Аль-БикаиСаба · 34:23–32

Аль-Бикаи · Тафсир · на арабском

Саба 34:23–32

34:23Страница 431

وَلَا تَنفَعُ ٱلشَّفَٰعَةُ عِندَهُۥٓ إِلَّا لِمَنۡ أَذِنَ لَهُۥۚ حَتَّىٰٓ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمۡ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمۡۖ قَالُواْ ٱلۡحَقَّۖ وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡكَبِيرُ ٢٣

Ничье заступничество перед Ним не принесет пользы, кроме тех, кому будет дозволено. Когда же испуг покинет их (многобожников или ангелов) сердца, они скажут: «Что сказал ваш Господь?». Они скажут: «Истину, ведь Он - Возвышенный, Великий».

ولَمّا كانَ قَدْ بَقِيَ مِن أقْسامِ النَّفْعِ الشَّفاعَةُ، وكانَ المَقْصُودُ مِنها أثَرَها لا عَيْنَها، نَفاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَنْفَعُ﴾ أيْ في أيِّ وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ﴿الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ﴾ أيْ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ ﴿إلا لِمَن﴾ ولَمّا كانَتْ كَثافَةُ الحِجابِ أعْظَمَ في الهَيْبَةِ، وكانَ البِناءُ لِلْمَجْهُولِ أدَلَّ عَلى كَثافَةِ الحِجابِ، قالَ في قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ بِجَعْلِ المَصْدَرِ عُمْدَةَ الكَلامِ وإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِ: ﴿أذِنَ لَهُ﴾ أيْ وقَعَ مِنهُ (p-٤٩٥)إذْنٌ لَهُ عَلى لِسانِ مَن شاءَ مِن جُنُودِهِ بِواسِطَةٍ واحِدَةٍ أوْ أكْثَرَ في أنْ يَشْفَعَ في غَيْرِهِ أوْ في أنْ يَشْفَعَ [فِيهِ] غَيْرُهُ، وقِراءَةُ الباقِينَ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ تَدُلُّ عَلى العَظَمَةِ مِن وجْهٍ آخَرَ، وهو أنَّهُ لا افْتِياتَ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ مَن أحَدٍ ما، بَلْ لا أنْ يَنُصَّ هو سُبْحانَهُ عَلى الإذْنِ، وإلّا فَلا اسْتِطاعَةَ عَلَيْهِ أصْلًا.

ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ المَوْقُوفِينَ في مَحَلِّ خَطَرٍ لِلْعَرْضِ عَلى مَلِكٍ مَرْهُوبٍ مَتى نُودِيَ بِاسْمِ أحَدٍ مِنهم فَقِيلَ أيْنَ فُلانٌ يَنْخَلِعُ قَلْبُهُ ورُبَّما أُغْمِيَ عَلَيْهِ، فَلِذَلِكَ كانَ مِنَ المَعْلُومِ مِمّا مَضى أنَّهُ مَتى بَرَزَ النِّداءُ مِن قِبَلِهِ تَعالى في ذَلِكَ المَقامِ الَّذِي تُرى فِيهِ كُلُّ أُمَّةٍ جاثِيَةً يُغْشى عَلى الشّافِعِينَ والمَشْفُوعِ لَهُمْ، فَلِذَلِكَ حَسُنَ كُلَّ الحُسْنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى﴾ وهو غايَةٌ لِنَحْوِ أنْ يُقالَ: فَإذا أذِنَ لَهُ وقَعَ الصَّعْقُ لِجَلالِهِ وكِبْرِيائِهِ وكَمالِهِ حَتّى ﴿إذا فُزِّعَ﴾ أيْ أُزِيلَ الفَزَعُ بِأيْسَرِ أمْرٍ وأهْوَنِ سَعْيٍ مِن أمْرِهِ سُبْحانَهُ - هَذا في قِراءَةِ الجَماعَةِ بِالبِناءِ لِلْمَجْهُولِ، وأزالَ هو سُبْحانَهُ الفَزَعَ في قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ ويَعْقُوبَ، إشارَةً إلى أنَّهُ لا يَخْرُجُ عَنْ أمْرِهِ شَيْءٌ ﴿عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ أيِ الشّافِعِينَ والمَشْفُوعِ لَهُمْ، فَإنَّ ”فَعَّلَ“ (p-٤٩٦)يَأْتِي لِلْإزالَةِ كَقَذَّيْتُ عَيْنَهُ، إذا أزَلْتَ عَنْها القَذى ﴿قالُوا﴾ أيْ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ﴿ماذا قالَ رَبُّكُمْ﴾ ذاكِرِينَ صِفَةَ الإحْسانِ لِيَرْجِعَ إلَيْهِمْ رَجاؤُهم فَتَسْكُنَ لِذَلِكَ قُلُوبُهم.

ولَمّا كانَ مُلُوكُ الدُّنْيا رُبَّما قالَ بَعْضُهم قَوْلًا ثُمَّ بَدا لَهُ فَرَجَعَ عَنْهُ، أوْ عارَضَهُ فِيهِ شَخْصٌ مِن أعْيانِ جُنْدِهِ فَيَنْتَقِضُ، أخْبَرَ أنَّ المَلِكَ الدَّيّانَ لَيْسَ كَذَلِكَ فَقالَ: ﴿قالُوا الحَقَّ﴾ أيِ الثّابِتَ الَّذِي لا يُمْكِنُ أنْ يُبَدَّلَ، بَلْ يُطابِقُهُ الواقِعُ فَلا يَكُونُ شَيْءٌ يُخالِفُهُ ﴿وهُوَ العَلِيُّ﴾ أيْ فَلا رُتْبَةَ إلّا دُونَ رُتْبَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَلا يَقُولُ غَيْرَ الحَقِّ مِن نَقْصِ عِلْمٍ ﴿الكَبِيرُ﴾ أيِ الَّذِي لا كَبِيرَ غَيْرُهُ فَيُعارِضُهُ في شَيْءٍ مِن حُكْمٍ؛ رَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ [قالَ]: «إذا قَضى اللَّهُ الأمْرَ في السَّماءِ ضَرَبَتِ المَلائِكَةُ بِأجْنِحَتِها خُضْعانًا لِقَوْلِهِ كَأنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلى صَفْوانٍ ﴿إذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكم قالُوا﴾ - لِلَّذِي قالَ - ﴿الحَقَّ وهو العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ فَيَسْمَعُها مُسْتَرِقُ السَّمْعِ، ومُسْتَرِقُ السَّمْعِ هَكَذا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ - [و] وصَفَهُ سُفْيانُ بِكَفِّهِ فَحَرَّفَها وبَدَّدَ بَيْنَ أصابِعِهِ - فَيَسْمَعُ (p-٤٩٧)الكَلِمَةَ ويُلْقِيها إلى مَن تَحْتِهِ، ثُمَّ يُلْقِيها الآخَرُ إلى مَن تَحْتِهِ حَتّى يُلْقِيَها عَلى لِسانِ السّاحِرِ أوِ الكاهِنِ، فَرُبَّما أدْرَكَهُ الشِّهابُ قَبْلَ أنْ يُلْقِيَها، ورُبَّما ألْقاها قَبْلَ أنْ يُدْرِكَهُ فَيَكْذِبُ مَعَها مِائَةَ كِذْبَةٍ فَيُقالُ: ألَيْسَ [قَدْ] قالَ لَنا يَوْمَ كَذا وكَذا كَذا وكَذا، فَيَصْدُقُ بِتِلْكَ الكَلِمَةِ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّماءِ» وقالَ في التَّوْحِيدِ: وقالَ مَسْرُوقٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ”وإذا تَكَلَّمَ اللَّهُ بِالوَحْيِ سَمِعَ أهْلُ السَّماواتِ فَإذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ وسَكَنَ الصَّوْتُ عَرَفُوا أنَّهُ الحَقُّ ونادَوْا ماذا قالَ رَبُّكم قالُوا الحَقَّ“ [ورَوى هَذا الحَدِيثَ العَيْنِيُّ في جُزْئِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما مَوْقُوفًا عَلَيْهِ قالَ: كانَ لِكُلِّ قُبَيْلٍ مِنَ الجِنِّ مَقْعَدٌ مِنَ السَّماءِ يَسْمَعُونَ فِيهِ الوَحْيَ، وفِيهِ: فَلا يَنْزِلُ عَلى سَماءٍ إلّا صَفَّقُوا، وفي آخِرِهِ: ثُمَّ يُقالُ: يَكُونُ العامُ كَذا ويَكُونُ العامُ كَذا، فَتَسْمَعُ الجِنُّ ذَلِكَ فَتُخْبِرُ بِهِ الكَهَنَةُ النّاسَ فَيَجِدُونَهُ كَما قالُوا، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ دُحِرُوا، فَقالَتِ العَرَبُ: هَلَكَ مَن في السَّماءِ، فَذَكَرَ ذَبْحَ العَرَبِ لِأمْوالِهِمْ مِنَ الإبِلِ وغَيْرِها، حَتّى نَهَتْهم ثَقِيفٌ، واسْتَدَلُّوا بِثَباتِ مُعَلِّمِ النُّجُومِ، ثُمَّ أمَرَ إبْلِيسُ جُنْدَهُ بِإحْضارِ التُّرابِ وشَمِّهِ حَتّى عَرَفَ أنَّ الحَدَثَ مِن مَكَّةَ].

34:24Страница 431

۞ قُلۡ مَن يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ قُلِ ٱللَّهُۖ وَإِنَّآ أَوۡ إِيَّاكُمۡ لَعَلَىٰ هُدًى أَوۡ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٢٤

Скажи: «Кто наделяет вас уделом с небес и земли?». Скажи: «Аллах! Воистину, одни из нас либо на прямом пути, либо в очевидном заблуждении».

ولَمّا سَلَبَ عَنْ شُرَكائِهِمْ أنْ يَمْلِكُوا شَيْئًا مِنَ الأكْوانِ، (p-٤٩٨)وأثْبَتَ جَمِيعَ المُلْكِ لَهُ وحْدَهُ، أمَرَهُ ﷺ بِأنْ يُقَرِّرَهم بِما يَلْزَمُ مِنهُ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ﴾ ولَمّا كانَ كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الرِّزْقِ مُتَوَقِّفًا عَلى الكَوْنَيْنِ، وكانَ في مَعْرِضِ الِامْتِنانِ والتَّوْبِيخِ جَمَعَ لِئَلّا يُدَّعى أنَّ لِشَيْءٍ مِنَ العالَمِ العُلْوِيِّ مُدَبِّرًا غَيْرَهُ سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿مِنَ السَّماواتِ﴾ وقالَ: ﴿والأرْضِ﴾ بِالإفْرادِ لِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ غَيْرَها.

ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهم مُقِرُّونَ بِأنَّ ذَلِكَ لِلَّهِ وحْدَهُ كَما تَقَدَّمَ التَّصْرِيحُ بِهِ غَيْرَ مَرَّةٍ، وكانَ مِنَ المُحَقِّقِ أنَّ إقْرارَهم بِذَلِكَ مُلْزِمٌ لَهُمُ الإخْلاصَ في العِبادَةِ عِنْدَ كُلِّ مَن لَهُ أدْنى مِسْكَةٍ مِن عَقْلِهِ، أشارَ إلى ذَلِكَ [بِالإشارَةِ] بِأمْرِهِ ﷺ بِالإجابَةِ إلى أنَّهم كالمُنْكِرِينَ لِهَذا، لِأنَّ إقْرارَهم بِهِ لَمْ يَنْفَعْهم فَقالَ: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أيْ [المَلِكُ الأعْلى] وحْدَهُ، وأمَرَهُ [بَعْدَ إقامَةِ] هَذا الدَّلِيلِ [البَيِّنِ] بِأنْ يَتْبَعَهُ ما هو أشَدُّ عَلَيْهِمْ مِن وقْعِ النَّبْلِ بِطَرِيقٍ لا أنْصَفَ مِنهُ، ولا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ أنْ يُصَوِّبَ إلَيْهِ نَوْعَ طَعْنٍ بِأنْ يَقُولَ مُؤَكِّدًا تَنْبِيهًا عَلى وُجُوبِ إنْعامِ النَّظَرِ في تَمْيِيزِ المُحِقِّ مِنَ المُبْطِلِ بِالِانْخِلاعِ مِنَ الهَوى، فَإنَّ الأمْرَ في غايَةِ الخَطَرِ: ﴿وإنّا﴾ أيْ أهْلَ التَّوْحِيدِ في العِبادَةِ لِمَن تَفَرَّدَ بِالرِّزْقِ ﴿أوْ إيّاكُمْ﴾ أيْ أهْلَ الإشْراكِ بِهِ مَن لا يَمْلِكُ شَيْئًا (p-٤٩٩)مِنَ الأشْياءِ و”أوْ“ عَلى بابِها لا بِمَعْنى الواوِ، أيْ إنَّ أحَدَ فَرِيقَيْنا عَلى إحْدى الحالَتَيْنِ مُبْهَمَةٌ غَيْرُ مُعِينَةٍ فَهو عَلى خَطَرٍ عَظِيمٍ لِكَوْنِهِ في شَكٍّ مِن أمْرِهِ غَيْرَ مَقْطُوعٍ لَهُ بِالهُدى، فانْظُرُوا بِعُقُولِكم في تَعْيِينِهِ هَلْ هو الَّذِي عَرَفَ [الحَقَّ] لِأهْلِهِ أوِ الَّذِي بَذَلَ الحَقَّ لِغَيْرِ أهْلِهِ، قالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: وهَذا كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ تُكَذِّبُهُ: واللَّهِ إنَّ أحَدَنا لَكاذِبٌ، وأنْتَ تَعْنِيهِ تَكْذِيبًا غَيْرَ مَكْشُوفٍ ويَقُولُ الرَّجُلُ: واللَّهِ لَقَدْ قَدِمَ فُلانٌ، فَيَقُولُ لَهُ مَن يَعْلَمُ كَذِبَهُ: قُلْ إنْ شاءَ اللَّهُ، فَيُكَذِّبُهُ بِأحْسَنِ مِن تَصْرِيحِ التَّكْذِيبِ، يَعْنِي ولا سِيَّما بَعْدَ إقامَةِ الدَّلِيلِ عَلى المُرادِ ثُمَّ مَثَّلَ المُهْتَدِينَ بِمَن هو عَلى مَتْنِ جَوادٍ يُوَجِّهُهُ حَيْثُ شاءَ مِنَ الجَوادِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلى هُدًى﴾ أيْ في مُتابَعَةِ ما يَنْبَغِي أنْ يَعْمَلَ مُسْتَعْلِينَ عَلَيْهِ ناظِرِينَ لِكُلِّ ما يُمْكِنُ أنْ يَعْرِّضَ فِيهِ مِمّا قَدْ يَجُرُّ إلى ضَلالٍ فَتُنَكِّبُهُ ﴿أوْ في ضَلالٍ﴾ [أيْ] عَنِ الحَقِّ في الِاعْتِقادِ المُناسِبِ فِيهِ مُنْغَمِسِينَ فِيهِ وهو مُحِيطٌ بِالمُبْتَلى بِهِ لا يَتَمَكَّنُ مَعَهُ مِن وجْهِ صَوابٍ: ﴿مُبِينٍ﴾ أيْ واضِحٍ في نَفْسِهِ داعٍ لِكُلِّ أحَدٍ إلى مَعْرِفَةِ أنَّهُ ضَلالٌ إلّا مَن كانَ مُنْغَمِسًا فِيهِ مَظْرُوفًا لَهُ، فَإنَّهُ لا يُحِسُّ بِنَفْسِهِ وما بَيْنَهُ وبَيْنَ أنْ يَسْتَبْصِرَ إلّا أنْ يَخْرُجَ مِنهُ وقْتًا ما فَيَعْلَمَ أنَّهُ كانَ في حالِهِ ذَلِكَ فاعِلًا ما لا يَفْعَلُهُ (p-٥٠٠)مَن لَهُ نَوْعٌ مِنَ العَقْلِ، فَفي هَذا حَثٌّ عَلى النَّظَرِ الَّذِي كانُوا يَأْبَوْنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ﴾ [فصلت: ٥] ونَحْوُهُ في الأدِلَّةِ الَّتِي يَتَمَيَّزُ بِها الحَقُّ مِنَ الباطِلِ عَلى أحْسَنِ وجْهٍ بِأنْصَفِ دُعاءٍ وألْطَفِ نِداءٍ حَيْثُ شَرِكَ الدّاعِي نَفْسَهُ مَعَهم فِيما دَعاهم إلى النَّظَرِ فِيهِ، فالمَعْنى أنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلى كُلٍّ مِنّا - إذا كانَ عَلى إحْدى الطَّرِيقَيْنِ مُبْهَمَةً - أنْ يَنْظُرَ في أمْرٍ لِيَسْلَمَ فَإنَّ الأمْرَ في غايَةِ الوُضُوحِ مَعَ أنَّ الضّالَّ في نِهايَةِ الخَطَرِ، ولَقَدْ كانَ الفُضَلاءُ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم وذَوُو الأحْلامِ والنُّهى مِنهم يَقُولُونَ ذَلِكَ بَعْدَ الإسْلامِ كَخالِدِ بْنِ الوَلِيدِ وعَمْرِو بْنِ العاصِ، وناهِيكَ بِهِما جَلالًا، ونَباهَةً وذَكاءً وكَمالًا، قالُوا: واللَّهِ كُنّا نَعْجَبُ غايَةَ العَجَبِ مِمَّنْ يَدْخُلُ في الإسْلامِ واليَوْمَ [نَحْنُ] نَعْجَبُ غايَةَ العَجَبِ مِمَّنْ يَتَوَقَّفُ عَنْهُ.

34:25Страница 431

قُل لَّا تُسۡـَٔلُونَ عَمَّآ أَجۡرَمۡنَا وَلَا نُسۡـَٔلُ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ٢٥

Скажи: «Вас не спросят о грехах, которые мы совершили, а нас не спросят о том, что совершаете вы».

ولَمّا كانُوا بَيْنَ أمْرَيْنِ: إمّا أنْ يَسْكُتُوا فَيَعْلَمَ كُلُّ سامِعٍ أنَّ الحُجَّةَ لَزِمَتْهُمْ، وإمّا أنْ يَقُولُوا بِوَقاحَةٍ ومُكابَرَةٍ: أنْتُمْ في الضَّلالِ ونَحْنُ عَلى الهُدى، وكانَ الضّالُّ لا يَزالُ يَقْطَعُ ما يَنْبَغِي وصْلُهُ بِوَصْلٍ ما يَجِبُ قَطْعُهُ، (p-٥٠١)أمَرَهُ أنْ يُجِيبَهم عَلى هَذا التَّقْدِيرِ بِما [هُوَ] أبْلَغُ في الإنْصافِ مِنَ الأوَّلِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا تُسْألُونَ﴾ أيْ مِن سائِلٍ ما ﴿عَمّا أجْرَمْنا﴾ أيْ قَطَعْنا فِيهِ ما يَنْبَغِي أنْ يُوصَلَ مِمّا أوْجَبَهُ لَنا الضَّلالُ ﴿ولا نُسْألُ﴾ أيْ أصْلًا في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ [مِن سائِلٍ ما] ﴿عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ أيْ مِمّا بَنَيْتُمُوهُ عَلى العِلْمِ الَّذِي أوْرَثَكُمُوهُ الهُدى أيْ فاتْرُكُونا والنّاسَ غَيْرَكم كَما أنّا نَحْنُ تارِكُوكُمْ، فَمَن وضَحَ لَهُ شَيْءٌ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ سَلَكَهُ.

34:26Страница 431

قُلۡ يَجۡمَعُ بَيۡنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفۡتَحُ بَيۡنَنَا بِٱلۡحَقِّ وَهُوَ ٱلۡفَتَّاحُ ٱلۡعَلِيمُ ٢٦

Скажи: «Наш Господь соберет всех нас, а потом рассудит между нами по справедливости, ибо Он - Раскрывающий (или Справедливый Судья), Знающий».

ولَمّا كانُوا إمّا أنْ يُجِيبُوا إلى المُتارَكَةِ فَيُحَصِّلُوا بِها المَقْصُودَ عَنْ قَرِيبٍ، وإمّا أنْ يَقُولُوا: لا نَتْرُكُكُمْ، وكانَ هَذا الِاحْتِمالُ أرْجَحَ، أمَرَهُ أنْ يُجِيبَهم عَلى تَقْدِيرِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا﴾ أيْ في قَضائِهِ المُرَتَّبِ عَلى قَدَرِهِ في الدُّنْيا أوْ في الأخَرَةِ، قالَ القُشَيْرِيُّ: والشُّيُوخُ يَنْتَظِرُونَ في الِاجْتِماعِ زَوائِدَ ويَسْتَرْوِحُونَ إلى هَذِهِ الآيَةِ، ولِلِاجْتِماعِ أمْرٌ كَبِيرٌ في الشَّرِيعَةِ.

ولَمّا كانَ إنْصافُهم مِنهم في غايَةِ البُعْدِ عِنْدَهُمْ، وكانَ ذَلِكَ في نَفْسِهِ في غايَةِ العَظَمَةِ، أشارَ إلَيْهِ بِأداةِ البُعْدِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ﴾ أيْ يَحْكُمُ ﴿بَيْنَنا﴾ حُكْمًا يَسْهُلُ بِهِ الطَّرِيقُ ﴿بِالحَقِّ﴾ أيِ الأمْرِ الثّابِتِ الَّذِي (p-٥٠٢)لا يَقْدِرُ أحَدٌ مِنّا ولا مِنكم عَلى التَّخَلُّفِ عَنْهُ، وهو العَدْلُ أوِ الفَضْلُ مِن غَيْرِ ظُلْمٍ ولا مَيْلٍ. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَهو الجامِعُ القَدِيرُ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وهُوَ الفَتّاحُ﴾ أيِ البَلِيغُ الفَتْحِ لِما انْغَلَقَ، فَلَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ عَلى فَتْحِهِ ﴿العَلِيمُ﴾ أيِ البالِغُ العَمَلِ بِكُلِّ دَقِيقٍ وجَلِيلٍ مِمّا يُمْكِنُ فِيهِ الحُكُوماتُ، فَهو القَدِيرُ عَلى فَصْلِ جَمِيعِ الخُصُوماتِ.

34:27Страница 431

قُلۡ أَرُونِيَ ٱلَّذِينَ أَلۡحَقۡتُم بِهِۦ شُرَكَآءَۖ كـَلَّاۚ بَلۡ هُوَ ٱللَّهُ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٢٧

Скажи: «Покажите мне тех, кого вы приобщаете к Нему в сотоварищи. О нет! Он - Аллах, Могущественный, Мудрый».

ولَمّا كانُوا قَدْ أنْكَرُوا البَعْثَ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ الَّذِي تَقَدَّمَ، ودَلَّ عَلى قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ بِما نَصَبَ مِنَ الأدِلَّةِ الَّتِي شاهَدُوها مِن أفْعالِهِ بِالبَصَرِ أوِ البَصِيرَةِ إيجادًا وإعْدامًا، وأقامَ الحُجَّةَ عَلى صِحَّةِ الدَّعْوَةِ وبُطْلانٍ ما هم عَلَيْهِ، ثُمَّ تَهَدَّدَهم بِالفَصْلِ يَوْمَ الجَمْعِ، وخَتَمَ بِصِفَةِ العِلْمِ المُحِيطِ المُسْتَلْزِمِ لِلْقُدْرَةِ الشّامِلَةِ، وكانَتِ القُدْرَةُ لا تَكُونُ شامِلَةً إلّا عِنْدَ الوَحْدانِيَّةِ، أمَرَهُ بِما يُوجِبُ لَهُمُ القَطْعَ بِوَحْدانِيَّتِهِ وشُمُولِ قُدْرَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ.

ولَمّا كانَتْ آلِهَتُهم تُسَهِّلُ رُؤْيَتَها، وكانَ كُلُّ ما هو كَذَلِكَ سافِلَ المِقْدارِ عَنْ هَذِهِ الرُّتْبَةِ، وكانَتْ آلِهَتُهم بِالخُصُوصِ أدْنى الأشْياءِ عَنْ ذَلِكَ بِكَوْنِها مِن أخَسِّ الجَماداتِ، نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ وعَلى أنَّها نَكِرَةٌ لا تَعْرِفُ بِقَلْبٍ ولا تَدُلُّ عَلَيْها فِطْرَةٌ زِيادَةً في تَبْكِيتِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أرُونِيَ الَّذِينَ﴾ ولَمّا لَزِمَ مِمّا ثَبَتَ لَهُ سُبْحانَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ و[العُلُوِّ] الَّذِي لا يُدانِيهِ (p-٥٠٣)أحَدٌ بِوَجْهٍ قالَ: ﴿ألْحَقْتُمْ بِهِ﴾ ولَمّا كانَ الإلْحاقُ يَقْتَضِي ولا بُدَّ قُصُورَ المُلْحَقِ عَنِ المُلْحَقِ بِهِ، أشارَ إلى فَرْطِ جَهْلِهِمْ بِتَسْوِيَتِهِمْ بِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿شُرَكاءَ﴾ ثُمَّ نَبَّهَ بَعْدَ إبْطالِ قِياسِهِمْ عَلى أنَّهم في غايَةِ الجَلافَةِ والجُمُودِ فَهم كالأنْعامِ بِما قَرَّعَهم بِهِ مِنَ الرِّجْزِ في قَوْلِهِ مُؤَكِّدًا تَكْذِيبًا لَهم في دَعْوى الشِّرْكِ: ﴿كَلا﴾ أيِ ارْتَدَعُوا وانْزَجَرُوا فَلَيْسَ واللَّهِ الأمْرُ كَما ذَكَرْتُمْ ولا قَرِيبَ مِنهُ ﴿بَلْ هُوَ﴾ أيِ المَعْبُودِ بِالحَقِّ الَّذِي لا يَسْتَحِقُّ أنْ يُسَمّى هو غَيْرُهُ ﴿اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي اخْتَصَّ بِالحَمْدِ في الأُولى والآخِرَةِ ﴿العَزِيزُ﴾ أيِ الَّذِي لا مِثْلَ لَهُ، وكُلُّ شَيْءٍ مُحْتاجٌ إلَيْهِ، وهو غالِبٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ غَلَبَةً لا يَجِدُ مَعَها ذَلِكَ الشَّيْءَ وجْهَ مُدافَعَةٍ ولا انْقِلابٍ، ولا وُصُولَ لِشَيْءٍ إلَيْهِ إلّا بِإذْنِهِ ﴿الحَكِيمُ﴾ أيِ المُحْكِمِ لِكُلِّ ما يَفْعَلُهُ فَلا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ نَقْضَ شَيْءٍ [مِنهُ] فَكَيْفَ يَكُونُ لَهُ شَرِيكٌ وأنْتُمْ تَرَوْنَ [لَهُ] مِن هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ المُنافِيَتَيْنِ لِذَلِكَ وتَعْلَمُونَ عَجْزَ مَن أشْرَكْتُمُوهُ بِهِ عَنْ أنْ يُساوِيَكم مَعَ ما تَعْلَمُونَ مِن عَجْزِكم.

34:28Страница 431

وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا كَآفَّةٗ لِّلنَّاسِ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٢٨

Мы отправили тебя ко всем людям добрым вестником и предостерегающим увещевателем, но большинство людей не знает этого.

ولَمّا خَتَمَ بِوَصْفِ الحِكْمَةِ فَتَمَّ بُرْهانُ القُدْرَةِ الَّتِي كانَ أوْجَبَ اعْتِقادَهم لِعَدَمِ البَعْثِ ما يَقْتَضِي نَقْصًا فِيها، ولَزِمَ عَنْ ذَلِكَ التَّوْحِيدُ وبَطَلَ الشِّرْكُ، لَمْ يَبْقَ إلّا إثْباتُ الرِّسالَةِ الَّتِي أوْجَبَ تَرْدِيدَهم (p-٥٠٤)أخْبارَهُ ﷺ بَيْنَ الكَذِبِ والجُنُونِ والطَّعْنِ فِيها، فَعُلِمَ أنَّ التَّقْدِيرَ: أرْسَلَ إلَيْكم رَسُولَهُ بِعِزَّتِهِ مُؤَيِّدًا لَهُ بِإعْجازِ هَذا القُرْآنِ بِحِكْمَتِهِ دَلِيلًا عَلى صِدْقِهِ وكَمالِهِ في جِبِلَّتِهِ وتَأهُّلِهِ لِبَدائِعِ نِعْمَتِهِ ومَعالِي رَحْمَتِهِ، وكانَ في ذَلِكَ دَلِيلُ الصِّدْقِ في الرِّسالَةِ؛ فَنَسَّقَ بِهِ قَوْلَهُ مُعْلِيًا لِشَأْنِهِ بِالخِطابِ في مَظْهَرِ العَظَمَةِ، إشارَةً إلى أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَتَدَرَّعَ جَلابِيبَ الصَّبْرِ عَلى جَمِيعِ المَكارِهِ الصّادِرَةِ مِن أنْواعِ الخَلْقِ في أداءِ الرِّسالَةِ بِقَوْلِهِ عاطِفًا عَلى ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلا﴾ [سبإ: ١٠] مُؤَكِّدًا تَكْذِيبًا لِمَن يَدَّعِي الخُصُوصَ: ﴿وما أرْسَلْناكَ﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا ﴿إلا كافَّةً﴾ أيْ إرْسالًا عامًّا شامِلًا لِكُلِّ ما شَمِلَهُ إيجادُنا، تَكُفُّهم عَمّا لَعَلَّهم أنْ يَنْتَشِرُوا إلَيْهِ مِن مُتابَعَةِ الأهْوِيَةِ، وتَمْنَعُهم عَنْ أنْ يَخْرُجَ عَنْها مِنهم أحَدٌ، فالتّاءُ في ”كافَّةً“ لِلْمُبالَغَةِ، وعِبارَةُ ابْنِ الجَوْزِيِّ: أيْ عامَّةً لِجَمِيعِ الخَلائِقِ ﴿لِلنّاسِ﴾ أيْ كُلٍّ مِن فِيهِ قابِلِيَّةٌ لِأنْ يَنُوسَ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ وغَيْرِهِمْ مِن جَمِيعِ ما سِوى اللَّهِ وإنْ آذَوْكَ بِكُلِّ أذًى مِنَ النِّسْبَةِ إلى الِافْتِراءِ أوِ الجُنُونِ أوْ غَيْرِهِما، فَحالُ الإرْسالِ مَحْصُورٌ في العُمُومِ لِلْغَرَضِ الَّذِي ذُكِرَ مِنَ التَّدَرُّعِ لِحَمْلِ المَشاقِّ، لا في النّاسِ، فَإنَّهُ لَوْ أُرِيدَ ذَلِكَ لَقُدِّمُوا فَقِيلَ: إلّا لِلنّاسِ كافَّةً، (p-٥٠٥)وقَدْ مَضى في أوائِلِ الأنْعامِ عَنِ السُّبْكِيِّ ما يَنْفَعُ هُنا، والمَعْنى أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ فُضِّلَ بِطاعَةِ الجِبالِ لَهُ والطَّيْرِ والحَدِيدِ، وسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِما ذُكِرَ لَهُ، فَفَضِيلَتُكَ أنْتَ بِالإرْسالِ إلى كُلِّ مَن يُمْكِنُ نَوْسُهُ، فالحَصا سَبَّحَتْ في كَفِّكَ، والجِبالُ أُمِرَتْ بِالسَّيْرِ مَعَكَ ذَهَبًا وفِضَّةً، والحُمْرَةُ شَكَتْ إلَيْكَ أخْذَ فِراخِها أوْ بَيْضِها، والضَّبُّ شَهِدَ لَكَ، والجَمَلُ شَكا إلَيْكَ وسَجَدَ لَكَ، والأشْجارُ أطاعَتْكَ، والأحْجارُ سَلَّمَتْ عَلَيْكَ وائْتَمَرَتْ بِأمْرِكَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن كُلٍّ مَن يَنُوسُ بِالفِعْلِ أوِ القابِلِيَّةِ. واللَّهُ أعْلَمُ، وأمّا الجِنُّ فَحالُهم مَشْهُورٌ، وأمّا المَلائِكَةُ فالدَّلائِلُ عَلى الإرْسالِ إلَيْهِمْ في غايَةِ الظُّهُورِ، [وفِي دَلائِلَ النُّبُوَّةِ في بابِ التَّحَدُّثِ بِالنِّعْمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَلِيلٌ عَلى فَضْلِ النَّبِيِّ ﷺ عَلى الأنْبِياءِ بِعُمُومِ الرِّسالَةِ لِلْإنْسِ والجِنِّ].

ولَمّا كانَتِ البِشارَةُ هي الخَبَرَ الأوَّلَ الصِّدْقَ السّارِّ، وكانَ في ذِكْرِها رَدُّ قَوْلِهِمْ في الكَذِبِ والجُنُونِ، قالَ: ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ أيْ لِمَن أهْلٌ لِلْبِشارَةِ أوِ النِّذارَةِ. ولَمّا كانَ هَذا الإرْسالُ مَقْرُونًا بِدَلِيلِهِ مِنَ الإتْيانِ بِالمُعْجِزِ مِن نَفْسِهِ مِن جِهَةِ البَلاغَةِ في نَظْمِهِ وبِالمَعانِي المُحْكَمَةِ في البِشارَةِ والنِّذارَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، قَلَبَ عَلَيْهِمْ قَوْلَهُمُ الَّذِي لا دَلِيلَ عَلَيْهِ (p-٥٠٦)ولا شُبْهَةَ تُصَوَّبُ إلَيْهِ في حَقِّهِ ﷺ بِقَوْلِهِ الَّذِي [هُوَ] أوْضَحُ مِنَ الشَّمْسِ دَلِيلًا، وأقْوَمُ كُلِّ قِيلٍ قِيلًا: ﴿ولَكِنَّ﴾ ولَمّا كانَ النّاسُ الأوَّلِينَ كُلَّ مَن فِيهِ قابِلِيَّةُ النَّوْسِ وهم جَمِيعُ الخَلائِقِ وأكْثَرُهم [غَيْرُ] عاصٍ، أظْهَرَ مُرِيدًا الثَّقَلَيْنِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ فَقالَ: فَأكْثَرُ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ أيْ لَيْسَ لَهم قابِلِيَّةُ العِلْمِ فَيَعْلَمُوا أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ فَضْلًا عَنْ أنَّ إرْسالَكَ عامٌّ، بَلْ هم كالأنْعامِ، فَهم لِذَلِكَ لا يَتَأمَّلُونَ فَيَقُولُونَ ”افْتَرى أمْ بِهِ جِنَّةٌ“ ونَحْوُ هَذا مِن غَيْرِ تَدَبُّرٍ لِما في هَذا الكِتابِ مِنَ الحِكْمَةِ والصَّوابِ مَعَ الإعْجازِ في حالَيِ الإطْنابِ والإيجازِ، والإضْمارِ والإبْرازِ، فَيَحْمِلُهم جَهْلُهم عَلى المُخالَفَةِ والإعْراضِ.

34:29Страница 431

وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡوَعۡدُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٢٩

Они сказали: «Когда же сбудется это обещание, если вы говорите правду?».

ولَمّا سَلَبَ عَنْهُمُ العِلْمَ، أتْبَعَهُ دَلِيلَهُ، فَقالَ مُعَبِّرًا بِصِيغَةِ المُضارَعَةِ الدّالِّ عَلى مُلازَمَةِ التَّكْرِيرِ لِلْإعْلامِ بِأنَّهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ لا الِاسْتِرْشادِ: ﴿ويَقُولُونَ﴾ أيْ ما أرْسَلْناكَ إلّا [عَلى] هَذا الحالِ [والحالُ] أنَّ المُنْذَرِينَ يَقُولُونَ جَهْلًا مِنهم بِعاقِبَةِ ما يُوعَدُونَهُ غَيْرَ مُفَكِّرِينَ بِهِ في وجْهِ الخَلاصِ مِنهُ والتَّفَصِّي عَنْهُ في كُلٍّ حِينِ اسْتِهْزاءٍ مِنهُمْ: ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ أيْ بِالبِشارَةِ والنِّذارَةِ في يَوْمِ الجَمْعِ وغَيْرِهِ فَسَمَّوْهُ وعْدًا زِيادَةً في الِاسْتِهْزاءِ. ولَمّا كانَ قَوْلُ الجَماعَةِ أجْدَرَ بِالقَبُولِ، وأبْعَدَ عَنِ الرَّدِّ مِن (p-٥٠٧)قَوْلِ الواحِدِ، أشارَ إلى زِيادَةِ جَهْلِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ﴾ أيْ أيُّها النَّبِيُّ وأتْباعُهُ! كَوْنًا أنْتُمْ عَرِيقُونَ فِيهِ ﴿صادِقِينَ﴾ [أيْ] مُتَمَكِّنِينَ في الصِّدْقِ.

34:30Страница 431

قُل لَّكُم مِّيعَادُ يَوۡمٖ لَّا تَسۡتَـٔۡخِرُونَ عَنۡهُ سَاعَةٗ وَلَا تَسۡتَقۡدِمُونَ ٣٠

Скажи: «Вам обещан день, который вы не сможете отдалить или приблизить даже на час».

ولَمّا تَبَيَّنَ مِن سُؤالِهِمْ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِلِاسْتِرْشادِ وإنْ هم بالَغُوا بِهِ في التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ بَعْدَ الإبْلاغِ في إقامَةِ الأدِلَّةِ، أمَرَهُ بِأنْ يُجِيبَهم بِما يَصْلُحُ لِلْمُعانِدِ مِن صادِعِ التَّهْدِيدِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَكُمْ﴾ [أيْ] أيُّها الجامِدُونَ الأجْلافُ الَّذِينَ لا يُجَوِّزُونَ المُمْكِناتِ، ولا يَتَدَبَّرُونَ ما أوْضَحَها مِنَ الدَّلالاتِ، مَعَ ضَعْفِهِمْ عَنِ الدِّفاعِ، والمُبالَغَةِ والِامْتِناعِ ﴿مِيعادُ يَوْمٍ﴾ أيْ لا تَحْتَمِلُ العُقُولُ وصْفَ عِظَمِهِ لِما يَأْتِي فِيهِ مِنَ العِقابِ سَواءٌ كانَ يَوْمُ المَوْتِ أوِ البَعْثِ. ولَمّا كانَ تَعَلُّقُ النُّفُوسِ بِالمُهْلَةِ عَظِيمًا، قالَ: ﴿لا تَسْتَأْخِرُونَ﴾ أيْ لا يُوجَدُ تَأخُّرُكم ولا يُمْكِنُ أنْ يُطْلَبَ لِحَثِيثِ الطَّلَبِ وتَعْذُّرِ الهَرَبِ ﴿عَنْهُ ساعَةً﴾ لِأنَّ الآتِيَ بِهِ عَظِيمُ القُدْرَةِ مُحِيطُ العِلْمِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿ولا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ أيْ لا يُوجَدُ تَقَدُّمُكم لَحْظَةً فَما دُونَها ولا تَتَمَكَّنُونَ مِن طَلَبٍ ذَلِكَ.

34:31Страница 431

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن نُّؤۡمِنَ بِهَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ وَلَا بِٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِۗ وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّٰلِمُونَ مَوۡقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمۡ يَرۡجِعُ بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٍ ٱلۡقَوۡلَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ لَوۡلَآ أَنتُمۡ لَكُنَّا مُؤۡمِنِينَ ٣١

Неверующие сказали: «Мы никогда не уверуем ни в этот Коран, ни в то, что было до него». Если бы ты видел беззаконников, когда они будут стоять перед их Господом, отвечая друг другу словами. Те, которые были слабыми, скажут тем, которые превозносились: «Если бы не вы, то мы стали бы верующими».

ولَمّا دَلَّ سُبْحانَهُ بِمُلازَمَتِهِمْ لِلِاسْتِهْزاءِ بِهَذا الإنْذارِ عَلى أنَّهم غَيْرُ (p-٥٠٨)مُنْفَكِّينَ عَنْ مَذاهِبِ الكُفّارِ، ذَكَرَ تَصْرِيحَهم بِذَلِكَ وحالَهم في بَعْضِ الأوْقاتِ المُنْطَبِقَةِ عَلَيْها الآيَةُ السّالِفَةُ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ حَيْثُ عَبَّرَ بِالمَوْصُولِ وصِلَتِهِ في مَوْضِعِ الضَّمِيرِ، قَطْعًا لِلْأطْماعِ عَنْ دُعائِهِمْ: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ﴾ أيْ نُصَدِّقَ أبَدًا، وصَرَّحُوا بِالمُنْزَلِ عَلَيْهِ ﷺ بِالإشارَةِ فَقالُوا: ﴿بِهَذا القُرْآنِ﴾ أيْ وإنْ جَمَعَ جَمِيعَ الحِكَمِ والمَقاصِدِ المُضَمَّنَةِ لِبَقِيَّةِ الكُتُبِ ﴿ولا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أيْ قَبْلَهُ مِنَ الكُتُبِ: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ وغَيْرُهُما. بَلْ نَحْنُ قانِعُونَ بِما أدَّبَنا بِهِ آباؤُنا، وذَلِكَ أنَّ بَعْضَ أهْلِ الكِتابِ أخْبَرُوهم أنَّ صِفَةَ هَذا النَّبِيِّ عِنْدَهم في كُتُبِهِمْ، فَأغْضَبَهم ذَلِكَ فَقالُوهُ: ﴿ولَوْ﴾ أيْ والحالُ أنَّكَ ﴿تَرى﴾ أيْ يُوجَدُ مِنكَ رُؤْيَةٌ لِحالِهِمْ ﴿إذِ﴾ هم - هَكَذا كانَ الأصْلُ - ولَكِنْ أظْهَرَ الوَصْفَ تَعْمِيمًا وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِهِ فَقالَ: ﴿الظّالِمُونَ﴾ أيِ الَّذِينَ يَضَعُونَ الأشْياءَ في غَيْرِ مَحالِّها فَيُصَدِّقُونَ آباءَهم لِإحْسانٍ يَسِيرٍ مُكَدَّرٍ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، ولا يُصَدِّقُونَ رَبَّهُمُ الَّذِي لا نِعْمَةَ عِنْدَهم ولا عِنْدَ آبائِهِمْ إلّا مِنهُ، وقَدْ أقامَ لَهم أدِلَّةَ العَقْلِ بِما ضَرَبَ لَهم مِنَ الأمْثالِ في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ، والنَّقْلُ بِهَذا القُرْآنِ (p-٥٠٩)المَدْلُولِ عَلى صِدْقِهِ بَعْدَ إظْهارِ المُعْجِزاتِ المَحْسُوساتِ [بِعَجْزِهِمْ عَنْهُ، فَكَأنَّهم سَمِعُوهُ مِنَ اللَّهِ المُنْعِمِ الحَقِّ ﴿مَوْقُوفُونَ﴾ أيْ بَعْدَ البَعْثِ بِما يُوقِفُهم مِن قُدْرَتِهِ بِأيْدِي جُنُودِهِ أوْ بِغَيْرِها] بِأيْسَرِ أمْرٍ مِنهُ سُبْحانَهُ قَهْرًا لَهم وكَرْهًا مِنهُمْ: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أيِ الَّذِي أحْسَنَ إلَيْهِمْ فَطالَ إحْسانُهُ فَكَفَرُوا كُلَّما أحْسَنَ بِهِ إلَيْهِمْ ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ﴾ أيْ عَلى وجْهِ الخِصامِ عَداوَةً، [و] كانَ سَبَبُها مُوادَدَتَهم في الدُّنْيا بِطاعَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ في مَعاصِي اللَّهِ، قالَ القُشَيْرِيُّ: ومَن عَمِلَ بِالمَعاصِي أخْرَجَ اللَّهُ عَلَيْهِ كُلَّ مَن هو أطْوَعُ لَهُ، ولَكِنَّهم لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، ولَوْ عَلِمُوا لاعْتَبَرُوا، ولَوِ اعْتَبَرُوا لَتابُوا وتَوافَقُوا، ولَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا ﴿إلى بَعْضٍ القَوْلَ﴾ أيْ بِالمُلاوَمَةِ والمُباكَتَةِ والمُخاصَمَةِ، لَرَأيْتَ أمْرًا فَظِيعًا مُنْكَرًا هائِلًا شَنِيعًا مُقْلِقًا وجِيعًا يَسُرُّكَ مَنظَرُهُ، ويُعْجِبُكَ مِنهم أثَرُهُ ومَخْبَرُهُ، مِن ذُلِّهِمْ وتَحاوُرِهِمْ وتَخاذُلِهِمْ حَيْثُ لا يَنْفَعُهم شَيْءٌ مِن ذَلِكَ.

ولَمّا كانَ هَذا مُجْمَلًا، فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِئْنافِ: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ أيْ وقَعَ اسْتِضْعافُهم مِمَّنْ هو فَوْقَهم في الدُّنْيا وهُمُ الأتْباعُ في تِلْكَ الحالَةِ عَلى سَبِيلِ اللَّوْمِ والتَّأْنِيبِ ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ أيْ أوْجَدُوا الكِبْرَ وطَلَبُوهُ بِما وجَدُوا مِن أسْبابِهِ الَّتِي أدَّتْ إلى اسْتِضْعافِهِمْ (p-٥١٠)لِلْأوَّلِينَ وهُمُ الرُّؤُوسُ المَتْبُوعُونَ: ﴿لَوْلا أنْتُمْ﴾ أيْ مِمّا وُجِدَ مِنِ اسْتِتْباعِكم لَنا عَلى الكُفْرِ وغَيْرِهِ مِن أُمُورِكم ﴿لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ عَرِيقَيْنِ في الإيمانِ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَنا كَبْرٌ مِن أنْفُسِنا يَحْمِلُنا عَلى العِنادِ لِلرُّسُلِ.

34:32Страница 432

قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ لِلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُوٓاْ أَنَحۡنُ صَدَدۡنَٰكُمۡ عَنِ ٱلۡهُدَىٰ بَعۡدَ إِذۡ جَآءَكُمۖ بَلۡ كُنتُم مُّجۡرِمِينَ ٣٢

Те, которые превозносились, скажут тем, которые были слабыми: «Разве мы удержали вас от верного руководства после того, как оно явилось к вам? Нет, вы сами были грешниками».

ولَمّا لَمْ يَتَضَمَّنْ كَلامُهم سِوى قَضِيَّةٍ واحِدَةٍ، ذَكَرَ الجَوابَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ رَدًّا عَلَيْهِمْ وإنْكارًا لِقَوْلِهِمْ أنَّهم هُمُ الَّذِينَ صَدُّوهُمْ: ﴿أنَحْنُ﴾ خاصَّةً ﴿صَدَدْناكُمْ﴾ أيْ مَنَعْناكم وصَرَفْناكم ﴿عَنِ الهُدى﴾ ولَمّا كانُوا لا يُؤاخَذُونَ بِإهْمالِ دَلِيلِ العَقْلِ قَبْلَ إتْيانِ الرُّسُلِ، أشارُوا إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿بَعْدَ إذْ جاءَكُمْ﴾ أيْ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ.

ولَمّا كانَ المَعْنى: إنّا لَمْ نَفْعَلْ ذَلِكَ، حَسُنَ أنْ يُقالَ: إنَّهم هُمُ الَّذِينَ ضَلُّوا بِأنْفُسِهِمْ لا بِإضْلالِهِمْ، فَقالُوا: ﴿بَلْ كُنْتُمْ﴾ أيْ جِبِلَّةً وخَلْقًا ﴿مُجْرِمِينَ﴾ أيْ عَرِيقَيْنِ في قَطْعِ ما يَنْبَغِي وصْلُهُ بَعْدَ إتْيانِ الهُدى مُخْتارِينَ لِذَلِكَ كَما كُنْتُمْ قَبْلَهُ أتْباعًا لَنا ما رِدْتُمْ ولا رِدْنا،

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English