Аль-Бикаи · Тафсир · на арабском
الزمر
Аз-Зумар
Толпы · Мекканская · 75 аятов
39:1Страница 458
تَنزِيلُ ٱلۡكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ ١
Писание ниспослано от Аллаха Могущественного, Мудрого.
(p-٤٣٦)سُورَةُ ”الزُّمَرِ“
مَقْصُودُها الدَّلالَةُ عَلى أنَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - صادِقُ الوَعْدِ؛ وأنَّهُ غالِبٌ لِكُلِّ شَيْءٍ؛ فَلا يَعْجَلُ؛ لِأنَّهُ لا يَفُوتُهُ شَيْءٌ؛ ويَضَعُ الأشْياءَ في أوْفَقِ مَحالِّها؛ يَعْرِفُ ذَلِكَ أُولُو الألْبابِ؛ المُمَيِّزُونَ بَيْنَ القِشْرِ؛ واللُّبابِ؛ وعَلى ذَلِكَ دَلَّتْ تَسْمِيَتُها ”الزُّمَرُ“؛ لِأنَّها إشارَةٌ إلى أنَّهُ أنْزَلَ كُلًّا مِنَ المَحْشُورِينَ دارَهُ المُعَدَّةَ لَهُ؛ بَعْدَ الإعْذارِ في الإنْذارِ؛ والحُكْمِ بَيْنَهم بِما اسْتَحَقَّتْهُ أعْمالُهُمْ؛ عَدْلًا مِنهُ - سُبْحانَهُ - في أهْلِ النّارِ؛ وفَضْلًا عَلى المُتَّقِينَ الأبْرارِ؛ وكَذا تَسْمِيَتُها ”تَنْزِيلٌ“؛ لِمَن تَأمَّلَ آيَتَها؛ وحَقَّقَ عِبارَتَها وإشارَتَها؛ وكَذا ”الغُرَفُ“؛ لِأنَّها إشارَةٌ إلى حُكْمِهِ - سُبْحانَهُ - في الفَرِيقَيْنِ؛ أهْلِ الظُّلَلِ النّارِيَّةِ؛ والغُرَفِ النُّورِيَّةِ؛ تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِأشْرَفِ جُزْأيْهِ؛ فالقَوْلُ فِيها كالقَوْلِ في ”الزُّمَرِ“؛ سَواءٌ؛ ويَزِيدُ أهْلَ الغُرَفِ خِتامُ آيَتِهِمْ: ”وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ المِيعادَ“.
”بِسْمِ اللَّهِ“؛ الَّذِي تَمَّتْ كَلِمَتُهُ فَعَزَّ أمْرُهُ؛ ”الرَّحْمَنِ“؛ الَّذِي وضَعَ رَحْمَتَهُ العامَّةَ أحَكَمَ وضْعٍ؛ فَدَقَّ لِذِي الأفْهامِ سِرُّهُ؛ ”الرَّحِيمِ“؛ الَّذِي خَصَّ أوْلِياءَهُ بِالتَّوْفِيقِ لِطاعَتِهِ؛ فَعَمَّهم بِرُّهُ. (p-٤٣٧)لَمّا تَبَيَّنَ مِنَ التَّهْدِيدِ في ”ص“؛ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - قادِرٌ عَلى ما يُرِيدُ؛ ثُمَّ خَتَمَها بِأنَّ القُرْآنَ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ؛ وأنَّ كُلَّ ما فِيهِ لا بُدَّ أنْ يُرى؛ لِأنَّهُ واقِعٌ لا مَحالَةَ؛ لَكِنْ مِن غَيْرِ عَجَلَةٍ؛ فَكانُوا رُبَّما قالَ مُتَعَنِّتُهُمْ: ما لَهُ إذا كانَ قادِرًا لا يُعَجِّلُ ما يُرِيدُهُ بَعْدَ حِينٍ؟ عَلَّلَ ذَلِكَ بِأنَّهُ ﴿تَنْـزِيلُ﴾؛ أيْ: بِحَسَبِ التَّدْرِيجِ؛ لِمُوافَقَةِ المَصالِحِ في أوْقاتِها؛ وتَقْرِيبِهِ لِلْأفْهامِ؛ عَلى ما لَهُ مِنَ العُلُوِّ؛ حَتّى صارَ ذِكْرًا لِلْعالَمِينَ؛ ووَضَعَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ قَوْلَهُ: ﴿الكِتابِ﴾؛ لِلدَّلالَةِ عَلى جَمْعِهِ لِكُلِّ صَلاحٍ؛ أيْ لا بُدَّ أنْ يُرى جَمِيعُ ما فِيهِ؛ لِأنَّ الشَّأْنَ العَظِيمَ إنْزالُهُ عَلى سَبِيلِ التَّنْجِيمِ؛ لِلتَّقْرِيبِ في فَهْمِهِ؛ وإيقاعِ كُلِّ شَيْءٍ مِنهُ في أحْسَنِ أوْقاتِهِ؛ مِن غَيْرِ عَجَلَةٍ؛ ولا تَوانٍ؛ ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ هَذا التَّنْزِيلِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المُتَّصِفِ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿العَزِيزِ﴾؛ فَلا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ؛ وهو يَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ؛ ﴿الحَكِيمِ﴾؛ الَّذِي يَضَعُ الأشْياءَ في مَحالِّها الَّتِي هي أوْفَقُ لَها؛ فَلِكَوْنِهِ مِنهُ؛ لا مِن غَيْرِهِ؛ كانَ ذِكْرًا لِلْعالَمِينَ؛ صادِقًا في كُلِّ ما يُخْبِرُ بِهِ؛ حَكِيمًا في جَمِيعِ أُمُورِهِ.
وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا بُنِيَتْ سُورَةُ ”ص“؛ عَلى ذِكْرِ المُشْرِكِينَ؛ وعِنادِهِمْ؛ وسُوءِ ارْتِكابِهِمْ؛ واتِّخاذِهِمُ الأنْدادَ والشُّرَكاءَ؛ ناسَبَ ذَلِكَ ما افْتُتِحَتْ بِهِ سُورَةُ ”الزُّمَرِ“؛ مِنَ الأمْرِ بِالإخْلاصِ؛ الَّذِي هو نَقِيضُ (p-٤٣٨)حالِ مَن تَقَدَّمَ؛ وذِكْرِ ما عَنْهُ يَكُونُ؛ وهو الكِتابُ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿تَنْـزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿إنّا أنْـزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ٢] ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ﴾ [الزمر: ٣]؛ وجاءَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ [الزمر: ٣]؛ الآيَةَ؛ في مَعْرِضِ أنْ لَوْ قِيلَ: عَلَيْكَ بِالإخْلاصِ؛ ودَعْ مَن أشْرَكَ ولَمْ يُخْلِصْ؛ فَسَتَرى حالَهُ؛ وهَلْ يَنْفَعُهُمُ اعْتِذارُهم بِقَوْلِهِمْ: ﴿ما نَعْبُدُهم إلا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣]؛ وهَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ بُنِيَتْ سُورَةُ ”ص“؛ عَلى ذِكْرِهِمْ؛ ثُمَّ وبَّخَهُمُ اللَّهُ (تَعالى)؛ وقَرَّعَهُمْ؛ فَقالَ: ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى﴾ [الزمر: ٤]؛ الآيَةَ؛ فَنَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ عَظِيمِ مُرْتَكَبِهِمْ؛ بِقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿هُوَ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [الزمر: ٤]؛ ثُمَّ ذَكَّرَ بِما فِيهِ أعْظَمُ شاهِدٍ؛ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ؛ وتَكْوِيرِ اللَّيْلِ عَلى النَّهارِ؛ وتَكْوِيرِ النَّهارِ عَلى اللَّيْلِ؛ وذِكْرِ آيَتَيِ النَّهارِ؛ واللَّيْلِ؛ ثُمَّ خَلْقِ الكُلِّ؛ مِنَ البَشَرِ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ؛ وهي نَفْسُ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ ولَمّا حَرَّكَ (تَعالى) إلى الِاعْتِبارِ بِعَظِيمِ هَذِهِ الآياتِ؛ وكانَتْ أوْضَحَ شَيْءٍ؛ وأدَلَّ شاهِدٍ؛ عَقَّبَ ذَلِكَ بِما يُشِيرُ إلى مَعْنى التَّعَجُّبِ مِن تَوَقُّفِهِمْ بَعْدَ وُضُوحِ الدَّلائِلِ؛ ثُمَّ بَيَّنَ (تَعالى) أنَّهُ غَنِيٌّ عَنِ الكُلِّ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ [الزمر: ٧]؛ ثُمَّ قالَ: (p-٤٣٩)﴿ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧]؛ فَبَيَّنَ أنَّ مَنِ اصْطَفاهُ؛ وقَرَّبَهُ؛ واجْتَباهُ مِنَ العِبادِ؛ لا يَرْضى لَهُ بِالكُفْرِ؛ وحَصَلَ مِن ذَلِكَ مَفْهُومُ الكَلامِ؛ أنَّ الواقِعَ مِنَ الكُفْرِ إنَّما وقَعَ بِإرادَتِهِ؛ ورِضاهُ؛ لِمَنِ ابْتَلاهُ بِهِ؛ ثُمَّ آنَسَ مَن آمَنَ ولَمْ يَتَّبِعْ سَبِيلَ الشَّيْطانِ وقَبِيلِهِ؛ مِنَ المُشارِ إلَيْهِمْ في السُّورَةِ قَبْلُ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الزمر: ٧] ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكُمْ﴾ [الإسراء: ٧] ﴿ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلا عَلَيْها﴾ [الأنعام: ١٦٤]؛ ثُمَّ تَناسَجَتِ الآيُ؛ والتَحَمَتِ الجُمَلُ إلى خاتِمَةِ السُّورَةِ؛ انْتَهى.
39:2Страница 458
إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ فَٱعۡبُدِ ٱللَّهَ مُخۡلِصٗا لَّهُ ٱلدِّينَ ٢
Мы ниспослали тебе Писание с истиной. Поклоняйся же Аллаху, очищая перед Ним веру.
ولَمّا أخْبَرَ أنَّهُ مِن عِنْدِهِ؛ عَلَّلَ ذَلِكَ بِما ثَبَتَ بِهِ جَمِيعُ ما مَضى مِنَ الخَيْرِ؛ فَقالَ - صارِفًا القَوْلَ عَنِ الغَيْبَةِ؛ مُنَبِّهًا عَلى زِيادَةِ عَظَمَتِهِ بِذِكْرِ إنْزالِهِ ثانِيًا؛ مُبْرِزًا لَهُ في أُسْلُوبِ العَظَمَةِ؛ مُخْبِرًا أنَّهُ خَصَّ بِهِ أعْظَمُ خَلْقِهِ؛ مُعَبِّرًا بِالإنْزالِ الظّاهِرِ في الكُلِّ؛ تَجَوُّزًا عَنِ الحُكْمِ الجازِمِ؛ الَّذِي لا مَرَدَّ لَهُ -: ﴿إنّا﴾؛ أيْ: عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿أنْـزَلْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ وقَرَنَ هَذِهِ العَظَمَةَ بِحَرْفِ الغايَةِ؛ المُقْتَضِي لِلْواسِطَةِ؛ إشارَةً إلى أنَّ هَذا كانَ في البِدايَةِ؛ بِدَلالَةِ إتْباعِهِ بِالأمْرِ بِالعِبادَةِ؛ بِخِلافِ ما يَأْتِي في هَذِهِ السُّورَةِ؛ فَإنَّهُ لِلنِّهايَةِ بِصَيْرُورَتِهِ خُلُقًا لَهُ ﷺ؛ فَكانَ بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ أنْسَبَ؛ دَلالَةً عَلى أنَّ ثِقْلَهُ المُوجِبَ لِتَفَطُّرِ القَدَمِ؛ وسَبَبَ اللَّمَمِ؛ خاصٌّ بِهِ ﷺ؛ ومَن قَرُبَ مِنهُ؛ (p-٤٤٠)ويُسْرَهُ وسُهُولَتَهُ لِأُمَّتِهِ؛ فَقالَ: ﴿إلَيْكَ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ بِواسِطَةِ المَلَكِ؛ لا يَقْدِرُ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ أنْ يَدَّعِيَ مُشارَكَتَكَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ؛ فَتَكُونَ دَعَواهُ مُوجِبَةً لِنَوْعٍ مِنَ اللَّبْسِ؛ وأظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ؛ تَفْخِيمًا؛ بِالتَّنْبِيهِ عَلى ما فِيهِ مِن جَمْعِ الأُصُولِ؛ والفُرُوعِ؛ واللَّطائِفِ؛ والمَعارِفِ؛ ﴿الكِتابَ﴾؛ أيْ: الجامِعَ لِكُلِّ خَيْرٍ؛ مَعَ البَيانِ القاطِعِ؛ والحُكْمِ الجازِمِ بِالماضِي؛ والآتِي؛ والكائِنِ؛ مُتَلَبِّسًا ﴿بِالحَقِّ﴾؛ وهو مُطابَقَةُ الواقِعِ لِجَمِيعِ أخْبارِهِ؛ فالواقِعُ تابِعٌ لِأخْبارِهِ؛ لا يُرى لَهُ خَبَرٌ إلّا طابَقَهُ مُطابَقَةً لا خَفاءَ بِشَيْءٍ مِنها؛ لا حِلْيَةَ لَهُ؛ ولا لِباسَ؛ إلّا الحَقُّ؛ فَلا دَلِيلَ أدَلُّ عَلى كَوْنِهِ مِن عِنْدِهِ مِن ذَلِكَ؛ فَلْيَتْبَعُوا خَبَرَهُ؛ ولْيَنْظُرُوا عَيْنَهُ وأثَرَهُ.
ولَمّا ثَبَتَ بِهَذا أنَّهُ خَصَّهُ - سُبْحانَهُ - بِشَيْءٍ عَجَزَ عَنْهُ كُلُّ أحَدٍ؛ ثَبَتَ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - الإلَهُ وحْدَهُ؛ فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ - لَفْتًا لِلْقَوْلِ عَنْ مَظْهَرِ العَظَمَةِ؛ إلى أعْظَمَ مِنهُ؛ بِلَحْظِ جَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ؛ لِأجْلِ العِبادَةِ؛ تَعْظِيمًا لِقَدْرِها؛ لِأنَّها المَقْصُودُ بِالذّاتِ -: ﴿فاعْبُدِ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الحائِزَ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ؛ حالَ كَوْنِكَ ﴿مُخْلِصًا﴾؛ والإخْلاصُ هو القَصْدُ إلى اللَّهِ بِالنِّيَّةِ؛ بِلا عِلَّةٍ؛ ﴿لَهُ﴾؛ أيْ: وحْدَهُ؛ ﴿الدِّينَ﴾؛ بِمُعانَقَةِ الأمْرِ عَلى غايَةِ الخُضُوعِ؛ لِأنَّهُ خَصَّكَ بِهَذا الأمْرِ العَظِيمِ؛ فَهو أهْلٌ مِنكَ لِذَلِكَ؛ وخَسَّأ عَنْكَ الأعْداءَ؛ فَلا أحَدَ مِنهم يَقْدِرُ عَلى الوُصُولِ إلَيْكَ بِما يُوهِنُ شَيْئًا مِن أمْرِكَ؛ فَأخْلِصْ لِتَكُونَ رَأْسَ المُخْلِصِينَ؛ الَّذِينَ تَقَدَّمَ آخِرَ سُورَةِ ”ص“؛ أنَّهُ لا سَبِيلَ لِلشَّيْطانِ (p-٤٤١)عَلَيْهِمْ؛ وتَقَدَّمَ ذِكْرُ كَثِيرٍ مِن رُؤُوسِهِمْ؛ ووَقَعَ الحَثُّ عَلى الِاقْتِداءِ بِهِمْ؛ بِما ذُكِرَ مِن أمْداحِهِمْ؛ لِأجْلِ صَبْرِهِمْ في إخْلاصِهِمْ؛ قالَ الرّازِيُّ: قالَ الجُنَيْدُ: الإخْلاصُ أصْلُ كُلِّ عَمَلٍ؛ وهو مَرْبُوطٌ بِأوَّلِ الأعْمالِ؛ وهو تَصْفِيَةُ النِّيَّةِ؛ ومَنُوطٌ بِأواخِرِ الأعْمالِ بِألّا يَلْتَفِتَ إلَيْها؛ ولا يَتَحَدَّثَ بِها؛ ويُضْمِرَ في جَمِيعِ الأحْوالِ؛ وهو إفْرادُ اللَّهِ بِالعَمَلِ؛ وفي الخَبَرِ: «”أنا أغْنى الشُّرَكاءِ عَنِ الشِّرْكِ“».
39:3Страница 458
أَلَا لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلۡخَالِصُۚ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَ مَا نَعۡبُدُهُمۡ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلۡفَىٰٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡ فِي مَا هُمۡ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي مَنۡ هُوَ كَٰذِبٞ كَفَّارٞ ٣
Воистину, чистая вера может быть посвящена одному Аллаху. А те, которые взяли себе вместо Него других покровителей и помощников, говорят: «Мы поклоняемся им только для того, чтобы они приблизили нас к Аллаху как можно ближе». Аллах рассудит их в том, в чем они расходились во мнениях. Воистину, Аллах не ведет прямым путем тех, кто лжет и не верует.
ولَمّا أمَرَهُ - سُبْحانَهُ - بِهَذا الأمْرِ؛ نادى بِاسْتِحْقاقِهِ لِذَلِكَ؛ وأنَّهُ لَمْ يَطْلُبْ غَيْرَ حَقِّهِ؛ وأنَّ ذَلِكَ لا يُتَصَوَّرُ أنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ؛ فَقالَ - في جَوابِ مَن كَأنَّهُ قالَ: لِمَ مَنَعَهُ مِنَ الِالتِفاتِ إلى غَيْرِهِ؟ مُنادِيًا؛ إشارَةً إلى أنَّهُ لا مُكافِئَ لَهُ؛ فَلا يَسَعُ أحَدًا يَبْلُغُهُ هَذا النِّداءُ إلّا الخُضُوعُ طائِعًا؛ أوْ كارِهًا -: ﴿ألا لِلَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْلى؛ وحْدَهُ؛ ﴿الدِّينُ الخالِصُ﴾؛ لِأنَّهُ لَهُ الأمْرُ والخَلْقُ؛ لا يَشْرِكُهُ فِيهِ أحَدٌ؛ فَكَما تَفَرَّدَ بِأنْ خَلْقَكَ؛ وخَلَقَ كُلَّ ما لَكَ مِن شَيْءٍ؛ فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ تُفْرِدَهُ بِالطّاعَةِ؛ ولِأنَّهُ إذا عَبَدَهُ أحَدٌ مُخْلِصًا؛ كَفاهُ كُلَّ شَيْءٍ؛ وأمّا غَيْرُهُ فَلَوْ أخْلَصَ لَهُ أحَدٌ لَمْ يُمْكِنْ أنْ يَكْفِيَهُ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ؛ فَضْلًا عَنْ كُلِّ شَيْءِ؛ والدِّينُ الَّذِي هو أهْلٌ لِلْإخْلاصِ هو الإسْلامُ؛ الَّذِي كانَ في كُلِّ مِلَّةٍ؛ المُنْبَنِي عَلى القَواعِدِ (p-٤٤٢)الخَمْسِ؛ المُثَبَّتَةِ بِالإخْلاصِ المَحْضِ؛ النّاشِئِ مِنَ المُراقَبَةِ في الأوامِرِ؛ والنَّواهِي؛ وجَمِيعِ ما يُرْضِي الشّارِعَ لِلدِّينِ؛ أوْ يُسْخِطُهُ؛ فَتَكُونُ جُمْلَتُهُ لِلَّهِ؛ مِن غَيْرِ شَهْوَةٍ ظاهِرَةٍ؛ أوْ باطِنَةٍ؛ في شُهْرَةٍ؛ ولا غَيْرِها؛ وإنَّما اسْتَحَقَّهُ - سُبْحانَهُ - دُونَ غَيْرِهِ؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي شَرَعَهُ؛ ولا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ؛ فَكَيْفَ يَشْرِكُهُ مَن لا أمْرَ لَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ؛ وأمّا ما كانَ فِيهِ أدْنى شِرْكٍ؛ فَهو رَدٌّ عَلى عامِلِهِ؛ واللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ؛ وهَذِهِ - كَما تَرى - مُناداةٌ لَعَمْرِي تَخْضَعُ لَها الأعْناقُ؛ فَتُنَكَّسُ الرُّؤُوسُ؛ ولا يُوجَدُ لَها جَوابٌ إلّا بِـ ”نَعَمْ وعِزَّتِهِ“؛ و”إي وكِبْرِيائِهِ وعَظَمَتِهِ“؛ قالَ القُشَيْرِيُّ: وما لِلْعَبْدِ فِيهِ نَصِيبٌ فَهو عَنِ الإخْلاصِ بَعِيدٌ؛ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ بِأمْرِهِ؛ فَإنَّهُ إذا أمَرَ العَبْدَ أنْ يَحْتَسِبَ الأجْرَ عَلى طاعَتِهِ؛ فَأطاعَهُ؛ لا يَخْرُجُ عَنْ الِاحْتِسابِ بِاحْتِسابِهِ أمْرَهُ فِيهِ؛ ولَوْلا هَذا لَما صَحَّ أنْ يَكُونَ في العالَمِ مُخْلِصٌ؛ قالَ ابْنُ بُرْجانَ: وذَلِكَ - أيْ: تَرْكُ الإخْلاصِ - كُلُّهُ مُوَلَّدٌ عَنْ حُبِّ البَقاءِ في الدُّنْيا؛ ونِسْيانِ لِقاءِ اللَّهِ (تَعالى)؛ ثُمَّ قالَ ما مَعْناهُ: إنَّ ذَلِكَ مِنَ الشِّرْكِ؛ وهو ثَلاثَةُ أنْواعٍ: شِرْكٌ في الإلَهِيَّةِ؛ وهو أنْ يَرى مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ؛ وهو شِرْكُ المَجُوسِ والمُجِسِّمَةِ؛ والوَثَنِيَّةِ؛ ويُضاهِيهِ غَلَطُ القَدَرِيَّةِ؛ الثّانِي شِرْكٌ في العِبادَةِ؛ بِالرِّياءِ؛ وإضافَةِ العَمَلِ إلى النَّفْسِ؛ والثّالِثُ الشِّرْكُ الخَفِيُّ؛ وهو الشَّهْوَةُ الخَفِيَّةُ؛ وهو أنْ يُخْفِيَ العَمَلَ؛ ويَخافَ مِن إظْهارِهِ؛ ويُحِبَّ لَوِ اطُّلِعَ عَلَيْهِ؛ ومُدِحَ بِأسْرارِهِ؛ ومِن أحْسَنِ العَوْنِ عَلى الإخْلاصِ الحَياءُ مِنَ اللَّهِ؛ (p-٤٤٣)أنْ تَتَزَيَّنَ لِغَيْرِهِ بِعَمَلٍ ألْهَمَكَ إيّاهُ؛ وقَوّاكَ عَلَيْهِ؛ وخِلْتَ فِيهِ؛ وزَعَمْتَ تَطْلُبُ التَّقَرُّبَ إلَيْهِ؛ فَأتاكَ عَدُوُّهُ إبْلِيسُ؛ الَّذِي عاداهُ فِيكَ؛ فَتُطِيعَهُ فِيما يَضُرُّكَ؛ ولا يَنْفَعُكَ؛ فاسْتَعِنْ عَلى عِبادَتِكَ بِالسَّتْرِ؛ فاسْتُرْ حَسَناتِكَ؛ كَما تَسْتُرُ سَيِّئاتِكَ؛ فَإنَّ عَمَلَ السِّرِّ يَزِيدُ عَلى عَمَلِ العَلانِيَةِ سَبْعِينَ ضِعْفًا؛ وذَلِكَ كالشَّجَرَةِ؛ إذا ظَهَرَتْ عُرُوقُها ضَعُفَ شُرْبُها؛ وأضَرَّ بِها حَرارَةُ الهَواءِ؛ وبَرْدُهُ؛ وتَعَرَّضَتْ لِلْآفاتِ؛ مِن قَطْعٍ؛ ويَبَسٍ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ ولَمْ تَحْسُنْ فُرُوعُها؛ وخَفَّ ورَقُها؛ فَقَلَّ نَفْعُها؛ وإذا غاصَتْ عُرُوقُها غابَتْ عَنِ الآفاتِ؛ وأمِنَتِ القَطْعَ مِن أيْدِي النّاسِ؛ فَكَثُرَ شُرْبُها؛ فَجَرى ماؤُها فِيها؛ فَتَزايَدَتْ لِذَلِكَ فُرُوعُها؛ واخْضَرَّ ورَقُها؛ وكَثُرَ خَيْرُها؛ وطابَ ثَمَرُها لِجانِيها؛ فَكَذَلِكَ العَمَلُ إذا كانَتْ لَهُ أصُولٌ في القَلْبِ مَسْتُورَةٌ زَكا في نَفْسِهِ؛ وطُهُرَ مِنَ الأدْناسِ؛ وكَثُرَ خَيْرُهُ؛ وطابَ ثَوابُهُ لِعامِلِهِ؛ وإذا بَدا لَمْ يُؤْمَن عَلَيْهِ مِن أبْصارِ النّاظِرِينَ؛ وإذا خَفِيَ لَمْ يَبْقَ ما يُخافُ مِنهُ؛ إلّا العُجْبَ؛ ومَحَبَّةَ أنْ يُطَّلَعَ عَلَيْهِ؛ وهي الشَّهْوَةُ الخَفِيَّةُ؛ ومِن قَوْلِهِمْ: ”مَن عَرَفَ اللَّهَ بَعْدَ الضَّلالَةِ؛ وعَرَفَ الإخْلاصَ بَعْدَ الرِّياءِ؛ وأنْزَلَ المَوْتَ حَقَّ مَنزِلَتِهِ؛ لَمْ يَغْفُلْ عَنِ المَوْتِ والِاسْتِعْدادِ لَهُ بِما أمْكَنَهُ“؛ انْتَهى.
ولَمّا أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - عَمّا لَهُ وحْدَهُ؛ وكانَ مَحَطُّ أمْرِ الإنْسانِ؛ بَلْ جَمِيعِ الحَيَوانِ؛ عَلى الهِدايَةِ إلى مَصالِحِهِ؛ لِيَفْعَلَها؛ ومَفاسِدِهِ لِيَتْرُكَها؛ وأرْشَدَ (p-٤٤٤)السِّياقُ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: فَمَن أخْلَصَ لَهُ الدِّينَ هَداهُ في جَمِيعِ أُمُورِهِ؛ وإنِ اشْتَدَّ الإشْكالُ؛ وتَراكَمَتْ وُجُوهُ الضَّلالِ؛ عَطَفَ عَلَيْهِ الإخْبارَ عَمَّنْ لَزِمَ الضَّلالَ؛ والغَيَّ؛ والمِحالَ؛ فَقالَ - مُحَذِّرًا مِن مِثْلِ حالِهِ؛ بِما حُكِمَ عَلَيْهِ في مَآلِهِ: ﴿والَّذِينَ﴾؛ ولَمّا كانَ الإنْسانُ مَفْطُورًا عَلى الخُضُوعِ لِلْمَلِكِ الدَّيّانِ؛ ولا يَلْتَفِتُ إلى غَيْرِهِ إلّا بِمُعالَجَةِ النَّفْسِ بِما لَها مِنَ الهَوى والطُّغْيانِ؛ عَبَّرَ بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ؛ فَقالَ: ﴿اتَّخَذُوا﴾؛ أيْ: عالَجُوا عُقُولَهُمْ؛ حَتّى صَرَفُوها عَنِ اللَّهِ؛ فَأخَذُوا؛ ونَبَّهَهم عَلى خَطَئِهِمْ في رِضاهم بِالأدْنى عَلى الأعْلى؛ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِهِ﴾؛ ومَعْلُومٌ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ دُونَهُ؛ ﴿أوْلِياءَ﴾؛ أيْ: يَكِلُونَ إلَيْهِمْ أُمُورَهُمْ؛ ويَدْخُلُ فِيهِمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا أحْبارَهُمْ؛ ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ؛ مَعَ اعْتِرافِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ تَفَرَّدَ بِخَلْقِهِمْ؛ ورِزْقِهِمْ.
ولَمّا كانَ مِنَ العَجَبِ العَجِيبِ فِعْلُهم هَذا؛ بَيَّنَ ما وجَّهُوا بِهِ فِعْلَهم لِيَكُونَ آيَةً بَيِّنَةً في أنَّهُ لا هُدى لَهُمْ؛ فَقالَ: ﴿ما﴾؛ أيْ: قائِلِينَ لِمَن أخْلَصُوا لَهُ الدِّينَ؛ إذا أنْكَرُوا عَلَيْهِمْ أنْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِهِ ولِيًّا: ما ﴿نَعْبُدُهُمْ﴾؛ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ؛ ﴿إلا لِيُقَرِّبُونا﴾؛ ونَبَّهَ - سُبْحانَهُ - عَلى بُعْدِهِمْ عَنِ الصَّوابِ بِالتَّعْبِيرِ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ؛ مَعَ حَرْفِ الغايَةِ؛ فَقالَ: ﴿إلى اللَّهِ﴾؛ الَّذِي لَهُ مَعاقِدُ العِزِّ؛ ومَجامِعُ العَظَمَةِ؛ تَقْرِيبًا عَظِيمًا؛ عَلى وجْهِ التَّدْرِيجِ؛ ويُزْلِفُونا إلَيْهِ ﴿زُلْفى﴾؛ أيْ: تَقْرِيبًا حَسَنًا؛ سَهْلًا؛ بَهِجًا؛ زائِدًا؛ نامِيًا؛ مُتَعالِيًا؛ قالَ القُشَيْرِيُّ: ولَمْ يَقُولُوا هَذا مِن قِبَلِ اللَّهِ؛ ولا بِإذْنِهِ؛ وإنَّما حَكَمُوا بِذَلِكَ مِن ذاتِ أنْفُسِهِمْ؛ فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ؛ وفي هَذا إشارَةٌ إلى ما يَفْعَلُهُ العَبْدُ (p-٤٤٥)مِنَ القُرْبِ بِنَشاطِ نَفْسِهِ؛ مِن غَيْرِ أنْ يَقْتَضِيَهُ حُكْمُ الوَقْتِ؛ فَكُلُّ ذَلِكَ اتِّباعُ هَوًى؛ انْتَهى؛ والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ فِعْلَ التَّقْرِيبِ أوَّلًا؛ دَلِيلًا عَلى فِعْلِ الزَّلْفِ ثانِيًا؛ واسْمَ الزَّلْفِ ثانِيًا؛ دَلِيلًا عَلى الِاسْمِ مِنَ التَّقْرِيبِ أوَّلًا؛ وسِرُّهُ أنَّهم أرادُوا بِهَذا الِاعْتِذارَ المُسْكِتَ عَنْ قَبِيحِ صَنِيعِهِمْ؛ فَأتى - سُبْحانَهُ - في حِكايَتِهِ عَنْهم بِالتَّأْكِيدِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ؛ لِأنَّ الدَّلالَةَ عَلى المَعْنى بِلَفْظَيْنِ أجْدَرُ في ثَباتِهِ؛ وتَكْثِيرِهِ؛ مِن لَفْظٍ واحِدٍ؛ وبَدَأ بِأرْشَقِ الفِعْلَيْنِ؛ وأشْهَرِهِما؛ وأخَفِّهِما؛ وأوْضَحِهِما؛ وقَدْ خَسِرَ لَعَمْرِي غايَةَ الخَسارَةِ قَوْمٌ تَمَذْهَبُوا بِأقْبَحِ المَذاهِبِ؛ وجَعَلُوا عُذْرَهم هَذِهِ الآيَةَ الَّتِي ذَمَّ اللَّهُ المُعْتَذِرَ بِها؛ وعَلى ذَلِكَ فَقَدْ راجَ اعْتِذارُهم بِها عَلى كَثِيرٍ مِنَ العُقُولِ؛ وهم أهْلُ الِاتِّحادِ؛ الَّذِينَ لا أسْخَفَ مِن عُقُولِهِمْ؛ ولا أجْمَدَ مِن أذْهانِهِمْ.
ولَمّا كانَ إنَّما مَحَطُّ دِينِهِمُ الهَوى؛ وكانَ كُلُّ مَن تَبِعَ الهَوى لا يَنْفَكُّ عَنْ الِاضْطِرابِ في نَفْسِهِ؛ فَكَيْفَ إذا كانَ مَعَهُ غَيْرُهُ؟! فَكَيْفَ إذا كانُوا كَثِيرًا؟! فَيَكْثُرَ الخِلافُ؛ والنِّزاعُ؛ وإنْ لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ بِالفِعْلِ؛ كانَ بِالقُوَّةِ؛ ولِذَلِكَ كانَ لِكُلِّ قَبِيلَةٍ مِمَّنْ يَعْبُدُ الأصْنامَ صَنَمٌ غَيْرُ صَنَمِ الأُخْرى؛ وكانَ بَعْضُ القَبائِلِ يَعْبُدُ الشِّعْرى؛ وبَعْضُهم يَعْبُدُ المَلائِكَةَ؛ وبَعْضُهم غَيْرَ ذَلِكَ؛ (p-٤٤٦)﴿إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهم وكانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩] ﴿فَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٣]؛ نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ؛ مُهَدِّدًا لَهم بِقَوْلِهِ - مُخْبِرًا؛ مُؤَكِّدًا؛ لِأجْلِ إنْكارِهِمْ -: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ؛ ولَمّا لَمْ يُقَيِّدِ الحُكْمَ بِالقِيامَةِ؛ وكانُوا مُعْتَرِفِينَ بِأنَّ المَصائِبَ في الدُّنْيا مِنهُ؛ قالَ: ﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾؛ مِن غَيْرِ تَأْكِيدٍ آخَرَ؛ أيْ: بَيْنَ جَمِيعِ المُخالِفِينَ في الأدْيانِ؛ وغَيْرِها؛ مِنَ المُتَّخِذِينَ لِلْأوْلِياءِ مِن دُونِهِ؛ ومِنَ المُخْلِصِينَ؛ وغَيْرِهِمْ؛ فَلا بُدَّ أنْ يَنْصُرَ أهْلَ الحَقِّ عَلى جَمِيعِ أهْلِ الباطِلِ.
ولَمّا كانُوا أوْزاعًا؛ أكْثَرُ قَبائِلِهِمْ عَلى خِلافِ ما يَعْتَقِدُهُ غَيْرُها؛ قالَ: ﴿فِي ما﴾؛ أيْ: في الدِّينِ الَّذِي...؛ والأمْرِ الَّذِي...؛ ولَمّا كانَ تَحْكِيمُهم لِلْهَوى مُوَفِّرًا لِدَواعِيهِمْ عَلى الِاخْتِلافِ؛ وكانَ الِاتِّخاذُ؛ الَّذِي يُبْنى الكَلامُ عَلَيْهِ؛ لَهُ نَظَرٌ عَظِيمٌ إلى عِلاجِ الباطِنِ؛ بِخِلافِ سُورَةِ ”يُونُسَ“؛ أثْبَتَ الضَّمِيرَ هُنا؛ فَقالَ: ﴿هُمْ﴾؛ أيْ: بِضَمائِرِهِمْ؛ ﴿فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾؛ أيْ: لَيْسَ لَهم أصْلٌ يَضْبِطُهُمْ؛ فَهم لا يَرْجِعُونَ إلّا إلى الخَلْفِ؛ كَيْفَما تَقَلَّبُوا؛ لِأنَّهم مَظْرُوفُونَ لِذَلِكَ العَمَلِ؛ الَّذِي مَبْناهُ الهَوى؛ الَّذِي هو مَنشَأُ الِاخْتِلافِ؛ فَكَيْفَ إذا انْضَمَّ إلى ذَلِكَ خِلافُ المُخْلِصِينَ وإنْكارُهم عَلَيْهِمُ؛ الَّذِي أرْشَدَ إلَيْهِ اعْتِذارُهُمْ؟! فَظَهَرَ مِن هَذا أنَّ اخْتِلافَ الأئِمَّةِ في فَهْمِ كِتابِ اللَّهِ؛ وسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ؛ لِقَواعِدَ اسْتَنْبَطُوها مِن ذَلِكَ؛ لا يَخْرُجُونَ (p-٤٤٧)عَنْها؛ لَيْسَ خِلافًا؛ بَلْ وِفاقٌ؛ لِوَحْدَةِ ما يَرْجِعُونَ إلَيْهِ مِنَ الأصْلِ الصَّحِيحِ الثّابِتِ عَنِ اللَّهِ؛ ومِن هَذا إنْكارُ النَّبِيِّ ﷺ عَلى عُمَرَ؛ وأُبَيٍّ؛ وغَيْرِهِما - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -؛ لَمّا أنْكَرَ كُلٌّ مِنهم عَلى مَن خالَفَهُ في القِراءَةِ؛ وقالَ: «”إنَّ هَذا القُرْآنَ أُنْزِلَ عَلى سَبْعَةِ أحْرُفٍ؛ فَلا تَخْتَلِفُوا“؛» فَلا فارِقَ بَيْنَ أنْ يَسْتَنِدَ كُلٌّ مِنَ الأمْرَيْنِ إلى النَّبِيِّ ﷺ؛ نَقْلًا؛ أوِ اجْتِهادًا؛ لِأنَّهُ في قُوَّةِ الِاتِّفاقِ؛ لِوَحْدَةِ مَرْجِعِهِ؛ واللَّهُ المُوَفِّقُ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في ”بَيْنَهُمْ“؛ لَهُمْ؛ ولِمَعْبُوداتِهِمْ؛ فَإنَّهم لَيْسَ مِنهم مَعْبُودٌ صامِتٌ؛ ولا ناطِقٌ؛ إلّا وهو صارِخٌ بِلِسانِ حالِهِ؛ إنْ لَمْ يَنْطِقْ لِسانُ قالِهِ؛ بِأنَّهُ مَقْهُورٌ؛ مَرْبُوبٌ؛ عابِدٌ؛ لا مَعْبُودٌ؛ فَهم - مَعَ مَن يَعْبُدُهم - في غايَةِ الخِلافِ. (p-٤٤٨)ولَمّا كانَ مِنَ الأمْرِ الواضِحِ أنَّ الدِّينَ لا يَكُونُ صالِحًا إلّا إنِ انْتَظَمَ بِنِظامٍ غَيْرِ مُخْتَلٍّ؛ وكانَ الدِّينُ إذا كانَ مُعْوَجًّا؛ داعِيًا إلى التَّفَرُّقِ؛ مُنادِيًا عَلى نَفْسِهِ بِالِانْخِلاعِ عَنْهُ؛ والبُعْدِ مِنهُ؛ فَكانَ الحالُ مُقْتَضِيًا لِلتَّعَجُّبِ مِمَّنْ تَدَيَّنَ بِهِ؛ فَضْلًا عَمَّنْ يَدُومُ عَلَيْهِ؛ فَضْلًا عَمَّنْ لا يَنْتَبِهُ عِنْدَ التَّنْبِيهِ؛ فَضْلًا عَمَّنْ يُقاتِلُ دُونَ ذَلِكَ؛ أجابَ مَن كَأنَّهُ قالَ: ما سَبَبُ عُكُوفِهِمْ عَلى هَذا الضَّلالِ؛ الَّذِي أوْجَبَ لَهم قَطْعًا الِاخْتِلافَ بِالفِعْلِ؛ أوْ بِالقُوَّةِ؟ فَقالَ - مُؤَكِّدًا؛ تَكْذِيبًا لِمَن يُنْكِرُ ما تَضَمَّنَهُ هَذا الإخْبارُ؛ وإنْ (p-٤٤٩)ظَهَرَ لِبَعْضِ العُمْيِ غَيْرُ ذَلِكَ؛ مِمّا يَبْدُو مِنَ الكَذَبَةِ؛ والكَفَرَةِ؛ مِن أعْمالٍ مُزَيَّنَةٍ؛ وأفْكارٍ دَقِيقَةٍ؛ فَتُظَنُّ هُدًى؛ وإنَّما هي اسْتِدْراجٌ؛ ولَمّا أرْشَدَ السِّياقُ إلى أنَّ المَعْنى: لِأنَّهم غَيْرُ مُهْتَدِينَ؛ لِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقِ الهِدايَةَ في قُلُوبِهِمْ؛ نَسَّقَ بِهِ قَوْلَهُ -: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: المَلِكَ القادِرَ؛ القاهِرَ؛ الحَكِيمَ؛ ولَمّا كانَ الأصْلُ: لا يَهْدِيهِمْ؛ وأرادَ - سُبْحانَهُ - التَّعْمِيمَ؛ وتَعْلِيقَ الحُكْمِ بِالوَصْفِ؛ تَنْفِيرًا عَنْهُ؛ قالَ: ﴿لا يَهْدِي﴾؛ أيْ: لا يَخْلُقُ الهِدايَةَ في قَلْبِ ﴿مَن هُوَ﴾؛ أيْ: لِضَمِيرِهِ؛ ﴿كاذِبٌ﴾؛ أيْ: مُرْتَكِبٌ الكَذِبَ؛ عَرِيقٌ فِيهِ؛ حَتّى أدّاهُ كَذِبُهُ إلى أنْ يَقُولَ عَلى مَلِكِ المُلُوكِ: إنَّ شَيْئًا يُقَرِّبُ إلَيْهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ؛ ويَخْضَعَ بِالعِبادَةِ - الَّتِي هي نِهايَةُ التَّعْظِيمِ؛ فَهي لا تَلِيقُ بِغَيْرِ مَن يُنْعِمُ غايَةَ الإنْعامِ - لِمَن لا يَمْلِكُ ضَرًّا؛ ولا نَفْعًا؛ ولَمْ يُعَبِّرْ في الكَذِبِ بِصِيغَةِ مُبالَغَةٍ؛ لِأنَّ الَّذِينَ السِّياقُ لَهم لَمْ يَقَعْ مِنهم كَذِبٌ إلّا في ادِّعائِهِمْ أنَّهم يُقَرِّبُونَهم.
ولَمّا كانَ مَن كَفَرَ في حِينٍ مِنَ الدَّهْرِ قَدْ ضاعَفَ كُفْرَهُ؛ لِكَثْرَةِ ما عَلى الوَحْدانِيَّةِ مِنَ الدَّلائِلِ؛ وما لِلَّهِ عَلَيْهِ مِنَ الإحْسانِ؛ وكانَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ لَهُمُ السِّياقُ قَدْ كَفَرُوا بِتَأْهِيلِهِمْ لِشُرَكائِهِمْ لِلْعِبادَةِ؛ ولِعِبادَتِهِمْ بِالفِعْلِ؛ ولِادِّعائِهِمْ فِيهِمُ التَّقْرِيبَ؛ قالَ ﴿كَفّارٌ﴾؛ بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ؛ والأحْسَنُ أنْ يُقالَ: إنَّ المُبالَغَةَ لِإفْهامِ أنَّ الَّذِي لا يَهْدِيهِ إنَّما هو مَن خَتَمَ عَلَيْهِ - سُبْحانَهُ - المَوْتَ عَلى ذَلِكَ؛ قالَ القُشَيْرِيُّ: والإشارَةُ إلى تَهْدِيدِ مَن يَتَعَرَّضُ لِغَيْرِ مَقامِهِ؛ ويَدَّعِي شَيْئًا لَيْسَ بِصادِقٍ فِيهِ؛ فاللَّهُ لا يَهْدِيهِ قَطُّ إلى ما فِيهِ سَدادُهُ؛ ورُشْدُهُ؛ وعُقُوبَتُهُ أنْ يَحْرِمَهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ الَّذِي تَصَدّى لَهُ بِدَعْواهُ قَبْلَ تَحَقُّقِهِ بِوُجُودِهِ وذَوْقِهِ.
39:4Страница 458
لَّوۡ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَدٗا لَّٱصۡطَفَىٰ مِمَّا يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ سُبۡحَٰنَهُۥۖ هُوَ ٱللَّهُ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّارُ ٤
Если бы Аллах захотел иметь детей, то Он избрал бы из Своих творений того, кого бы пожелал. Пречист Он! Он - Аллах, Единственный, Всемогущий.
ولَمّا أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - بِالحُكْمِ بَيْنَهُمْ؛ فَكانَ ذَلِكَ - مَعَ تَضَمُّنِهِ التَّهْدِيدَ - وافِيًا بِنَفْيِ الشَّرِيكِ؛ كافِيًا في ذَلِكَ؛ لِأنَّ المَحْكُومَ فِيهِ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَسِيمًا لِلْحاكِمِ؛ فَلَمْ يَبْقَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ شُبْهَةٌ إلّا عِنْدَ ادِّعاءِ الوَلَدِيَّةِ؛ قالَ - نافِيًا لَها؛ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِئْنافِ؛ جَوابًا لِمَن يَقُولُ: فَما حالُ مَن يَتَوَلّى الوَلَدَ؟ قالَ القُشَيْرِيُّ: والمُحالُ يُذْكَرُ عَلى جِهَةِ الإبْعادِ أنْ لَوْ كانَ كَيْفَ حُكْمُهُ -: ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِصِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿أنْ يَتَّخِذَ﴾؛ أيْ: يَتَكَلَّفَ؛ كَما هو دَأْبُكُمْ؛ ولا يَسُوغُ في عَقْلٍ أنَّ الإلَهَ يَكُونُ مُتَكَلِّفًا؛ ﴿ولَدًا﴾؛ أيْ: كَما زَعَمَ مَن زَعَمَ ذَلِكَ؛ ولَمّا كانَ الوَلَدُ لا يُرادُ إلّا أنْ يَكُونَ خِيارًا؛ وكانَ اللَّهُ قادِرًا عَلى كُلِّ شَيْءٍ؛ عَدَلَ عَنْ أنْ يَقُولَ: ”لاتَّخَذَ“؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿لاصْطَفى﴾؛ أيْ: اخْتارَ عَلى سَبِيلِ التَّبَنِّي؛ ﴿مِمّا يَخْلُقُ﴾؛ أيْ: يُبْدِعُهُ في أسْرَعَ مِنَ الطَّرْفِ؛ وعَبَّرَ بِالأداةِ الَّتِي أكْثَرُ اسْتِعْمالِها فِيما لا يَعْقِلُ؛ إشارَةً إلى أنَّهُ قادِرٌ عَلى جَعْلِ أقَلِّ الأشْياءِ (p-٤٥٠)أجَلَّها؛ عَلى سَبِيلِ التَّكْرارِ؛ والِاسْتِمْرارِ؛ كَما أشارَ إلَيْهِ التَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ؛ فَقالَ: ﴿ما يَشاءُ﴾؛ أيْ: مِمّا يَقُومُ مَقامَ الوَلَدِ؛ فَإنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى التَّطْوِيرِ في إتْيانِ الوَلَدِ إلّا مَن لا يَقْدِرُ عَلى الإبْداعِ بِغَيْرِ ذَلِكَ.
ولَمّا كانَ لا يَرْضى إلّا بِأكْمَلِ الأوْلادِ؛ وهُمُ الأبْناءُ؛ لَكِنَّهُ لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ؛ فَلَمْ يَكُنْ؛ فَهَذا أقْصى ما يُمْكِنُ أنْ يَجُوزَ في العَقْلِ أنْ يَخْلُقَ خَلْقًا شَرِيفًا؛ ويُسَمِّيَهُ ولَدًا؛ إشارَةً إلى شِدَّةِ إكْرامِهِ لَهُ؛ وتَشْرِيفِهِ إيّاهُ؛ أوْ يُقَرِّبُهُ غايَةَ التَّقْرِيبِ؛ كَما فَعَلَ بِالمَلائِكَةِ؛ وعِيسى - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِغَلَطِكم فِيهِمْ؛ حَتّى ادَّعَيْتُمْ أنَّهم أوْلادٌ؛ ثُمَّ زَعَمْتُمْ أنَّهم بَناتٌ؛ فَكُنْتُمْ كاذِبِينَ مِن جِهَتَيْنِ؛ هَذا غايَةُ الإمْكانِ؛ وأمّا أنَّهُ يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّوْلِيدُ؛ فَلا؛ بَلْ هو مِمّا يُحِيلُهُ العَقْلُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا لِمُحْتاجٍ؛ والإلَهُ لا يُتَصَوَّرُ في عَقْلٍ أنْ يَكُونَ مُحْتاجًا أصْلًا؛ قالَ ابْنُ بُرْجانَ ما مَعْناهُ: كانَ مَعْهُودُ الوِلادَةِ عَلى وجْهَيْنِ؛ فَوَلَدٍ مَنسُوبٍ إلى والِدِهِ بُنُوَّةً؛ ووِلادَةً؛ ورَحِمًا؛ فَهَذا لَيْسَ لَهُ في الوُجُودِ العَلِيِّ وُجُودٌ؛ ولا في الإمْكانِ تَمَكُّنٌ؛ ولا في الفِعْلِ مَساغٌ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ؛ ووَلَدٍ بِمَعْنى التَّبَنِّي؛ والِاتِّخاذِ؛ وقَدْ كانَتِ العَرَبُ وغَيْرُها مِنَ الأُمَمِ يَفْعَلُونَهُ؛ حَتّى نَسَخَهُ القُرْآنُ؛ فَلا يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ العِبارَةُ كانَتْ جائِزَةً في الكُتُبِ قَبْلَنا؛ فَلَمّا أعْضَلَ (p-٤٥١)بِهِمُ الدّاءُ؛ وألْحَدُوا في ذَلِكَ عَنْ سَواءِ القَصْدِ؛ الَّذِي هو الِاصْطِفاءُ؛ إلى بُنُوَّةِ الوِلادَةِ؛ أضَلَّهُمُ اللَّهُ؛ وأعْمى أبْصارَهُمْ؛ وسَدَّ السَّبِيلَ عَنِ العِبادَةِ عَنْ ذَلِكَ؛ وكَشَفَ مَعْنى الِاصْطِفاءِ؛ وأظْهَرَ مَعْنى الوِلايَةِ؛ ونَسَخَ ذَلِكَ بِهَذا؛ لِأنَّ هَذا لا يُداخِلُهُ لَبْسٌ؛ وذَلِكَ كُلُّهُ لِبَيانِ كَمالِ هَذِهِ الأُمَّةِ؛ وعُلُوِّها في كُلِّ أمْرٍ.
ولَمّا كانَتْ نِسْبَةُ الوَلَدِ إلَيْهِ كَنِسْبَةِ الشَّرِيكِ؛ أوْ أشْنَعَ؛ وانْتَفى الأمْرانِ بِما تَقَدَّمَ مِنَ الدَّلِيلِ بِالحُكْمِ بِاعْتِرافِهِمْ بِأنَّ حُكْمَهُ - سُبْحانَهُ - نافِذٌ في كُلِّ شَيْءٍ؛ لِشَهادَةِ الوُجُودِ؛ ولِقِيامِ الأدِلَّةِ عَلى عَدَمِ الحاجَةِ إلى شَيْءٍ أصْلًا؛ فَضْلًا عَنِ الوَلَدِ؛ نَزَّهَ نَفْسَهُ بِما يَلِيقُ بِجَلالِهِ مِنَ التَّنْزِيهِ في هَذا المَقامِ؛ فَقالَ: ﴿سُبْحانَهُ﴾؛ أيْ: لَهُ التَّنْزِيهُ التّامُّ عَنْ كُلِّ نَقِيصَةٍ؛ ثُمَّ أقامَ الدَّلِيلَ عَلى هَذا التَّنْزِيهِ المُقْتَضِي لِتَفَرُّدِهِ؛ فَقالَ: ﴿هُوَ﴾؛ أيْ: الفاعِلُ لِهَذا الفِعالِ؛ والقائِلُ لِهَذِهِ الأقْوالِ؛ ظاهِرًا؛ وباطِنًا؛ ﴿اللَّهُ﴾؛ أيْ: الجامِعُ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ؛ ثُمَّ ذَكَرَ مِنَ الأوْصافِ ما هو كالعِلَّةِ لِذَلِكَ؛ فَقالَ: ﴿الواحِدُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا يَنْقَسِمُ أصْلًا؛ ولا يَكُونُ لَهُ مِثْلٌ؛ فَلا يَكُونُ لَهُ صاحِبَةٌ؛ ولا ولَدٌ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ؛ لَمّا كانَ لا مُجانِسًا؛ ولا جِنْسَ لَهُ؛ ولا شَبَهَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ؛ ﴿القَهّارُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ هَذِهِ الصِّفَةُ؛ فَكُلُّ شَيْءٍ تَحْتَ قَهْرِهِ؛ آلِهَتُهُمْ؛ وغَيْرُها؛ عَلى سَبِيلِ التَّكْرارِ؛ والِاسْتِمْرارِ؛ (p-٤٥٢)فَصَحَّ مِن غَيْرِ شَكٍّ أنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى شَيْءٍ أصْلًا؛ وجَعْلُ ما لا حاجَةَ إلَيْهِ؛ ولا داعِيَ يَبْعَثُ عَلَيْهِ؛ عَبَثٌ يُنَزَّهُ عَنْهُ العاقِلُ؛ فَكَيْفَ بِمَن لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؟!
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии