Аль-Бикаи · Тафсир · на арабском
Ар-Рум 30:39–46
30:39Страница 408
وَمَآ ءَاتَيۡتُم مِّن رِّبٗا لِّيَرۡبُوَاْ فِيٓ أَمۡوَٰلِ ٱلنَّاسِ فَلَا يَرۡبُواْ عِندَ ٱللَّهِۖ وَمَآ ءَاتَيۡتُم مِّن زَكَوٰةٖ تُرِيدُونَ وَجۡهَ ٱللَّهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُضۡعِفُونَ ٣٩
Дары, которые вы преподносите, чтобы приумножить их за счет чужого богатства, не приумножатся у Аллаха. Приумножен для вас будет закят, который вы раздаете, стремясь к Лику Аллаха.
﴿وما آتَيْتُمْ﴾ أيْ جِئْتُمْ [أيْ فَعَلْتُمْ]، في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ بِالقَصْرِ لِيَعُمَّ المُعْطِيَ والآخِذَ والمُتَسَبِّبَ، أوْ أعْطَيْتُمْ، في قِراءَةِ غَيْرِهِ بِالمَدِّ ﴿مِن رِبًا﴾ أيْ مالٍ عَلى وجْهِ الرِّبا المُحَرَّمِ أوِ المَكْرُوهِ، وهو أنْ يُعْطِيَ عَطِيَّةً لِيَأْخُذَ في ثَوابِها أكْثَرَ مِنها، وكانَ هَذا مِمّا حُرِّمَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ تَشْرِيفًا لَهُ، وكُرِهَ لِعامَّةِ النّاسِ. وعَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ بِالقَصْرِ المَعْنى: وما جِئْتُمْ بِهِ مِن إعْطاءٍ بِقَصْدِ الرِّبا ﴿لِيَرْبُوَ﴾ أيْ يَزِيدَ ويَكْثُرَ ذَلِكَ الَّذِي أعْطَيْتُمُوهُ أوْ فَعَلْتُمُوهُ، أوْ لِتَزِيدُوا أنْتُمْ ذَلِكَ - عَلى قِراءَةِ المَدَنِيِّينَ ويَعْقُوبَ بِالفَوْقانِيَّةِ المَضْمُومَةِ، مِن: أرْبى ﴿فِي أمْوالِ النّاسِ﴾ [أيْ تَحْصُلُ فِيهِ زِيادَةٌ تَكُونُ أمْوالُ النّاسِ ظَرْفًا لَها، فَهو كِنايَةٌ عَنْ] أنَّ الزِّيادَةَ الَّتِي يَأْخُذُها المُرْبِي مِن أمْوالِهِمْ لا يَمْلِكُها أصْلًا ﴿فَلا يَرْبُو﴾ أيْ يَزْكُو ويَنْمُو ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى الَّذِي لَهُ الغِنى المُطْلَقِ وكُلُّ صِفاتِ الكَمالِ، وكُلُّ ما لا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ فَهو غَيْرُ مُبارَكٍ بَلْ مَمْحُوقٌ لا وُجُودَ لَهُ، فَإنَّهُ إلى فَناءٍ وإنْ كَثُرَ ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا ويُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]
(p-١٠١)ولَمّا ذَكَرَ ما زِيادَتُهُ نَقْصٌ، أتْبَعُهُ ما نَقْصُهُ زِيادَةٌ فَقالَ: ﴿وما آتَيْتُمْ﴾ أيْ أعْطَيْتُمْ لِلْإجْماعِ عَلى مُدَّةٍ لِئَلّا يُوهِمَ التَّرْغِيبَ في أخْذِ الزَّكاةِ ﴿مِن زَكاةٍ﴾ أيْ صَدَقَةٍ، وعَبَّرَ عَنْها بِذَلِكَ لِيُفِيدَ الطَّهارَةَ والزِّيادَةَ، أيْ تُطَهِّرُونَ بِها أمْوالَكم مِنَ الشُّبَهِ، وأبْدانَكم مِن مَوادِّ الخَبَثِ، وأخْلاقَكم مِنَ الغِلِّ والدَّنَسِ. ولَمّا كانَ الإخْلاصُ عَزِيزًا، أشارَ إلى عَظَمَتِهِ بِتَكْرِيرِهِ فَقالَ: ﴿تُرِيدُونَ﴾ أيْ بِها ﴿وجْهَ اللَّهِ﴾ خالِصًا مُسْتَحْضِرِينَ لِجَلالِهِ وعَظَمَتِهِ وكَمالِهِ، وعَبَّرَ عَنِ الذّاتِ بِالوَجْهِ لِأنَّهُ الَّذِي يُجِلُّ صاحِبَهُ ويَسْتَحِي مِنهُ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ وهو أشْرَفُ ما في الذّاتِ.
ولَمّا كانَ الأصْلُ: فَأنْتُمْ، عَدَلَ بِهِ إلى صِيغَةٍ تَدُلُّ عَلى تَعْظِيمِهِ بِالِالتِفاتِ إلى خِطابِ مَن بِحَضْرَتِهِ مِن أهْلِ قُرْبِهِ ومَلائِكَتِهِ، لِأنَّ العامِلَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ لَهُ بِعَمَلِهِ لِسانَ [صِدْقٍ] في الخَلائِقِ فَكَيْفَ إذا كانَ مِنَ الخالِقِ، وبِالإشارَةِ إلَيْهِ بِأداةِ البُعْدِ إعْلامًا بِعُلُوِّ رُتْبَتِهِ، وأنَّ المُخاطَبَ بِالإيتاءِ كَثِيرٌ، والعامِلَ قَلِيلٌ وجَلِيلٌ، فَقالَ: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ ولَعَلَّ إفْرادَ المُخاطَبِ هُنا لِلتَّرْغِيبِ في الإيتاءِ بِأنَّهُ لا يُفْهِمُ ما لِأهْلِهِ حَقَّ فَهْمِهِ سِوى المُنَزَّلِ عَلَيْهِ هَذا الوَحْيُ ﷺ ﴿هُمُ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿المُضْعِفُونَ﴾ أيِ الَّذِينَ ضاعَفُوا أمْوالَهم في الدُّنْيا بِسَبَبِ ذَلِكَ الحِفْظِ والبَرَكَةِ، وفي الآخِرَةِ بِكَثْرَةِ الثَّوابِ عِنْدَ اللَّهِ مِن عَشْرَةِ أمْثالٍ إلى ما (p-١٠٢)لا حَصْرَ لَهُ كَما يُقالُ: مُقَوٍّ ومُوسِرٌ ومُسَمِّنٌ ومُعَطَّشٌ، لِمَن لَهُ قُوَّةٌ ويَسارٍ وسِمَنٌ في إبِلِهِ وعَطَشٌ ونَحْوُ ذَلِكَ.
30:40Страница 408
ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ ثُمَّ رَزَقَكُمۡ ثُمَّ يُمِيتُكُمۡ ثُمَّ يُحۡيِيكُمۡۖ هَلۡ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَفۡعَلُ مِن ذَٰلِكُم مِّن شَيۡءٖۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٤٠
Аллах - Тот, Кто создал вас, а потом одарил пропитанием. Потом Он умертвит вас, а потом оживит. Есть ли среди тех, кого вы приобщаете в сотоварищи, тот, кто совершал бы что-либо из этого? Пречист Он и превыше тех, кого вы приобщаете в сотоварищи!
ولَمّا وضَّحَ بِهَذا أنَّهُ لا زِيادَةَ إلّا فِيما يَزِيدُهُ اللَّهُ، ولا خَيْرَ إلّا فِيما يَخْتارُهُ اللَّهُ، فَكانَ ذَلِكَ مُزَهِّدًا في زِيادَةِ الِاعْتِناءِ بِطَلَبِ الدُّنْيا، بَيَّنَ ذَلِكَ بِطَرِيقٍ لا أوْضَحَ مِنهُ فَقالَ: ﴿اللَّهُ﴾ أيْ بِعَظِيمِ جَلالِهِ لا غَيْرِهِ ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ أيْ أوَجَدَكم عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ التَّقْدِيرِ لا تَمْلِكُونَ شَيْئًا.
ولَمّا كانَ الرِّزْقُ مُوَزَّعًا بَيْنَ النّاسِ بَلْ هو ضَيِّقٌ عَلى كَثْرَتِهِ عَنْ كَثِيرٍ مِنهُمْ، فَكانَ رِزْقُ مَن تَجَدَّدَ - لا سِيَّما إنْ كانَ ابْنًا لِفَقِيرٍ - مُسْتَبْعَدًا، أشارَ إلَيْهِ بِأداةِ البُعْدِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾ ولَمّا كانَتْ إماتَةُ المُتَمَكِّنِ مِن بَدَنِهِ وعَقْلِهِ وقُوَّتِهِ وأسْبابِ نُبْلِهِ عَجِيبَةً، نَبَّهَ عَلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ ولَمّا كانَ كُلُّ ذَلِكَ في الحَقِيقَةِ عَلَيْهِ هَيِّنًا، وكانَ الإحْياءُ بَعْدَ الإماتَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ أهْوَنَ مِنَ الإحْياءِ أوَّلَ مَرَّةٍ كانَ مِثْلَهُ وإنِ اسْتَبْعَدُوهُ قالَ: ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾
ولَمّا اسْتَغْرَقَ بِما ذَكَرَ جَمِيعَ ذَواتِهِمْ وأحْوالِهِمْ، وكانَ الشَّرِيكُ (p-١٠٣)مَن قامَ بِشَيْءٍ مِنَ العَمَلِ أوِ المَعْمُولِ فِيهِ، وكانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لَيْسَ لِشُرَكائِهِمْ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ نَوْعُ صُنْعٍ، قالَ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ: ﴿هَلْ مِن﴾ ولَمّا كانَ إشْراكُهم بِما أشْرَكُوا لَمْ تَظْهَرْ لَهُ ثَمَرَةٌ إلّا في أنَّهم جَعَلُوا لَهم جُزْءًا مِن أمْوالِهِمْ، عَبَّرَ بِقَوْلِهِ: ﴿شُرَكائِكُمْ﴾ أيِ الَّذِينَ تَزْعُمُونَهم شُرَكاءَ ﴿مَن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ﴾ مُشِيرًا إلى عُلُوِّ رُتْبَتِهِ بِأداةِ البُعْدِ وخِطابِ الكُلِّ. ولَمّا كانَ الِاسْتِفْهامُ الإنْكارِيُّ التَّوْبِيخِيُّ في مَعْنى النَّفْيِ، قالَ مُؤَكِّدًا لَهُ مُسْتَغْرِقًا لِكُلِّ ما يُمْكِنُ مِنهُ ولَوْ قَلَّ جِدًّا: ﴿مِن شَيْءٍ﴾ أيْ يَسْتَحِقُّ هَذا الوَصْفَ الَّذِي تُطْلِقُونَهُ عَلَيْهِ.
ولَمّا لَزِمَهم قَطْعًا أنْ يَقُولُوا: لا وعَزَّتِكَ! ما لَهم ولا لِأحَدٍ مِنهم في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ مِن فِعْلٍ، أشارَ إلى عَظِيمِ ما ارْتَكَبُوهُ بِما أنْتَجَهُ هَذا الدَّلِيلُ، فَقالَ مُعْرِضًا عَنْهم زِيادَةً في التَّعْظِيمِ والعَظَمَةِ، مُنَزِّهًا لِنَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ مِنها عَلى التَّنْزِيهِ بِبُعْدِ رُتْبَتِهِ الشَّمّاءِ مِن حالِهِمْ: ﴿سُبْحانَهُ﴾ أيْ تَنَزَّهَ تَنَزُّهًا لا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ [مِن أنْ يَكُونَ مُحْتاجًا إلى شَرِيكٍ، فَإنَّ ذَلِكَ نَقْصٌ عَظِيمٌ. ولَمّا كانَ مَن أخْبَرَ بِأنَّهُ فَعَلَ شَيْئًا أوْ يَفْعَلُهُ كالإماتَةِ والإحْياءِ بِالبَعْثِ وغَيْرِهِ لا يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ المُقاوِمُ مِن شَرِيكٍ ونَحْوِهِ، قالَ]: ﴿وتَعالى﴾ أيْ عُلُوًّا لا تَصِلُ إلَيْهِ العُقُولُ، كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ صِيغَةُ التَّفاعُلِ، وجَرَتْ قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ بِالخِطابِ عَلى الأُسْلُوبِ الماضِي، وأذِنَتْ (p-١٠٤)قِراءَةُ الباقِينَ بِالغَيْبِ بِالإعْراضِ لِلْغَضَبِ في قَوْلِهِ مُعَبِّرًا بِالمُضارِعِ إشارَةً إلى أنَّ العاقِلَ مِن شَأْنِهِ أنَّهُ لا يَقَعُ مِنهُ شِرْكٌ أصْلًا، فَكَيْفَ إذا كانَ عَلى سَبِيلِ التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ: ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ في أنْ يَفْعَلُوا شَيْئًا مِن ذَلِكَ أوْ يَقْدِرُوا بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ القُدْرَةِ عَلى أنْ يَحُولُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ شَيْءٍ مِمّا يُرِيدُ لِيَسْتَحِقُّوا بِذَلِكَ أنْ يُعَظَّمُوا نَوْعَ تَعْظِيمٍ، فَنَزَّهُوهُ وعَظَّمُوهُ بِالبَراءَةِ مِن كُلِّ مَعْبُودٍ سِواهُ.
30:41Страница 408
ظَهَرَ ٱلۡفَسَادُ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ بِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِي ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعۡضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٤١
Зло появляется на суше и на море по причине того, что совершают людские руки, чтобы они вкусили часть того, что они натворили, и чтобы они вернулись на прямой путь.
ولَمّا بَيَّنَ لَهم سُبْحانَهُ [مِن] حَقارَةِ شُرَكائِهِمْ ما كانَ حَقُّهم بِهِ أنْ يَرْجِعُوا، فَلَمْ يَفْعَلُوا، أتْبَعَهُ ما أصابَهم بِهِ عَلى غَيْرِ ما كانَ في أسْلافِهِمْ عُقُوبَةً لَهم عَلى قَبِيحِ ما ارْتَكَبُوا، اسْتِعْطافًا لِلتَّوْبَةِ فَقالَ: ﴿ظَهَرَ الفَسادُ﴾ أيِ النَّقْصُ في جَمِيعِ ما يَنْفَعُ الخَلْقَ ﴿فِي البَرِّ﴾ بِالقَحْطِ والخَوْفِ ونَحْوِهِما ﴿والبَحْرِ﴾ بِالغَرَقِ وقِلَّةِ الفَوائِدِ مِنَ الصَّيْدِ ونَحْوِهِ مِن كُلِّ ما كانَ يَحْصُلُ مِنهُ قَبْلُ. وقالَ البَغَوِيُّ: البَرُّ البَوادِي والمَفاوِزُ، والبَحْرُ المَدائِنُ والقُرى الَّتِي عَلى المِياهِ الجارِيَةِ، قالَ عِكْرِمَةُ: العَرَبُ تُسَمِّي المِصْرَ بَحْرًا. ثُمَّ بَيَّنَ سَبَبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿بِما﴾ ولَمّا أغْنى السِّياقُ بِدَلالَتِهِ عَلى السَّيِّئاتِ عَنِ الِافْتِعالِ قالَ: ﴿كَسَبَتْ﴾ أيْ عَمِلَتْ (p-١٠٥)مِنَ الشَّرِّ عَمْلًا هو مِن شِدَّةِ تَرامِيهِمْ إلَيْهِ وإنْ كانَ عَلى أدْنى الوُجُوهِ بِما أشارَ إلَيْهِ تَجْرِيدُ الفِعْلِ كَأنَّهُ مَسْكُوبٌ مِن عُلُوٍّ، ومِن شِدَّةِ إتْقانِ شَرِّهِ كَأنَّهُ مَسْبُوكٌ.
ولَمّا كانَ أكْثَرُ الأفْعالِ بِاليَدِ، أسْنَدَ إلَيْها ما يُرادُ بِهِ الجُمْلَةُ مُصَرِّحًا بِعُمُومِ كُلِّ ما لَهُ أهْلِيَّةُ التَّحَرُّكِ فَقالَ: ﴿أيْدِي النّاسِ﴾ أيْ عُقُوبَةً لَهم عَلى فِعْلِهِمْ. ولَمّا ذَكَرَ عِلَّتَهُ البِدائِيَّةَ، ثَنّى بِالجَزائِيَّةِ فَقالَ: ﴿لِنُذِيقَهُمْ﴾ [فصلت: ١٦] أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ في رِوايَةِ قُنْبُلٍ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِالنُّونِ لِإظْهارِ العَظَمَةِ في الإذاقَةِ لِلْبَعْضِ والعَفْوِ عَنِ البَعْضِ، وقِراءَةُ الباقِينَ بِالتَّحْتانِيَّةِ عَلى سَنَنِ الجَلالَةِ الماضِي؛ وأشارَ إلى كَرَمِهِ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ أيْ وبالَهُ وحَرَّهُ وحُرْقَتَهُ، ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ إمّا أصْلًا ورَأْسًا، وإمّا المُعاجَلَةُ بِهِ ويُؤَخِّرُهُ إلى وقْتٍ ما في الدُّنْيا، أوْ إلى الآخِرَةِ، والمُرادُ الجَزاءُ بِمِثْلِ أعْمالِهِمْ جَزاءً لَها تَعْبِيرًا عَنِ المُسَبَّبِ بِالسَّبَبِ الَّذِي أتَوْهُ إلى النّاسِ فَيَعْرِفُوا إذا سَلَبُوا المالَ مِقْدارَ ما ذاقَ مِنهم ذَلِكَ الَّذِي سَلَبُوهُ، وإذا قُتِلَ لَهم حَمِيمٌ حَرارَةَ ما قاسى حَمِيمُ ما قَتَلُوهُ، ونَحْوُ ذَلِكَ مِمّا اسْتَهانُوهُ لِما أتَوْهُ إلى غَيْرِهِمْ مِنَ الأذى البالِغِ وهم يَتَضاحَكُونَ ويَعْجَبُونَ (p-١٠٦)مِن جَزَعِهِ ويَسْتَهْزِؤُونَ غافِلِينَ عَنْ شِدَّةِ ما يُعانِي مِن أنْواعِ الحَرْقِ هو ومَن يَعِزُّ عَلَيْهِ أمْرُهُ، ويُهِمُّهُ شَأْنُهُ، ويَدُهُ قَدْ غَلَّها عَنِ المُساعَدَةِ العَجْزُ، وقَصَّرَها الضَّعْفُ والقَهْرُ؛ ثُمَّ ثَلَّثَ بِالعِلَّةِ الغائِيَّةِ فَقالَ: ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ أيْ لِيَكُونَ حالُهم عِنْدَ مَن يَنْظُرُهم حالَ مَن يُرْجى رُجُوعُهُ عَنْ فِعْلِ مِثْلِ ذَلِكَ خَوْفًا مِن أنْ يُعادَ لَهم بِمِثْلِ ذَلِكَ مِنَ الجَزاءِ.
30:42Страница 409
قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلُۚ كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّشۡرِكِينَ ٤٢
Скажи: «Постранствуйте по земле и посмотрите, каким был конец тех, которые жили прежде. Большинство из них были многобожниками».
ولَمّا كانَ الإنْسانُ - لِنَقْصِهِ في تَقَيُّدِهِ بِالجُزْئِيّاتِ، شَدِيدَ الوُقُوفِ مَعَ العَقْلِ التَّجْرِيبِيِّ، وكانَ عِلْمُهم بِأيّامِ الماضِينَ ووَقائِعِ الأوَّلِينَ كافِيًا لَهم في العِظَةِ لِلرُّجُوعِ عَنِ اعْتِقادِهِمْ، والتَّبَرِّي مِن عِنادِهِمْ، وكانُوا لَمّا لَمْ يَرَوْا آثارَهم رُؤْيَةَ اعْتِبارٍ، وتَأمُّلٍ وادِّكارٍ، عُدُّوا مِمَّنْ لَمْ يَرَها، فَنَبَّهَ سُبْحانَهُ عَلى ذَلِكَ بِالِاحْتِجابِ عَنْهم بِحِجابِ العِزَّةِ، أمْرًا لَهُ ﷺ بِأنْ يَأْمُرَهم بِالسَّيْرِ لِلنَّظَرِ، فَقالَ تَأْكِيدًا لِمَعْنى الكَلامِ السّابِقِ نُصْحًا لَهم ورِفْقًا بِهِمْ: ﴿قُلْ﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ الَّذِي لا هَمَّ لَهم إلّا الدُّنْيا، فَلا يُعَبِّرُونَ فِيما يَنْظُرُونَ مِن ظاهِرٍ إلى باطِنٍ: ﴿سِيرُوا﴾ وأشارَ إلى اسْتِغْراقِ دِيارِ المُهْلَكِينَ كُلَّ حَدِّ ما حَوْلَهم مِنَ الجِهاتِ كَما سَلَفَ فَقالَ: ﴿فِي الأرْضِ﴾ فَإنَّ سَيْرَكُمُ الماضِيَ لِكَوْنِهِ لَمْ يَصْحَبْهُ عِبْرَةٌ عَدَمٌ.
ولَمّا كانَ المُرادُ الِانْقِيادَ إلى التَّوْحِيدِ، وكانَ قَدْ ذَكَّرَهم بِما أصابَهم (p-١٠٧)عَلى نَحْوِ ما أصابَ بِهِ الماضِينَ قالَ: ﴿فانْظُرُوا﴾ بِفاءِ التَّعْقِيبِ، ولَمّا كانَ ما أحَلَّهُ بِهِمْ في غايَةِ الشِّدَّةِ، عَرَّفَهم بِذَلِكَ، فَساقَ مَساقَ الِاسْتِفْهامِ تَخْوِيفًا لَهم مِن إصابَتِهِمْ بِمِثْلِهِ فَقالَ: ﴿كَيْفَ﴾ ولَمّا كانَ عَذابُهم مَهُولًا، وأمْرُهم شَدِيدًا وبِيلًا، دَلَّ عَلَيْهِ بِتَذْكِيرِ الفِعْلِ فَقالَ: ﴿كانَ عاقِبَةُ﴾ أيْ آخِرُ أمْرِ ﴿الَّذِينَ﴾ ولَمّا كانَ المُرادُ طَوائِفَ المُعَذَّبِينَ، وكانُوا بَعْضَ مَن مَضى، فَلَمْ يَسْتَغْرِقُوا الزَّمانَ، بَعَّضَ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ أيّامِكم أذاقَهُمُ اللَّهُ وبالَ أمْرِهِمْ، وأوْقَعَهم في حَفائِرِ مَكْرِهِمْ.
ولَمّا كانَ هَذا التَّنْبِيهُ كافِيًا في الِاعْتِبارِ، فَكانَ سامِعُهُ جَدِيرًا بِأنْ يَقُولَ: قَدْ تَأمَّلْتُ فَرَأيْتُ آثارَهم عَظِيمَةً، وصَنائِعَهم مَكِينَةً، ومَعَ ذَلِكَ فَمُدُنُهم خالِيَةٌ وبُيُوتُهم خاوِيَةٌ، قَدْ ضُرِبُوا بِسَوْطِ العَذابِ، فَعَمَّهُمُ الخَسارُ والتَّبابُ، فَما لَهم عُذِّبُوا، فَأُجِيبَ بِقَوْلِهِ: ﴿كانَ أكْثَرُهم مُشْرِكِينَ﴾ فَلِذَلِكَ أهْلَكْناهم ولَمْ تُغْنِ عَنْهم كَثْرَتُهُمْ، وأنْجَيْنا المُؤْمِنِينَ وما ضَرَّتْهم قِلَّتُهم.
30:43Страница 409
فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ ٱلۡقَيِّمِ مِن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ يَوۡمٞ لَّا مَرَدَّ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِۖ يَوۡمَئِذٖ يَصَّدَّعُونَ ٤٣
Обрати свой лик к правой вере до того, как придет Неотвратимый день от Аллаха. В тот день они будут поделены на две группы.
ولَمّا كانُوا مَعَ كَثْرَةِ مُرُورِهِمْ عَلى دِيارِهِمْ، ونَظَرِهِمْ لِآثارِهِمْ، وسَماعِهِمْ لِأخْبارِهِمْ، لَمْ يَتَّعِظُوا، أُشِيرَ إلى أنَّهم عَدَمٌ، بِصَرْفِ الخِطابِ عَنْهُمْ، وتَوْجِيهِهِ إلى السّامِعِ المُطِيعِ، فَقالَ مُسَبِّبًا عَمّا مَضى مِن إقامَةِ الأدِلَّةِ (p-١٠٨)والوَعْظِ والتَّخْوِيفِ: ﴿فَأقِمْ﴾ أيْ يا مَن لا يَفْهَمُ عَنّا حَقَّ الفَهْمِ سِواهُ، لِأنّا فَضَّلْناهُ عَلى جَمِيعِ الخَلْقِ ﴿وجْهَكَ﴾ أيْ لا تَلْفِتْهُ أصْلًا ﴿لِلدِّينِ القَيِّمِ﴾ الَّذِي لا عِوَجَ فِيهِ بِوَجْهٍ، بَلْ هو عَدْلٌ كُلُّهُ، مِنَ التَّبَرِّي مِنَ الأوْثانِ إلى التَّلَبُّسِ بِمَقامِ الإحْسانِ، فالزَمْهُ واجْعَلْهُ بِنُصْبِ عَيْنِكَ لا تَغْفُلْ عَنْهُ ولا طَرْفَةَ عَيْنٍ، لِكَوْنِهِ سَهْلًا فِيما تَسَبَّبَ الإعانَةُ عَلَيْهِ في الظّاهِرِ [بِالبَيانِ الَّذِي لَيْسَ مَعَهُ خَفاءٌ، وفي الباطِنِ] بِالجَبْلِ عَلَيْهِ حَتّى أنَّهُ لِيَقْبَلُهُ الأعْمى والأصَمُّ والأخْرَسُ، ويَصِيرُ فِيهِ كالجَبَلِ رُسُوخًا.
ولَمّا كانَ حِفْظُ الِاسْتِقامَةِ عَزِيزًا، أعادَ التَّخْوِيفَ لِحِفْظِ أهْلِها، فَقالَ مُيَسِّرًا الأمْرَ بِعَدَمِ اسْتِغْراقِ الزَّمانِ بِإثْباتِ الجارِّ، إشارَةً إلى الرِّضا بِاليَسِيرِ مِنَ العَمَلِ ولَوْ كانَ ساعَةً مِن نَهارٍ، بِشَرْطِ الِاتِّصالِ بِالمَوْتِ: ﴿مِن قَبْلِ﴾ وفَكَّ المَصْدَرَ لِلتَّصْرِيحِ فَقالَ: ﴿أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ أيْ عَظِيمٌ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، أوِ المَوْتُ، وأشارَ إلى تَفَرُّدِهِ سُبْحانَهُ في المُلْكِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا مَرَدَّ لَهُ﴾ ولَفْتُ الكَلامِ في رِوايَةِ قُنْبُلٍ مِن مَظْهَرِ العَظَمَةِ إلى أعْظَمَ مِنهُ لِاقْتِضاءِ المَقامِ ذَلِكَ [وأظْهَرَ في رِوايَةِ الباقِينَ لِئَلّا يَتَوَهَّمَ عَوْدَ الضَّمِيرِ إلى الدِّينِ فَقالَ]: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ وإذا لَمْ يَرُدَّهُ هو لِوَعْدِهِ بِالإتْيانِ بِهِ، وهو ذُو الجَلالِ (p-١٠٩)والإكْرامِ، فَمَنِ الَّذِي يَرُدُّهُ.
ولَمّا حَقَّقَ إتْيانَهُ، فَصَّلَ أمْرَهُ مُرَغِّبًا مُرَهِّبًا، فَقالَ: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ إذْ يَأْتِي ﴿يَصَّدَّعُونَ﴾ أيْ تَتَفَرَّقُ الخَلائِقُ [كُلُّهُمْ] فُرْقَةً قَدْ تَخْفى عَلى بَعْضِهِمْ، بِما أشارَ إلَيْهِ الإدْغامُ، فَيَقُولُونَ: ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ.
30:44Страница 409
مَن كَفَرَ فَعَلَيۡهِ كُفۡرُهُۥۖ وَمَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا فَلِأَنفُسِهِمۡ يَمۡهَدُونَ ٤٤
Кто не уверовал, того неверие обратится против него самого. А те, которые поступали праведно, будут готовить для себя места в Раю.
ولَمّا كانَ [المَعْنى] أنَّهم فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ، بَيَّنَ ذَلِكَ بِبَيانِ عاقِبَةِ سَبَبِهِ في جَوابِ مَن كَأنَّهُ قالَ: إلى أيْنَ يَتَفَرَّقُونَ؟ قائِلًا: ﴿مَن كَفَرَ﴾ أيْ مِنهم [فَعَمِلَ شَيْئًا] ﴿فَعَلَيْهِ﴾ أيْ لا عَلى غَيْرِهِ ﴿كُفْرُهُ﴾ [أيْ وبالُهُ]، وعَلى أنْفُسِهِمْ يَعْتَدُونَ ولَها يَهْدِمُونَ فَيَصِيرُونَ في ذَلِكَ اليَوْمِ إلى النّارِ الَّتِي هم بِها مُكَذِّبُونَ، ومَن كانَ عَلَيْهِ كُفْرُهُ الَّذِي أوْبَقَهُ إلى المَوْتِ، فَلا خَلاصَ لَهُ فِيما بَعْدَ الفَوْتِ، ووَحَّدَ الضَّمِيرَ رَدًّا لَهُ عَلى لَفْظِ [مَن] نَصًّا عَلى أنْ كُلَّ واحِدٍ مَجْزِيٌّ بِعَمَلِهِ لا المَجْمُوعَ مِن حَيْثُ هو مَجْمُوعٌ، وإفْهامًا لِأنَّ الكَفَرَةَ قَلِيلٌ وإنْ كانُوا أكْثَرَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، لِأنَّهم لا مَوْلى لَهُمْ، ولِتَفَرُّقِ كَلِمَتِهِمْ ﴿تَحْسَبُهم جَمِيعًا وقُلُوبُهم شَتّى﴾ [الحشر: ١٤] [الآيَةُ و] لِأنَّهُ لا اجْتِماعَ بَيْنَ أهْلِ النّارِ لِيَتَأسّى بَعْضُهم بِبَعْضٍ، بَلْ كُلٌّ مِنهم في شُغْلٍ شاغِلٍ عَنْ مَعْرِفَةِ ما (p-١١٠)يَتَّفِقُ لِغَيْرِهِ ﴿ومَن عَمِلَ صالِحًا﴾ [أيْ] بِالإيمانِ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، وأظْهَرَ ولَمْ يُضْمِرْ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى ﴿مَن كَفَرَ﴾ وبِشارَةً بِأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ كَثِيرٌ وإنْ كانُوا قَلِيلًا، لِأنَّ اللَّهَ مَوْلاهم فَهو يُزَكِّيهِمْ ويُؤَيِّدُهُمْ، وفي جَمْعِ الجَزاءِ مَعَ إفْرادِ الشَّرْطِ تَرْغِيبٌ في العَمَلِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى مُساعِدٍ بِأنَّهُ يَنْفَعُ نَفْسَهُ وغَيْرَهُ، لِأنَّ المُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كالبُنْيانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا، وأقَلُّ ما يَنْفَعُ والِدَيْهِ وشَيْخَهُ في ذَلِكَ العَمَلِ، وعَبَّرَ بِالنَّفْسِ لِيَدُلَّ - بَعْدَ الدَّلالَةِ عَلى إرادَةِ العامِلِ ومَن شايَعَهُ حَتّى كانَ بِحُكْمِ اتِّحادِ القَصْدِ إيّاهُ - عَلى أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ يُزَكِّي النُّفُوسَ ويُطَهِّرُها مِن رَذائِلِ الأخْلاقِ، فَقالَ: ﴿فَلأنْفُسِهِمْ﴾ أيْ خاصَّةُ أعْمالِهِمْ [ولَهم خاصَّةُ عَمَلِهِمُ الصّالِحِ] ولِأنْفُسِهِمْ ﴿يَمْهَدُونَ﴾ أيْ يُسَوُّونَ ويُوَطِّئُونَ مَنازِلَ في القُبُورِ والجَنَّةِ، بَلْ وفي الدُّنْيا فَإنَّ اللَّهَ يُعِزُّهم بِعِزِّ طاعَتِهِ، والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: حَذَفَ أوَّلًا عُدْوانَهم عَلى أنْفُسِهِمْ لِما دَلَّ عَلَيْهِ مِنَ المَهْدِ، وثانِيًا كَوْنُ العَمَلِ خاصًّا بِهِمْ لِما دَلَّ عَلَيْهِ مِن كَوْنِ الكُفْرِ عَلى صاحِبِهِ خاصَّةً، [وأحْسَنُ مِن هَذا أنْ (p-١١١)يُقالُ: ذَكَرَ الكُفْرَ الَّذِي هو السَّبَبُ دَلِيلًا عَلى الإيمانِ ثانِيًا، والعَمَلَ الصّالِحَ الَّذِي هو الثَّمَرَةُ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى العَمَلِ السَّيِّئِ أوَّلًا].
30:45Страница 409
لِيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٤٥
Это произойдет для того, чтобы Он воздал Своими щедротами тем, которые уверовали и совершали праведные деяния. Воистину, Он не любит неверующих.
ولَمّا فَرَغَ مِن بَيانِ تَصَدُّعِهِمْ، ذَكَرَ عِلَّتَهُ فَقالَ: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ أيِ اللَّهُ سُبْحانَهُ الَّذِي أنْزَلَ هَذِهِ السُّورَةَ لِبَيانِ أنَّهُ يَنْصُرُ أوْلِياءَهُ لِإحْسانِهِمْ لِأنَّهُ مَعَ المُحْسِنِينَ، ولِذَلِكَ اقْتَصَرَ هُنا عَلى ذِكْرِهِمْ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ ولَوْ عَلى أدْنى الوُجُوهِ ﴿وعَمِلُوا﴾ أيْ تَصْدِيقًا لِإيمانِهِمْ ﴿الصّالِحاتِ﴾ ولَمّا كانَتِ الأعْمالُ نِعْمَةً مِنهُ، فَكانَ الجَزاءُ مَحْضَ إحْسانٍ، قالَ: ﴿مِن فَضْلِهِ﴾
ولَمّا كانَ تَنْعِيمُهم مِن أعْظَمِ عَذابِ الكافِرِينَ الَّذِينَ كانُوا يَهْزَؤُونَ بِهِمْ ويَضْحَكُونَ مِنهُمْ، عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ لِدَعْوى مَن يَظُنُّ أنَّ إقْبالَ الدُّنْيا عَلى العُصاةِ لِمَحَبَّةِ اللَّهِ لَهُمْ: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ أيْ لا يَفْعَلُ مَعَ العَرِيقِينَ في الكُفْرِ فِعْلَ المُحِبِّ، فَلا يُسَوِّيهِمْ بِالمُؤْمِنِينَ، وعُلِمَ مِن ذَلِكَ ما طَوى مِن جَزائِهِمْ، فالآيَةُ مِن وادِي الِاحْتِباكِ، وهو أنْ يُؤْتى بِكَلامَيْنِ يُحْذَفُ مِن كُلِّ مِنهُما شَيْءٌ ويَكُونُ نَظْمُهُما بِحَيْثُ يَدُلُّ ما أُثْبِتَ في كُلٍّ عَلى ما حُذِفَ مِنَ الآخَرِ، فالتَّقْدِيرُ هُنا بَعْدَ ما ذَكَرَ مِن جَزاءِ الَّذِينَ آمَنُوا أنَّهُ يُحِبُّ المُؤْمِنِينَ ويَجْزِي الَّذِينَ كَفَرُوا وعَمِلُوا (p-١١٢)السَّيِّئاتِ بِعَدْلِهِ لِأنَّهُ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ، فَغَيَّرَ النَّظْمَ لِيَدُلَّ مَعَ دَلالَتِهِ كَما تَرى عَلى ما حُذِفَ عَلى أنَّ إكْرامَ المُؤْمِنِينَ هو المَقْصُودُ بِالذّاتِ، وهو بِعَيْنِهِ إرْغامُ الكافِرِينَ، وعَبَّرَ في شَقِّ المُؤْمِنِينَ بِالمُنْتَهى الَّذِي هو المُرادُ مِن مَحَبَّةِ اللَّهِ لِأنَّهُ أسَرُّ. وفي جانِبِ الكافِرِينَ بِالمَبْدَأِ الَّذِي هو مَجازٌ لِأنَّهُ أنَكَأُ وأضَرُّ.
30:46Страница 409
وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَن يُرۡسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَٰتٖ وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحۡمَتِهِۦ وَلِتَجۡرِيَ ٱلۡفُلۡكُ بِأَمۡرِهِۦ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٤٦
Среди Его знамений - то, что Он посылает ветры добрыми вестниками, чтобы дать вам вкусить от Его милости, чтобы корабли плыли по Его воле и чтобы вы искали Его милость, - быть может, вы будете благодарны.
ولَمّا خَتَمَ في أوَّلِ السُّورَةِ الآياتِ الدّالَّةَ عَلى الوَحْدانِيَّةِ المُسْتَلْزِمَةِ لِلْبَعْثِ لِأنَّ بِهِ تَمامَ ظُهُورِ الحِكْمَةِ، وانْكِشافَ غِطاءِ القُلُوبِ عَنْ صِفاتِ العَظَمَةِ، بِأنَّ قِيامَ السَّماءِ والأرْضِ بِأمْرِهِ وأتْبَعَ ذَلِكَ ما اشْتَدَّ التِحامُهُ بِهِ، وخَتَمَهُ بِبَعْضِ الكافِرِينَ بَعْدَ ذِكْرِ يَوْمِ البَعْثِ، أتْبَعَهُ ذِكْرَ ما حَفِظَ بِهِ قِيامَ الوُجُودِ، وهو الرِّياحُ، يَجْعَلُها سَبَبًا في إدْرارِ النِّعَمِ الَّتِي مِنها ما هو أعْظَمُ أدِلَّةِ البَعْثِ وهو النَّباتُ، وهي بِجُمْلَتِها دَلِيلُ ذَلِكَ وسَبَبُ القَرارِ في البَرِّ والسَّيْرِ في البَحْرِ المُوصِلِ لِمَنافِعِ بَعْضِ البِلادِ إلى بَعْضٍ، وبِذَلِكَ انْتَظَمَ الأمْرُ لِأهْلِ الأرْضِ، فاسْتَعْمَلَ المُؤْمِنُ مِنهم ما رَزَقَهُ سُبْحانَهُ مِنَ العَقْلِ في النَّظَرِ في ذَلِكَ حَتّى أدّاهُ إلى شُكْرِهِ فَأحَبَّهُ، واقْتَصَرَ الكافِرُ عَلى الدَّأْبِ فِيما يَسْتَجْلِبُ بِهِ تِلْكَ النِّعَمَ ويَسْتَكْثِرُها، فَأبْطَرَهُ ذَلِكَ فَأوْصَلَهُ إلى كُفْرِهِ فَأبْغَضَهُ، والرِّياحُ أيْضًا أشْبَهُ شَيْءٍ (p-١١٣)بِالنّاسِ، مِنها النّافِعُ نَفْعًا كَبِيرًا، ومِنها الضّارُّ ضَرًّا كَثِيرًا، [فَقالَ]: ﴿ومِن آياتِهِ﴾ أيِ الدَّلالاتُ الواضِحَةُ الدّالَّةُ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وتَمامِ عِلْمِهِ الدّالِّ عَلى أنَّهُ هو وحْدَهُ الَّذِي أقامَ هَذا الوُجُودَ، وكَما أنَّهُ أقامَهُ فَهو يُقِيمُ وُجُودًا آخَرَ هو زُبْدَةُ الأمْرِ، ومَحَطُّ الحِكْمَةِ، وهو أبْدَعُ مِن هَذا الوُجُودِ، يُبْعَثُ فِيهِ الخَلْقُ بَعْدَ فَنائِهِمْ، ويَتَجَلّى لِفَصْلِ القَضاءِ بَيْنَهُمْ، فَيَأْخُذُ بِالحَقِّ لِمَظْلُومِهِمْ مِن ظالِمِهِمْ، ثُمَّ يُصَدِّعُهم فَيَجْعَلُ فَرِيقًا [مِنهُمْ] في الجَنَّةِ دارِ الإعانَةِ والكَرامَةِ، وفَرِيقًا في السَّعِيرِ غارِ الإهانَةِ والمَلامَةِ ﴿أنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ، وهي ما عَدا الدَّبُّورَ المُشارَ في الحَدِيثِ الشَّرِيفِ إلى الِاسْتِعاذَةِ مِنها
«اللَّهُمَّ اجْعَلْها رِياحًا ولا تَجْعَلْها رِيحًا» وقَدْ تَقَدَّمَ مِن شَرْحِي لَها عِنْدَ ﴿ومَن يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا﴾ [النمل: ٦٣] في النَّمْلِ ما فِيهِ كِفايَةٌ، وفي جَمْعِها المُجْمَعِ عَلَيْهِ هُنا لِوَصْفِها بِالجَمْعِ إشارَةً إلى باهِرِ القُدْرَةِ، فَإنَّ تَحْوِيلَ الرِّيحِ الواحِدَةِ مِن جِهَةٍ إلى أُخْرى أمْرٌ عَظِيمٌ لا قُدْرَةَ لِغَيْرِهِ عَلَيْهِ في الفَضاءِ الواسِعِ، وكَذا إسْكانُهُ، فَكَيْفَ إذا كانَتْ رِياحًا مُتَعاكِسَةً، فَفي إثارَتِها كَذَلِكَ ثُمَّ إسْكانِها مِن باهِرِ القُدْرَةِ [ما] لا يَعْلَمُهُ إلّا أُولُو البَصائِرِ ﴿مُبَشِّراتٍ﴾ أيْ لَكم بِكُلِّ ما فِيهِ نَفْعُكم مِنَ المَطَرِ والرَّوْحِ وبَرْدِ الأكْبادِ (p-١١٤)ولَذَّةِ العَيْشِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: لِيُهْلِكَ بِها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، أوْ لِيَدْفَعَ عَنْكم ما يَحْصُلُ بِفَقْدِها مِن نِقْمَتِهِ مِنَ الحَرِّ، وما يَتْبَعُهُ مِنِ انْتِشارِ المُفْسِداتِ، واضْمِحْلالِ المُصْلِحاتِ، وطَواهُ لِأنَّ السِّياقَ لِذِكْرِ النِّعَمِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ مُثْبِتًا اللّامَ إيضاحًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ: ﴿ولِيُذِيقَكُمْ﴾ وأشارَ إلى عَظَمَةِ نِعَمِهِ بِالتَّبْعِيضِ في قَوْلِهِ: ﴿مِن رَحْمَتِهِ﴾ [أيْ نِعَمِهِ] مِنَ المِياهِ العَذْبَةِ والأشْجارِ الرَّطْبَةِ، وصِحَّةِ الأبْدانِ، وخِصْبِ الزَّمانِ، وما يَتْبَعُ ذَلِكَ مِن أُمُورٍ لا يُحْصِيها إلّا خالِقُها، ولا يَتَصَوَّرُها حَقَّ تَصَوُّرِها إلّا مَن فَقَدَ الرِّياحَ، مِن وُجُودِ الرُّوحِ وزَكاءِ الأرْضِ وإزالَةِ العُفُونَةِ [مِنَ الهَواءِ] والإعانَةِ عَلى تَذْرِيَةِ الحُبُوبِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وأشارَ إلى عَظَمَةِ هَذِهِ النِّعْمَةِ وإلى أنَّها صارَتْ لِكَثْرَةِ الإلْفِ مَغْفُولًا عَنْها بِإعادَةِ اللّامِ فَقالَ: ﴿ولِتَجْرِيَ الفُلْكُ﴾ أيِ السُّفُنُ في جَمِيعِ البِحارِ وما جَرى مَجْراها عِنْدَ هُبُوبِها.
ولَمّا أسْنَدَ الجَرْيَ إلى الفُلْكِ نَزَعَهُ مِنها بِقَوْلِهِ: ﴿بِأمْرِهِ﴾ أيْ بِما يُلائِمُ مِنَ الرِّياحِ اللَّيِّنَةِ، وإذا أرادَ أعَصْفَها فَأُغْرِقَتْ، أوْ جَعَلَها مُتَعاكِسَةً فَحُيِّرَتْ ورُدِّدَتْ، حَتّى يَحْتالَ المَلّاحُونَ بِكُلِّ حِيلَةٍ عَلى إيقافِ (p-١١٥)السُّفُنِ لِئَلّا تَتْلَفَ.
ولَمّا كانَ كُلٌّ مِن مُجَرَّدِ السَّيْرِ في البَحْرِ والتَّوَصُّلِ بِهِ مِن بَلَدٍ [إلى بَلَدٍ] نِعْمَةً في نَفْسِهِ، عَطَفَ عَلى ”لِتَجْرِيَ“ قَوْلَهُ، مُنَبِّهًا بِإعادَةِ اللّامِ إيضاحًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ [عَلى تَعْظِيمِ النِّعْمَةِ]: ﴿ولِتَبْتَغُوا﴾ أيْ تَطْلُبُوا طَلَبًا ماضِيًا بِذَلِكَ السَّيْرِ، وعِظَمِ ما عِنْدَهُ بِالتَّبْعِيضِ في قَوْلِهِ: ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ مِمّا يُسَخِّرُ لَكم مِنَ الرِّيحِ بِالسَّفَرِ لِلْمَتْجَرِ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ والجِهادِ وغَيْرِهِ ﴿ولَعَلَّكُمْ﴾ أيْ ولِتَكُونُوا إذا فَعَلَ بِكم ذَلِكَ عَلى رَجاءٍ [مِن] أنَّكم ﴿تَشْكُرُونَ﴾ ما أفاضَ عَلَيْكم سُبْحانَهُ مِن نِعَمِهِ، [ودَفَعَ عَنْكم مِن نِقَمِهِ].
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии