكُ الماءِ في جِهَةِ العُلُوِّ في غايَةِ الغَرابَةِ، قالَ مُحَقِّقًا لِلْمُرادِ بِالإنْزالِ مِنَ المَوْضِعِ الَّذِي لا يُمْكِنُ لِأحَدٍ غَيْرِهِ دَعْواهُ ﴿مِنَ السَّماءِ ماءً﴾

ولَمّا جَعَلَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ سَبَبًا لِتَعَقُّبِ الحَياةِ قالَ: ﴿فَيُحْيِي بِهِ﴾ أيِ الماءَ النّازِلَ مِنَ السَّماءِ خاصَّةً لِأنَّ أكْثَرَ الأرْضِ لا تُسْقى بِغَيْرِهِ ﴿الأرْضَ﴾ أيْ بِالنَّباتِ الَّذِي هو لَها كالرُّوحِ لِجَسَدِ الإنْسانِ، ولَمّا كانَتِ الأرْضُ لَيْسَ لَها مِن ذاتِها في الإنْباتِ إلّا العَدَمُ، وكانَ إحْياؤُها (p-٧٤)بِهِ مُتَكَرِّرًا، فَكانَ كَأنَّهُ دائِمٌ، [وكانَ ذَلِكَ أنْسَبَ لِمَقْصُودِ السُّورَةِ] حَذَفَ الجارَّ قائِلًا: ﴿بَعْدَ مَوْتِها﴾ أيْ بِيُبْسِهِ وتَهَشُّمِهِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ [أيْ] الأمْرِ العَظِيمِ العالِي القَدْرِ ﴿لآياتٍ﴾ لا سِيَّما عَلى القُدْرَةِ عَلى البَعْثِ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ ظاهِرًا كَوْنُهُ مِنَ اللَّهِ الفاعِلِ بِالِاخْتِيارِ لِوُقُوعِهِ في سَحابٍ دُونَ سَحابٍ وفي وقْتٍ دُونَ آخَرَ وفي بَلَدٍ دُونَ آخَرَ، وعَلى هَيْئاتٍ مِنَ القُوَّةِ والضَّعْفِ والبَرْدِ والحَرِّ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأمْرِ، وكانَ مِنَ الوُضُوحِ في الدَّلالَةِ عَلى البَعْثِ بِمَكانٍ لا يَخْفى عَلى عاقِلٍ قالَ: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾

30:25Страница 407

وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَن تَقُومَ ٱلسَّمَآءُ وَٱلۡأَرۡضُ بِأَمۡرِهِۦۚ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمۡ دَعۡوَةٗ مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ إِذَآ أَنتُمۡ تَخۡرُجُونَ ٢٥

Среди Его знамений - то, что небо и земля держатся по Его воле. Потом Он позовет вас всего один раз, и вы выйдете из могил.

ولَمّا كانَ جَمِيعُ ما مَضى مِنَ الآياتِ المَرْئِيّاتِ ناشِئًا عَنْ هَذَيْنِ الخَلْقَيْنِ العَظِيمَيْنِ المُحِيطَيْنِ بِمَن أُنْزِلَتْ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الآياتُ المَسْمُوعاتُ بَيانًا لِمَن أشْكَلَ عَلَيْهِ أمْرُ الآياتِ المَرْئِيّاتِ، ذَكَرَ أمْرًا جامِعًا لِلْكُلِّ وهو مِنَ الوُضُوحِ بِحَيْثُ لا يَحْتاجُ إلى أكْثَرَ مِنَ العَقْلِ المَخْتُومِ بِهِ ما قَبْلُ فَقالَ: ﴿ومِن آياتِهِ﴾ أيْ عَلى تَمامِ القُدْرَةِ وكَمالِ الحِكْمَةِ.

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الثَّباتِ لا في التَّجَدُّدِ، أتى بِالحَرْفِ الدّالِّ عَلى المَصْرِفِ لِيَسْلَخَ الفِعْلَ عَنِ الِاسْتِقْبالِ، وعَبَّرَ بِالمُضارِعِ لِأنَّهُ لا بُدَّ مِن إخْراجِهِما عَنْ هَذا الوَضْعِ فَقالَ: ﴿أنْ تَقُومَ﴾ أيْ تَبْقى عَلى ما تُشاهِدُونَ مِنَ الأمْرِ العَظِيمِ بِلا عَمَدٍ ﴿السَّماءُ﴾ أفْرَدَ لِأنَّ السَّماءَ الأُولى (p-٧٥)لا تَقْبَلُ النِّزاعَ لِأنَّها مُشاهَدَةٌ مَعَ صَلاحِيَّةِ اللَّفْظِ لِلْكُلِّ لِأنَّهُ جِنْسٌ ﴿والأرْضُ﴾ عَلى ما لَهُما مِنَ الجَسامَةِ والثِّقَلِ المُقْتَضِي لِلْهُبُوطِ ﴿بِأمْرِهِ﴾ لا بِشَيْءٍ سِواهُ.

ولَمّا لَمْ يَبْقَ في كَمالِ عِلْمِهِ وتَمامِ قُدْرَتِهِ شُبْهَةٌ، قالَ مُعَبِّرًا بِأداةِ التَّراخِي لِتَدُلَّ - مَعَ دَلالَتِها عَلى ما هي لَهُ - عَلى العَظَمَةِ، فَقالَ دالًّا عَلى أنَّ قُدْرَتَهُ عَلى الأشْياءِ كُلِّها مَعَ تَباعُدِها عَلى حَدٍّ سَواءٍ، وأنَّهُ لا فَرْقَ عِنْدَهُ في شُمُولِ أمْرِهِ بَيْنَ قِيامِ الأحْياءِ وقِيامِ الأرْضِ والسَّماءِ ﴿ثُمَّ إذا دَعاكُمْ﴾ وأشارَ إلى هَوانِ ذَلِكَ الأمْرِ عِنْدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ﴾ عَلى بُعْدِ ما بَيْنَها وبَيْنَ السَّماءِ فَضْلًا عَنِ العَرْشِ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ مِثْلَ لَمْحِ البَصَرِ أوْ هو أقْرَبُ فَقالَ مُعَبِّرًا بِأداةِ الفُجاءَةِ: ﴿إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ أيْ يَتَجَدَّدُ لَكم هَذا الوَصْفُ بَعْدَ اضْمِحْلالِكم بِالمَوْتِ والبِلى، ويَتَكَرَّرُ بِاعْتِبارِ آحادِكم مِن غَيْرِ تَلَبُّثٍ ولا مُهْلَةٍ أصْلًا، إلّا أنْ يَتَرَتَّبَ عَلى الأفْضَلِ فالأفْضَلِ لِقَوْلِهِ ﷺ: «أنا أوَّلُ مَن تَنْشَقُّ عَنْهُ الأرْضُ”كَما دَعاكم مِنها أوَّلًا إذا خَلَقَكم مِن تُرابٍ ثُمَّ إذا أنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ، وأعْرى هَذِهِ مِمّا خَتَمَ بِهِ الآياتِ السّالِفَةَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّها مِثْلُ الأوْلى قَدِ انْتَهَتْ في الظُّهُورِ، ولا سِيَّما بِانْضِمامِها إلى الأُولى الَّتِي هي أعْظَمُ دالٍّ عَلَيْها إلى حَدٍّ هو أضْوَأُ مِنَ النُّورِ، كَما تَأْتِي الإشارَةُ إلَيْهِ في آيَةِ“وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ» .

30:26Страница 407

وَلَهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ كُلّٞ لَّهُۥ قَٰنِتُونَ ٢٦

Ему принадлежат те, кто на небесах и на земле. Все они покорны Ему.

(p-٧٦)ولَمّا ذَكَرَ تَصَرُّفَهُ في الظَّرْفِ وبَعْضِ المَظْرُوفِ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ، ذَكَرَ قَهْرَهُ لِلْكُلِّ فَقالَ: ﴿ولَهُ﴾ أيْ [وحْدَهُ] بِالمُلْكِ الأتَمِّ ﴿مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ كُلُّهُمْ، وأشارَ إلى المُلْكِ بِقَوْلِهِ: ﴿كُلٌّ لَهُ﴾ أيْ وحْدَهُ. ولَمّا كانَ انْقِيادُ الجَمْعِ مُسْتَلْزِمًا لِانْقِيادِ الفَرْدِ دُونَ عَكْسِهِ جَمَعَ في قَوْلِهِ: ﴿قانِتُونَ﴾ أيْ مُخْلِصُونَ في الِانْقِيادِ لَيْسَ لِأنْفُسِهِمْ ولا لِمَن سِواهُ في الحَقِيقَةِ والواقِعِ تَصَرُّفٌ بِوَجْهٍ ما إلّا بِإذْنِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: مُطِيعُونَ طاعَةَ الإرادَةِ وإنْ عَصَوْا أمْرَهُ في العِبادَةِ - نَقَلَهُ عَنْهُ البَغْوِيُّ وغَيْرُهُ ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ وهو مَعْنى ما قُلْتُ.

30:27Страница 407

وَهُوَ ٱلَّذِي يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَهُوَ أَهۡوَنُ عَلَيۡهِۚ وَلَهُ ٱلۡمَثَلُ ٱلۡأَعۡلَىٰ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٢٧

Он - Тот, Кто создает творения в первый раз, а затем воссоздает их, и сделать это для Него еще легче. Ему принадлежат наивысшие качества на небесах и на земле. Он - Могущественный, Мудрый.

ولَمّا كانَ هَذا مَعْنًى يُشاهِدُهُ كُلُّ أحَدٍ في نَفْسِهِ مَعَ ما جَلّى سُبْحانَهُ مِن عَرائِسِ الآياتِ الماضِياتِ، فَوَصَلَ الأمْرَ في الوُضُوحِ إلى حَدٍّ عَظِيمٍ قالَ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ لا غَيْرُهُ ﴿الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ﴾ أيْ عَلى سَبِيلِ التَّجْدِيدِ كَما تُشاهِدُونَ، وأشارَ إلى تَعْظِيمِ الإعادَةِ بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أيْ بَعْدَ أنْ يُبِيدَهُ.

ولَمّا كانَ مِنَ المَرْكُوزِ في فِطَرِ جَمِيعِ البَشَرِ أنَّ إعادَةَ الشَّيْءِ أسْهَلُ مِنِ ابْتِدائِهِ قالَ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ وذَلِكَ الَّذِي يُنْكِرُونَهُ مِنَ الإعادَةِ ﴿أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ خِطابًا لَهم بِما ألِفُوهُ وعَقِلُوهُ ولِذَلِكَ أخَّرَ الصِّلَةَ (p-٧٧)لِأنَّهُ لا مَعْنى هُنا لِلِاخْتِصاصِ الَّذِي يُفِيدُهُ تَقْدِيمُها.

ولَمّا كانَ هَذا إثْمًا هو عَلى طَرِيقِ التَّمْثِيلِ لِما يَخْفى عَلَيْهِمْ بِما هو جَلِيٌّ عِنْدِهِمْ، وكُلٌّ مِنَ الأمْرَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِهِ [عَلى حَدٍّ سَواءٍ لا شَيْءَ في عِلْمِهِ أجَلى مِن آخَرَ، ولا في قُدْرَتِهِ] أوْلى مِنَ الآخَرِ، قالَ مُشِيرًا إلى تَنْزِيهِ نَفْسِهِ المُقَدَّسَةِ عَمّا قَدْ يَتَوَهَّمُهُ بَعْضُ الأغْبِياءِ مِن ذَلِكَ: ﴿ولَهُ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿المَثَلُ الأعْلى﴾ أيِ الَّذِي تَنَزَّهَ عَنْ كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ، واسْتَوْلى عَلى كُلِّ رُتْبَةِ كَمالٍ، وهو أمْرُهُ الَّذِي أحاطَ بِكُلِّ مَقْدُورٍ، فَعُلِمَ بِهِ إحاطَتُهُ هو سُبْحانَهُ بِكُلِّ مَعْلُومٍ، كَما تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ في شَرْحِ المَثَلِ

﴿ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]

ولَمّا كانَ الخَلْقُ لِقُصُورِهِمْ مُقَيَّدِينَ بِما لَهم بِهِ نَوْعُ مُشاهَدَةٍ قالَ: ﴿فِي السَّماواتِ والأرْضِ﴾ اللَّتَيْنِ خَلَقَهُما ولَمْ تَسْتَعْصِيا عَلَيْهِ، فَكَيْفَ يَسْتَعْصِي عَلَيْهِ شَيْءٌ فِيهِما، وقَدْ قالُوا: إنَّ المُرادَ بِالمَثَلِ هُنا الصِّفَةُ، وعِنْدِي أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ عَلى حَقِيقَتِهِ تَقْرِيبًا لِعُقُولِنا، فَإذا أرَدْنا تَعَرُّفَهُ سُبْحانَهُ في المُلْكِ مَثَّلْنا بِأعْلى ما نَعْلَمُ مِن مُلُوكِنا فَنَقُولُ: الِاسْتِواءُ عَلى العَرْشِ مَثَلٌ لِلتَّدْبِيرِ والتَّفَرُّدِ بِالمُلْكِ كَما يُقالُ في مُلُوكِنا: فُلانٌ جَلَسَ عَلى سَرِيرِ المُلْكِ، بِمَعْنى: اسْتَقَلَّ بِالأمْرِ وتَفَرَّدَ بِالتَّدْبِيرِ وإنْ لَمْ يَكُنْ هُنا سَرِيرٌ ولا جُلُوسٌ، وإذا ذَكَرَ بَطْشَهُ سُبْحانَهُ وأخْذَهُ لِأعْدائِهِ في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢] مَثَّلْناهُ بِما لَوْ قَهَرَ (p-٧٨)سُلْطانٌ أعْداءَهُ بِحَزْمِهِ وصِحَّةِ تَدْبِيرِهِ وكَثْرَةِ جُنُودِهِ فَقُلْنا ”مَحَقَ سَيْفُهُ أعْداءَهُ“ فَأطْلَقْنا سَيْفَهُ عَلى ما ذُكِرَ مِن قُوَّتِهِ، وإذا قِيلَ: تَجْرِي بِأعْيُنِنا، ونَحْوُ ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّهُ مِثْلُ ما نَقُولُ إذا رَأيْنا مَلِكًا حَسَنَ التَّدْبِيرِ لا يَغْفُلُ عَنْ شَيْءٍ مِن أحْوالِ رَعِيَّتِهِ فَقُلْنا ”هُوَ في غايَةِ اليَقَظَةِ“ فَأطْلَقْنا اليَقَظَةَ الَّتِي هي ضِدُّ النَّوْمِ عَلى حُسْنِ النَّظَرِ وعَظِيمِ التَّدْبِيرِ وشُمُولِ العِلْمِ، وهَذِهِ تَفاصِيلُ مِمّا قَدَّمْتُ أنَّهُ مِثْلُهُ، وهو أمْرُهُ المُحِيطُ الَّذِي انْجَلى لَنا بِهِ غَيْبُ ذاتِهِ سُبْحانَهُ، وهَكَذا ما جاءَ مِن أمْثالِهِ نَأْخُذُ مِنَ العِبارَةِ رُوحَها فَنَعْلَمُ أنَّهُ المُرادُ، وأنَّ ذَلِكَ الظّاهِرَ ما ذُكِرَ إلّا تَقْرِيبًا لِلْأفْهامِ النَّقِيسَةِ عَلى ما نَعْرِفُ مِن أعْلى الأمْثالِ، والأمْرُ بَعْدَ ذَلِكَ أعْلى مِمّا نَعْلَمُ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿العَزِيزُ﴾ أيِ الَّذِي إذا أرادَ شَيْئًا كانَ لَهُ في غايَةِ الِانْقِيادِ كائِنًا ما كانَ ﴿الحَكِيمُ﴾ أيِ الَّذِي إذا أرادَ شَيْئًا أتْقَنَهُ فَلَمْ يَقْدِرْ غَيْرُهُ عَلى التَّوَصُّلِ إلى نَقْصِ شَيْءٍ مِنهُ، ولا تَتِمُّ حِكْمَةُ هَذا الكَوْنِ عَلى هَذِهِ الصُّورَةِ إلّا بِالبَعْثِ، بَلْ هو مَحَطُّ الحِكْمَةِ الأعْظَمُ لِيَصِلَ كُلَّ ذِي حَقٍّ إلى حَقِّهِ بِأقْصى التَّحْرِيرِ عَلى ما نَتَعارَفُهُ وإلّا لَكانَ الباطِلُ أحَقَّ مِنَ الحَقِّ وأكْثَرَ، فَكانَ عَدَمُ هَذا المَوْجُودِ خَيْرًا (p-٧٩)مِن وُجُودِهِ وأحْكُمَ.

30:28Страница 407

ضَرَبَ لَكُم مَّثَلٗا مِّنۡ أَنفُسِكُمۡۖ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُم مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ فَأَنتُمۡ فِيهِ سَوَآءٞ تَخَافُونَهُمۡ كَخِيفَتِكُمۡ أَنفُسَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ٢٨

Он привел вам притчу о вас самих. Есть ли среди невольников, которыми овладели ваши десницы, совладельцы того, чем Мы наделили вас, которые имеют с вами одинаковые права на это и которых вы опасаетесь так, как опасаетесь друг друга? Так Мы разъясняем знамения для людей разумеющих.

ولَمّا بانَ مِن هَذا أنَّهُ المُتَفَرِّدُ في المُلْكِ بِشُمُولِ العِلْمِ وتَمامِ القُدْرَةِ وكَمالِ الحِكْمَةِ، اتَّصَلَ بِحُسْنِ أمْثالِهِ وإحْكامِ مَقالِهِ وفِعالِهِ قَوْلُهُ: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ﴾ أيْ بِحِكْمَتِهِ في أمْرِ الأصْنامِ وبَيانِ إبْطالِ مَن يُشْرِكُ بِها وفَسادِ قَوْلِهِ بِأجْلى ما يَكُونُ مِنَ التَّقْرِيرِ: ﴿مَثَلا﴾ مُبْتَدِئًا ﴿مِن أنْفُسِكُمْ﴾ الَّتِي هي أقْرَبُ الأشْياءِ إلَيْكُمْ، فَأنْتُمْ لِما تُذَكَّرُونَ بِهِ أجْدَرُ بِأنْ تَفْهَمُوهُ.

ولَمّا كانَ حاصِلُ المَثَلِ أنَّهُ لا يَكُونُ مَمْلُوكُ كَمالِكٍ، وكانَ التَّقْرِيرُ أقْرَبَ إلى التَّذْكِيرِ وأبْعَدَ عَنِ التَّنْفِيرِ، قالَ مُنْكِرًا مُوَبِّخًا مُقَرِّرًا: ﴿هَلْ لَكُمْ﴾ أيْ يا مَن عَبَدُوا مَعَ اللَّهِ بَعْضَ عَبِيدِهِ ﴿مِن ما﴾ أيْ مِن بَعْضِ ما ﴿مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ أيْ مِنَ العَبِيدِ أوِ الإماءِ الَّذِينَ هم بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، وعَمَّ في النَّفْيِ الَّذِي هو المُرادُ بِالِاسْتِفْهامِ بِزِيادَةِ الجارِّ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن شُرَكاءَ﴾ أيْ في حالَةٍ مِنَ الحالاتِ يَسُوغُ لَكم بِذَلِكَ أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ، ونَبَّهَ عَلى ما في إيجادِ الرِّزْقِ ثُمَّ قِسْمَتِهِ بَيْنَ الخَلْقِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن شُؤُونِهِ بِقَوْلِهِ: التِفاتًا بَعْدَ طُولِ التَّعْبِيرِ بِالغَيْبَةِ الَّتِي قَدْ يَتَوَهَّمُ مَعَها بَعْدَ - إلى التَّكَلُّمِ بِالنُّونِ الدّالِّ مَعَ القُرْبِ عَلى العَظَمَةِ ولَذَّةِ الإقْبالِ بِالمُخاطَبَةِ: (p-٨٠)﴿فِي ما رَزَقْناكُمْ﴾ أيْ لِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ مِن مالٍ أوْ جاهٍ مَعَ ضَعْفِ مُلْكِكم فِيهِ.

ولَمّا كانَتِ الشَّرِكَةُ سَبَبًا لِتَساوِي الشَّرِيكَيْنِ في الأمْرِ المُشْتَرِكِ قالَ: ﴿فَأنْتُمْ﴾ أيْ مَعاشِرَ الأحْرارِ والعَبِيدِ. ولَمّا كانَ رُبَّما تَوَهَّمَ أنَّ ”مِن شُرَكاءَ“ صِفَةٌ لِأوْلادٍ مِن سَرارِيهِمْ، قَدَّمَ الصِّلَةَ دَفْعًا لِذَلِكَ فَقالَ: ﴿فِيهِ﴾ أيِ الشَّيْءِ الَّذِي وقَعَتْ فِيهِ الشَّرِكَةُ مِن ذَلِكَ الرِّزْقِ خاصَّةً لا غَيْرُهُ مِن نَسَبٍ أوْ حَسَبٍ ونَحْوِهِما [أوْ خِفَّةٍ في بَدَنٍ أوْ قَلْبٍ أوْ طُولٍ في عُمْرٍ ونَحْوِها، وأمّا أوْلادُهم مِنَ السَّرارِي فَرُبَّما ساوَوْهم في ذَلِكَ وغَيْرِهِ مِنَ النَّسَبِ ونَحْوِهِ، والعَبِيدُ رُبَّما ساوَوْهم في قُوَّةِ البَدَنِ وطُولِ العُمْرِ أوْ زادُوا] ﴿سَواءٌ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ المُساواةَ الَّتِي هي أنْ يَكُونَ حُكْمُ أحَدِ القَبِيلَيْنِ في المُشْتَرَكِ عَلى السَّواءِ كَحُكْمِ الآخَرِ لا يَسْتَبِدُّ أحَدُهُما عَنِ الآخَرِ بِشَيْءٍ بِقَوْلِهِ: ﴿تَخافُونَهُمْ﴾ أيْ مَعاشِرَ السّادَةِ في التَّصَرُّفِ في ذَلِكَ الشَّيْءِ المُشْتَرَكِ.

[ولَمّا كانَتْ أداةُ التَّشْبِيهِ أدَلَّ، أثْبَتَها فَقالَ]: ﴿كَخِيفَتِكم أنْفُسَكُمْ﴾ أيْ كَما تَخافُونَ بَعْضَ مَن تُشارِكُونَهُ مِمَّنْ يُساوِيكم في الحُرِّيَّةِ والعَظْمَةِ أنْ تَتَصَرَّفُوا في الأمْرِ المُشْتَرَكِ بِشَيْءٍ لا يُرْضِيهِ وبِدُونِ إذْنِهِ، فَظَهَرَ أنَّ حالَكم في عَبِيدِكم مَثَلٌ [لَهُ] فِيمَن أشْرَكْتُمُوهم بِهِ مُوَضِّحٌ لِبُطْلانِهِ، فَإذا [لَمْ] تَرْضَوْا هَذا لِأنْفُسِكم وهو أنْ يَسْتَوِيَ عَبِيدُكم مَعَكم في (p-٨١)المُلْكِ فَكَيْفَ تَرْضَوْنَهُ بِخالِقِكم في هَذِهِ الشُّرَكاءِ الَّتِي زَعَمْتُمُوها فَتُسَوُّونَها بِهِ وهي مِن أضْعَفِ خَلْقِهِ أفَلا تَسْتَحْيُونَ؟ .

ولَمّا كانَ هَذا المِثالُ، في الذِّرْوَةِ مِنَ الكَمالِ، كانَ السّامِعُ جَدِيرًا بِأنْ يَقُولَ: جَلَّ اللَّهُ! ما أعْلى شَأْنَ هَذا البَيانِ! هَلْ يُبَيِّنُ كُلَّ شَيْءٍ هَكَذا؟ فَقالَ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلَ هَذا البَيانِ العالِي ﴿نُفَصِّلُ﴾ أيْ نُبَيِّنُ، لِأنَّ الفَصْلَ هو المَيْزُ وهو البَيانُ، وذَلِكَ عَلى وجْهٍ عَظِيمٍ - بِما أشارَ إلَيْهِ التَّضْعِيفُ مَعَ التَّجْدِيدِ والِاسْتِمْرارِ: ﴿الآياتِ﴾ أيِ الدَّلالاتِ الواضِحاتِ.

ولَمّا كانَ البَيانُ لا يَنْفَعُ المَسْلُوبَ قالَ: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ إشارَةً إلى أنَّهم إنْ لَمْ يَعْمَلُوا بِمُقْتَضى ذَلِكَ كانُوا مَجانِينَ، لِأنَّ التَّمْثِيلَ يَكْشِفُ المَعانِيَ بِالتَّصْوِيرِ والتَّشْكِيلِ كَشْفًا لا يَدَعُ لَبْسًا، فَمَن خَفِيَ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَمْيِيزٌ.

30:29Страница 407

بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَهۡوَآءَهُم بِغَيۡرِ عِلۡمٖۖ فَمَن يَهۡدِي مَنۡ أَضَلَّ ٱللَّهُۖ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٢٩

Но нет! Беззаконники потакают своим желаниям без всякого знания. Кто наставит на прямой путь тех, кого Аллах ввел в заблуждение? Не будет для них помощников!

ولَمّا كانَ جَوابُهم قَطْعًا: لَيْسَ لَنا شُرَكاءُ بِهَذا الوَصْفِ، كانَ التَّقْدِيرُ، فَلَمْ تَتَّبِعُوا في الإشْراكِ بِاللَّهِ دَلِيلًا، فَنَسَقَ عَلَيْهِ: ﴿بَلِ﴾ وكانَ الأصْلُ: اتَّبَعْتُمْ، ولَكِنَّهُ أعْرَضَ عَنْهُمْ، إيذانًا بِتَناهِي الغَضَبِ لِلْعِنادِ بَعْدَ البَيانِ، وأظْهَرَ الوَصْفَ الحامِلَ لَهم عَلى ذَلِكَ [تَعْمِيمًا وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِهِ] (p-٨٢)فَقالَ: ﴿اتَّبَعَ﴾ [أيْ بِتَكْلِيفِ أنْفُسِهِمْ خِلافَ الفِطْرَةِ الأُولى] ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ وضَعُوا الشَّيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ فِعْلَ الماشِي في الظَّلامِ ﴿أهْواءَهُمْ﴾ وهو ما تَمِيلُ إلَيْهِ نُفُوسُهم.

ولَمّا كانَ اتِّباعُ الهَوى قَدْ يُصادِفُ الدَّلِيلَ، وإذا لَمْ يُصادِفْ وكانَ مِن عالِمٍ رَدَّهُ عَنْهُ عِلْمُهُ قالَ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ إشارَةً إلى بُعْدِهِمْ في الضَّلالِ لِأنَّ الجاهِلَ يَهِيمُ عَلى وجْهِهِ بِلا مُرَجَّحٍ غَيْرَ المَيْلِ كالبَهِيمَةِ لا يَرُدُّهُ شَيْءٍ، وأمّا العالِمُ فَرُبَّما رَدَّهُ عِلْمُهُ.

ولَمّا كانَ هَذا رُبَّما أوْقَعَ في بَعْضِ الأوْهامِ أنَّ هَذا يُغَيِّرُ إرادَتَهُ سُبْحانَهُ، دَلَّ بِفاءِ السَّبَبِ عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ: وهَذا ضَلالٌ مِنهم بِإرادَةِ اللَّهِ، [فَلَمّا أساؤُوا بِإعْراقِهِمْ فِيهِ كانَتْ عاقِبَتُهُمُ السُّوءَ والخِذْلانَ، لِأنَّهم أبْعَدُوا أنْفُسَهم عَنْ أسْبابِ الهُدى]: ﴿فَمَن يَهْدِي﴾ أيْ بِغَيْرِ إرادَةِ اللَّهِ، ولَفَتَ الكَلامَ مِن مَظْهَرِ العَظَمَةِ إلى أعْظَمَ [مِنهُ] بِذِكْرِ الِاسْمِ الأعْظَمِ لِاقْتِضاءِ الحالِ لَهُ فَقالَ: ﴿مَن أضَلَّ اللَّهُ﴾ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ، ودَلَّ بِواوِ العَطْفِ عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ: لَيْسَ أحَدٌ يَهْدِيهِمْ [لِأنَّهم أبْعَدُوا أنْفُسَهم عَنْ أسْبابِ الهُدى فَبَعَدُوا عَنْ أسْبابِ النَّصْرِ لِأنَّهم صارُوا عَلى جُرُفٍ هارٍ في كُلِّ أُمُورِهِمْ، فَلِذا حَسُنَ مَوْضِعُ تَعْقِيبِهِ بِقَوْلِهِ]: ﴿وما لَهُمْ﴾ وأعْرَقَ في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿مِن ناصِرِينَ﴾ أيْ مِنَ الأصْنامِ ولا غَيْرِها يُخَلِّصُونَهم مِمّا هم فِيهِ مِنَ (p-٨٣)الخِذْلانِ وأسْرِ الشَّيْطانِ، ومِمّا يُسَبِّبُهُ مِنَ النِّيرانِ، ونَفى الجَمِيعَ دُونَ الواحِدِ لِأنَّ العَقْلَ ناصِرٌ لَهم بِما هو مُهَيَّأٌ لَهُ مِنَ الفَهْمِ واتِّباعِ دَلِيلِ السَّمْعِ لَوِ اسْتَعْمَلُوهُ، أوْ لِأنَّهُ ورَدَ جَوابًا لِنَحْوِ ”واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهم عزًا لَعَلَّهم يَنْصُرُونَ“ [أوْ لِلْإشارَةِ إلى أنْ تَتَبُّعَ الهَوى لا يَنْفَعُ في تَلافِي أمْرِهِ إلّا أعْوانٌ كَثِيرُونَ] ودَلَّ عَلى نَفْيِ الواحِدِ ﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ﴾ [البقرة: ٤٨] الآيَةُ،

﴿وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١] [و] ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ﴾ [الطارق: ١٠] في أمْثالِها.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English